توهمات النحاة العرب بعد عصر الخليل وسيبويه ومحاولة تصويبها، للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: توهمات النحاة العرب بعد عصر الخليل وسيبويه ومحاولة تصويبها، للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,369

    افتراضي توهمات النحاة العرب بعد عصر الخليل وسيبويه ومحاولة تصويبها، للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح

    توهمات النحاة العرب بعد عصر الخليل وسيبويه ومحاولة تصويبها،

    للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح-رئيس مجمع اللغة العربية الجزائري

    بحث مقدم لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثانية والثمانين
    إن الأجيال المتتالية من النحاة العرب الذين توارثوا كتاب سيبويه وما روى عنه وعن شيخه الخليل بن أحمد من بديع الأقوال وأصيلها قد وصل إليهم أيضا ما توهم في إدراكه بعض من جاء بعدهما مثل أبي الحسن الأخفش والمازني والجرمي وتلميذهما أبو العباس المبرد. وتبنَّت ذلك الجماعة من الذين أخذوا من أبي العباس مثل الزجاجي وابن السراج والسيرافي وغيرهم. وهو شيء قليل بالنسبة لما أصابوا في فهمه. وفضلهم كبير جدا في إدراكهم لأكثر ما جاء عن الخليل وتلميذه سيبويه. ويكفي في ذلك عنايتهم واهتمامهم الكبير بالكتاب وإيصالهم إياه بأمانة كاملة إلى الأجيال التي تلتهم وفي بعض الأحيان بأحسن الشروح وأعمقها.وقد اخترنا من ذلك ثلاث مسائل تتعلق الأولى بما بالغ فيه المازني أو شيخه الأخفش فيما يخص التسوية بين المسند والمسند إليه من جهة والفعل والفاعل والمبتدأ والخبر من جهة أخرى. والثانية تتعلق بعدم فهم الأخفش لعبارة سيبويه: الاسم المبتدأ (1/409) وسيبويه يريد ههنا الاسم الذي يقوم مقام الفعل ويعمل عمله (في:”أقائم الأخوانِ”). أما المسألة الثالثة فهي عدم تدقيق الكثير من النحاة (بعد سيبويه) في تحديدهم لدلالة الفعل على الزمان مع التباس مفهومي “المنقطع” و”غير المنقطع” عليهم.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,369

    افتراضي

    إن التوهم الأول الذي لا يزال راسخا في الأذهان إلى الآن هو في وظيفة الإسناد أي في جعل المسند إليه هو المحدَّث عنه أو المخبر عنه في جميع الأحوال على الإطلاق وأن يكون هو دومًا اسما. وجعل المسند هو غالبا المحدَّث به (أو المخبر به بالإسناد). ومن أقدم من قال هذا القول المازني كما سيأتي (وقد يكون شيخه أبو الحسن الأخفش) ([1]).

    أما سيبويه فإنه قال:”المسند والمسند إليه وهما ما لا يستغني واحد منهما عن الآخر ولا يجد المتكلم منه بدّا. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه…ومثل ذلك: يذهب عبد الله. فلا بد للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بد من الآخر في الابتداء” (الكتاب،1/3).

    ينبغي أن نلاحظ أن سيبويه لم يبيّن عند كلامه عن الإسناد ما هو دور كل من المسند والمسند إليه ولم يفصّل الكلام عنهما أبدا. فلم يقل إن المسند إليه هو المحدّث عنه ولا أن المسند هو المخبر به أو الحديث كما سيقوله كل من جاء بعده. إلا أنه جاء في كتابه في مكان آخر غير مناسب من حيث الموضوع ومرة واحدة أن “الأسماء هي المحدّث عنها” كما سيأتي.

    فقد اكتفى سيبويه ههنا بالتأكيد على أن لا كلام إلا بإسناد عنصر إلى آخر ومثّل لهما باسم +اسم وفعل +اسم. وأكَّد أنه لا استغناء أحدهما عن الآخر. فأقل ما يكون عليه الكلام هذان العنصران مسندا أحدهما إلى الآخر وكذلك هما المبتدأ والخبر أو المبني عليه والفعل والفاعل. أما عدم الاستغناء لأحدهما عن الآخر فلم يقصره على العلاقة بين الاسم والفعل بل شمل أيضا الاسم مع الاسم.

    وقال المبرد بهذا الصدد: “فالفاعل والفعل بمنزلة الابتداء([2]) والخبر إذا قلت: قام زيد فهو بمنزلة: القائم زيد” (المقتضب، 1/8). وقال في مكان آخر من كتابه هذا: “وقال قوم: لما كانت الأسماء هي التي يُخبر عنها. إنما الأفعال آلة لها. جعلت لها على الأفعال فضيلة تُبيَّن بها حال تَمكُّنها. وكل الأقاويل جميل وهذا قول المازني” (نفس المرجع 257). فقد نسب المبرد هذا القول إلى صاحبه كما مرّ وأهم ما جاء فيه أن الأسماء هي التي يُخبر عنها وحدها دون الأفعال فلا تكون الأفعال إلا أداة للخبر. وقال مثل ذلك تلميذه أبو بكر بن السرّاج: “فالاسم يخصه أشياء يُعتبر بها منها أن يُقال: إن الاسم ما جاز أن يُخبر عنه نحو قولك: عمرو منطلق وقام بكر” (الأصول، 1/37). وقال الزجاجي: “المبتدأ يُبتدأ فيه بالاسم المحدّث عنه قبل الحديث وكذلك حكم كل مُخبر عنه. والفرق بينه وبين الفاعل أن الفاعل مبتدأ بالحديث قبله”([3]) (الإيضاح، 38).

    ومثل هذا قاله تلميذ آخر لابن السرّاج وهو أبو سعيد السيرافي: “فالفعل حديث عن الفاعل والخبر حديث عن المبتدأ” (شرح سيبويه، 1/39). وذكر في مكان آخر كلام أحد معاصريه من العلماء أضاف إلى ذلك تحفظا مُهمّا على ما قالوه وهو الفرق بين البنيتين في امتناع تقديم الفاعل إطلاقا: “واحتج لقولهم مع ذلك بأن الفاعل مضارع للمبتدأ لأنه مُخْبَر عنه بفعله الذي قبله…إلا في التقديم والتأخير” (2/266).

    وقد جاء هذا القول في الكتاب كما مرّ، في موضع غير ملائم يتطرق فيه إلى الفعل غير المتعدى ثم خرج فجأة إلى موضوع آخر وهو القول المذكور. “فالأسماء المحدَّث عنها والأمثلة دليلة على ما مضى وما لم يمض من المحدّث به عن الأسماء” (الكتاب، 1/14). ورجع بعد هذه الفقرة (وقد اختصرناها) إلى الموضوع الأول بدون أي وصل وأي تنبيه. وما جاء في الفقرة لم يتكرّر في أي مكان من الكتاب. ثم إنه لم تأت عبارة “المخبر به” إلا هنا. فشككنا، لكل هذا، أن يكون وقع إقحام هذا النص مع عدم إعادة ذكر الفكرة إطلاقا في جهات أخرى من الكتاب (مع تكرر ذكر ما قاله عن الإسناد هو نفسه).

    فالتسوية بين المسند والمسند إليه من جهة والفعل والفاعل والمبتدأ والخبر من جهة أخرى وهو قول صحيح([4]) أدّاهم إلى تعميم التسوية في كل شيء مما تتصف به الجملة الاسمية والجملة الفعلية. مع أنهما بِنْيتان مختلفتان. فالفعل لا يفارقه فاعله أبدًا ولا يتقدم عليه أبدا وليس كذلك المبتدأ والخبر. والأمر الثالث أن الفاعل يمكن أن يكون نكرة وليس المبتدأ كذلك غالبا. ثم كيف يكون الفاعل عندهم مخبرا عنه وهو نكرة؟ فهذه فروق كيبرة جدا فلا يمكن أن يكون تطابق بين البنيتين بل لا تطابق بينهما إلاّ في كون كل واحدة منها مُسند ومسند إليه. وهو في الحقيقة شرط تحوّل المجموع من الكلم إلى كلام أو جملة مفيدة. وهذا لا يترتّب عليه بالضرورة أن يكون الفعل حديثًا عن فاعله في جميع الأحوال كما يكون خبر المبتدأ حديثًا عنه دائما وبالتمام.

    ودليل قوي يدل على ما قلناه هو الامتناع المطلق من تقدّم الفاعل على فعله. ولماذا يا ترى؟ فالجواب هو لئلا تنقلب البنية إلى ما يخالفها وهي بنية الجملة الاسمية: لا يمكن أن تنقلب الجملة الفعلية إلى جملة اسمية مع بقاء نفس الغرض من كل واحدة من البنيتين. فالاسمية يكون المبتدأ فيها هو المقدّم لأنه هو المحدّث عنه المهتم به وضعًا واستعمالاً. ولا يكون المبني عليه إلا خبرًا. أما الفعلية (التي يتصدرها الفعل) فالحديث هو فيها في الواقع عن وقوع حدث في حين وقوعه إيجابًا أو نفيًا وما يترتب على ذلك من ضرورة ذكر فاعله (ليكون كلاما مفيدا). فالذي يهم المتكلم ههنا هو الإخبار عما حصل أو ما يحصل في وقت حصوله بمجيء الفعل في موضع الابتداء. فإن انقلبت البنية بتقديم الفاعل صار الفاعل مبتدأ. فيكون حينئذ لزومًا هو المحدّث عنه. فلا بد من تقديم الفعل إذا كان المراد الإخبار عن حصول الحدث وإلا صار الاسم المحدث عنه (المبتدأ الذي له خبر). فالفعل دليل على الحدث في حين حدوثه (وهو كلام سيبويه))[5](. فهذا لا يدل عليه الاسم كخبر المبتدأ إلاّ ما كان مشتقا من الاسم الدال على الحدث (المصدر). ولا يكون ذكر الفعل إخبارًا إلا مع ذكر فاعله ونعني بذلك أن وجود الفاعل يقتضيه نظام اللغة والنحو خاصة فكما أن لفظ الفعل لا يأتي في موضع المبتدأ (لا يقال “خرج يزيد” إلا إذا كان يزيد اسما) فكذلك لا يأتي الفعل وحده لإفادة وقوع حدث بل لا بد أن يأتي في تركيب مماثل في الصيغة (وحدها) للمسند والمسند إليه أي بربط بين الفعل واسم يكون له علاقة به أساسية. فلا يكون الفاعل هو المحدّث عنه كما لو كان مبتدأ لأن ما يفيده الفعل والفاعل لا يطابق ما يأتي به المبتدأ والخبر لفظا ومعنىً.

    فالجملة الاسمية ليست مبدؤة باسم إلا لأنها خبر وحديث قبل كل شيء عن شخص أو ذات وهو مدلول الاسم وحده. ويقابله الحدث الذي هو مدلول الفعل. فالحدث يُخبر عنه بما يفيد وقوعه في زمان حصوله ولا يكون هذا إلا بالفعل أو ما في معناه. بخلاف الذات التي يُخبر عنها بذكر ما يدل على شيء من صفاتها أو أحوالها أو حتى أعمالها أو أعمال ما له علاقة به (في مثل الجملة التي في موضع الخبر) وهذا القول يبدو مناقضا، مع ذلك، لما أجمع عليه النحاة من امتناع الإخبار عن الفعل واختصاص الاسم بذلك واحتياج الفعل المطلق إليه. فقد قال الرضى: “مدلول الفعل إذا كان تحت لفظ الفعل لا يُخبر عنه” (شرح الكافية، 1/29). وصّرح بذلك سيبويه نفسه ومثّل له بـ*إن يضرب ياتينا” (1/3). والإجابة عن ذلك تكمن في قول الرضى السابق: “مدلول الفعل إذا كان تحت لفظ الفعل”. ويعني بذلك لفظ الفعل في البنية النحوية فلا يعني الحدث في الواقع بل في صورة الفعل قسيم المفهوم النحوي الذي هو الاسم. ولهذا أيضا لا يشترط أن يكون الفاعل معرفة. فهذا دليل آخر على أنه ليس الفاعل هو المحدّث عنه بدون قيد مثل المبتدأ. وذلك لأن الفعل يدل على حدوث حادث له بداية ونهاية ويحتاج لذلك إلى لفظ خاص مغاير تماما للاسم المحض والحرف.

    وذكر سيبويه الفرق بينهما من جانب آخر: بكون المبتدأ والخبر لشيء واحد (أو يكون الخبر ظرفًا أو جارا ومجرورا) بخلاف الفاعل والمفعول به، وقد يكون الفاعل نكرة ويخبر عنه لأنه ليس هو المقصود بعينه بالخبر في الجملة الفعلية. والواقع أن له علاقة بالحدث إذ هو صاحب الحدث الفاعل أو المنفعل فذكره هو تخصيص لازم للحدث فلا يجب أن يكون معرفة.

    وآخر دليل سنذكره فيما يخص هذا التوهم هو في وجود علاقة قوية بين الجار والمجرور أو الظرف وبين الفعل. وهذا قد ذكره كل النحاة القدماء. وقويت هذه العلاقة حتى ذهب الأخفش إلى أن العامل في الرجل في مثل “في الدار رجل” هو الجار والمجرور وهذا قد نفاه سيبويه في أول الكتاب بقول صريح. ومع ذلك فإنه يعترف أن للجار والمجرور أو الظرف معنى الفعل وقدّر فعل “استقر” بالنسبة إلى المثال السابق ويؤيد هذا ما لاحظوه من أن الاسم النكرة يجوز أن يكون مبتدأ إذا كان خبره جارا ومجرورًا وعندئذ يُقدّم عليه في مثل “في الدار رجل”. فكما لا يقال”: *رجل قام” لا يقال”: *رجل في الدار”([6]). وللجار والمجرور معنى الفعل كـ “استقر” أو “يكون” أو “يوجد” وغير ذلك. وليس هناك سبب آخر لضرورة تقديم الجار والمجرور على “رجل” إلا الالتباس بأن يكون قام أو في الدار صفة لرجل.

    وقد انفرد أحد النحاة من تلاميذ ابن السراج المتميّزين وهو أبو الحسن الرماني (المتوفى في 384) بالملاحظة الدقيقة حول الدور الذي يقوم به الفعل في الكلام. قال: إنما دلالته (الفعل) دلالة الإفادة كدلالة الجملة” وقال: “فليس دلالته دلالة الإشارة أصلا أي دلالة وضعية (شرح الكتاب، 1/175)([7]) ويُسمي الرماني هذه الدلالة دلالة التصريح أيضا في مقابل دلالة التضمين التي هي نوع من الدلالة العقلية.

    فبما أن الفعل لا يدل إلا دلالة إفادة فذكره (لزومًا مع فاعله) وهو إخبار على الدوام. فالمحدّث عنه الحقيقي عند ذكر الفعل مع فاعله هو “الحدث في حين وقوعه” كما قلنا وكما حرّره سيبويه هو وشيخه، وليس الحدث كشيء بعينه أيضا فهذا يدل عليه الاسم كمصدر (فيجرّد عن دلالته على الزمان).

    ونؤكد أن سيبويه لم يتردد في جعل الفعل كحدث هو المحدّث عنه ولا يريد بالفعل ههنا الفعل كمصطلح نحوي أي اللفظ الدال. فالإخبار كيف ما كان يخص الحدث الحقيقي والمسمّى الحقيقي لا الأفعال ولا الأسماء. ولهذا لا يوجد أي تناقض بين كلامه وما قال النحويون عن الفعل بأن الفعل “لا يخبر عنه” (قول النحاة بإجماع) وهو صحيح من حيث أن الذي يخبر عنه عند المتوهمين من النحاة هو الاسم (المبتدأ عندهم) فلا يمكن بحال أن يأتي الفعل ككلمة في التعبير اللغوي في موضع المبتدأ. لأن الموضع لا تدخل فيه إلا الأدلة اللغوية لا المدلولات التي تدل عليها كالحدث.

    وقال سيبويه بالنص الصريح: “فإذا حدّثت عن فعل (=حدث) في حين وقوعه غير منقطع” (1/82) و”فإنما تُحدِّث عن اتّصال فعل في حين وقوعه” (نفسه). فسيبويه يقول بوضوح تام أن المحدّث عنه قد يكون الفعل وهو يعني الحدث في حين وقوعه (أي الحدث الواقع لا لفظ الفعل كمصطلح نحوي).

    وقال مثل هذا نحاة آخرون مثل عبد القاهر الجرجاني: كان “ضَرَبَ” و”قَتَل” خبرًا عن حدث وشيءٍ خارج من العدم إلى الوجود” (المقتصد، 260) وقال الرضى: “ضَرَبَ مُفيد في نفسه الإخبار عن وقوع ضَرْب وفي فاعله الضاربيةِ” (شرح الكافية، 1/38). وأكَّد ذلك ابن الأنباري (أبو البركات): و”ما نسمّيه فعلا من فعل يفعل إنما هو إخبار بوقوع ذلك الفعل في زمان معين” (الإنصاف، 44)([8]).

    فما يقع من الوقائع يُخبر عنها بالأفعال وللأفعال في التعبير اللغوي صيغ ومواضع خاصة في الجملة. فالاسم مدلوله هو الشخص أي الذات أو الشيء بعينه سواء كان مادّيا أو مجردا. أما الفعل فلا يدل في الأصل إلا على ما يحدث ويتجدّد وينقضي وهو الحدث وكحدث واقع لا كشيء بعينه فلا يمكن أن يُخبر عنه إلا بلفظ خاص يتضّمن الدلالة على زمان الوقوع ونسبة الحدث إلى متعلقه وهو الفاعل([9]). فالمخبر عنه، في الحقيقة، ليس هو الفاعل كما يكون المبتدأ هو المخبر عنه هو وحده.

    هذا وقد يسأل السائل عن ماهية العلاقة الأساسية التي ينعقد بها الفعل مع فاعله. فإن كانت علاقة التلازم بين الفعل ومن قام به أي الفاعل في الحقيقة فالحق أن الكثير من الأفعال هي أفعال تتطلب فاعلا حقيقيًا لأنها تدلّ على فعل علاجي له تأثير في الغير مثل ضرب وكتب وصنع إلا أن الكثير منها ليست كذلك مثل مرض وسقط ومات. وأكثره يأتي على وزن فعِل وفَعُل وافتعل وانفعل وغيرها. قال ابن السراج عن هذا: كان فاعلا في الحقيقة أو لم يكن لأن الفعل ينقسم قسمين: منه حقيقي ومنه غير حقيقي” (الأصول، 1/73). وذكر أنواعًا من الأفعال غير حقيقية الفاعل.

    أما الفعل الحقيقي ذو الفاعل فلا إشكال فيه إذ الفاعل بفاعليته أقرب عنصر إلى الحدث وأحق الأفعال ههنا بالإسناد إلى المسند إليه الذي هو الفعل. ومع ذلك فقد جعل النحاة كل الأفعال غير الحقيقية من جنس الحقيقية في انعقاده بالإسناد مع اسم سمَّوه فاعلا. وهو ما لاحظوه في كلام العرب: يُنزّل فيه كل اسم يأتي مع الفعل ولا يفارقه منزلة الفاعل الحقيقي. فهذا إسناد نحوي يخصّ نظام اللغة اللفظي (البنية وعناصرها) لا الأحداث ولا المسميات.

    إلا أن هناك اتصالاً عميقًا بين الاسم والفعل من حيث الإخبار على الرغم من الفوارق الكبيرة التي ذكرناها. وذلك راجع إلى أن الأسماء والأفعال العربية المتصرفة تُشْتَقّ بعضها من بعض وتتصرّف لكونها من جذر واحد وصيغة يصاغ عليها الجذر. فينتج من ذلك تداخل عميق بين الألفاظ ومعانيها. فمفهوم الحدث وهو مدلول الفعل في الأصل قد تدل عليه أسماء وهي المصدر والصفات المشتقة كلها منه (التي لها جِذْر واحد) بفضل التصرف إلى صيغ مختلفة ويخرج مدلول الزمان حينئذ من الفعل وقد صار مصدرًا وكذلك الصفات إلا في حالات معينة فيما يخصّ اسمي الفاعل والمفعول. وهناك أيضا دَرَجات بين الأفعال من حيث قربها أو بعدها عن الاسمية أو مفهوم الذات. فالحقيقية منها تحمل شيئا من مفهوم الاسم مثل الأفعال التي على وزن فعِل وفَعُل وأفعال المطاوعة والانفعال. فكل هذه الأفعال تندمج فيها ما يخصّ الذات مع الحدث.

    وكذلك هو الأمر فيما يخص الفاعل والمبتدأ من حيث كونهما مسندًا إليه. فكل الأفعال يكون المحدث عنه فيها، بلا نزاع، الحدث أساسًا حتى ولو كان انفعالا وما يُشبهه لأن الإخبار يتم بالفعل ههنا والفاعل محدّث عنه بالدرجة الثانية (بالفاعلية فقط) إذ الأهم عند المتكلم هو الحدث باختياره للفعل وذكره لفاعله هو تخصيص وإحالة الحدث إليه. أما الصفات والمصدر فعلى الرغم من عملها عمل الفعل فكونها أسماء وإمكانية بناء جمل اسمية منها كزيد ضاربٌ عمرًا فيجعل المحدّث عنه معها مقصورًا على المبتدأ فهو وَحْده المحدث عنه وبدون أي دلالة أخرى أو إفادة أخرى إلا ما يوجد في ضارب من معنى الفعل وما يترتب على ذلك من عمل([10]) وغير ذلك.

    ونستخلص من هذا أن هناك إخبارًا عن ذات أي عن شيء بعينه ويكون معرفة في التعبير اللغوي لزوما، كالثوب والرجل والعلم والكرم. فيخصه هو وحده ويتحقق بذكر شيء من صفاته أو أحواله أو أفعاله. فهو المخبر عنه وحده. وهناك إخبار عن وقوع حدث ويتحقق بذكر لفظ خاص يُسمّى في النحو فعلا المفيد لهذا الوقوع في حينه. فهذا يقتضي كإخبار كامل أن يُنسب الحدث إلى صاحبه وهو ذات ويسمونه الفاعل. وليس إخبارًا مطابقا إطلاقا للإخبار عن المبتدأ. ويقتضي الوقوع بداية ونهاية لأنه يحصل في زمان معين فسيدل عليه اللفظ الخاص بالفعل. وهذا الوقوع لا يدل عليه خبر المبتدأ إلا إذا كان اسما فيصير الفعل مصدرًا أو صفة مشتقة منه. أما قولهم بأن الفعل لا يخبر عنه فالذي لا يخبر عنه هو لفظ الفعل بمعناه الاصطلاحي إذ له موضع خاص في بنية الكلام وفي نظام اللغة وهو موضع الابتداء في الأصل ولا يأتي أبدًا في موضع المبتدأ الذي هو دائما محدث عنه. ولا شك أن سبب الالتباس هو ما تصوره من التناظر في الإسناد في ظاهر الجملتين كما قلنا وتغليبهم الاسم الدال (على الشيء بعينه) على الفعل بقصر معنى المخبر عنه على الاسم بإهمال أو تجاهل الإخبار عن الأحداث بلفظ الفعل.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,369

    افتراضي

    وأثرنا قضية التداخل العميق بين الحدث والذات أي بين الحَدثية والذاتية بسبب اشتراك الوحدات في الجذر الواحد ووجود تصرف واسع لها بالانتقال من صيغة إلى أخرى أي من معنى الفعل إلى معنى الاسم والعكس مع بقاء شيء من أحدهما في الآخر. ففي مثل: “زيد ضارب عمرًا” الجملة اسمية فالمحدث عنه هو لزوما المبتدأ إلا أن ضاربا يعمل فيها عمل فعله فالحدث والذات مندمجان بنسبة مّا ههنا لفظًا ومعنى.

    ويتحقق ذلك في الاستعمال على درجات أما الأفعال فتكون حقيقية وغير حقيقية. فنُزِّلت هذه الأخيرة منزلة الأولى فيما لاحظه النحاة في كلام العرب.

    المسألة 2: هذا وقد اشتهر عند النحاة منذ القديم أن الصفة العاملة في “أقائم الأخوانِ” هي مبتدأ وأن خبره وهو غير موجود قد سدّ مسدَّه فاعلُه وهو “الأخوانِ”. وأول من قال بهذا هو أبو الحسن الأخفش تلميذ سيبويه. روى ابن السرّاج عنه أنه قال: “أقول أذاهب أخواك” فأرفع “أذاهب” بالابتداء و”أخواك” بفعلهما (=باسم الفاعل وهو العامل عمل فعله) وأستغنى بهما عن خبر الابتداء” وذهب إلى ما أبعد من هذا حيث قال: “أقول: إن في الدار جالسًا أخواك” فأنصب جالسا بـ إنّ وأرفع الأخوين بفعلهما وأستغني بهما عن خبر إن” (الأصول، 1/286-287). فاتّبعه في ذلك ابن السراج وكل من جاء بعده. قال: “حَسُن عندهم: أقائم أبواك فقائم يرتفع بالابتداء وأبواك رفع بفعلهما وهما قد سدّ مسدّ الخبر” (1/32-33). فيبدو أنه أول من استبدل عبارة الأخفش (أستغنى) بعبارة “قد سد مسدّ الخبر” وما زالت جارية في الاستعمال لتفسير هذا النحو من الكلام.

    أما النحاة الذين تلوا ابن السراج فكلهم تبنوا هذا التفسير مثل أبي على الفارسي وزملائه وأتباعهم وغيرهم إلى يومنا هذا.

    والنحوي الوحيد الذي تفطن إلى توهم الأخفش في هذا التأويل –فيما علمناه- هو الرضى الاسترابادي قال: “هذا ليس بشيء بل لم يكن لهذا المبتدأ أصل من خبر حتى يحذف ويسدّ غيره مسدّه ولو تكلفت تقدير خبر لم يتأتّ إذ هو في المعنى كالفعل والفعل لا خبر له” (شرح الكافية، 1/86). وأتى الرضى بعد ذلك بأدلة مقنعة. قال: فمن ثم يتمّ بفاعله كلاما [فلا يمكن أن يتم كلاما بالفاعل وبتقدير خبر في نفس الوقت ولا يحتاج الكلام التام إلى أن يسدّ شيء مسدّ شيء في مجموعة قد اكتملت]. ولهذا لا يُصغّر ولا يوصف ولا يُعرّف ولا يُثنّى ولا يُجمع إلا على لغة “أكلوني البراغيث” (نفس المرجع). وقال أيضا: “ويجوز عند الأخفش والفراء: “إن قائما الزيدان” وسوغ الكوفيون هذا الاستعمال في “ظن” أيضا نحو: “ظننت قائما الزيدان”. وكلاهما بعيد عن القياس لأن الصفة لا تصير مع فاعلها جملة كالفعل إلا مع دخول معنى يناسب الفعل عليها كمعنى النفي والاستفهام أو دخول مَا لا بد من تقديرها فعلا بعده كاللام الموصولة. أما إنّ وظن فليسا من ذلك في ذلك من شيء بل هما يطلبان الاسمية فلا يصح تقديرها فعلا بعدهما” (نفس المرجع 87) فالذي يجب أن يدخل على الصفة حتى تعمل عمل فعلها هما همزة الاستفهام أو ما النافية وأمثالهما فبهما يجوز “أقائم الأخوان” أو “ما قائم الأخوان” فيما يسميه سيبويه “الفعل المبتدأ” أي الفعل غير المحمول على ما قبله كما في الأمثلة السابقة. وأما مع الصفة المحمولة على ما قبلها فيجوز عملها بدون قيد([11]).

    أما الذي أوهم الأخفش فعبارة سيبويه “في موضع اسم مبتدأ” (1/409). وهو بصدد الكلام عن سبب رفع الفعل المضارع ثم ما مثّل به لما يقع في موضع “اسم مبتدأ”. قال: فأما في موضع المبتدأ فقولك: “يقول زيد ذاك”. فالذي فهمه الأخفش هو أن هذا المبتدأ هو الذي له خبر وقد حمله على ذلك فيما نرجّحه ما جاء بعد هذا الكلام أي بعد “في موضع اسم مبتدأ” وهو: “أو موضع اسم بُني على مبتدأ” (نفس المرجع). فقد جاء بعد العبارة الأولى الخاصة بالاسم المبتدأ عبارة ثانية تدل بدون أي شك على الخبر لأنه هو الذي يُبنى على المبتدأ. فاستنتج الأخفش وغيره أن الاسم المبتدأ ههنا هو الذي يُبنى عليه الخبر ولم يكن هذا هو المقصود عند سيبويه.

    والدليل على ذلك هو في المثال الذي مثّل به هذا “الاسم المبتدأ” وهو، كما رأينا، “يقول زيد ذاك”. فقد جاء بمثال آخر في قوله:”ومن ذلك أيضا: “هلا يقول زيدٌ ذاك” و”هلا” لا تعمل في اسم ولا فعل. فكأنك قلت “يقول زيدٌ ذاك”. “فيقول” في موضع ابتداء” (1/409).

    فالمقصود الحقيقي من “موضع الاسم المبتدأ” هو “موضع الابتداء” وقد يسمى النحاة المبتدأ الذي له خبر (مع خبره أو وحده) بالابتداء. إلا أن السياق يقتضي أن يكون موضع الابتداء ههنا غير موضع المبتدأ الذي له خبر لأن المثال يبين أن الفعل “يقول” مستأنف وليس محمولا على شيء قبله. فلا يؤثر فيه شيء فهو في موضع غير المبتدأ الذي له خبر لأن موضع الابتداء هو موضع العامل وحده والمبتدأ هو المعمول الأول له.

    فمفهوم الموضع كما تصوره النحاة الأولون هو المقياس الصحيح والذي يتبين من ذلك أن سيبويه (وأصحابه) يسمى كل وحدة تأتي وجوبًا أو جوازًا غير محمولة على ما سبقها (غير مبنية على غيرها أو غير صفة لموصوف وغير ذلك) فيُسمّيها كلها “مبتدأة. فقد سمى “الفعل المبتدأ” الذي جاء في المثال السابق. وسمى الاسم الذي يقوم مقامه الفعل المضارع المرفوع (والعكس أيضا) “الاسم المبتدأ” بل وقد يختصره فيقول عنه أنه المبتدأ كما سبق. إلا أن الموضع هو موضع العامل بنفسه فلا تدخل فيه من الأسماء إلا العاملة ولا يكون الاسم عاملا إلا إذا اشتق مما اشتق منه الفعل وهو مجموع الصفات العاملة عمل فعلها والمصدر. فالموضع الذي تدخل فيه وهي مبتدأة بهذا المعنى هو موضع لكل العموامل: التجرد من العامل الملفوظ الذي هو الابتداء والفعل والأسماء والحروف العاملة مثل إن وأخواتها وكل النواسخ إلخ.

    وها هو ذا الرسم الذي يبين ما يوجبه القياس من قسمة المواضع


    موضع الابتداء المبتدأ / الفاعل (أو ما يقوم مقامهما) الخبر / المفعول به


    أقائل

    يقول

    Ø

    كان

    أمجروحٌ


    زيدٌ

    زيدٌ

    القائل

    القائل

    أخواك


    ذاك

    ذاك

    زيدٌ

    زيدًا

    ــ

    فاسم الفاعل (قائل) وكذلك اسم المفعول (مجروح) يقع كل واحد في موضع العامل (موضع الفعل والابتداء وسائر العوامل الأخرى) ولا يمكن أن يكون مرفوعا بالابتداء لأنه هو بنفسه عامل فلا يدخل إلا على معمول وهو فاعله (المصدر والصفات المشتقة منه كاسم الفاعل تعمل عمل الفعل لأنها منه وهو منها لفظا ومعنى). أما كونه مرفوعًا ومُنونًا فكاسم لا عامل له لأنه هو بنفسه عامل بوقوعه موضع العامل ولهذا وصفه سيبويه بأنه اسم مبتدأ. فجاء مرفوعا على الأصل.

    المسألة 3: أجمع النحاة على أن الفعل يدل على الزمن بلفظه إلاّ أن أكثر النحاة الذين جاءوا بعد سيبويه لم يتوسّعوا في دراسة هذه الدلالة والدلائل الأخرى الخاصة بالفعل. وقد توهّم بعضهم أن ما وصفه سيبويه “بالمنقطع” من الفعل هو وصف يخصّ الزمان الماضي في جميع الأحوال وكذلك هو الأول بالنسبة إلى دلالة المضارع على الحال والمستقبل.

    سنبدأ بعرض ما قاله سيبويه. قال: في أول الكتاب: “أما الفعل فأمثلة أُخذت من لفظ أحداث الأسماء وبُنيت لما مضى ولما يكون ولم يقع وما هو كائن لم ينقطع”. أما بناء ما لم يقع… ومخبرّا: يقتل ويذهب…وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن (1/2). وقال عن عمل اسم الفاعل: “وذلك قولك: هذا ضاربٌ زيدًا غدا فمعناه وعمله مثل: هذا يضرب غدا فإذا حدّثت عن فعل في حين وقوعه غير منقطع كان كذلك. وتقول هذا ضاربٌ عبدَ الله الساعة فمعناه وعمله مثل: هذا يضرب زيدًا الساعة وكان زيد ضاربًا أباك فإنما تحدّث أيضا عن اتصال فعل في حين وقوعه فمعناه وعمله: كان يضرب أباك…” (1/82). وقال: “فإذا أخبرت أن الفعل قد وقع وانقطع” (1/87).

    وقال أيضا: “الفعل يتعدّى إلى اسم الحدثان (المصدر) الذي أخذ منه الاسم إنما يُذكر ليدل على الحدث…وإذا قلت ضرب عبد الله لم يستبنْ أن المفعول زيد أو عمرو ولا يدل على صنف [على مفعول معين] كما أن ذهب دلّ على صنف وهو الذهاب…ويتعدى إلى الزمان فإذا قال ذهب فهو دليل على أن الحدث فيما مضى من الزمان وإذا قال: سيذهب فإنه دليل على أنه يكون فيها ليستقبل من الزمان” (ص15).

    وقال السيرافي شارح هذا الكلام: “لقبّوا بالفعل كل ما دل لفظه على حدث مقترن بزمان” (شرح الكتاب 1/54). وقال أيضا: “اعلم أن سيبويه…يقسم الفعل على ثلاثة أزمنة: ماضٍ ومستقبل وكائن في وقت النطق وهو الزمان الذي يقال عليه الآن بين ما مضى ويمضي…والحال والمستقبل…يختص نِ بناءً واحدًا إلا أن يدخل عليه حرف يخلص له الاستقبال وهو سوف والسين وأنْ الحقيقية” (1/57-58).

    وستشيع عبارة السيرافي عن حدّ الفعل: “ما دلّ على حدث مقترن بزمان” وهي مأخوذة من ترجمة كلام أرسطو عن حدّ الفعل (Vox significant com tempore)([12]) إلا أن السيرافي حوّل العبارة فاستبدل العطف بكلمة “المقترن [بزمان]”.

    أما الرماني الشارح الثاني للكتاب فقد قال عن الفعل بأنه “كلمة تدلّ على حدث مختص بزمان.

    قال ابن السرّاج: “الفعل ما دلّ على معنى وزمان وذلك الزمان إما ماضٍ وإما حاضر وإما مستقبل” (الأصول، 1/39) ويُسمى هذا المعنى حدثا كما فعل سيبويه في قوله: “وإنما لقب النحويون هذه الأحداث مصادر لأن الأفعال كأنها صدرت عنها” (ص 40). وقال أيضا…والأفعال… المضارعة…تصلح لما أنت فيه من الزمان ولما يُستقبل ولا دليل في لفظه على أي الزمانين تريد…حتى تبينه بشيء آخر. إذا قلت سيفعل أو سوف يفعل دل على أنك تريد المستقبل (39).

    وقد سمّى ابن جني دلالة الحروف الأصول باللفظية في مقابل الدلالة الصناعية (أنظر الخصائص، 3/98). قال: “فأقوهنّ الدلالة اللفظية ثم تليها الدلالة الصناعية([13]) ثم تليها المعنوية (أي العقلية)…ألا ترى إلى “قام” ودلالة مصدره ودلالة بنائه على زمانه ودلالة معناه على فاعله” (نفسه).

    فسيبويه هو أول من أثبت أن دلالة بناء الفعل تخص الزمان. أما صنف الحدث كما قال فهو مدلول مجموع حروفه الأصلية المرتبة أي الجذر.

    وللسيرافي ملاحظات عميقة حول أزمنة الفعل. يقول بعد هذا كإجابة لمتسائل: “الماضي هو الذي أتى عليه زمانانِ أحدهما: الزمان الذي وُجد فيه (لفعل أي الحدث) وزمان ثان يُخبر أنه قد وُجد وحدث وكان ونحو ذلك. فالزمان الذي يُقال: وُجد الفعل فيه وحدث غير زمان وجوده. فكل فعل صحّ الإخبار عن حدوثه في زمان بعد زمان حدوثه فهو فعل ماضٍ. والفعل المستقبل هو الذي يُحدَّث عن وجوده في زمان لم يكن فيه ولاقبله.

    …وبقي قسم ثالث وهو الفعل الذي يكون زمان الإخبار عن وجوده هو زمان وجوده وهو الذي قال سيبويه عنه: “وما هو كائن لم ينقطع” (شرح، 1/58).

    إن النحاة العرب قد أجمعوا على القول بأن دلالة الزمان حاصلة في الفعل بالصيغة ودلالة صنف الحدث بالجذر. وإذا استثنينا سيبويه وأصحابه والسيرافي شارح كتابه فإن أغلب النحاة المتبقين لم يذهبوا إلى أبعد من هذا القول. وسنرى فيما يلي أن الدلالة الفعلية على الزمان ليست على هذه البساطة بل هي أكثر تعقيدا من ذلك. ومما عرضناه فيما سلف سنرى أن أهم شيء التفت إليه سيبويه –أحيانا بشيء من الغموض في التعبير- والسيرافي في شرحه- هو أن الزمان المقصود فيما أثبتوه أو افترضوه ليس بمطلق بل هو هذا الزمان اللغوي الذي تدل عليه الأفعال (والظروف كذلك لكن بوجهة نظر مخالفة للفعل). فهذا الزمان له وجود نسبي لأنه محدود بإحالته على زمان التلفظ من قِبَل المتكلم. فالأزمنة الثلاثة الخاصة التي بُنيت الأفعال للدلالة على كل واحد منها هي غير الأزمنة الحقيقية غير اللغوية. وكل اللغات في علمنا تحتوي لزوما على هذا النوع من الزمان لأن مرجعه الحقيقي هو “وقت النطق” أي زمان المتكلم في حين التكلّم فالحاضر هو حاضره في أثناء كلامه. والماضي هو كل الوقت الذي سبق ذلك. ولذلك كانت كلمة مثل أَمْسِ تدلّ على اليوم السابق لليوم الذي يتلفظ المتكلم بكلام والغد هو اليوم التالي لهذا التلفظ المتكرر أو غير المتكرر منه.

    فعندما يقول السيرافي بأن الماضي المقصود في الكلام هو ما أتى عليه زمانان: زمان حدوثه وزمان آخر بعده هو زمان الإخبار بحدوثه. والمستقبل هو الذي يحّدث عن حدوثه في زمان لم يحدث الفعل بعد فالذي يبين من هذا أن الزمان اللغوي عند النحوي يتعين بالإحالة إلى زمان آخر موضوعي وهو زمان التحدث والإخبار. وهو صحيح.

    هذا ولو تأملنا كلام سيبويه فإننا نلاحظ أنه يستعمل مصطلحين وهما المنقطع وغير المنقطع. ويصف بالأول، على ما يبدو، مدلول الفعل الماضي ويصف بالثاني مدلول الفعل المضارع. وربما فهم الكثير من النحاة أن الأول هو الحدث فيما مضى لأنه انقطع. والثاني الحدث في الحال لأنه لم ينقطع (في زمان تلفظ المتكلم عنه).

    فصحيح أن يكون هذا هو الواقع في بعض الأحيان (لا دائما). فمتى يحصل هذا يا تُرى وما يكون على خلاف ذلك؟ ففي مثل: “رجع زيد من سفره” و”يكتب زيد رسالة”. فالرجوع بصيغة الماضي تدل على انقضاء هذا الحدث وكتابة زيد لا تدل هذه الجملة إلا على عدم الانقطاع مع بقاء الإبهام بالنسبة لمعرفة الزمان. وهذا حاصل لأن الجملتين ليس فيهما أي دليل زائد على ما هو موجود فيهما يدل على معنى زائد غير هذا. فالجملتان جاءتا على الأصل أي بدون زيادة فلا يكون لهما إلا ما تدل أدلتها في الأصل: الماضي والحال.

    أما في حالة زيادة أو دخول عنصر من الخارج أو مما يختص به الفعل مثل: “إذا رجع زيد…أو إنْ رجع زيد…أو سيكتب رسالة أو ” لن يكتب رسالة”. فقد تغير ههنا المعنى بتغير الزمان ففي الأول دخلت إذا وإنْ. فصار الزمان المستقبل مع معنى الشرط. وفي الثاني تعيّن المستقبل بمجرد زيادة السين ولن مع النفي. والزوائد كثيرة ومتنوعة وكلها تدل على شيء خاص يغير الزمان أو يكيفه. وهذا قد يخص ما يدخل على الفعل هو وحده من الزوائد. وهناك دلائل أخرى تخصص الدلالة أو ترفع إبهامها وهي القرائن اللفظية كالظروف مثل: يرجع اليوم أو غدا من السفر.

    نستنتج من هذا أن الصيغة لا تدل هي وحدها على الزمان بل تدل على الزمان المحصّل مع دخول الحروف وسائر الأدوات المخصصة لذلك وكذلك القرائن اللفظية بما في ذلك عدم الدخول (وهو الأصل حيث تنحصر الدلالة الزمانية في الصيغة).

    أما مفهوما الانقطاع والاتصال)[14]( فهما مدلولا الصيغة هي وحدها ولا يدل عليهما غير الصيغة. ففي الأصل (في حالة عدم الزيادة وعدم القرائن) تدل الصيغة على الأزمنة الثلاثة (بشيء من الإبهام وإبهام تام مع المضارع) وحينئذ يتفق الانقطاع مع مدلول الماضي وعدمه مع مدلول المضارع.

    أما مع دخول الزوائد ومع القرائن فيفارق المفهومان مفهوم الزمان. ويحصل حينئذ ما لم يتفطن إليه الكثير من النحاة. وهو الدلالة على انقطاع الحدث في الحال أو المستقبل والدلالة على اتصاله واستمراره في الماضي. وهذا دليل على افتراق تام في الدلالة –بدخول الحروف الزوائد- بين مدلولي الانقطاع والاتصال وبين الزمان. فالأولان لا يدل عليهما إلا بناء الفعل لا غير. والآخر أي الزمان فيدل على خصوصيته وتحصّلُه الأدوات وحدها. وذلك مثّل له سيبويه:

    هذا ضاربٌ عبدَ الله الساعة = هذا يضرب عبد الله الساعة (غير منقطع الآن)

    وكان زيد ضاربا أباك = كان زيد يضرب أباك (غير منقطع فيما مضى)

    فدخول كان جعل عدم الانقطاع يحصل في الزمان الماضي.

    وهذا دليل على انفراد الصيغة بالدلالة على الانقطاع والاتصال (يقول سيبويه: فإنما تحدث أيضا عن اتصال فعل في حين وقوعه” (1/82) يعني أن الاتصال للحدث مستقلٌ عن الزمان (=في حين وقوعه أي في زمان من الأزمنة وهو ههنا الزمان الماضي).

    ويمكن أن نقول باستعمال مضارع كان:

    أكون قد وصلت إلى المدينة عند خروجك منها

    فدخول مضارع كان، قد جعل الانقطاع للوصول إلى المدينة في المستقبل. فالزيادة هي وحدها سبب تحديد الزمان. وانقطاع الحدث لا دخل له في تغيير الزمان بل قد يحصل انقطاع الحدث في زمان آخر غير الماضي وهو هنا المستقبل. (بخلاف الأصل الذي يكون بعدم دخول الأدوات).

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,369

    افتراضي

    [1] وقال الزجاجي بأن الأخفش كان يحدد الاسم بأنه ما جاز الإخبار عنه (الإيضاح، 49).

    ([2] ) هذا منطلق التوهم.

    ([3] ) ولم ينتبه إلى أهمية هذا الابتداء.

    ([4]) وقوله أيضا بأن الفعل لا يستغني عن الاسم (وكذلك قوله بأن الاسم كمبتدأ لا يستغني عن الاسم كخبر).

    ([5] ) وهذا الوصف الأخير لسيبويه (في حين وقوعه) ضروري في تحديد مدلول الفعل وإلا خرج عن فعليته ولم يكن هناك كلام.

    ([6] ) هكذا منفردا.

    ([7]) ومع ذلك فمدلول الفعل المعجمي (وهو “صنف الحدث” كما قال سيبويه) موضوع مثل مدلول الاسم إلا أنه يصير في الاستعمال إفاديا لأنه لا يدل أساسا على حدث.

    ([8] ) وأما عبارة النحاة عن الفعل ما يدل على حدث أو معنى مقترن بزمن وهي مطابقة لتحديد أرسطو فليست دقيقة لأن الزمن ظرف للوقوع مثل المكان وليس ههنا مجرد اقتران.

    ([9] ) الفعل يدل عقلا على أن له فاعلاً بدون تعيين وهذا معنى لازم للفعل.

    ([10]) إلا الأفعال التي تقوم مقام الحروف مثل الناسخة وغيرها مما لا يحتاج إلى فاعل.

    ([11] ) وقد أكّد على ذلك الخليل. قال سيبويه أنه يستقبح أن يقول: قائم زيد وذلك إذا لم تجعل قائما مقدما…فإذا لم يريدوا هذا المعنى وأرادوا أن يعدوه فعلا كقوله يقوم زيد…قبح لأنه اسم. وإنما حسن عندهم أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف [نعت] أو جرى على اسم قد عمل فيه كما لا يكون مفعولا في ضارب حتى يكون محمولا على غيره فتقول: “هذا ضاربٌ زيدًا” (الكتاب، 1/278).

    ([12] ) وعبارة سيبويه أدق كما سبق أن لاحظناه: “ما يدل على فعل (= حدث) في حين وقوعه”.

    ([13] ) أي الصورية الخاصة بالصياغة أو الصَّنْعة.

    ([14]) يقابله في اللغات الأجنبية الـ aspect وفي الاصطلاح العربي القديم: “حالة الحدث”.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,369

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •