ملخص السؤال:
سيدة متزوجة ولديها أولادٌ، يجبرها زوجها على مشاهدة الأفلام الإباحية وتطبيق ما يدور فيها، لكنها ترفض ذلك، وتريد الطلاق.
تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا سيدةٌ في الأربعين مِن عمري، ولديَّ أولادٌ، لديَّ مشكلاتٌ كثيرةُ مع زوجي، وسببُها تعلُّقه بالأفلام الإباحية، ورغبته في أن أشاركه مشاهدة هذه الأفلام، وتطبيق ما يَدور فيها، فهو يطلب مني أفعالًا قبيحةً مُخالفة للفِطرة، وإذا رفضتُ يغضب ويثور، ويكسر كل شيء أمامه، وقد يصل الأمر إلى أنه يضربني أحيانًا!! لم أخبرْ أحدًا بالأمر؛ لأني لا أريد أن أفضحه، خاصة وأن أسرته متدينة ومحافظة. طلبتُ الطلاق أكثر مِن مرة؛ لأنني لا أستطيع العيش معه بهذه الصورة، خاصة وأن الأمرَ زاد، ويريدني أن أحادثَ الرجال الساقطين والنساء الساقطات من خلال وسائل الاتصال الحديثة. أبنائي يضيعون من بين يديّ، وأكثرهم ترك الدراسة، وبناتي انْحَدَر مُستواهنَّ الدراسي بسبب أفعاله. تدَخَّل بعضُ الأقارب للصُّلح بيننا، وكان زوجي يبكي لأني كنتُ جادَّةً وقتها في الطلاق، فكان يبكي ويعتذر، ووعَد بالإصلاح وترْك هذه الأفعال المشينة؛ فوافقتُ على عدم الطلاق، بشرط زيارة طبيب نفسي، فوافَق واستمَرَّ على العلاج لأشهرٍ، ووجدتُ منه تحسُّنًا مَلحوظًا في المعامَلة والنفسية، لكنه عاد بعد فترة إلى ما كان عليه. الآن أنا أَمُرُّ بحالةٍ نفسيةٍ صعبة جدًّا، بعد مشكلة كبيرة أمام الأولاد، ومُصممة على الطلاق، والأولاد يمرُّون بحالةٍ نفسيةٍ سيئة جدًّا، وهو غاضب مِن تمسكي بالحلال ورفضي للحرام، ولا أريد الحرام مهما كان.
أما الأولادُ فإنهم يُوافِقون على الطلاق، ويُرَحِّبون به، لما يَمُرُّون به مِن حالةٍ نفسيةٍ صعبةٍفهل أخطأتُ في طلب الطلاق مع موافقة الأولاد؟

الجواب

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ: فنعم، لقد أخطأتِ كثيرًا أيتها الأخت الكريمة، ولكن ليس لطلَب الطلاق، وإنما لتأخُّرك كل هذه المدة، فكان الواجبُ عليك الإصرار على الطلاق أو الخُلع، والفرار بدينك وأبنائك مِن هذا الزوج الفاجر؛ فلا يتردَّد عالم بأمر الله وبالمنهج الإسلامي الراقي الذي عالج مشاعر النفوس، وكوامن الطباع، وأوضاع الحياة في واقعيتها الكلية - لا يتردد مَن يعلم منهج الله تعالى أن يرشدك للظفَر بالطلاق، والتحرُّر مِن هذا الزوج المستهتر، فكان يكفي موبقة واحدة مما ذكرت لطَيِّ صفحة الماضي الأليم، والبُعد بالنفس والأبناء عن شُؤم معاصيه.
وكلُّ مَن له علمٌ بحقيقة النفس البشرية والتواءاتها وكَوامنها عندما تهبط إلى هذا السفح الآسِن مِن الانحطاط - يعلم أنه يتعذَّر جدًّا مع ذلك الرجوع لأصل الفطرة السليمة والواقعية المثاليَّة، إلا أن يشاء الله شيئًا.
ومشكلتُك أيتها الأخت الفاضلة هي مشكلةُ الكثير من النساء المقهورات، والذي يزيد الأمر سوءًا إغفالُنا للواقعية التي لا يُجدي معها الإنكار، أو لا يصلح معها تطييب الخواطر، أو أن تترك المشاكل لتعالج نفسها بنفسها حسب الظروف والمصادَفات، كلُّ هذا لا يحلُّ مشكلة زوج مريض بالشذوذ والسادية، ويرفض العلاج؛ مما أثَّر سلبًا على مستقبل أبنائه العلمي، وهو غافلٌ غير مدرك لمردودِ سُلوكه المنحرف.
فهل يقول إنسانٌ جادٌّ عاقلٌ يحترم نفسه، أو حتى يحترم الجنس البشري، أننا نترك الأيام تعالج هذا الواقع حسبما اتفَق، مع الأسَف هذا ما نفْعلُه مع المشاكل الأُسرية التي بلَغ الفسادُ فيها لحدٍّ لا تصلح معه حياةٌ، والطلاق علاجٌ أخيرٌ لها، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه.
النظامُ الإسلامي واقعيٌّ في معاملته للحياة وللنفس البشرية، كما هي في فطرتها، ونحن مع الأسف ابتعدنا كثيرًا عن روحها.
نعم الأصلُ في الرابطة الزوجية الاستقرارُ والاستمرار، والإسلامُ كفَل لها كل ضمانات الاستقرار والاستمرار، إلا أن هناك حالاتٍ خاصةً شرع لها الحكيمُ الخبيرُ الطلاق، وقد بيَّن هذا الأمر وجلاَّه حكيمُ الإسلام الأستاذ سيد قطب في مواضعَ كثيرةٍ من ظلاله، فقال في ظلال القرآن (2/ 771): "... فأما حين تجف القلوبُ، فلا تطيق هذه الصلة، ولا يبقى في نفوس الزوجين ما تستقيم معه الحياةُ، فالتفرُّق إذًا خيرٌ؛ لأنَّ الإسلامَ لا يمسك الأزواج بالسلاسل والحبال، ولا بالقيود والأغلال، إنما يُمسكهم بالمودة والرحمة، أو بالواجب والتجمُّل، فإذا بلغ الحال ألا تبلغ هذه الوسائل كلها علاج القلوب المتنافرة، فإنه لا يحكم عليها أن تقيمَ في سجنٍ من الكراهية والنفرة، أو في رباط ظاهري وانفصامٍ حقيقي! ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 130]. فالله يَعِد كلاًّ منهما أن يُغنيه مِن فضله هو، ومما عنده هو، وهو سبحانه يسَع عباده، ويُوسِّع عليهم بما يشاء، في حدود حكمته وعلمه بما يصلح". وقال (1/ 248): "التشريعُ الواقعيُّ الذي يُواجه الحالات الواقعة بالحلول العملية، ولا يستنكرها؛ حيث لا يُجدي الاستنكار، ولا يعيد خلْق بني الإنسان على نحوٍ آخر غير الذي فطرهم الله عليه، ولا يُهملها كذلك حيث لا يجدي الإهمالُ، ولا يحل للرجل أن يستردَّ شيئًا من صداقٍ أو نفقةٍ أنْفَقَها في أثناء الحياة الزوجية، في مقابل تسريح المرأة إذا لم تصلحْ حياته معها، ما لم تجد هي أنها كارهة لا تُطيق عشرته لسببٍ يخُصُّ مشاعرها الشخصية، وتحس أن كراهيتها له أو نفورها منه سيقودها إلى الخروج عن حدود الله في حسن العِشرة، أو العفة، أو الأدب، فهنا يجوز لها أن تطلبَ الطلاق منه، وأن تُعَوِّضه عن تحطيم عشِّه بلا سببٍ مُتعمدٍ منه برد الصداق الذي أمْهَرها إياه، أو بنفقاته عليها كلها أو بعضها لتَعْصِمَ نفسها مِن معصية الله وتعدِّي حُدودِه، وظلم نفسها وغيرها في هذه الحال، وهكذا يُراعي الإسلامُ جميع الحالات الواقعية التي تَعْرِض للناس، ويراعي مَشاعِر القلوب الجادَّة التي لا حيلةَ للإنسان فيها، ولا يقسر الزوجة على حياةٍ تنفر منها، وفي الوقت ذاته لا يضيع على الرجل ما أنفق بلا ذنبٍ جناه". شكر الله لك خلقك العالي في تعاملك مع زوجك وسترك عليه، ولكن إن لم يتم الطلاق بهدوءٍ ويستجيب لطلب الطلاق، فيجوز لك أن تذكُري الأسباب الحقيقية التي تدفعك للطلاق، ولك أن تُراقبي حاله بعد الطلاق، فإن سعى في العلاج وذهب للأطباء، وداوَم على العلاج، ثم أراد أن يتزوجك من جديدٍ، فلك أن تنظري في أمرك، وتُقارني بين الحياتَيْنِ، ثم تتخذي قرارك.
وفقك الله لكلِّ خير، وقدَّر لك الخيرَ حيث كان