كتابي (أصول إعلال المرويات)
عيد فطر مبارك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 17 من 17
5اعجابات
  • 1 Post By محمد خلف سلامة
  • 2 Post By محمد خلف سلامة
  • 1 Post By محمد خلف سلامة
  • 1 Post By عمر ابو جعفر العراقي

الموضوع: كتابي (أصول إعلال المرويات)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي كتابي (أصول إعلال المرويات)

    السلام عليكم
    الحمد لله رب العالمين
    خط النت في غاية الضعف ولم أقدر على تحميل الكتاب بعد محاولات كثيرة فرأيت أن أجزّأه مع الاعتذار.
    وهذا قسم من الفصل التمهيدي من الكتاب
    أصول
    إعلال المرويات
    أو
    أهم أصول تخريج الأحاديث

    تأليف
    محمد خلف سلامة



    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، عظمتْ علينا منّته بأن جعلنا من المسلمين، وأكمل لأمتنا الدين، وحفظه بحفظ ألفاظ كتابه المبيين وحفظ تفسيره بالقول الواضح المبين، وحِفْظ سنة نبيه خير النبيين من الزَّيدِ والنقص والتبديل؛ وبأن جعلنا من محبي هدي نبيه وسيرته وطالبي علم حديثه وسنته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الصالحين الصادقين المتثبتين المبلّغين عنه كلّ أحكام الدين، وسلَّم.
    وبعد، فهذا كتاب في تأصيل علم العلل أظن أنه يستحق الدراسة وأنه على قدر كبير من الإتقان وصحة التقسيم، فإن كان كذلك فهو توفيق من الله عزّ وجلّ، وهو المحمود أولاً وآخراً، أبدؤه بجملة من المقالات والتنبيهات في تأصيل علم العلل والتمهيد للدخول إليه، يعقبها ثمانية فصول وخاتمة ووصية وفهارس.
    وقد جمعت فيه كلّ ما تيسّر لي جمعه من قرائن الإعلال والقرائن المضادّة لها، الاجتهادية والتقليدية، فتتبعتها من مظانّها - وهي كتب وأبحاث كثيرة – فكتبتها فاجتمع لديَّ منها مادة علمية ضخمة هذبتها تهذيباً أولياً ودرستها، ثم حذفت منها ما يحسن حذفه، إما لتكرره أو لعدم دخوله في موضوع الكتاب أو لعدم صحته علمياً؛ ثم صنفت ما تبقّى ورتبته، وحرصت - على قدر وسعي وطاقتي – أن يكون تصنيفه علمياً دقيقاً واضحاً نافعاً؛ وذكرت تحت كل قرينة – من غير إطالة، إما ناقلاً وإما مبتدئاً - أهمَّ وأصحَّ ما يقال في تفسيرها وتقريرها وضوابط إعمالها؛ ومثّلتُ لكلّ قرينةٍ بحديثٍ واحد – أو أكثر من حديث – من الأحاديث التي أعمل العلماءُ تلك القرينةَ في إعلالها مهما كان نوع أثرها أو مقدار نصيبها في إعلال ذلك الحديث، أعني أنه سواء عندي أجعلوا تلك القرينة عمدةً أو ركناً من أركان ذلك الإعلال، أو جعلوها فقط مرجحةً لجانب الإعلال يتوقف عليها ترجيحه، أو جعلوها فضلةً زائدة على هذا وذاك، فليست عمدة في الإعلال ولا مرجحة له، بل أصل الإعلال وترجيحه حاصلان بدونها ولكنها جاءت مؤكدة لهما ومقويّة لجانبهما.
    صنعت ذلك لأشفع الجانب التنظيري بالجانب التطبيقي، فكانت تلك الأمثلة شروحاً مبينة للمراد وأدلة مبرهنة على صحة المدَّعَى.
    والآن انتقل إلى الفصل التمهيدي ويليه بقية الفصول





    التمهيد
    ويتألف من ثمانية مباحث.
    المبحث الأول
    التعريف بعلل الحديث وبعلم العلل
    وفيه المطالب التالية:
    -1-
    التعريف بمصطلح (العلة)
    لا بد لمن أراد التعريف الشافي بعلم العلل أن يبين معنى العلة والحديث المعلّ أو المعلول، فأقول:
    ولا شك أنّ المتوسعَ في مطالعة كلام أئمة النقد المتقدمين يجد العلة مستعملة في عباراتهم في أكثر من معنى من المعاني المتقاربة أو المتعلقة ببعضها؛ ولكنّ المتدبّر يرى أنّ أصلها ومرجعها معنى واحد أو يكاد يكون كذلك.
    فيرى أنّ حقيقة العلّة في اصطلاح علماء العلل: ما يقع في سند الحديث أو متنه من صفات أو معانٍ أو مخالفاتٍ، إما دالّة على وقوع وَهَمٍ في سنده أو متنه، ولو كان ذلك الوَهَمُ يسيراً أو كان صوابُه قريباً مشهوراً، وإمّا مانعة من تصحيح الحديثِ لقوّةِ احتمالِ وقوعِ الوهَمِ فيه.
    ولذلك كان الأصل في استعمال أهل الحديث كلمة العلة أنهم يطلقونها على العلّة الظاهرة، وعلى العلّة الخفية، وسواء كانت العلّة قادحةً في صحة المتن أو غير قادحة فيها[1]؛ ولذلك تجدهم يقولون نحو هذه العبارات: «هذا الحديث فيه علة، زيد من رواته لم يسمع ممن فوقه شيئاً»؛ أو: «هذا الحديث له علتان، الأولى: أنَّ راويَه فلاناً مجهول، والثانية: أنّ فيه عنعنة فلان وهو مدلس»؛ أو: «هذا الحديث له علة، راويه فلان وإن كان ثقة إلا أنه خالف كلَّ من رواه عن ذلك الشيخ---».
    وكثيراً ما يدلّ السياق وقرائن الكلام على تعيين المراد من نوع العلمة بكلمة «علة» هل هي العلة الخفية أم الظاهرة أم العامّة للنوعين، مثاله قول عبدالرحمن بن مهدي: «لأن أعرفَ علة حديث هو عندي أحبُّ إليَّ من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي»[2]، فمراده هنا العلّة الخفية، لأن الظاهرة لا تخفى على من هو من صغار طلبته فكيف تخفى عليه وكيف يفرح بها كلَّ ذلك الفرح؟!.
    ولكن كان أكثر الفقهاء غير المحدثين - وتبعهم أكثر متأخري المحدّثين - لا يطلقون العلّة إلا على القادحة في متن الحديث المانعة من ثبوته[3]، سواء كانت العلّة وهَمَ ثقةٍ أو انقطاعَ سند أو ضعفَ راوٍ أو جهالته، أو غير ذلك من أسباب القدح في المتن؛ ولكنهم يضيّقون كثيراً ميدان الإعلال بوهَمِ الثّقة ويميلون إلى طريقة تصحيح الروايتين المختلفتين جميعاً أو الروايتين اللتين تدل شهرة إحداهما على إعلال الثانية إذا كانت غريبة، جميعاً أيضاً، وتصحيح الرواية التي تفرد بها راويها تفرداً غير محتمل عند المحدثين ما دام راويها ثقة؛ وفي هذا إهمال أو إبطال لعلم العلل وإعمال لطريقة الإمكان العقلي.
    وأمّا علماء العلل فيندر أن يقولوا في حديث له علة ظاهرة جداً: (هذا الحديث معلول) أو: (فيه علة) ثم يفسرونها أي بذكر تلك العلة، أعني أنهم يندر أن يجمعوا في السياق الواحد في كلامهم على الحديث بين تسمية العلة علة وبيان نوعها، كأن يقولوا: (هذا الحديث فيه علة وهو أنه من رواية فلان المتروك) إذا كان ذلك الراوي مشهوراً بأنه متروك الحديث، وكان سند الحديث معروفاً، لأنَّ قولهم (هذا الحديث فيه علة) أو (له علة) إنما يقولونه في حديث تخفى علته أو يخفى سنده على مثل مخاطَبِهم، أو يحتاج مثله إلى رأي ذلك الناقد في هذا الحديث لتوكيد الإعلال أو ترجيحه.
    ولذلك لا يُدخلون العلل الظاهرة جداً في كتبهم وسؤالاتهم عند وقوعها في الحديث إلا إذا كان في ذلك الحديث علل أخرى وكان كلامُهم في سياق ذكرهم لكل علل ذلك الحديث، أو كان كلامُهم في معرض نقدِ أحاديث بابٍ بعينه أو أحاديث راوٍ بعينه، والنوع الثاني له أمثلة كثيرة في كتب السؤالات وكتب العلل ومعرفة الرجال، والنوع الأول يقع في كتب التخريج كثيراً؛ كما في هذين المثالين:
    الأول: قال الزيلعي في (نصب الراية لأحاديث الهداية) (1/137): (الحديث التّاسع والأرْبعون: حديث التوضي بنبيذ التّمْر، قلْت: روي منْ حديث ابْن مسْعودٍ، ومنْ حديث ابْن عبّاسٍ؛ أمّا حديث ابْن مسْعودٍ فرواه أبو داود والتّرْمذيّ وابْن ماجهْ منْ حديث أبي فزارة عن أبي زيْدٍ موْلى عمْرو بْن حريْثٍ عن عبْداللّه بْن مسْعودٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليْه وسلّم قال له ليْلة الجنّ: عنْدك طهورٌ؟ قال: لا، إلّا شيْءٌ منْ نبيذٍ في إداوةٍ، قال: تمْرةٌ طيّبةٌ وماءٌ طهورٌ، انْتهى؛ زاد التّرْمذيّ، قال: فتوضّأ منْه، قال الترمذي: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيْدٍ عن عبداللّه، وأبو زيْدٍ رجلٌ مجْهولٌ عنْد أهْل الحديث لا يعْرف له غيْر هذا الحديث، انْتهى - -، وقدْ ضعّف العلماء هذا الحديث بثلاث عللٍ: احد[ا]ها: جهالة أبي زيْدٍ؛ والثّانيـ[ـة]: التّردّد في أبي فزارة، هلْ هو راشد بْن كيْسان أوْ غيْره؛ والثّالثـ[ـة]: أنّ ابْن مسْعودٍ لمْ يشْهدْ مع النّبيّ صلّى اللّه عليْه وسلّم ليْلة الجنّ).
    المثال الثاني: قال الزيلعي أيضاً (1/76): (الحديث الثالث والعشرون: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عشر من الفطرة، وذكر منها المضمضة، والاستنشاق، قلت: رواه الجماعة إلا البخاري، فمسلم وأبو داود وابن ماجه في الطهارة، والترمذي في الاستئذان وقال: حديث حسن، والنسائي في الزينة؛ كلهم عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبدالله بن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء؛ قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن يكون المضمضة، انتهى؛ وهذا الحديث وإن كان مسلم أخرجه في صحيحه ففيه علتان ذكرهما الشيخ تقي الدين[4] في (الإمام) وعزاهما لابن منده: إحداهما: الكلام في مصعب بن شيبة، قال النسائي في (سننه): منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولا يحمدونه؛ الثانية: أن سليمان التيمي رواه عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير مرسلاً، هكذا رواه النسائي في (سننه) ورواه أيضاً عن أبي بشر عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير مرسلاً، قال النسائي: وحديث التيميّ وأبي بشر أولى وأبو مصعب منكر الحديث، انتهى؛ ولأجل هاتين العلتين لم يخرجه البخاري، ولم يلتفت مسلم إليهما، لأنّ مصعباً عنده ثقة، والثقة إذا وصل حديثاً يقدّم وصله على الإرسال).
    أما العلّةُ لغةً: فقال ابنُ فارسٍ[5] تحت باب «علّ»: «العين واللام أصولٌ ثلاثةٌ صحيحة: أحدها: تكرّر أو تكرير؛ والآخر: عائق يعوق؛ والثالث: ضعف في الشيء؛ فالأوّل: العَلَل، وهي الشربة الثانية؛ والأصل الآخر: العائق يعوق، قال الخليل: العلّة حدَثٌ يشغل صاحبَه عن وجهه؛ والأصل الثالث: العلّة: المرض، وصاحبها معتل». انتهى مختصراً.
    ولا يعزب عن الناظر المتدبر إرجاعُ المعنى الاصطلاحي للعلة إلى معناها اللغويّ ولا يشقّ الرّبط بينهما إجمالاً وتفصيلاً؛ فلا يخفى التّقاربُ الذي بين المعنى الاصطلاحي للعلة وبين الأصلين اللغويين الثاني والثالث لمادة (علّ)، فعلّة الحديث شيءٌ يمنع الناقد من الاستمرار في وجهته الأولى في تصحيح الحديث أو تصحيح تلك القطعة أو الكلمة منه، فقد كان ظاهر ذلك الصحة ولكن منع الناقدَ من تصحيحه وعاقه عنه اكتشافُه خطأً فيه مِن بعض رواته؛ وكذلك العلّة في الحديث هي ضدُّ صحته وسلامته من الخلل، كالعلّة في البدن هي مرضٌ ضدُّ صحته وسلامته.
    ولعلّه بناءً على هذا يصحّ أن يقال في تخمين نوع العلاقة بين المعنى الاصطلاحيّ والمعنى اللغويّ للعلة:
    إما أن يكون المعنى الاصطلاحي للعلّة راجعاً إلى الأصل اللغوي الثالث المتقدم في كلام ابن فارس وهو الضعف والمرض، ويُتَصوَّرُ ذلك إذا نُظر إلى العلّة الحديثية باعتبار قدْحها في صحة الحديث أو بعضه، وهذا يصدق على العلّة الظاهرة والعلة الخفية ولا سيما إذا كان القدح بهما قويّاً أو بيّناً.
    وإمّا أن يكون المعنى الاصطلاحي للعلّة راجعاً إلى الأصل اللغوي الثاني ويُتَصوَّرُ ذلك إذا نُظر إلى العلّة الحديثية باعتبار أنها عائق عاق الحديث عن البقاء في درجة الصحة والثبوت التي كانت مستحقَّةً له بحسب الظاهر، أو عاقه عن بلوغها، أو عاق ناقدَه عن الاستمرار في وجهته الأولى في الحكم لهذا الحديث بالصحة الكاملة المطلقة؛ وهذا أليق بالعلة الخفية؛ والله أعلم.
    ويمكن أن يقال في الربط بالأصل اللغوي الآخر وهو التكرر أو التكرير أنّ الناقد لم يكتف بالنقد الأول للحديث أي النقد الظاهريّ له، ولكنّه كرّر النقدَ فاكتشف العلّة وحكمَ بها.
    وقضية الربط بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي هذه ليست لها كبير دخل في مسائل أصول الإعلال ولكنْ لها دخل في اصطلاحات المحدثين عامة وعلماء العلل خاصة.
    -2-
    التعريف بالحديث المعلّ
    وأما الحديث المعلّ أو المعلول: فهو الحديث الذي فيه علة؛ وتبعاً لاتضاح معنى كلمة العلّة عند كل فريق من الفريقين اللذين سبق ذكرهما وهم الفقهاء ومن تبعهم على اصطلاحهم في هذا الباب، وعلماء العلل ومن تبعهم، يتضح في الجملة - أو يقترب من الأذهان - معنى كلمة «حديث معلّ» و«حديث معلول» و«أعلّ فلان هذا الحديث» ونحو ذلك من عباراتهم التي فيها وصف الحديث بالعلة، عند ذلك الفريق؛ فالحديث المعلّ أو المعلول عند كل فريق من الفريقين: ما كان فيه علة أو أكثر من علة، بالمعنى الاصطلاحي للعلة عند ذلك الفريق.
    ولكن جمهور المتأخرين من علماء الحديث والمشاركين فيه صاروا يطلقون كلمة «الحديث المعلول» خاصةً على الحديث الذي ظاهره السلامة من العلة، ولكنه في الحقيقة قد وهم فيه أحد رواته وهماً يمنع من تصحيح متنه، أو تصحيح سنده؛ ومِن أقدم مَن يُفهم مِن كلامه هذا المعنى ابن الصلاح، حيث قال[6]: ‹‹اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها، وإنما يضطلع[7] بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب؛ وهي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه---››[8]؛ وعرّفه ابن الصلاح[9] أيضاً بقوله: «هو الحديث الذي اطلع فيه على علةٍ تقدح في صحته مع أنّ ظاهره السلامة منها»[10]، وعرّفه ابن حجر[11] بقوله: «هو حديثٌ ظاهره السلامة اطُّلع فيه بعد التفتيش على قادح»؛ وصنف ابن حجر كتاباً أسماه (الزهر المطلول في الخبر المعلول) يظهر أنه اقتصر فيه على أحاديث ظاهرها الصحة ولكن أخطأ فيها بعض رواتها.
    -3-
    التعريف بعلم العلل
    وأما علم العلل في اصطلاح المتأخرين: فهو العلم الذي يبحث في أوهام الثقات ولا سيما القادحة منها في صحة المتن؛ وعلم العلل بهذا المعنى هو المراد بثناء من أثنى على علم العلل وبإشارة من أشار إلى أهميته وخطورته أو دقته وصعوبته أو عزته وندرة أهله.
    وأما تسمية المتقدمين هذا العلم بعلم العلل وتسميتهم كتبه بكتب العلل، فهي تسمية مطابقة لموضوع هذا العلم عندهم وهي العلل بكل أنواعها[12].
    ولا يَرد على هذه التسمية أن معظم مسائل هذه الكتب بيان العلل الخفية كأوهام الثقات وما شاركها في قوة الخفاء كأوهام بعض كبار النقاد، لأنها إنما كانت كذلك لأنّ معظم تلك الكتب كان أساس تأليفها أسئلة وجهها بعض العلماء أو الطلاب إلى شيوخهم من أئمة العلل، ولذلك كان أكثر تلك الأسئلة عن علل وقضايا خفية واقعة أو محتملة، لأن هذا هو مدار اهتمام هؤلاء الطلبة الكبار المهرة، وهذا هو العلم الذي لا يحسنه غير أولئك الأئمة الذين كانوا يُسألون عنه؛ وكذلك فعل الذين يصنفون هذه الكتب ابتداءً، أعني من غير أن يُسألوا عن كل حديث فيها، اقتصروا على المهم الذي يخفى على كثير من كبار الطلبة فضلاً عن غيرهم؛ فقد كان من ينبّه من كبار النقاد الأئمة كبار طلابه أو بعض أقرانه على علة حديث أو يصنف في ذلك كتاباً فهو في الغالب إنما يقتصر في تلك التنبيهات أو ذلك التصنيف على العلل الخفية ومظان الإيهام وما قاربها، لأنّ العلل الظاهرة معلومة في الجملة عند العلماء والطلبة وليس بأولئك المخاطبين كبير حاجة إلى التنبيه عليها، ثم إن الإحالة فيها يمكن أن تكون على كتب الجرح والتعديل لا على كتب العلل وحدها؛ وكذلك الذين يسألون إمام العلل عن الأحاديث يغلب أن يسألوه عن دقائق الأمور فيها وعلى رأسها الأحاديث المعلة بعلل خفية والأحاديث المحتملة لذلك الوصف، ولو كان منها ما يكون في الحقيقة سالماً من العلة، ولذلك وغيره تراهم يصححون في تلك الإجابات بعض الأحاديث، فهم إنما يصححون إما لهذا السبب وهو أنهم سئلوا عن سلامتها من العلة، أو لسبب ثان وهو أنهم يريدون إعلال ما خالفها بها، وترجيحها عليها، وإما لسبب آخر مناسب للمقام الذي هم فيه وللمقصد الذي يصمدون[13] إليه.
    ثم إن العلل الخفية ليست خفية على أولئك الأئمة في الجملة، ليسموها العلل الخفية، وإن خفي على بعضهم قليل منها.
    وقد اقترنت كلمة «العلل» في عناوين طائفة من كتب أئمة العلل الأولى – أي قبل أن يحصل التخصص الدقيق في المصنفات - بعبارة «معرفة الرجال» أو بكلمة التاريخ أو نحو ذلك؛ واستقراء تلك الكتب يدلّ على أنَّها يغلب عليه الدوران حول الأمور الخفية الدقيقة في نقد الأحاديث وما يشاكلها أو يناسها من نقد الرواة، وذكرِ بعض الكلّيات، مثل كلّ من اسمه فلان فهو ضعيف باستثاء واحد منهم هو ابن فلان، أو لم يسمع فلان من فلان إلا حديثاً واحداً؛ وأما ما اشتهر ضعفه من الأحاديث أو من الرجال فإنّ لتضعيفه موضع آخر في الغالب، وكلك تجهيل المجاهيل، وبيان إرسال المراسيل وغير ذلك من العلل الظاهرة؛ إلا أن يرد شيء من ذلك في كتب العلل على سبيل التبعية لا الأصالة.
    وأما تسمية المتأخرين لكتب العلل بهذا الاسم أي (كتب العلل) مع قولهم (إن علم العلل هو علم أوهام الثقات):
    فإطلاق المتأخرين هذا الاسم على الكتب القديمة إنما هو من باب متابعة أهلها والعلماء المتقدمين، في تسميتها.
    وإطلاقهم إياه على كتبهم التي ألفوها هم دون أن يسموها مثلاً: (كتب العلل القادحة الخفية) واضح لأن علم العلل عندهم هو علم أوهام الثقات أو علم ردّ الحديث الذي ظاهره الصحة أو علم الأخطاء الخفية.
    وإن كانت لفظة العلة تستعمل عندهم – أي المتأخرين بمعنى العلة القادحة عموماً أحياناً وبمعنى العلة الخفية القادحة أحياناً أخرى.
    واستعمالهم لها بهذا المعنى الثاني إنما هو من باب عدم التفاتهم إلى غير أخطاء الثقات القادحة في ثبوت المتن وأخطائهم الكبيرة في الطرق، وعدم اعتبارها، فلا يسمونها علة، فلا يبقى عليهم إلا إخراجهم العلل الظاهرة، وهي الانقطاع وضعف الرواة، وهذه غالباً ما يعبرون عنها بالتعبير المقيد أعني بكلمة (العلل الظاهرة)؛ ويطلقون العلل على الخفية القادحة، كما في قولهم في تعريف الحديث الصحيح: (ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، أو من غير أن يكون شاذاً ولا معلاً).
    والحاصل أن الأصل في إطلاق كلمة العلل عند المتقدمين أنها تشمل الظاهرة والخفية والقادحة في المتن وغيرها، ولكن الكتب التي ألفوها في العلل كان أغلبها لأوهام الثقات وما شاكلها في قوة الخفاء؛ فقلة العلل الظاهرة في كتب العلل التي ألفها المتقدمون لا تمنع من القول بأنّ تسميتها [أعني تسمية كتب العلل] في اصطلاح المتقدمين قد جاءت على وفق معنى كلمة (العلل) عندهم – إذ يدخل في مسماها عندهم العلل الظاهرة والخفية والقادحة في المتن وغيرها -؛ وإنما تلك القلة إنما جاءت بسبب آخر تقدم ذكره مراراً وهو أنهم يحرصون على بيان الأخفى ونقل أسرار هذا العلم الذي قل من يطلع عليها أو يعرفها أكثر بكثير من حرصهم على تضعيف الحديث باقطاع ظاهر في السند أو ضعف راو علم الناس ضعفه.
    فعلم العلل: هو العلم الذي يبحث عن خفايا الأحكام النقدية في علوم الحديث ودقائقه وأسراره، وأهمُّها وأغلبُها أوهام الثقات في مرويّاتهم.


    -4-
    هل يدخل في علم العلل
    العلم بأوهام الضعفاء في مرواياتهم؟
    للثقات أوهام قليلة في الرواية وللضعفاء أوهام أكثر؛ والعلم بأوهام الضعفاء هو قدر زائد على مجرد العلم بضعفهم، فردّ الحديث بضعف راويه علم، ولكن ردّه بأن راويه فلان ضعيف وأنه أخطأ في الأمر الفلاني من الحديث علم زائد على ذلك العلم الأول، وهو أقوى في ردّ الحديث وإعلاله؛ ولكن أئمة النقد يحرصون في نقدهم للمرويات عامة وفي كتب العلل خاصة على معرفة أو بيان أوهام الثقات ولو ظناً وترجيحاً لوقوعها؛ ولا يحرصون مثل ذلك الحرص على معرفة أوهام الضعفاء؛ والسبب في ذلك أن أحاديث الثقات الأصل فيها الصحة والثبوت إلا إذا قام الدليل على خطئها أو خطأٍ فيها، فاحتجنا إلى ذلك الحرص المشار إليه؛ وأما أحاديث الضعفاء فالأصل فيها الضعف فلا نحتاج لمعرفة ما وقع فيها من الوهم والخطأ إلا لأمرين:
    الأول: منْعُ أن يستعملها من يستعمل الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب، ومنْع أن يأخذ بها من يأخذ بالضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، فحال الحديث الذي أخطأ فيه راويه الضعيف أو الثقة هو النكارة أعني في موضع الخطأ وما يقدح هو فيه، فأمره كما قال الإمام أحمد (والمنكر أبداً منكر).
    الثاني: منع تقويتها بتعدد طرقها وبقرائن تقوية يلاحظها أو يدّعيها بعض النقاد.
    ولعل من أسباب حرص النقاد على بيان أوهام الثقات أكثر من حرصهم على بيان أوهام الضعفاء: أنّ معرفة وقوع الأوهام من الضعفاء أعني تعيين أوهامهم في رواياتهم أسهل منها في روايات الثقات، لأنّ ترجيح وتعيين الوهم فيها بالمقارنة والحمل أيسر بكثير، فلا نحتاج فيها إلى أكثر من قرائن ترجح وقوع الوهم، بخلاف أحاديث الثقات فقد يخفى الوهم فيها كثيراً ويصعب الترجيح جداً وقد يُدّعى في بعضها من قبل بعض النقاد ضدَّ ما تستحقه، كأن يدَّعى في الرواية المعلولة أو المرجوحة أنها هي المحفوظة أو الراجحة، بسبب تفوقها – أي بحسب النظرة الأولى - على مخالفتها بأكثرية رواتها أو أحفظية راويها أو نحو ذلك.
    وفي فصل قرائن الحمل؟؟ كثير من الأمثلة على تعيين الأئمة لأوهام الضعفاء.
    -5-
    نشأة علم العلل وتاريخه
    لا شك أن علم العلل بمعناه الشهير - أي نقد روايات الثقات - بدأ ببداية الرواية أو بعدها بقليل، ولكن لا شكّ أيضاً أنّ ذلك النقد كان يسيراً جداً بحيث لا يستحق أن يتألف من مجموعه شيء يلفت النظر فضلاً عن شيء يستحق أن يسمى علماً له اسم خاص وعلماء معروفون، وذلك لعدالة الصحابة وكمال ضبطهم في الغالب وقلة مرويّاتهم وكثرة تثبتهم وعلوّ إسنادهم.
    ثم استمر هذا النقد يتزايد ويتراكم شيئاً بعد شيء إلى أن ظهرت أسس هذا العلم واضحة في عهد شعبة وسفيان ومالك وأضرابهم من طبقة أتباع التابعين.
    ثم استمر هذا العلم بعد ذلك يتزايد كذلك ويتكامل، وكان كلما أتى إمام من أئمته زاد في بناء صرحه ورفع من منارة مجده، فكان من كبار أئمته إمام العلل علي بن المديني وتلميذاه يعقوب بن شيبة والبخاري، وجماعة من أقران عليّ وأشهرهم الإمامان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ثم جاء أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ثم الترمذي وأبو داود والبزّار والنسائي وابن أبي حاتم وابن عمّار الهروي الشهيد وجماعة من أقرانهم وتلامذتهم، إلى أن بلغ التصنيف في هذا العلم ذروته - أعني من حيث التوسع في الجمع - على يدِ أحد علماء بغداد وهو علي بن عمر الدارقطني رحمه الله تعالى، ولا سيما في كتابه «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» الذي أعانه في تصنيفه الحافظ البرقاني؛ وللدارقطني أيضاً «الأفراد والغرائب» وكتب أخرى في علم العلل وما يقاربه أو يخدمه.
    ولكن هذا العلم العظيم بدأ بعد موت الدارقطني يضعف وبدا ضعفه واضحاً بعد وفاة اثنين من متأخري علمائه وهما الخطيب البغدادي وأبو بكر البيهقي، وإن كان جهدهما في نقل كلام علماء العلل أكثر من جهدهما في الاجتهاد في النقد.
    واستمر هذا العلم يزداد ضعفاً وغربة قرناً بعد قرن حتى وصفه إمام المتأخرين في علم العلل الإمام ابن رجب الحنبلي البغدادي بقوله: «وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دوّنه أئمة الحفاظ، وقد هُجر في هذا الزمان ودَرَسَ حفظُه وفهمُه، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عُرف هذا العلم اليوم بالكلّية، ففي التصنيف فيه ونقل كلام الأئمة؟؟ المتقدمين مصلحة عظيمة جداً».
    ولقد تطرق إلى تاريخ علم العلل وبيان نشأته وأهم مراحله طائفة من المعاصرين[14].
    -6-
    بيان صعوبة علم العلل
    وغربة أهله بين الناس في كل زمان
    إنَّ من أنفع وأصعب علوم الشرع علم الحديث، وإنّ أغمض أنواع علم الحديث وأخفاها علم العلل، وإنما كان كذلك لكثرة ما ينبغي مراعاته من الأمور أو القرائن التي تعين على التوصل إلى حال راوي ذلك الحديث فيه خاصةً، من جهة كونه حَفِظه أم وهم فيه وما هو موضع الوهم وما هو صوابه؟ ولم أرَ كتاباً وافياً في تأصيل هذا الباب على شدة الحاجة إلى استيفاء الدراسة فيه، فعملتُ هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون حاوياً معظم قرائن الإعلال وما يقاومها أو يضادّها وما يوصل إلى كشفها وما يقتضي إعمالها أو إهمالها؛ والتي هي القسم الثالث من قرائن نقد المرويات والتي أولها قرائن نقد الرواة أو قرائن الجرح والتعديل، وثانيها قرائن الحكم بالاتصال والانقطاع في الأسانيد.
    إنه علم يعتمد على الاستقراء التام والموازنات الدقيقة وملاحظة القرائن الدالة على وقوع خطأ في حديث الثقة أو المرجحة لوقوع مثل ذلك الخطأ أو لعدم وقوعه، وتلك القرائن كثيرة جداً، بل تكاد تفوق الحصر، وكثير منها خفيٌّ ودقيق وبعيد لا يكاد يخطر ببال العالم الفطن المدقق فكيف بغيره، وهي في أحيان كثيرة تتشابه وتشتبه وتتقارب وتتداخل، وكثيراً ما يجتمع عدد غير قليل منها في حديث واحد موزعة على فريقين تتعاضد قرائن كل فريق منهما وتُضادّ قرائن الفريق الآخر.
    ومعرفة هذا كله تحتاج إلى محدث حافظ كبير متقن شديد الحرص على معرفة الرواة وأحوالهم ومراتبهم وصفاتهم وعاداتهم، ومعرفة الروايات ونقدها، عظيم التتبع لما قيل فيها، كثير السؤال لمن هو أعلم منه إما في علم الحديث مطلقاً، أو في باب واحد من أبواب الحديث أو أبواب علمه، أو حتى في راوٍ واحدٍ من رواته أو حتى في حديث واحدٍ من أحاديث ذلك الراوي، ويحتاج إلى فطنة سريعة ونباهة تامة وقوة استحضار ومتانة ربط بين أسباب الأخطاء وما يظنّ أنها أدّت إليه، ومتانة ربط بين صفات الأحاديث التي تحتمل أن تكون ناتجة عن خطأ رواتها فيها وما يظنّ أنه أدّى إليها؛ ولذلك - كما قلّ المحدثون بين الرواة وقلَّ الحفّاظ بين المحدثين وقلّ النقّاد بين الحفّاظ - قلّ علماء العلل بين النقّاد وقلّ كبارهم بين سائرهم.
    ثم كان هذا العلم لصعوبته وغربته وندرة أهله وقلة طالبيه لما بدأت علوم الدين تضعف قوتها وتضيق دائرتها أسرعَها إلى الانحدار والانحسار حتى كاد يُهجر بالكلية في زمن مبكر، وضاع شطر كتبه أو أكثر بكثير، قال ابن رجب: (وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دونه أئمة الحفاظ، وقد هُجر في هذا الزمان ودرس حفظه وفهمه، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية، ففي التصنيف فيه ونقل الكلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جداً).
    ولذلك كان من الأعمال النافعة بل الضرورية في حقّ علم الحديث في هذا العصر أمران:
    أولهما: جمع فروع علم العلل، أعني أحكام علماء العلل على الأحاديث ولا سيما أحاديث الثقات إعلالاً وتصحيحاً، وشرح أحكامهم وكلامهم عليها بطريقة صحيحة مناسبة لفنهم.
    وثانيهما: التبحّر في معرفة ودراسة قرائن الإعلال وما يضادّها، وتتبع أقوال الأئمة التي صرّحوا فيها بشيء من هذه القرائن، واستقراء تطبيقاتهم العملية وأحكامهم النقدية للوقوف على القرائن التي استعملوها في الإعلال وعلى القرائن التي دافعوا بها الإعلال، من غير أن يصرّحوا بها.
    -7-
    بيان مستندات علم العلل على سبيل الإجمال
    وشرح معنى وصفهم لهذا العلم بأنه إلهام
    أو بأن عالمه قد تقصر عبارته عن بيان حجته
    ورد عن غير واحد من علماء العلل وصفهم لعلمهم بأنه إلهام أو كالإلهام أو كالكهانة أو نحو ذلك من المعاني الدالة على شدة خفائه وعسر التعبير عن أدلته وبعده عن أفهام المبتدئين من طلبة الحديث فضلاً عن طلبة العلوم الأخرى وفضلاً عن عامة الناس.
    قال عبدالرحمن بن أبي حاتم[15]: (سمعت أبي يقول: قال عبدالرحمن بن مهدي: إنكارنا للحديث عند الجهّال كهانة»؛ وقال ابن أبي حاتم أيضاً [16]: «حدّثنا علي بن الحسين بن الجنيد، قال: سمعت محمد بن عبدالله بن نمير، يقول: قال عبدالرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهامٌ؛ قال ابن نمير: وصدق، لو قلت له: من أين قلت؟ لم يكن له جواب[17]».
    وقال الخطيب: «أنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثت عن محمد بن صالح الكيليني، قال: سمعت أبا زرعة - وقال له رجل: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ - قال: «الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد محمد بن مسلم بن وارة فتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك، فإن وجدت بيننا خلافاً في علته فاعلم أن كلاً منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم؛ قال: ففعل الرجل ذلك فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام»[18].
    وروى الخطيب عن علي بن المديني قال: «أخذ عبدالرحمن بن مهدي على رجل من أهل البصرة[19] - لا أسميه – حديثاً، قال: فغضب له جماعة قال: فأتوه فقالوا: يا أبا سعيد من أين قلت هذا في صاحبنا؟ قال: فغضب عبدالرحمن بن مهدي وقال: أرأيت لو أن رجلاً أتى بدينار إلى صيرفي فقال: انتقد لي هذا فقال: هو بهرج، يقول له: من أين قلت لي إنه بهرج؟! الزم عملي هذا عشرين سنة حتى تعلم منه ما أعلم»[20].
    وقال ابن أبي حاتم[21]: «حدثني أبي: أخبرنا محمود بن إبراهيم بن سميع قال سمعت أحمد بن صالح يقول: معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشّبَه؛ فإنّ الجوهرَ إنما يعرفه أهلُه، وليس للبصير فيه حجةٌ إذا قيل له كيف قلت إن هذا بائنٌ - يعني - الجيد أو الرديء؟»؛ ومن طريقه أخرجه الخطيب[22].
    وقال ابن أبي حاتم[23]: «سمعت أبي يقول: مَثلُ معرفة الحديث كمَثل فصٍّ ثمنه مئة دينار، وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم».
    وقال الخطيب[24]: «أشبه الأشياء بعلم الحديث معرفة الصرف ونقد الدنانير والدراهم فإنه لا يعرف جود[ة] الدينار والدراهم بلون ولا مسٍّ ولا طراوة ولا دنس ولا نقش ولا صفة تعود إلى صغر أو كبر ولا إلى ضيق أو سعة[25] وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف البهرج الزائف [كذا] والخالص والمغشوش؛ وكذلك تمييز الحديث فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له والاعتناء به».
    وقال ابن كثير في بيان شدة خفاء علم العلل[26]: «وهو فنٌّ خفي على كثير من علماء الحديث حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل».
    ولذلك كان من الأحاديث ما تخفى علته فلا يوقف عليها إلا بعد إطالة النظر السديد أو مضيّ الزمن البعيد؛ روى الخطيب عن أبي علي صالح بن محمد البغدادي قال: سمعت علي بن المديني يقول: «ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة»[27].
    وقال ابن رجب[28] في وصف أئمة العلل: «فإنّ هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما يختصّ البصير الحاذق بمعرفة النّقود جيّدها ورديئها ومشوبها ---، وكلٌّ من هؤلاء لا يمكن أن يعبّر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلاً لغيره»؛ قال: «وبكل حال، فالجهابذة النّقاد والعارفون بعلل الحديث أفراد قليلٌ من أهل الحديث جداً».
    وقال الدكتور حمزة المليباري[29] مشيراً إلى كلام ذكره: «لقد مضى أن العلّة لا تعرف إلا بالقرائن والملابسات التي تحيط بالحديث، ويتوقف ذلك على قدر كبير من الحفظ والفهم والمعرفة، ومن هنا قال بعضهم: ''معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل''، وقال آخر: ''هي إلهام، لو قلت للقيّم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة''، يعني حجة يقتنع بها العوام، وإلا فلدى النقاد قرائن وحجج قد تفيد اليقين؛ وحسَب الخلفيات العلمية التي يتميز بها الناقد تتفاوت العلل في مستوى الظهور والغموض، ففي العلل ما هو أغمض وأدقّ ولا يدركه إلا الجهبذ الفطن لما يتميز به من ذوق حديثي، ولا يملك فيه عبارة توفي بإحساسه في ذلك أو أسلوباً يقتنع به الباحثون العاديون، وهنا يتحقق القول بأن العلّة إلهام أو كهانة، وكثيراً ما يتجسد ذلك في مسألة التفرد بشكل أوضح».
    وقال عادل الزرقي[30]: وقوله: «لا يقيم عليه دليلاً لغيره»، أراد به الدّليل القطعي اليقيني على ما ذكر من وهمٍ أو خطأ للراوي؛ أما الدليل بالقرائن والخبرة فهذا ما لا يُنفى علمُهم به[31].
    إن الناقد العارف بعلل الأحاديث وخفاياها يتكون له ذوق خاص في نقدها وملاحظة كثير من خفاياها فإذا سئل عن حديث أو أراد أن يبين علته، فإما أن يكون قد أطال النظر فيه قبلُ فيستحضر ما كان توصل إليه من حكم وخلاصة بحث في أمر ذلك الحديث اجتهاداً من نفسه وانتفاعاً بما سبقه إليه أسلافه وناظره فيه أقرانه، وإما أنه لم يحصل له سماع تلك الرواية قبل ذلك السؤال أو كان سمعها ولكنه لم يتهيأ له البحث الكامل في حالها، فهو ينظر فيه لأول وهلة وحينئذ فإنه لن يعدم سرعة استحضار لقرائن كثيرة وسرعة موازنة بينها، وأنى لمن دونه في هذا العلم أن يفهم عنه تفاصيل ذلك الاستحضار وتلك الموازنة واصطباغها بذلك الذوق العلمي الدقيق الأصيل؟! ولئن عبّر عن حججه فهو كثيراً ما يعبر عن بعضها لا عن جميعها، وعن كبار حججه لا عن صغارها وعمّا يقرب من الأفهام لا عمّا يبعد عنها ويصعب عليها.
    ولك أن تقارن علم عالم العلل بعمل طبيب حكيم عبقري خبير بصنعته طويل التجربة في فنّه، فكيف لمثله أن يُقنع عوامّ الناس وأنصاف الأطباء بكلّ ما يذكره في تعيين أمراض الأجساد وعللها ولا سيما إذا خالف ما يظهر لهم من حال ذلك الإنسان من كونه معافى أو كونه مريضاً مرضاً آخر غير الذي ادعاه ذلك الطبيب.
    والحاصل أنه إن سأل سائل: هل علم العلل تضبطه قواعد مطردة؟ فالجواب: أنه في جملته تضبطه أدق القواعد وأكثرها تفصيلاً؛ وأما من قال: لا تضبطه قواعد، فإن كان مراده أن القواعد العامة والضوابط الكلية لا تكفي للخوض فيه، فهذا كلام صحيح، لأن ضوابطه متفرعة كثيراً وقرائنه دقيقة جداً وقد يجتمع عدد منها في حق حديث واحد فيرجح مقتضى واحدة منها بعينها، ثم يجتمع ما يقاربها ويشابهها في حق حديث آخر ولكن يرجح مقتضى قرينة غير تلك التي رجحت في حق الحديث الآخر، لاختلاف القرائن في نوعها أو قوتها أو غير ذلك؛ وهذا هو معنى كلام ابن رجب حيث قال في (شرح علل الترمذي): (ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه).
    وأما إن أراد ذلك المعترض أنه علم بلا ضوابط وقواعد أصلاً فهذا الكلام في غاية البطلان، وكيف يجوز أن يقال مثله لأدق الناس علماً وأكثرهم حفظا واستقراءاً وتثبتاً وتحقيقاً؟ وهل العلم الذي يكون بلا قواعد يستحق أن يسمى علماً؟!.
    يتبين مما سبق ومما يأتي أن علم العلل هو علم ملاحظة القرائن وتدقيق الموازنات ودراسة كل الاحتمالات وتفريع التفاصيل، بسرعة بديهة وقوة ربط وعمق فكرة، ليخرج الناقد بعد ذلك بكلمات معدودة يعلّ بها ذلك الحديث ويحكم بأنه وهم فيه راويه، أو بكلمات معدودة يصحح بها ذلك الحديث ويحكم له بأنه محفوظ، أو بكلمات قليلة، وكيف يتهيأ له أن يقيم لغيره الدليل بكماله وكل تفاصيله لغيره ولا سيما إذا لم يكن من أئمة هذا العلم، بل وكيف يستحضر عند السؤال عن حديث كل ما كان استحضره قبل ذلك عند دراسته له أو مذاكرته للعلماء بعلله من كل تلك التفاصيل المتعلقة به، وكيف يسهل التعبير عنها وكل منها متعلق بأصول قد تكون خفية وفروع قد تكون كثيرة متشابهة لا يحصيها إلا حافظ بارع.






    [1] قال صاحب «تحرير علوم الحديث» ‹‹2/642››: «اعلم أن أئمة الحديث أطلقوا لفظ «العلّة» على ما هو أعمّ من الخفية في الإسناد الجامع في الظاهر لشروط القبول، فأطلقوا اللفظ على الظاهرة والخفية، كما أطلقوه من جهة أخرى على القادحة وغير القادحة---».
    وانظر مبحث «التلازم بين العلّة وبين القدح في الصحة» في كتاب «الحديث المعلول – قواعد وضوابط» للدكتور حمزة المليباري «ص115-118».

    [2] رواه عنه ابن أبي حاتم في أول كتابه «علل الحديث» والحاكم في «معرفة علوم الحديث» «ص140».

    [3] انظر (النكت) لابن حجر (1/235).

    [4] هو ابن دقيق العيد.

    [5] [معجم] مقاييس اللغة «4/12-14»

    [6] علوم الحديث ‹‹ص81››

    [7] قال بعض من علق على كتاب ابن الصلاح من المعاصرين: ‹‹مأخوذ من التضلع، وهو أن يمتلئ الإنسان من شرب الماء حتى يبلغ أضلاعه، والمراد الامتلاء من هذا العلم››؛ كذا قال، والأقرب أنه هنا من قولهم ‹‹ضلع››: أي قوي واشتدت أضلاعه؛ فاضطلع للأمر وعليه وبه: قوي عليه ونهض به. نعم، هذا المعنى فرعٌ عن المعنى الذي ذكره، فالامتلاء من العلم قوة فيه؛ جاء في (لسان العرب): (ويقال فلان مَضْطَلِعٌ بهذا الأَمر أَي قويٌّ عليه وهو مُفْتَعِلٌ من الضَّلاعةِ قال ولا يقال مُطَّلِعٌ بالإِدغام؛ وقال أَبو نصر أَحمد بن حاتم يقال: هو مُضْطلِعٌ بهذا الأَمر ومُطَّلِعٌ له، فالاضْطلاعُ من الضَّلاعةِ وهي القوَّة، والاطِّلاعُ من العُلُوِّ من قولهم اطَّلَعْتُ الثَّنِيَةَ أَي عَلَوْتُها أَي هو عالٍ لذلك الأَمرِ مالِكٌ له، قال الليث: يقال إنِّي بهذا الأَمر مُضْطَلِعٌ ومُطَّلِعٌ الضاد تدغم في التاء فتصير طاء مشددة، كما تقول أظنَّنَّي أَي اتّهَمَني واظَّلَمَ إِذا احتَمَلَ الظُّلْمَ، واضْطَلَعَ الحِمْلَ أَي احْتَمَلَه أَضلاعُه وقال ابن السكية؟؟: يقال هو مُضْطَلِعٌ بحَمْلِه أَي قويٌّ على حَمْلِه وهو مُفْتَعِلٌ من الضَّلاعة قال ولا يقال هو مُطَّلِع بحَمْله وروى أَبو الهيثم قول أَبي زبيد:
    أَخُو المَواطِنِ عَيّافُ الخَنى أُنُفٌ**للنّاَئب اتِ ولو أُضْلِعْنَ مُطَّلِعٌ
    أُضْلِعْنَ: أُثْقِلْنَ وأُعْظِمْنَ؛ مُطَّلِعٌ وهو القويُّ على الأَمرِ المُحْتَمِلُ أَراد مُضْطَلِعٌ فأَدْغَم، هكذا رواه بخطه؛ قال: ويروى مُضْطَلِعٌ؛ وفي حديث عليّ عليه السلام في صفة النبي صلى الله عليه وسلم كما حُمِّلَ فاضْطَلَع بأَمركَ لطاعتك، اضْطَلَعَ: افتَعَلَ من الضَّلاعةِ وهي القوةُ، يقال: اضطَلَعَ بحمله أَي قَوِيَ عليه ونَهَضَ به).

    [8] وانظر ما كتبه حاتم العوني في (المنهج المقترح) ‹‹ص220-221›› تعقيباً على ابن الصلاح في تعريفه للعلة.

    [9] علوم الحديث «ص84»

    [10] هذا كلامه بتمامه: (فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أنّ ظاهرة السلامة منها؛ ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر؛ ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبّه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه؛ وكلّ ذلك مانع من الحكم بصحة ما وُجد ذلك فيه).

    [11] نزهة النظر؟؟ أو «ص107»

    [12] كما كانوا يسمون مسانيدهم التي يتكلمون على أحاديثها وينتقدونها، باسم المسانيد المعللة، وفيها بيان لعلل ظاهرة وخفية.

    [13] أي يهدفون.

    [14] فمثلاً ذكر علي الصياح مئة وأربعة وخمسين عالماً من علماء العلل وترجم لهم، أوّلهم محمد بن سيرين البصري «33-110هـ»، وآخرهم أحمد بن علي بن حجر العسقلاني «773-852هـ»؛ ذكر ذلك في «جهود المحدثين في بيان علل الأحاديث»، طبعة دار المحدث «ص33-175»، المبحث الأول من الكتاب وهو «ذكر أئمة العلل والمصنفين فيه»؛ وانظر «النقد عند المحدثين نشأته ومنهجه» لعبدالله علي أحمد حافظ، رسالة ماجستير من جامعة الملك عبدالعزيز مكة المكرمة 1392هـ، 1972م، و«منهج النقد عند المحدثين نشأته وتاريخه» تأليف محمد مصطفى الأعظمي، مكتبة الكوثر، و«المنهج النقدي عند المتقدمين من المحدثين وأثر تباين المنهج» لحسن فوزي الصعيدي، رسالة ماجستير، جامعة عين شمس، و«منهج نقد المتن عند علماء الحديث» صلاح الدين الإدلبي، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت، ط1، 1403هـ، و«الإصابة لما استدركته عائشة على الصحابة» للزركشي.
    ولبعض الباحثات (استدراك بعض الصحابة على بعضهم في الرواية)؟؟ طبعته دار الرشد.

    [15] علل الحديث «1/389»

    [16] علل الحديث (1/388)، ومن طريقه رواه الخطيب في «الجامع» «2/383».

    [17] يعني يعبر به عن حجته تعبيراً موجزاً يفهمه غير علماء العلل، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والرفض؛ وانظر (فتح المغيث) للسخاوي «1/236»

    [18] الجامع «2/384-385» وأخرجه الحاكم في (معرفة علوم الحديث) «ص113».

    [19] زيد هنا في مطبوعة الرسالة كلمة «حديثاً» خطأً.

    [20] الجامع «2/383»، وأخرجه بنحوه ابن عدي في «الكامل»؟؟، وانظر «تدريب الراوي» للسيوطي «ص162».

    [21] علل الحديث «1/389»

    [22] الجامع (2/384)

    [23] علل الحديث (1/389)

    [24] الجامع (2/382)

    [25] تحرفت في مطبوعة الرسالة إلى «منعة».

    [26] شرح اختصار علوم الحديث؟؟.

    [27] الجامع (5/385)

    [28] جامع العلوم والحكم «ص27»

    [29] الحديث المعلول، ط2 «ص27-28»

    [30] قواعد العلل وقرائن الترجيح «ص10»

    [31] وانظر (الجرح والتعديل)، لابن أبي حاتم «1/252» و(المجروحين)، لابن حبان «1/32» و(معرفة علوم الحديث)، للحاكم «ص59-60»؟؟
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي المبحث الثاني من الفصل التمهيدي

    المبحث الثاني
    التعريف بقرائن علم العلل
    عامة وقرائن الإعلال خاصة
    وفيه المطالب التالية:
    -1-
    تعريف قرائن الإعلال
    قرائن الإعلال: هي كل ما يدلّ على وقوع الخطأ في الحديث أو على احتمال وقوعه ولو كان ذلك الاحتمال في غاية الضعف[1].
    وهذا التعريف إن كان يصلح أن يكون تعريفاً لقرائن الإعلال عند علماء العلل خاصة أو علماء الحديث عامة فهذا هو المطلوب الأول الذي يدفع بل يمنع كل اعتراض؛ وإن لم يكن كذلك فهو اصطلاحي في هذا الكتاب وقد بينته بياناً واضحاً، وهو غير موهِم، ولم أخالف فيه تعريفاً للقرائن مشهوراً أو مجمعاً عليه، ولا استعمالاً متداولاً متواتراً.
    وقد يعترض على هذا التعريف بأن الدليل غير القرينة وبأن القرينة لا بد أن تكون خارجة عن أصل الشيء، فلا يقال مثلاً لانقطاع سند الحديث إنه قرينة على ضعفه، وبأن الاحتمال الذي هو في غاية الضعف غير معتبر.
    والجواب عن هذا بأنني مستند إلى قاعدة لا مشاحة في الاصطلاح، هذا أولاً؛ وثانياً: معظم الأدلة تكون أحياناً كثيرة دلالتها بمجردها غير قطعية أو غير راجحة بوضوح أو تكون مرجوحة، فهي خاضعة لنتيجة الموازنة بين الأدلة المتضادة وهذا يقربها إلى معنى القرينة؛ وثالثاً: السند خارج عن المتن وهو مقرون به فكل ما فيه من أدلة على صحة المتن أو ضعفه فهي قرائن؛ وذكر السند الضعيف من قبل راوي الحديث إنما هو نصْب قرينة على ضعف الحديث إن لم يرد بسند آخر صحيح أو صالح لتقوية السند المذكور؛ وكذلك كل قطعة في السند مقترنة بما قبلها وهو قرينة منصوبة لمعرفة صحة تلك القطعة من عدمها.
    -2-
    التعريف بقرائن علم العلل
    المراد بها القرائن النقدية الحديثية المتعلقة بإعلال الحديث إنا إثباتاً لإعلاله أو نفياً له عنه.
    فإذا كان هذا معنى قرائن علم العلل صحَّ أن يقال في تعريفها: هي كل ما يوصِل - بنفسه أو بغيره بواسطة أو بلا واسطة أو بدخوله في أحد طرفي الموازنة - إلى إعلال ذلك الحديث، أو إلى دفع الإعلال عنه.
    فقرائن علم العلل ليست هي قرائن الإعلال وحدها، بل هي قرائن الإعلال وما يضادّها من قرائن التقوية والتصحيح ومنع الإعلال.
    وهي – أي قرائن علم العلل عموماً - من حيث مباشرتها للحكم وعدم ذلك نوعان أيضاً: قرائن نقد (يعني إعلال أو تقوية) مباشرة، وقرائن موصلة إلى قرائن النقد ومحتملة لأن تكون مصحوبة بها، وهذه – أي القرائن الموصلة - لا تتناهى.
    فقرائن العلل ليست هي قرائن الإعلال المباشرة وحدها، كما قد يتبادر إلى ذهن سامع هذه الكلمة؛ بل تشمل – مع هذه – كل القرائن التي يستعان بها للتوصل إلى اكتشاف قرينة إعلال في ذلك الحديث؛ فإن الراوي الثقة الحافظ المتقن إذا أبهم راوياً يكون ذلك قرينة إعلال في رواية من تابع ذلك الحافظ وسمى ذلك المبهَم فجعله أحد الحفاظ الكبار، إذا كان المسمِّي غير ثبت أو كان صاحب أوهام.
    فهذان تقسيمان لقرائن علم العلل باعتبارين، الأول أثرها على الحديث من حيث الثبوت وعدمه، والثاني كونها مباشرة أو غير مباشرة.
    وقرائن الإعلال قسمان أيضاً باعتبار ثالث، فمنها قرائن إعلال لتلك الرواية نفسها، كالتفرد النسبي فإنه قرينة إعلال لذلك الحديث الغريب وإن كانت لا تقدح بمجردها؛ ومنها قرائن إعلال في رواية أخرى مشاركة لتلك الرواية في شيء من معناها أو متنها أو سندها أو في المتن كله أو في السند كله؛ مثل اشتهار الرواية عن شيخ فإنها قرينة إعلال للرواية الأخرى التي يتفرد بها أحد الرواة عن قرين ذلك الشيخ إذا كان أولى باشتهار روايته من قرينه أو كان مساوياً له في استحقاق اشتهار الرواية عنه؛ ومثل كون راوي الحديث حافظاً متقناً فروايته قرينة إعلال في رواية مخالفه غير المتقن.
    وهي – أي القرائن عموماً - باعتبار قوة عملها ومقدار الحاجة إليها ثلاثة أنواع: دالة بنفسها، ومؤكدة لدلالة غيرها، ومرجحة للحكم التي تُشعر به غيرها من القرائن، فهي:
    إما قرائن دالة بنفسها - أي بمجردها - على الحكم، فهي أدلة كافية.
    أو قرائن لا تكفي بمجردها لإثبات الحكم، ولكنها تصلح لتوكيد الحكم الذي دلّ عليه غيرها من القرائن ولزيادة رجحانه، أو تأتي مرجحة للحكم الذي لولاها لما كان راجحاً، فهي مؤيدة ومرجحة.
    وهي - أي القرائن عموماً – إما قرائن لإعلال الرواية في الموضع الذي يراد إعلاله، سواء كانت ملابِسة لها - كسوء حفظ ذلك الراوي - أو خارجة عنها، كنكارة المتن في الرواية الغريبة المعلة بالمشهورة، وعدم نكارته في الرواية المشهورة؛ وكالاختلاف على المدار في التفرد النسبي بين رواية غريبة ورواية مشهورة، لأنّ خطأ الراوي في موضع يؤكد خطأه في الموضع الآخر الذي يُشكّ أنه أخطأ فيه.
    وإما قرائن خارجة عن موضع الإعلال المعين ولا علاقة لها به فلا تكون مؤكدة له ولا مرجحة، كانقطاع السند فوق المدار في كلتا الروايتين المختلفتين على المدار.
    فالقرائن الخارجية عن موضع الإعلال المعين هي - في الغالب - القرائن التي فوق ذلك الموضع، وهي نوعان هما هذان النوعان الأخيران اللذان أشرت إليهما.
    فالأول: قرائن خارجة عن ذلك الموضع مبينة أو مؤكدة لضعف تلك الرواية، ولكنها غير مؤكدة مرجحة لأصل الإعلال في ذلك الموضع، مثل ضعف التابعي في حديث تفرد به راويه المتأخر تفرداً مطلقاً، فالموضع الذي يراد إعلاله في دراستنا هذه أصالةً هو رواية هذا المتفرد عمن فوقه، لا عموم الحديث وإن كان ذلك حاصل تبعاً، أو حاصلاً من اجتماع إعلال أو نقد مجموع التفرد الواقع فيه في كل طبقات السند إلى الصحابي.
    وهي – أي القرائن عموماً - نوعان باعتبار ما تدل عليه: قرائن اجتهادية وقرائن تقليدية؛ وتقدم شرح معناهما، ويأتي مزيد من الكلام عليهما.
    وأما اصطلاحي في قرائن الإعلال فإنه يدخل في قرائن الإعلال في كلامي فضلاً عما تقدم رؤوس الخيوط التي يتشبث بها الناقد لما عساه يوصله أو يقربه إلى أدلة أو قرائن الأعلال القوية أو الصريحة أو المباشرة؛ فشأن عالم العلل كشأن المحقق من القضاة ونحوهم في القضايا والجرائم الخفية والمعقدة، وشأن الطبيب الحاذق الحريص على اكتشاف علة ذلك المريض بعد أن خفيت عليه حقيقتها واشتبهت عليه أعراضها في أول حضوره عنده.
    وفي الجملة يدخل في قرائن الإعلال وأضدادها كل ما يدعو إلى عدم إحسان الظن بثبوت المرويّ أو إلى ضد ذلك.
    ويدخل فيها كل ما يمكن أن يكون مدخلاً إلى بحث في الإعلال أو منبهاً إلى احتمال وجود علة أو مستمسكاً في البحث عن علة ومنطلقاً إليها.
    والحاصل أن القرائن في اصطلاحي في هذا الكتاب لها ثلاثة أنواع: قرائن إعلال؛ وقرائن موصلة إليها وكاشفة لها؛ وقرائن مشترطة لاعتبارها؛ فليس مرادي بقرائن الإعلال القرائن التي تعل الحديث، وإنما المراد القرائن التي تستعمل في علم العلل ونقد المتون والأسانيد نقداً خفياً أو نقداً دقيقاً جداً، فليعلم هذا فإنّ هذه العبارة (قرائن الإعلال) تتكرر كثيراً في هذا الكتاب.
    ولا بأس من أن يدخل أحياناً في مسمى قرائن الإعلال القرائن المضادة لها، لأنه لا يحكم على كل حديث بأنه معلول بمجرد النظر في قرائن إعلاله، وإنما يكون ذلك بعد النظر فيها وفي القرائن المضادة لها، والموازنة بينهما؛ ومن هنا استحقت هذه أن تدخل في مسمى قرائن الإعلال، لأنها متممة لها في نقد أحاديث الثقات؛ ولكني لم استعمل هذه الكلمة في هذا الكتاب بهذا المعنى، وعبرت عن مجموع قرائن الإعلال وما يضادها باسم (قرائن النقد) أو (قرائن النقد الحديثي) ونحو ذلك.


    -3-
    بيان عدم انحصار
    قرائن الإعلال والقرائن التي تضادّها
    قرائن الإعلال والقرائن التي تضادّها لا يمكن حصرها، لأنّ منها ما هو معتبر ومنها ما هو غير معتبر، وهذا القسم الثاني هو سبب عدم إمكان الحصر والاستقصاء؛ والمعتبر قد يتسع نطاق اعتباره وقد يضيق؛ وغير المعتبر قد يعتبر بشروط كثيرة أو قوية أو نادرة الوقوع.
    وإذا أطلقت كلمة قرائن الإعلال أو قرائن النقد أو قرائن التقوية فالمراد المعتبرة منها؛ والمراد بالمعتبرة التي ترجح جانب الإعلال ولو في حالات قليلة.
    ومن الناس من لا يعدّ القرينة غير المعتبرة قرينة ولا يسميها قرينة، والراجح خلافه.

    -4-
    ما المراد بقرائن الإعلال
    في كل فصل من فصول هذه الدراسة
    قرائن الإعلال المراد بيانها في هذه الدراسة هي كل ما تيسر ذكره منها، أي أن الدراسة تهدف إلى استيعابها أو استيعاب أهمها لو – أو إن - تيسر ذلك؛ ودراسة هذه القرائن موزعة على أربعة فصول: فصل التفرد المطلق، وفصل التفرد النسبي، وفصل الاختلاف على المدار، وفصل المتابعة التامة.
    ولكن القرائن التي تذكر في كل فصل هي التي تدل على وهم الراوي الذي وقع منه التفرد المطلق أو التفرد النسبي أو المخالفة أو المتابعة الموافقة، أو تُرجِّح ذلك الوهم أو تؤكده، وليس المراد قرائن نقد كل ذلك الحديث، فإن قرائن نقد ذلك الحديث – بل وكل حديث - بكليته إنما هي كل أو بعض هذه القرائن المذكورة في الفصول الأربعة.
    أعني أن كل راو في كل حديث إما أن يكون قد تفرد به تفرداً مطلقاً أو نسبياً أو توبع فيه متابعة تامة، وهذان الأخيران إمّا أن يوافقا أو يخالفا من تابعهما فوق المدار، فهذه أربعة أنواع من المصيبين أو المخطئين أو الذين يحتمل أنهم أخطأوا أو أصابوا، وهم:
    الرواة المتفردون مطلقاً أو نسبياً أو المتابعون متابعة تامة أوالمخالفون على المدار.
    فالمطلوب في هذه الدراسة ذكر قرائن إعلال رواية كل واحد من هذه الأنواع، أو المطلوب في كل فصل من الفصول الأربعة للقرائن ذكر قرائن وهم ذلك الراوي الذي تدخل روايته في معنى ذلك الفصل.
    فمثلاً المتفرد مطلقاً ما هي قرائن كل أوهامه في هذا الحديث الذي تفرد به، فأذكرها في فصل قرائن التفرد المطلق، ولا أعني كل قرائن إعلال ذلك الحديث الذي تفرد هو به، وإنما أعني قرائن وهمه وحدها في هذا الحديث.
    وكذلك في فصل المتابعة القاصرة أو التفرد النسبي، المطلوب أن أذكر ثلاثة أنواع من قرائن وهمه:
    النوع الأول: قرائن وهمه في تفرده عن شيخه الذي هو فوقه في الحديث.
    النوع الثاني: قرائن وهمه في تعيين المدار.
    النوع الثالث: قرائن وهمه فوق المدار في السند أو المتن.
    ولكني اقتصر في ذلك الفصل على بعض قرائن النوع الأول، وهو القدر الذي لم يتقدم ذكره في إعلال التفرد المطلق، وعلى النوع الثاني، على قلة قرائن الوهم فيه؛ وأما النوع الثالث فهو إن اختلفت الروايتان فوق المدار مأخوذ في فصل الاختلاف على المدار، وإن تطابقتا على الخطأ فوق المدار فذلك بعضه مأخوذ في فصل التفرد المطلق كنكارة المتن أو السند، وبعضه مأخوذ في فصل المتابعة التامة كرجوع أحد الراويين إلى قول متابعه الذي هو مخطئ فيه أو تقليده له فيه.
    فإذا كان الكلام مثلاً في قرائن وهم المتابع التامة متابعته، فليس المراد كل قرائن النقد التي قد توجد في المتابعات التامة سنداً ومتناً، وإنما يراد منها ما يتعلق منها بأوهام هذا المتابع وحده، وأهمها وهمه في أصل تلك المتابعة من حيث ثبوتها وعدم ثبوتها أي عن شيخه الذي هو مدار الحديث؛ وأما ما فوق المدار فالواقع هناك إنما هو التفرد المطلق وقرائنه مذكورة في فصل يختص بها.
    فإذا أردنا تخريج حديث مهما كان نوعه بالنسبة لعدد طرقه، فلا يخلو راو من رواته أن يكون صاحب نوع من الأنواع الأربعة: تفرد مطلق، ومتابعة قاصرة موافقة فوق المدار، ومتابعة تامة موافقة فوق المدار، ومتابعة تامة أو قاصرة مخالفة فوق المدار، وكل واحد منهم قد علمنا من فصل من الفصول الأربعة ما هي أوهامه المحتملة، أو ما هي قرائن وهمه في أي موضع من الحديث، فإذا انتقدنا رواية كل واحد من رجاله على ضوء قرائن وهمه وإصابته صار مجموع ذلك النقد هو التخريج الكامل للحديث والذي يمكن تلخيصه بسهولة بكلمة اصطلاحية مفصحة عن مرتبة الحديث قوة وضعفاً.



    -5-
    ما هو الضابط الواضح
    لكون الشيء قرينة إعلال؟
    قرائن الإعلال في الأحاديث الحقيقة إنما هي أسباب أخطاء الرواة في الأحاديث، ونتائج تلك الأخطاء.
    فقرائن الإعلال في كل حديث هي أسباب الخطأ التي تحتمل أن تكون حاضرة في ذلك الحديث ومحيطة به، ونتائجه التي يلحظها الناقد فيه.
    ولإيضاح هذا الأمر أقول:
    لخطأ الراوي حقيقة وسبب ونتيجة؛ وهذا شأن كل خطأ في الدنيا.
    فالراوي الذي يركّب متن حديث على إسناد حديث آخر:
    حقيقة خطئه أنه غيَّر متن أو سند الحديث الذي أراد روايته بمتن أو سند حديث آخر.
    وسبب خطئه بعد النقص في ضبطه تجاورُ الحديثين في كتابه أو في ذهنه بسبب اشتراكهما أو تقاربهما أو تشابههما في شيء من سنديهما أو متنيهما أو معنييهما أو أسلوبهما أو في مجلس سماعهما أو غير ذلك؛ وقد يكون السبب قبول التلقين أو الإدخال أو نحوهما مما أدى إليه إحسان الظن وقلة الاحتياط وضعف التثبت.
    ونتيجة خطئه أنه روى رواية غير صحيحة بدلاً من الرواية الصحيحة أو المحفوظة، فإن كان صحابي هذه الرواية – أي صحابي الحديث المركب - غير صحابي الحديث المحفوظ فإنه يكون قد روى – أي بهذا الحديث المركب - شاهداً للحديث لا أصل له؛ وإن كان الصحابي نفسه فإنه يكون قد روى – أي بهذا الحديث المركب - متابعة للحديث لا أصل لها.
    فالقرائن الدالة على الخطأ هي الأسباب التي تحتمل أن تكون أدّت إليه وأوقعت فيه، والنتائجُ التي يُجزَم بأنها غير محفوظة أو يُشكّ في كونها محفوظة.
    وأما حقيقة الخطأ نفسها فليست قرينة إعلال، فالخطأ لا يكون دليلاً على نفسه.
    وقد خلط معظم الذين صنفوا في علم العلل أو في بعض أبوابه من المعاصرين في تعريف القرائن أو في ذكرها وتعداها ونحو ذلك؛ وهذا ما لا يليق بمن يتكلم في تأصيل علم شريف عظيم كهذا العلم؛ ولا يعجبني أن أضرب أمثلة على ذلك، فما أكثر ما بين يديّ من الأمثلة ولكن ستْر ما ستره الله مع التنبيه المجمل أحسن وأجمل.
    ولأهمية هذه القضية في تأصيل علم العلل أودّ أن أتوسع في تفصيلها، فانظر ما يلي:
    -6-
    حقيقة الخطأ
    تقدم في مسألة تقسيم الأخطاء وما يتعلق بها أنّ كل خطأ له حقيقة أو وقوع يُعْلم، وله سبب وله نتيجة.
    فحقيقة الخطأ في رواية الحديث ترك الصواب إلى غيره مما يخالفه بزيادة أو نقص أو تبديل[2].
    ويمكن تقسيم الأخطاء إلى ثلاثة أنواع زيادة ونقص وتبديل، وكل واحد منها يقسم إلى ما يقع منه في السند وما يقع منه في المتن، فيكون الحاصل من ضربها ببعضها ستة أنواع[3]؛ ولكن قد يقع في الحديث الواحد أكثر من نوع واحد من هذه الأخطاء.
    وبعض هذه الأنواع الستة تتنوع أيضاً، وكما يلي:
    الزيادة في السند، وهي خمسة أنواع:
    زيادة راو في السند أو أكثر، وهذه الزيادة قد توصل المنقطع وقد تكون من المزيد فيما ظاهره الاتصال.
    زيادة في تسمية الراوي.
    زيادة تعيين الراوي، كأن يقول الراوي بعد ذكر شيخ شيخه وهو مهمل: [هو ابن فلان]، مثل قوله: حدثنا زيد عن سفيان - هو ابن عيينة- ويسوق بقية الحديث.
    زيادة نقد للراوي، حدثنا فلان حدثنا فلان وهو ثقة.
    زيادة قصة في أثناء السند، أي قصة متعلقة ذلك الشيخ بذلك الحديث.
    رفع موقوف، وهو زيادة في منتهى الحديث.
    ورفع الموقوف يصحّ أن يعدّ نوعاً مفرداً غير الزيادة في السند والزيادة في المتن.
    الزيادة في المتن، وهي أنواع من أهمها ما يلي.
    زيادة شرح مدرج.
    زيادة استثناء.
    زيادة حكم.
    زيادة قصة.
    زيادة استنباط.
    زيادة تعليل أو استدلال.
    زيادة تمثيل.
    زيادة عبارات في السياق متممة وموضحة له.
    النقص في السند، وهو نوعان:
    إسقاط راو أو أكثر مع عدم إيهام الاتصال، وهذا إن تعمده فاعله فهو إيهام لا وهم، وإن ظن أنه هكذا سمع الرواية وأنه أداها كما سمعها فذلك وهم منه وليس إيهاماً.
    إسقاط راو أو أكثر مع إظهار الاتصال بعد الإسقاط، فإن صرح بالاتصال فهو كذب، وإن أوهمه من غير تصريح فهو تدليس.
    إسقاط شيء من متن الحديث، وهو يقابل الزيادة في متن الحديث فأنواعه كأنواعه وقد تقدم بيانها.
    التبديل، وأنواعه أحد عشر نوعاً:
    إدخال حديث في حديث، أعني تبديل سند بسند أو بعض سند ببعض سند آخر.
    تبديل اسم راو أو اسم أبيه باسم يشبهه أو يناظره.
    تبديل صيغة محتملة بصيغة صريحة، وأما العكس فإيهام.
    تبديل صيغة صريحة في الانقطاع بصيغة صريحة في الاتصال.
    وعكس ذلك.
    تبديل صيغة الأداء بحرف النسبة (بن) أو غيره، مثل (حدثني محمد عن أحمد) تصير (حدثني محمد بن أحمد).
    وعكس ذلك.
    تبديل حرف العطف (و) أو (أو) إلى (بن) أو (عن) مثل (حدثني أحمد ومحمد) أو (حدثني أحمد أو محمد) تصير (حدثني أحمد بن محمد) أو (حدثني أحمد عن محمد).
    تبديل ألفاظ المتن بما يغير المعنى.
    تبديل المتن كلياً.
    تبديل المتن جزئياً.
    -7-
    أسباب الخطأ
    أسباب الخطأ أربعة:
    نقص في الضبط.
    ونقص في الاحتياط، والمراد بالنقص في الاحتياط التساهلُ وإحسان الظن وقلةُ الحذر من الخطأ؛ وهذا السبب الثالث يوقع في الوهم في المرويات التي فيها إيهام؛ فالإيهام منه ما يوهم الرواة ومنه ما يوهم النقاد.
    ونقص في الفطنة والمعرفة.
    ونقص في تمايز المرويات واختلافِها، والمراد بهذا تشابه المرويات وتقاربها ومشابهتها لغيرها من الكلام الذي يسبق إليه لسان الراوي، مهما كان نوع ذلك الكلام.


    -8-
    نتيجة الخطأ
    نتيجة الخطأ – كما تقدم ذكره - مخالَفة للمرويات أو لغيرها، وتفرد نسبي أو مطلق، ومتابعة تامة أو قاصرة.
    والخطأ الذي ينتج عنه مخالفة الروايات الأخرى مخالفة صريحة – وهو الاختلاف على المدار ويأتي بيانه – سببه تبديل أو زيادة أو نقص فوق المدار سواء كان ذلك الشيء من سند الحديث أو من متنه.
    والخطأ الذي ينتج عنه المخالفة لغير المرويات يكون بتبديل أو زيادة أو نقص في أي موضع من المتن أو السند بحيث يؤدي ذلك الأمر إلى مخالفة للقرآن أو السنة أو الإجماع أو العقل الصريح أو العرف الصحيح أو التاريخ – ومنه السيرة – أو تاريخ المحدثين أو مقتضى عادات الرواة.
    والخطأ الذي ينتج عنه التفرد النسبي هو غالباً تبديل شيخه أو شيخه وبعض من فوقه دون الصحابي بغيره أو بغيرهم.
    والخطأ الذي ينتج عنه التفرد المطلق هو تبديل متن الحديث بشيء آخر غير مروي عن النبي صلى الله عليه أصلاً.
    وهذا مبني على تعريف التفرد المطلق بأنه الانفراد بالسند كله بما فيه صحابي الحديث، فلا يتابع أحد من رواته لا الصحابي ولا غيره.





    -9-
    تفصيل في مسألة انحصار
    نتائج الوهم في نوعين من المخالفة
    نتائج الوهم منحصرة في نوعين من المخالفة:
    النوع الأول: مخالفة داخلية حديثية.
    النوع الثاني: مخالفة خارجية غير حديثية.
    وفيما يلي بيان النوعين وشرح معناهما:
    النوع الأول
    المخالفة الداخلية الحديثية
    وأسميتها داخلية لأنها ضمن إطار الرواية ونقدها، أي ضمن صلب اهتمام المحدثين؛ وليس لها علاقة مباشرة بالمعنى، فهي لا تتوقف على مراعاة المعنى واعتباره.
    وهي قسمان: مخالفة حديثية صريحة، ومخالفة حديثية غير صريحة.
    فالصريحة مخالفة روايات الحديث الأخرى، وهي المخالفة فوق المدار. [وعقدت لها فصلاً يختص بها] [1]
    وغير الصريحة نوعان:
    المخالفة الكاملة وأريد بها المخالفة في حال التفرد المطلق. [وعقدت لها فصلاً يختص بها أيضاً] [2]
    والمخالفة الناقصة وأريد بها المخالفة قبل المدار، وهي نوعان:
    المخالفة في المتابعة الناقصة أي في التفرد النسبي. [وعقدتُ لها فصلاً يختص بها أيضاً]. [3]
    المخالفة في المتابعة التامة. [وعقدتُ لها فصلاً يختص بها أيضاً][4]. [4]
    وأما المخالفة لمقتضى ما ثبت عند النقّاد من تاريخ الرواة وأصول علم الحديث ومقتضى عادات المحدثين؛ فبعضها يتعلق بنقد التفرد المطلق وبعضها يتعلق بنقد المخالفة بعد المدار وبعضها يتعلق بنقد المخالفة قبل المدار بنوعيها؛ فهي مقسمة على هذه الفصول الأربعة، لأنها من وسائل الإعلال وقواعده، ولذا لم أعقد لها فصلاً يختص بها، لأن الفصول السابقة معقودة للمخالفة الحديثية الروائية.
    النوع الثاني
    المخالفة الخارجية المعنوية
    وهي تتوقف غالباً على مراعاة المعنى واعتباره؛ وهي المخالفة لما هو ثابت سوى روايات ذلك الحديث ومقتضى تاريخ المحدثين، أعني مخالفة القرآن والسنة وأصول الدين وما ثبت من التاريخ – ومنه السيرة – ومخالفة العقل الصريح والعرف المعتبر[5]؛ وهذه المخالفة - إن وُجدتْ حقيقةً - دالة على الخطأ.
    ؟؟فأفردت لهذا النوع من المخالفة فصلاً مختصاً به؛ وهو يصلح لنقد الحديث في حال التفرد المطلق.




    -10-
    الفرق بين عمل قرائن الإعلال التي هي
    أسباب للخطأ وقرائن الإعلال التي هي نتائج للخطأ
    القرائن التي هي أسباب للخطأ لا تعمل بمجردها إلا إذا كانت في غاية القوة كأن يكون الراوي وضاعاً أو كذاباً أو متهماً بالكذب فتردّ روايته ولو تابعه الثقات.
    وأما أسباب الخطأ غير القوية فلا تعمل إلا إذا كان معها قرائن نتيجية قوية، كأن يكون معها تفرد فيه نظر، أو مخالفة تحتمل أن تكون ضدية أو غير ضدية، أو زيادة تحتمل في نفسها الثبوت وعدمه.
    وأما القرائن التي هي من نتائج الخطأ فإن كانت من باب مخالفة ما ثبت خارجياً فالأصل في أفراد هذا النوع من المخالفة أن تكون أدلة على بطلان الرواية، ولكن ربما يتردد النقاد أحياناً في إبطالها بها، لا لشك في هذا التاصيل، ولكن إما لترددهم في ضدية المخالفة وفي عدم إمكانية الجمع أو لترددهم في ثبوت الأصل المخالف.
    بل إن هذا هو الأصل في كل القرائن النتيجية، فالأصل في التفرد بنوعيه - لولا أن منه ما هو محتمل - أن يكون دليلاً على الخطأ؛ والأصل في مخالفة الأوثق أو الأكثر – لولا أن منها ما يكون الجمع بين الروايتين ممكناً – أن يكون دليلاً على خطأ ذلك المخالِف.
    -11-
    توقف وقوع الخطأ
    من الراوي على سببه لا على نتيجته
    وقوع الخطأ من الراوي يتوقف على سببه لا على نتيجته، فالراوي كما يخطئ في الحديث الغريب مطلقاً قد يخطئ مثل ذلك الخطأ تماماً في الحديث الغريب نسبياً أو في الحديث المتابع متابعة تامة.
    نعم الراوي الحافظ الناقد قد يحتاط فيما يرى أنه غير صواب من الأحاديث بسبب مخالفته أو غرابته أو نكارته فلا يرويه، وهذه قضية أخرى غير تلك.
    -12-
    توقف نتائج الخطأ على نوعه وموضعه وعلى
    وجود المتابعات ونوعها وكونها صحيحة أو معلولة
    فالراوي يخطئ بسبب من أسباب الخطأ، ثم تختلف نتيجة خطئه بحسب نوع خطئه من جهة ونوع حديثه من حيث عدد طرقه ونوع متابعاته من جهة أخرى.
    فإن كان أخطأ في تبديل شيخه فجعل مكانه الشيخ الذي هو مدار ذلك الحديث نشأ عن ذلك الخطأ متابعة تامة خاطئة.
    وإن كان أخطأ في تبديل شيخه الذي هو مدار ذلك الحديث نشأ عن ذلك الخطأ متابعة قاصرة خاطئة.
    وإن كان أخطأ في تبديل متن الحديث المروي بكلام من كلام الناس أعني أي كلام قديم أو حديث أو مختلق غير مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ عن ذلك تفرد مطلق خاطئ، سواء كان سنده معروفاً في نفسه أو مركباً من سندين أو غير ذلك.
    وإن كانت المتابعة محفوظة انكشف خطأ المخطئ في المتابعة الأخرى بمخالفته لها، وإن اتفق خطؤه وخطأ من تابعه لم يكتشف خطؤهما بمقارنتهما، وإن اشتهرت إحدى روايتي المتابعة النسبية وكانت الأخرى غريبة كان ذلك قرينة أو دليل إعلال للغريبة.






    [1] فلا يلزم من وجود قرينة إعلال في الحديث إعلال ذلك الحديث بها، فكل قرينة إعلال هي - كما تقدم بيانه – إما سبب للخطأ المحتمل، أو نتيجة للخطأ المحتمل؛ ولكن لا يلزم من وجود قرينة تشعر بالخطأ وتدل على احتمال وقوعه أن يكون الخطأ واقعاً، لأن معنى ذلك – لو كان الأمر كذلك – أن القرائن أدلة قطعية أو شبه قطعية، وهذا اللازم باطل فالملزوم باطل أيضاً.

    [2] وحقيقة التبديل نقص يحلّ محلّه زيادة.

    [3] ويمكن تقسيم قرائن الإعلال على هذه الأنواع الستة؛ فيكون لدينا ستة أنواع من قرائن الإعلال تعقد لها ستة فصول.

    [4] لم يخطر ببالي أول الأمر أن أعقد فصلاً لقرائن إعلال المتابعات التامة، ثم رأيتُ أنّ الوهَمَ قد يكونُ حاصلاً فيما يرويه الراوي متابعاً فيه لغيره متابعةً تامّةً حيث لا يقع انفراد مطلق ولا انفراد نسبيٌّ ولا اختلاف على المدار في متن أو سند، فجعلت هذا القسم رابع أقسام قرائن الإعلال.

    [5] فالأخطاء من حيث موضع وقوعها ثلاثة أقسام: خطأ موضعه الحديث كله وهو التفرد المطلق؛ وخطأ موضعه فوق المدار وهو الاختلاف على المدار؛ وخطأ موقعه قبل المدار إما بمتابعة قاصرة غير صحيحة أو متابعة تامة غير صحيحة؛ ففي التفرد المطلق غير الصحيح يخطئ الراوي في تحديثه بذلك الحديث عمن فوقه فيكون كل ما فوقه من التحديث خطأ لأن ما يبنى على الباطل فهو باطل.
    رضا الحملاوي و أبو مالك المديني الأعضاء الذين شكروا.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    10,847

    افتراضي

    نفع الله بكم يا شيخ محمد ، وأجزل مثوبتكم .
    قال أبو عبدِ الله ابنِ الأعرابي:
    لنا جلـساء مـا نــمَلُّ حـدِيثَهم *** ألِبَّاء مأمونون غيبًا ومشهدا
    يُفيدوننا مِن عِلمهم علمَ ما مضى *** وعقلًا وتأديبًا ورأيا مُسدَّدا
    بلا فتنةٍ تُخْشَى ولا سـوء عِشرَةٍ *** ولا نَتَّقي منهم لسانًا ولا يدا
    فإن قُلْتَ أمـواتٌ فلـستَ بكاذبٍ *** وإن قُلْتَ أحياءٌ فلستَ مُفَنّدا


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي

    وهذه نسخة الفصل التمهيدي كاملة
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي

    وهذا الفصل الأول من الكتاب
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي

    وهذا الفصل الثالث
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي

    وهذا الفصل الثاني
    تنبيه: الفصل الذي رفعته قبل هذا هو الثالث وإن كان مكتوباً على طرته سهواً (الفصل الثاني)
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي

    وهذان الفصلان الرابع والخامس:
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة المقرى

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي الفصل الثامن: قرائن بيان التبعة في الخطأ وتعيينِ المخطئ ومعرفةِ سبب خطئه وكيفيةِ وقوعه

    الفصل الثامن: قرائن بيان التبعة في الخطأ وتعيينِ المخطئ ومعرفةِ سبب خطئه وكيفيةِ وقوعه
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    385

    افتراضي

    جزاك الله خيرا . هلا جمعت شتاته !
    الحمد لله

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي

    الفصل السادس
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي

    جزاك الله خيرا
    أين الفصل السابع؟
    قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى :
    إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2011
    المشاركات
    93

    افتراضي

    ألا يوجد الفصل السابع؟

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    132

    افتراضي

    الفصل السابع
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Feb 2016
    المشاركات
    1

    افتراضي

    جزاك الله خيرا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    99

    افتراضي

    جزاك الله خيرا كثي

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2014
    المشاركات
    5

    افتراضي

    هذا رابط لتحميل الكتاب في مكان واحد.
    https://archive.org/details/ohamoodi_gmail_20180201
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •