تغليب المذكر على المؤنث في الخطاب القرآني
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تغليب المذكر على المؤنث في الخطاب القرآني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي تغليب المذكر على المؤنث في الخطاب القرآني

    تغليب المذكر على المؤنث في الخطاب القرآني


    دراسة في شبهة تمييز الرجل على المرأة


    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


    وبعد،


    فإن الغزو الفكري الاستشراقي، قد تمحور في أيامنا على مسائل كان من أخطرها: التشكيك بمكانة المرأة في التشريع الإسلامي.
    وقد زحف هذا التشويه من طرق عدّة منها: تغليب المذكر على المؤنث في القرآن الكريم. فرأوا فيه وشم عبودية، ونظرة دينية دونية متخلفة ، تجعل من الذكر الفحل متسلطا على المرأة الأنثى المستضعفة المغلوبة!
    وإظهارا للحقيقة، ولجمال هذا الفن البلاغي العربي القرآني قمت بدراسة هذا الموضوع من خلال مبحثين:


    المبحث الأول: الجانب النظري
    المبحث الثاني: الجانب التطبيقي


    وتحت كل مبحث عناوين تخدمه مدْرجة في فهرس المحتويات.


    ملخص البحث




    يدرس هذا البحث من خلال منهج وصْفِي تحليلي، علما من علوم القرآن، وفنا من فنون بلاغته، ألا وهو التغليب. والذي يتناوله البحث على وجه التحديد من هذا الفن هو: تغليب المذكر على المؤنث.


    وطرْق هذا الموضوع ليس على عمومه، بل هو ضمن حدود الرد على شبهة يثيرها منتقدو القرآن الكريم، مدعين أنه ظلم المرأة، وعاملها معاملة دونية، وحط من كرامتها وقدرها، عندما غلب المذكر على المؤنث.
    ولتستبين الطريق وتتضح المعابر إلى فهم كتاب الله كما ينبغي أن له أن يفهم، وكما ينبغي لنا أن نكون معه، وليأخذ كتابُ الله مكانه اللائق به، مهيمنا على التشريعات والكتب والفلسفات، شرعت في هذا البحث، على أمل المشاركة في دراسة هذا الزعم؛ من خلال التنظير لفلسفة تغليب المذكر في اللغة والقرآن الكريم. ثم من خلال ضرب أمثلة تطبيقية، أشرقت من خلالها بلاغة القرآن الكريم بما لا يدع مجالا للشك، وتعرى القول المنتقص لجلاله مما يُعتد به من الأدلة في ميدان البحث العلمي الجاد.


    المبحث الأول: الجانب النظري


    تمهيد:
    أطلعنا سبحانه بخبر من غيبه، على أمر ما كان لنا لنعرفه بعلومنا الوضعية، واجتهاداتنا العقلية، إنه خلق البشرية من نفس واحدة، بعد أن خلق سبحانه منها زوجها، فقال في محكم كتابه: )هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍوَجَعَ لَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا (([1]). وإنما الذي وعيناه بعلومنا ما تلا مرحلة النفس الواحدة، وهو خلق الإنسان من الذكر والأنثى، وقد أطبقت الأديان السماوية على ما جاء في هذه الآية.
    قال القرطبي: قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم، "وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ": يعني حواء ([2]). وبقي تأثير الرجل هو الأول في إيجاد المرأة من النطفة ، فقد قال تعالى: )وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (([3]). وأصبحت صفة توريث الجنس: (ذكر و أنثى) عن طريق الأب، وليس عن طريق الأم من الحقائق العلمية البدهية في زماننا.
    وكون المرأة خلقت من الرجل لا يعني التسرع بالقول ـ كما يحلو للبعض ـ : نظرة دينية قاتمة، كما لا يعني أنها من أملاكه! وإنما لحكمة ذكرها سبحانه في الآية الكريمة " لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا" (([4]). فبين عظم الحكمة التي هي في مصلحة المرأة ، فجعلها مأوى للرجل، يأوي إليها ويهدأ عندها، لتحط عنه التعب والنصب والشقاء، وليجد فيها الراحة والسعادة والرقة والرحمة والعاطفة والهناء، والحكيم لا يخرب بيته سكنه بيده، والرجل مهما استغنى عن أشياء إلا أنه لا يستغني عن سكنه ومأواه! وكان من الممكن أن يكون هذا لو أنها لم تكن مأوى وسكنا له كما أرادها الله!
    ولما كانت اللغة مرآة لمقاصد الناس وأفكارهم، ووعاء لثقافاتهم ومرادهم، تشكلت في لغة العرب تلك القسمة اللغوية الثنائية: ( مذكر، مؤنث ) ، لمجرد التعبير عن انقسام الجنس انقساما حيويا طبيعيا إلى ذكر وأنثى. ودرج العرب على إطلاق جمع المذكر السالم على جمع من المفرد المذكر، وللجمع المختلط من الجنسين على سبيل تغليب المذكر ([5]) للاختصار أوالخفة أو الشهرة أو أسباب أخرى ـ سيأتي تفصيلهاـ بغير تفاضل في الحكم بين الجنسين؛ لأن مبنى التغليب: أن يجتمع شيئان لتناسب بينهما بوجه من الوجوه، فيرجح أحد المعلومين على الآخر، ويطلق عليهما ([6]).
    يقول أبو البقاء الكفوي: ومدار التغليب على جعل بعض المفهومات تابعا لبعض، داخلا تحت حكمه في التعبير عنهما بعبارة مخصوصة للمغلب، بحسب الوضع الشخصي أو النوعي، ولا عبرة في الوحدة والتعدد لا في جانب الغالب، ولا في جانب المغلوب ([7]).
    ومن ثم إضافة أي علامة تأنيث على صيغة المذكر إنما تهدف إلى الخروج من العموم إلى الخصوص؛ لإفهام الآخر أن هذا الكلام إنما قصد به جنس (المؤنث) فقط، وليس عاما للجنسين. ولم يكن في خلد المتكلم ولا في وضع اللغة إعطاء نظرة دونية للمرأة، ولا تحيز ديني جنسي لصالح الرجل ([8]) ، وبالتالي لا مبرر لأن يُنظرَ إلى علامة التأنيث وكأنها وشم عبيدٍ أو ما شابه، مما يحب بعض المغرضين رمي الإسلام به.
    ومن جهة أخرى كثيرا ما يخلط هؤلاء بين الذكر والمذكر، وبين الأنثى والمؤنث؛ ولا أدري ينسون أو يتناسون أن الذكر أو الأنثى إنما يعني وصفا للذات الآدمية أو الحيوانية، أما المذكر أو المؤنث فإنما هو مجرد وصف للفظ اللغوي الذي يشمل بدوره الإنسان والحيوان وغيرهما.
    والنتيجة التي أخلص إليها من خلال هذا الكلام، أن الأصل في الخطاب العموم للذكر والأنثى دون تمييز، وما اللجوء إلى علامة التأنيث إلا لتخصيص المؤنث بشيء لا يشمل المذكر. ومثل هذا لا بد منه، ولا غبار عليه. إنما هي أدوات تفاهم بين الناس، وليست بوسائل تفاضل وتمايز.
    ثم إن هذا الحال ليس من صنيعة الإسلام؛ وإنما هو اجتهاد واضعي اللغة، ولو كان الاصطلاح على العكس فيما يخص المذكر والمؤنث، لما كان هناك ما يؤبه له في المعنى، فالمهم التفاهم، ومعرفة قصد المتكلم.
    ويبدو أن الذي ألجأهم إلى اختيار المذكر للعموم هو خفة اللفظ. وهذا ما نصّ عليه سيبويه بقوله: واعلم أن المذكر أخفّ عليهم من المؤنث؛ لأن المذكر أوّل، وهو أشدّ تمكنا، وإنما يخرج التأنيث من التذكير. ألا ترى أن ( الشيء ) يقع على كل ما أخبر عنه، من قبل أن يُعلم أذكر هو أو أنثى، و(الشيء) ذكر، فالتنوين علامة للأمكن عندهم والأخف عليهم، وتركه علامة لما يستثقلون ([9]).
    وفي موضع آخر نقل قول ابن أبي إسحاق وأبي عمرو مؤيدا له: وإنمَّا كان المؤنث بهذه المنزلة ولم يكن كالمذكر لأنّ الأشياء كلَّها أصلها التذكير ثم تختصَّ بعد، فكل مؤنث شيء، والشيء يذكَّر، فالتذكير أوّل، وهو أشدّ تمكنّا، كما أنَّ النكرة هي اشدّ تمكنّا من المعرفة، لأنَّ الأشياء إنمَّا تكون نكرةً ثم تعرف فالتذكير قبل، وهو أشد تمكّنا عندهم. فالأول هو أشد تمكنا عندهم ([10]).
    والقرآن الكريم كلام الله، نزله سبحانه على العرب بلسانهم، ليعلموا معانيه، ويتدبروا آياته، قال تعالى: " إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " ([11]). والخطاب هنا وإن كان للعرب؛ فإن القاعدة أن العبرة بعموم اللفظ، بمعنى أن الفهم السليم لكتاب الله لا يكون بغير اللغة الأصل وهي العربية، لما حوته من التأصيل والتفريع والتقعيد، بحيث تساعد أهل العلم على استنباط درر إعجازه، وأنوار هدايته. فإن اللغة العربية من القوة والاستيعاب والدقة بمكان، على عكس ما يظن المخالفون.
    قال البقاعي في الآية السابقة: وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة، وأوسعها وأقوامها وأعدلها؛ لأن من المقرر أن القول وإن خص بخطابه قوما، يكون عاما لمن سواهم ([12]).
    وقال ابن كثير: ذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزلَ أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه ([13]).
    ولو نزل القرآن الكريم بغير اللغة العربية لاختلطت المفاهيم، واختلت البلاغة، واحتاج الناس إلى تفصيل كبير، وهذا ما قاله أبو حيان عند تفسيره لهذه الآية: لعلكم تعقلون ما تضمن من المعاني، واحتوى عليه من البلاغة والإعجاز فتؤمنون، إذ لو كان بغير العربية لقيل: " لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ " ([14])([15]).
    وبالتالي فإن معرفة معاني القرآن الكريم، وفهم أسراره يقتضي معرفة لغة العرب، ومعرفة أساليبهم في التعبير، واللغة العربية التي يفهم بها القرآن الكريم إنما هي لغة العرب الأوَل، لأنه نزل عليهم وبلغتهم وفي زمانهم. ولم تكن تلك الطبقة من العرب تعدّ تغليب المذكر في اللغة من باب التفاضل، أو التحكم والسيطرة!
    تغليب المذكر على المؤنث في المصطلح
    التغليب: هو إعطاء الشيء حكم غيره. وقيل: ترجيح أحد المعلومين على الآخر وإطلاق لفظه عليهما إجراء للمختلفين مجرى المتفقين**([16]). وواضح من التعريف أنه متفق مع التعريف اللغوي، ولا يختلف معه. وبمعنى آخر: لا اصطلاح خاص بالتغليب في القرآن الكريم غير التعريف اللغوي.
    وقد قسم الزركشي التغليب إلى عشرة أنواع ([17]):
    الأول: تغليب المذكر على المؤنث: كقوله تعالى: " فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (([18]). وقوله عن مريم: " وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ " ([19]). والأصل في هذا أن يقال: (من الغابرات)، و(من القانتات)، لكنه عدل عن جمع المؤنث إلى جمع المذكر السالم، فعُدّت الأنثى في المذكر بحكم التغليب.
    الثاني: تغليب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب: فيقال: أنا وزيد فعلنا، وأنت وزيد تفعلان. ومنه قوله تعالى لإبليس: " اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا " ([20]) فأعاد الضمير بصيغة الخطاب وإن كان: " من تبعك" يقتضى الغيبة تغليبا للمخاطب، وجعل الغائب تبعا له، كما كان تبعا له في المعصية، والعقوبة، فحسن أن يجعل تبعا له في اللفظ، وهو من محاسن ارتباط اللفظ بالمعنى.
    الثالث: تغليب العاقل على غير العاقل بأن يتقدم لفظ يعم من يعقل ومن لا يعقل، فيطلق اللفظ المختص بالعاقل على الجميع، كقوله تعالى: "قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ" ([21])، فجمعها جمع السلامة؛ ولم يقل: (طائعَين)، ولا (طائعات)؛ لأنه أراد: ائتيا بمن فيكما من الخلائق طائعين، فخرجت الحال على لفظ الجمع، وغلب من يعقل من الذكور.
    الرابع: تغليب المتصف بالشيء على ما لم يتصف به: كقوله تعالى: " وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" ([22]): قيل: غلب غير المرتابين على المرتابين.
    الخامس: تغليب الأكثر على الأقل: بأن ينسب إلى الجميع وصفا يختص بالأكثر كقوله تعالى: " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ" ([23]) أدخَل شعيب في قوله: " لَتَعُودُنَّ" بحكم التغليب إذ لم يكن في ملتهم أصلا حتى يعود إليها.
    السادس: تغليب الجنس كثير الأفراد على فرد من غير هذا الجنس مغمور فيما بينهم، بأن يطلق اسم الجنس على الجميع كقوله: " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" ([24]): عد إبليس منهم مع أنه كان من الجن تغليبا؛ ولأن حمل الاستثناء على الاتصال هو الأصل، ويدل على كونه من غير الملائكة حديث أم المؤمنين عائشة ، قالت: قال رسول الله : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» ([25]).
    السابع: تغليب الموجود على ما لم يوجد: كقوله: " وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" ([26])، إذ المراد المنزل كله، وإنما عبر عنه بصيغة المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد.
    الثامن: تغليب الإسلام: كقوله تعالى: " أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" ([27])؛ لأن الدرجات للعلو للمسلمين، والدركات للسفل، للكافرين، فاستعمل الدرجات في القسمين تغليبا.
    التاسع: تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه كقوله تعالى: " ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" ([28]) ذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاوَل بها، فحصل الجمع بالواقع بالأيدي تغليبا.
    العاشر: تغليب الأشهَر: كقوله تعالى: " حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ" ([29]) أراد المشرق والمغرب فغلب المشرق؛ لأنه أشهر الجهتين، وهو أكثر تفاؤلا؛ إذ يرمز إلى الحياة والبداية، والغروب يرمز إلى النهاية.
    وما ذكرته هنا من تفاصيل التغليب وأنواعه، وإن كنت ذكرته من كتب علوم القرآن بسبب طبيعة البحث؛ إلا أنه لا يبعد عن أصله اللغوي ([30]).
    والذي يهمنها في موضوع التمييز بين الرجل والمرأة هو الجانب التشريعي، ومدى تأثره بتغليب المذكر على المؤنث، وأصيغ الفكرة بشكل سؤال فأقول:
    لو ورد في كلام الشارع الكريم صيغة جمع السلامة مثل: (المسلمين، والمؤمنين) مما وضع مرتبا على بنية (مسلم، و مؤمن) في الذكور عند الإطلاق، فهل تتناول هذه الصيغة عند إطلاقها النساء؟ هذا ما سنراه في العنوان القادم.


    تغليب المذكر على المؤنث عند الأصوليين([31])
    اختلف الأصوليون في كون جمع السلامة مثل: (المسلمين، المؤمنين) هل يشمل النساء عند الإطلاق أم لا؟ على قولين:
    القول الأول: يرى أن اللفظ يتناول النساء، واستدلوا عليه بأدلة منها:
    1-إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع.
    2- قوله تعالى: "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ" ([32]): فدخلت مريم ـ ـ في جمع المذكر السالم: " الْقَانِتِينَ " بنص القرآن الكريم؛ لأن الحديث عنها، ونص عليها بالاسم.
    وبهذا قال الحنابلة والحنفية، وبعض الشافعية، والظاهرية.
    القول الثاني: وهو الذي ارتضاه الشافعي، ومعظم أصحابه والجمهور. ونقله ابن برهان عن معظم الفقهاء، ونقله ابن القشيري عن معظم أهل اللغة. وهو أن مثل هذا اللفظ إذا ورد مطلقا فهو مخصص بالرجال في مورده، إلا أن تقوم دلالة تقتضي الاشتراك، والذي يحقق ذلك أن العرب فصّلت في منزلة الوحدان بين الذكر والأنثى، وكذلك في منزلة التثنية فقالت: مسلم، ومسلمان، ومسلمة، ومسلمتان. ثم خصصوا جمعهن بصيغة فقالوا: مسلمات. وكذلك خصصوا جمع المذكر فقالوا: مسلمين، والجمع إنما هو جمع الآحاد، فإذا اتضح التباين في صيغ الآحاد اتضح فيها بجمعها. واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها:
    1- قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ" ([33])! والمقصود بالآية الرجال دون النساء كما هو معلوم في فرضية الجهاد.
    2- حديث أم سلمة ـ ـ قالت لرسول الله: «ما بال الرجال يسمَّون في القرآن دون النساء» فنزل قوله تعالى: " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّق ِينَ وَالْمُتَصَدِّق َاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" ([34]).
    والذي يبدو لي أن التقريب بين القولين من الناحية العملية ليس بعسير، فكلاهما يقول بتغليب المذكر على المؤنث، وبشمول الحكم الشرعي للجنسين، إلا أن الرأي الثاني اشترط لشمول النساء بالحكم أن توجد قرينة دالة على ذلك. ولم يظهر هذا جليا عند أصحاب الرأي الأول، إلا أنه يفهم من كلامهم. فأصحاب الرأي الأول لم يقصدوا من قولهم أن المرأة تكون من مفردات جمع المذكر السالم، كما أنهم لم يفرضوا على المرأة ما فرض على الرجال بمجرد التغليب في جمع المذكر، ولذلك لم يقولوا بما أراد أن يلزمهم به أصحاب الرأي الثاني من فرض الجهاد على النساء، مع قولهم بالتغليب؛ لأن قرينة الشرع بعدم فرضية الجهاد على النساء ([35]) جاءت مخالفة لتغليب جمع المذكر.
    وأما حديث أم سلمة ـ ـ فلا يلزم أصحاب الرأي الأول، ولا يصلح دليلا للرأي الثاني؛ لأن قصد الصحابيات هو أن يُظهر النص القرآني مزيدا من الاهتمام بالنساء بصريح العبارة، ولم يكن قصدهن بأن القرآن الكريم ينزل بالتكاليف للرجال فقط! بحجة أنه يستعمل الجمع المذكر السالم! ولم يُؤثر هذا الفهم عنهن ـ ـ كما لم يُؤثر أنهن تركن مسألة من مسائل التشريع لمجرد أنه لم يأت بصيغة المؤنث!
    وهذا يعني أن أصحاب الرأي الأول قريبون من أصحاب الرأي الثاني، ولا بد أنهم اعتمدوا على قرينة العرف أو الشرع أو نحو ذلك، وليس على مجرد اللغة. إذ لا خلاف بين الأصوليين والنحاة في عدم تناول جمع المذكر السالم للمؤنث، وإنما ذهب بعض الأصوليين إلى ثبوت التناول؛ لكثرة اشتراك النوعين في الأحكام لا غير، فيكون الدخول عرفا، أو نحوه، لا لغة.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي

    المبحث الثاني: الجانب التطبيقي


    ظهر من خلال استقراء الآيات القرآنية، أن أكثر تعرض القرآن الكريم للجنسين كان من خلال ثلاثة محاور:


    المحور الأول: تغليب المذكر على المؤنث
    في التغليب بين المذكر والمؤنث في القرآن الكريم وجوه بلاغية كثيرة، وليس منها شيء يغمط المرأة، وإنما التغليب لعلة بلاغية تناسب السياق، كما تناسب حال المذكورين، و وضع اللغة العربية. ولما كان البحث يدور حول هذا المحور توسّعْْت به حسب العناوين الآتية:
    أولا: تغليب المذكر لصالح المؤنث
    مرّ في التمهيد أن تغليب المذكر على المؤنث أصل في اللغة العربية، ومن خلال إمعان النظر في هذا التغليب مع استقراء الآيات القرآنية الكريمة، وجدته لصالح الذكر في الصيغة، ولصالح المرأة في المعنى، وهو الأهم، ويتضح هذا من خلال العناوين الآتية:


    أـ التغليب في سياق الذم
    وقصدت به تلك الأفعال والصفات الذميمة التي صدرت من بعض الناس ذكرانا وإناثا، فذكرها القرآن الكريم منسوبة لجمع المذكر! وكان في هذا ستر للمرأة. وفي حال أظهر المرأة العاصية يُظهرها كفرد مؤنث في جماعة من الذكور الآثمين، وهذا من صالح المرأة كذلك.
    * فلو تأملنا تغليب المذكر على المؤنث في قوله تعالى: " إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ " ([36])، ـ والآية كما هو معلوم في نجاة الرسول لوط ومن آمن معه، وهلاك الكفرة ومنهم زوجته العجوز ـ سنجد أن التغليب للرجال على النساء، في قوله: )الغابرين( وهو جمع مذكر سالم، يشمل كل من هلك من كفار الجنسين. وهنا أريد أن أسجل بعض أسرار هذا التغليب فأقول:
    1-لو استعمل جمع المؤنث: (الغابرات) لاقتصر هذا الجمع على النساء، وكانت الحاجة ملحة لإضافة كلام آخر يوضح شمول هذا الهلاك للكفار المعاندين من الرجال، وكما هو معلوم: البلاغة في الاختصار ما لم يكن في الإطالة مزيد فائدة.
    2- الكفار معاندون متمردون، وهذا الخُلق في الذكور أكثر منه في الإناث؛ لأنهن أقرب إلى الطاعة في تكوينهن ([37]) ، ولمّا كان الحديث عن المعاندين ناسب استعمال جمع المذكر؛ لأنهم المعنيون أولا.
    3-من استقرأ التاريخ البشري الديني ـ السماوي منه والوضعي ـ سيجد أن الذين تصدروا لمواجهة الرسل كانوا رجالا في الأغلبية الساحقة، وبالتالي كانت الأولوية لهم في الذكر.
    4- مظاهر الهلاك ومآسيه إنما تظهر عادة وبجلاء على البشر الظاهرين خارج البيوت، في الأسواق والطرقات والأماكن العامة، وما شابه ذلك، و روّاد هذه الأماكن عادة من الرجال أكثر منهم من النساء، فعند اختيار ألفاظٍ للحديث عن الدمار يجدر مراعاة هؤلاء بالأولى، إذ لفتت مناظر دمارهم الانتباه، وإن كان هناك من هو مستور في البيوت ومقصود بالحديث، تشمله صيغة التغليب.
    وفي هذا تكريم للمرأة إذ ذكرَ الهلاك المذموم منسوبا للرجال، وكان ذكر النساء مستورا ضمنيا في الجمع بصيغة التغليب الذي كان من صالح المرأة لا عليها.
    إلا أنه قد يعكر على هذا الكلام وجه آخر، وهو وجود غير زوجة لوط من النساء الهالكات، فلماذا سكت عنهن، وذكرها على وجه التعيين؟
    أقول لا شك من وجود حكمة لله سبحانه في هذا، ولعله يكون منها: أن يعلم الناس عدم انتفاعها من كونها زوجة لرسول، وأن النجاة إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، ويمكن أن نستأنس في هذا المقام بقوله تعالى: " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ" ([38]).
    * ولقائل أن يقول: إذا كانت العلة في التغليب هنا ظهور مناظر الرجال الغابرين، فما بالهم يُغلّبون في قصة يوسف مع زوجة عزيز مصر عندما همّت به؟ وقص القرآن الكريم علينا أن غيرها من النساء أيضا راودنه عن نفسه ([39])، وكان هو المعتصم بالحق، ومع هذا كان التغليب للمذكر في قوله تعالى: " يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ" ([40]).
    والجواب عن هذا الإشكال المتوهم من عدة وجوه:
    1- إنه وإن كان يوسف السلام هنا غير خاطئ، وقد وردت آيات خاصة به وأنصفته، إلا أن الخاطئين في الأصل هم من الجنسين، وطالما وجد خليط من الذكور والإناث فالقاعدة أن يغلب المذكر على المؤنث، من خلال جمع المذكر وليس العكس.
    2-عادة تكون النساء في حفظ وصون الرجال، والأصل أن يَنبُتن في ظلهم نباتا حسنا، إن أحسنوا في تربيتهن، وفساد النساء يشير بشكل غير مباشر إلى فساد الرجال. وكأن الرجال مسؤولون عن خطأ النساء. لذلك غلب الرجال.
    3-عادة النساء أكثر طاعة من الرجال، وكما ذكرت بأن الرجل أكثر استعدادا للتمرد والعصيان من المرأة، والمرأة أكثر استعدادا للمطاوعة من الرجل؛ لذلك ناسب عند ذكر الخطأ أن يغلب فيه الرجال على النساء.
    4-ثم إن الخطأ المذكور هنا هو (التحرش الجنسي)، وهو من عادة الرجال ويندر في النساء؛ لما فطِرْن عليه من شدة الحياء، والضعف. وبالتالي كانت في خطئها متشبهة بالرجال، فناسب الإتيان بجمع المذكر جريا على الأصل في أن هذا الفعل من أفعال الرجال.
    5- كما أن خطأ امرأة العزيز لم يكن من باب العناد العقلي في مواجهة الحق وحب الباطل، كما هو الحال فيمن يواجه دعوة الرسل، وإنما كان من باب الشهوة الجامحة التي تسيطر على صاحبها، وعادة ما يعود هذا إلى صوابه عند ذهاب شهوته، أو فقدان الأمل بها، وهذا ما حصل مع امرأة العزيز فيما قصّه علينا من أخبارها: " قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ" ([41]).
    ثم إن هذا التغليب كذلك كان في صالح المرأة وليس في صالح الرجل؛ لأنه في سياق الذم، فذكرَ الرجال صراحة بجمع المذكر السالم، وسترَ النساء الخاطئات المشمولات به على سبيل التغليب.


    ب ـ التغليب في سياق المدح
    الحديث هنا على عكس سابقه؛ فهو عن تلك الأفعال والصفات الحميدة التي صدرت من خليط من الرجال والنساء، فعبر عنها القرآن الكريم بجمع المذكر السالم. وعلى سبيل المثال ما امتدح سبحانه به مريم ابنة عمران ـ ـ؛ إذ ذكر عفتها وإيمانها وكثرة تعبدها في قوله تعالى: " وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ" ([42]).
    فضم سبحانه مريم ـ ـ إلى جماعة الذكور القانتين من خلال التغليب الوارد في جمع المذكر السالم )الْقَانِتِينَ(، ولم يقل: (من القانتات). وفي هذا من الأسرار البلاغية الكثير، أذكر منها:
    1-القاعدة التي ذكرتها سابقا: إذا اجتمع الرجال والنساء غلب المذكر على المؤنث، رعاية للعموم والاختصار على عادة العرب. والقنوت صفة يتحلى بها الجنسان، فكان لا بد من أجل التعميم أن يذكر الجميع، ولو قال: (من القانتات) لما حصل التعميم، ولما حصل الاختصار، بسبب عدم شمول كلمة: (القانتات) للرجال القانتين.
    2- في قوله تعالى: )وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ( خصوص وعموم، وعند التفصيل كلاهما في صالح مريم ـ ـ:
    أ- على معنى الخصوص تكون: "مِنَ( لابتداء الغاية أي: من ذرية قوم قانتين، وقد قيل: إنها من أعقاب هارون أخي موسى ـ ـ([43]). وهذا يمكن أن يستأنس له بقوله تعالى: )يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(([44])، بل هناك دليل قرآني واضح في أن مريم ـ ـ من ذرية قوم صالحين مختارين على العالمين؛ وهو قوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(([45]). وعلى هذا المعنى كان التغليب من باب التشريف لمريم ـ ـ ليس إلا.
    ب- على معنى العموم تكون: )مِنَ( للتبعيض: بمعنى من القوم الصالحين المتعبدين الناجين بشكل عام([46])، وضم مريم ـ ـ لقصد أن تكون من جملتهم؛ لأن الصلاح إنما يشتهر في الرجال أكثر من النساء؛ ليس من باب التمييز ضد النساء! وإنما لأنه يُرى على الرجال بسبب ارتيادهم للمساجد والجهاد والجُمُعات، والمعاملات وغيرها أكثر من النساء، بينما عبادات النساء مبناها على الستر وليس على الاختلاط([47])، فيشتهر الرجال أكثر من النساء، ونسبة مريم ـ ـ إلى من اشتهر بالصلاح بوضوح وكثرة من باب التأكيد على صلاحها، وتكريمها بذلك. وليس من باب غمط حقها والتعالي عليها.
    ولا مانع من حمل الآية على المعنيين طالما أن كلاهما جائز، في رأي جمهور العلماء([48]). فيتضاعف تكريم مريم ـ ـ.
    3-في جمع المذكر مراعاة لرؤوس الآي، ما كان ليكون لو قال: (قانتات).
    4- قوله تعالى: )مِنَ الْقَانِتِينَ(: جاء في آخر سورة التحريم، وقد ختمت هذه السورة بضرب الأمثال، قال تعالى: )ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ . وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ(([49]).
    - ففي المثال الأول: ضرب سبحانه المثل للذين كفروا بامرأتين فقط، سبقهما جمع مذكر قانط من رحمة الله بسبب كفره: )كَفَرُوا(. وختم الآية بعدهما بجمع مذكر من أهل النار: )الدَّاخِلِينَ(، وكلاهما يشمل المرأة بالتغليب وليس بصريح اللفظ، فيتضح من هذا بأن هذه القسمة أحسنت للمرأة كثيرا وسترت عليها.
    - وفي المثال الثاني: ضرب الله مثلا )لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ(، فتكون قدوة للجميع، إذ عبر عنهم بتغليب المذكر: )آَمَنُوا(، وفي الوقت الذي جعل سبحانه المرأة قدوة للجميع، نجاها مما ختمت به الآية من جمع المذكر المذموم )الظَّالِمِينَ( فلم يقل: (الظالمات)، وهذا أيضا في صالح المرأة ورفع لمكانتها.
    - وفي المثال الثالث ذكر مريم ـ ـ وضمها إلى القانتين وقد بينت سابقا أن هذا كان من صالحها أيضا.
    5-ولو أجرينا إحصاء لجمع المذكر كيف ختمت به آيتين بالذم وواحدة بالمدح، مقابل ذم امرأتين فقط، لعلمنا بأن لغة القرآن كانت لصالح المرأة.
    6- بل لو تأملنا الأمثال السابقة لرأينا أن الله جلت حكمته، عندما ضرب مثلا بالنساء الكافرات في موطن الذم ذكر امرأتين بمثال واحد وآية واحدة: )اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ(. وعندما ضرب مثلا بالنساء المؤمنات ذكر امرأتين أيضا ولكن كل واحدة بمثل خاص بها، وآية خاصة بها! فأطنب سبحانه في مآثرهن، بينما اختصر وأوجز في مثالبهن، وواضح أن هذا كان من صالح المرأة. وليس تمييزا ضدها.


    ج ـ أثر التغليب في الأحكام
    إن تدبّرَ آيات القرآن الكريم ـ سواء جاءت بتغليب المذكر على المؤنث أم لا ـ وما فيها من الأحكام الشرعية الظاهرة والمستنبطة، يُظهر أن لا فرق في أصل التكليف بين أهلية الرجل والمرأة في شتى أنواع التصرفات حتى المالية منها كالبيع، والإجارة، والكفالة، والصلح، والشركة، والوديعة، والهبة، والعتق، وغيرها.
    وكتبُ الأصول مظنّة التأصيل في هذا الشأن، إذ نجد فيها أن مناط التكليف بأحكام الشريعة الإسلامية قائم على كون الإنسان ـ ذكرا أو أنثى ـ بالغا عاقلا. والقرآن الكريم هو المصدر الأول لهذا التأصيل كما في قوله تعالى:
    ) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(([50]). فنرى أنه سبحانه جعل المرأة صنو الرجل في التكليف. لهما نفس الحكم، وإن جاء فعل: )كسبا( بتغليب المذكر، إلا أنه مجرد تغليب لغوي على أصل القاعدة العربية في استعمال الألفاظ التي تعم الذكر والأنثى إذا اجتمعا.
    ومن الآيات التي تؤكد العموم قوله تعالى: )وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ(([51]). وواضح من كل هذا أن "المرأة شخص مكلف كالرجل"([52]).
    ولو أخذنا مثالا يحتوي على أحكام، وتغليب مثل قوله تعالى " وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ" ([53]). وأريد هنا أن أنقل من بعض التفاسير حتى أتعامل مع عبارتها. يقول النيسابوري: والمراد بالأبوين الأب والأم. فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية (القمران)([54]).
    قد يتوهم البعض من كلمة: (لشرفه) تمييزا في التشريع الإسلامي ضد المرأة.
    وهذا فهم خاطئ غير مؤصّل، إذ لم يكن تشريف الرجل على المرأة ـ الشرف العرفي في هذه الأيام ـ مرادا للشارع ولا المفسّر، ولذلك قال: ومثله في التثنية (القمران): يقصد الشمس والقمر، فجعل هذا مثل ذاك، مع أنه معلوم أن مسألة الشرف بالمعنى العرفي اليوم غير مقصودة، وغير ممكنة فيما يخص الشمس والقمر! وإنما المقصود بشرف القمر كثرة ذكره وترقبه والتأريخ به وجماله في الليالي وما شابه ذلك، وإن كانت الشمس أهم منه في الحياة بل حتى في القرآن الكريم لو تتبعنا موارد الشمس فيه.
    نظير ذلك شرف الأب في هذه الآية التي تتحدث عن أبي الميت وأمه، بمعنى أن الأب المسؤولُ الأول عن الميّت، والمعنيّ بأحوال ابنه بعد موته، وإليه تتجه الأنظار للتصرف في مصيبة الموت التي ألمت بابنه المسمى على اسمه، وإن كانت الأم قد ذكرت في نصوص أخرى أعطتها أكثر من الأب، لما يقتضيه الحال في تلك النصوص([55])، ومع ذلك فالتغليب يشملها هنا ضمنيا.
    وهكذا فهم ابن عاشور قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ(([56]). فقال: إن القوم يشمل النساء بطريق التغليب العرفي في الكلام، كما يشمل لفظُ: )المؤمنين( (المؤمنات) في اصطلاح القرآن، بقرينة مقام التشريع، فإن أصله التساوي في الأحكام إلا ما اقتضى الدليل تخصيص أحد الصنفين به([57]).


    د ـ تغليب المذكر بصفة المؤنث
    سيتضح المقصد من هذا العنوان من خلال المثال الآتي:
    )وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(([58]).
    كلمة: (الوالدين) في اللغة مثنى يقصد به الوالد والوالدة، من باب تغليب المذكر، وإنما قلت: هو تغليب للمذكر بصفة المؤنث؛ لأن الكلمة مأخوذة من (الولادة) وهذا ما يكون على الحقيقة من المرأة لا الرجل، وحتى يشمل اللفظ القرآني الوالد والوالدة كان لا بد من هذا المثنى؛ لأنه لو قال بالتأنيث: (الوالدتين) لما شمل الوالد والوالدة في لغة العرب، كما أنه لا يكون لمولود واحد والدتان!
    وحاد التعبير القرآني عن كلمة (الأبوين) التي تغلب المذكر من غير صفة للمؤنث فيه؛ لأن الآية الكريمة لم تذكر الأب، بل سورة لقمان كاملة ليس فيها لفظ: (أب)، وإنما ذكرت الأم الحامل، وذكرت الولادة والرضاع، وكل هذه الأمور نسائية، لذلك ناسب أن يكون التغليب بصفة من صفات المرأة، فالصيغة للرجل والمعنى للمرأة. وهكذا يكون حظ المرأة من هذا التغليب أكبر من حظ الرجل.
    والتغليب بهذه الطريقة كأنه يشير إلى أن الإحسان في صحبة الأم مقدم على الإحسان للأب كما مر في الحديث.
    ولإظهار المزيد من تكريم المرأة في القرآن الكريم، وعدم تمييز الرجل عليها أقول: إن كل آيات الإحسان للأب والأم في القرآن الكريم كانت بلفظ (الوالدين) ليكون حظ المرأة فيها أكبر من حظ الرجل.
    هـ ـ تغليب المذكر فيما يخصّه
    من أسرار تغليب المذكر في القرآن الكريم؛ أنه يغلب الرجل عندما يكون الأمر أكثر تعلقا به من المرأة. وأمثل لهذا بما يأتي:
    * في قوله تعالى: )وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (([59]).
    وقوله تعالى: )الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ(([60]).
    ففي قوله تعالى: )فَاقْطَعُوا( و )فَاجْلِدُوا( تغليب للمذكر، وإن كان الخطاب موجها لكل المسلمين شاملا للجنسين؛ لأن إقامة الحدود من قطع وجلد إنما يقوم به في المعتاد من يتولى أمور المسلمين من الأمراء والقضاة نيابة عن الأمة.
    * في قصة سيدنا يوسفu قال تعالى: )وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا(([61]) سبق أن ذكرت هذا التغليب، والفارق في هذه الآية أن القرآن الكريم عبر عن (الأب والأم) بالأبوين وليس بالوالدين لأسرار منها:
    1- في قصة يوسفu لم يرد ذكر للأم مطلقا، وإنما ورد ذكر الأب.
    2- العرش عادة يكون للملوك ومن في حالهم، وهؤلاء عادة رجال، لذلك عند الرفع على العرش ثنّى بالأبوين وليس بالوالدين كما مر سابقا.
    * وفي قوله تعالى: )وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُن َّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ(([62]).
    فكلمة: )مُكَلِّبِينَ( فيها تغليب للمذكر إذ لم يقل: (مكلبات)، وإن كنّ في حكم واحد؛ ومن أسرار هذا التغليب أن تعليم الحيوانات من كلاب وغيرها وتأديبها، إنما يتجرأ عليه الرجال لا النساء في المعتاد، إذ يتميز الرجل عن المرأة بمزيد من الشجاعة والقوة، فعبر بجمع المذكر من حيث الصيغة، وشمل النساء في الحكم على إرادة التغليب.
    ولا أظن أحدا يدّعي في مثل هذا تمييزا مقصودا ضد المرأة!


    ثانيا: ذكر الجنسين (الرجال والنساء) منفصلين في الخطاب الواحد
    وكما وجدنا أسلوب التغليب للرجال على النساء في القرآن الكريم، وجدنا كذلك ذكر كل على حدة , وكان هذا كذلك للحرص على معان يريدها سبحانه أن تصل واضحة، فلا تكون بألفاظ التغليب المحتملة، ومثل هذا الخطاب نجده في إثبات بعض الحقوق على وجه التفصيل، وإن كانت حقوق المرأة مأخوذة كذلك من الألفاظ ذات التغليب.
    · ففي قوله تعالى: )يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ(([63]). فصل سبحانه الذكر عن الأنثى بضرورة اختلاف نصيب كل منهما، وفي هذه الحال لا يصح التغليب؛ لأنه يساوي في الحكم. وكما ترى أن الفصل هنا ضروري من أجل توزيع الحقوق غير المتساوية، ولا يمكن معرفة نصيب الأنثى من الذكر بالتغليب.
    · وإن ما ذكرته سابقا من كثرة تغليب الرجال على النساء في الخطاب القرآني أحيانا لفت انتباه بعض الصحابيات، فجئن إلى رسول اللهr مستفسرات، ومنهن «أمُّ عمار الأنصارية - – إذ قالت: أَتيتُ رسولَ اللّهr، فقلت: ما أرَى كُلَّ شيءٍ إلا للرجال، وما أرى النساءَ يُذْكرْنَ بشيءٍ. فنزلت: " إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّق ِينَ وَالْمُتَصَدِّق َاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" ([64])»([65]).
    فذكر سبحانه النساء والرجال كلا على حدة في عشر صفات عظيمات ابتدأت بالإسلام والإيمان، وانتهت بالمغفرة والأجر العظيم.
    فلم يَجْر القرآن الكريم هنا على فن التغليب؛ لأن سبب النزول كان في النساء، ونزلت الآيات على حسب رغبتهن تكريما لهن وتعظيما لشأنهن، وإظهارا لهن بأن ما كان لم يكن على سبيل تمييز الرجال على النساء، والدليل نزول هذه الآية بالفصل بين الجنسين، ولو نزلت هذه الآيات بالتغليب لما نقص من قدر النساء عند الله شيئا، وإنما يكون للاختصار وأسرار بلاغية تناسب المقام.
    · وفي قوله تعالى: )لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُون َ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُون َ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا(([66]).
    في الآية الكريمة تأكيد بليغ على حق المرأة بتملك المال، وهو نصيبها الذي كتبه الله لها مما ترك الوالدان والأقربون، وهذا التأكيد عام من جهة، يثبت حقها بدقة ونص لا يحتمل التأويل، يضمن للمرأة حقها على مدار الأيام. وخاص يتعلق بالبيئة الجاهلية آنذاك، وما كانت تعاني المرأة فيها من ظلم وحيف في سلبها حقها من الميراث.
    فقد كانت العرب لا تورث من لا يحمل السلاح، فتأكل حق المرأة والأطفال من الميراث([67]). فلو نزلت الآية بتغليب المذكر على المؤنث، لسارع إلى أذهان العرب أنها على ظاهرها للرجال فقط؛ وهذا بما للعرف من تأثير على فهم الكلام. ولما كان الشرع قد جاء محاربا لظلم المرأة بسلب ميراثها، نص عليها بغير تغليب موهم لفهم باطل. وإنما يحسن التغليب عند أمن الوهم والالتباس.


    ثالثا: ذكر كل من الجنسين على حدة
    وكما ذكر سبحانه الجنسين من خلال تغليب المذكر على المؤنث، ثم ذكرهما معا في الخطاب الواحد، وفي كل ذلك كان كلا الجنسين مقصودا من الخطاب الشرعي، كذلك ذكر كلا من الجنسين على حدة فيما يخصه، ولا يشمل الجنس الآخر، وهذه مساواة عظيمة لا ظلم فيها، فكما أنه من الظلم عدم المساواة بين المتكافئين، فمن الظلم كذلك المساواة بين غير المتكافئين فيما اختلفا فيه. والعدل المساواة فيما تكافآا، وإعطاء كل منهما حقه الخاص به عندما يختلفان.
    ففي موضوع (الرسالة) خص سبحانه الرجال بالذكر ولم يذكر النساء؛ لأن الرسالة خاصة بالرجال ؛ لأنهم الأصلح لها من حيث التكوين.
    قال تعالى: )أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ(([68]).
    ومن دواعي إفراد كل جنس على حدة في الخطاب الشرعي خصوصية السبب الذي نزلت من أجله الآيات الكريمة، وهذا مثل قوله سبحانه :" مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" ([69]).
    وفي سبب النزول الذي رجحه الطبري، ما يبين سبب تعيين الرجال بالذكر في هذه الآية حيث قال: ذلك تكذيب من الله تعالى قول من قال لرجل من قريش: في جوفه قلبان يعقل بهما ([70]). ولا يغرب في هذه الحال ذكر من خصه الكلام، ولا تمييز في إغفال ذكر الجنس الثاني، لعدم وجود مبرر لذكره.
    هذا مع أن الحكم والعبرة بعموم اللفظ الشامل للرجل و المرأة كما هو معلوم في علوم القرآن الكريم ([71]).

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي

    الخاتمة




    وفي ختام هذا البحث أخلص ـ بحمد الله وتوفيقه ـ إلى نتائج مهمة هي:
    - إن تغليب المذكر في كتاب الله قد أسيء فهمه، فهو من جمالات وفنون البلاغة العربية الرائعة، وقد كان للتغليب الأثر الأكبر في إظهار بلاغة القرآن واختصار عباراته.
    - إن تغليب المذكر موجود في أصل اللغة العربية من قبل نزول القرآن الكريم، وورود هذا الفن البلاغي في القرآن الكريم لأنه نزل بالعربية، ولإفهام العرب وغيرهم ما يريده الله منهم، بأوضح طريق وأقصره إلى المطلوب، وقد حملت العربية بجدارة ما يريده من هداية للبشرية جمعاء.
    - والأهم من هذا كله: تبين أن تغليب المذكر كان تمييزا إيجابيا في صالح المرأة! وليس سلبيا ضدها، وكان لحفظ قدرها، وإخفائها بجمع المذكر عندما يكون هذا الأنسب لها.
    - تبين أن القرآن الكريم لم يَخْل من نصوص كثيرة لم تجر مجرى التغليب، مع أنه كان ممكنا، وما ذلك إلا إظهار لقدر المرأة، وأنها موجودة باستقلال كما هي موجودة في التغليب.
    - إن المرأة والرجل في التشريع الإسلامي سواء، ولا أثر للتغليب من هذه الناحية.
    - إن تغليب المذكر مجرد أسلوب وفن من فنون بلاغة لغة العرب، فالتغليب للمذكر على المؤنث، وليس للذكر على الأنثى كما يحب البعض أن يصور الموضوع!


    تم البحث بحمد الله




    l
    المصادر و المراجع


    %القرآن الكريم


    1.
    أحكام النساء ـ الحافظ عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ـ تحقيق ودراسة وتعليق : علي بن محمد يوسف المحمدي ـ المكتبة العصرية ـ بيروت ـ 1419هـ /1998م
    2.
    إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ـ أبو السعود محمد بن محمد العمادي ـ دار إحياء التراث العربي – بيروت
    3.
    الإتقان في علوم القرآن ـ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ـ دار الفكر - 1416هـ - 1996م ـ الطبعة: الأولى ـ تحقيق: سعيد المندوب - لبنان
    4.
    الإحكام في أصول الأحكام ـ علي بن محمد الآمدي ـ ط2 ـ 1402 هـ ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت
    5.
    البحر المحيط ـ محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي ـ دار الكتب العلمية – ط1 - 1422هـ -2001م ـ لبنان ـ بيروت
    6.
    البرهان في علوم القرآن ـ محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله ـ – 1391هـ ـ دار المعرفة - بيروت
    7.
    التأنيث في العربية ـ رشيدة عبد الحميد اللقاني ـ 1990م ـ دار المعرفة الجامعية ـ الإسكندرية
    8.
    التحبير شرح التحرير في أصول الفقه ـ علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي ـ 1421هـ - 2000م ـ مكتبة الرشد ـ السعودية ـ الرياض
    9.
    التحرير والتنوير ـ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور- 1997م ـ دار سحنون للنشر - تونس
    10.
    التعريفات – الشريف علي بن محمد الجرجاني ـ ط2 ـ 1408هـ ـ دار الكتب العلمية ، بيروت
    11.
    التقرير والتحرير في علم الأصول ـ ابن الأمير الحاج ـ 1417هـ - 1996م ـ دار الفكرـ بيروت
    12.
    التلخيص في أصول الفقه ـ أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ـ 1417هـ- 1996م ـ دار البشائر الإسلامية ـ بيروت
    13.
    الجامع لآحكام القرآن ـ أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ـ دار الشعب – القاهرة
    14.
    الكتاب ـ أبو بشر عمرو عثمان بن قنبرـ تحقيق : عبدالسلام محمد هارون ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1975م.
    15.
    الكشف والبيان في تفسير القرآن ـ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري ـ ط1- 1422هـ -2002م ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان
    16.
    الكليات ـ أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي- 1419هـ - 1998م ـ مؤسسة الرسالة – بيروت
    17.
    اللباب في علوم الكتاب ـ أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي ـ تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض ـ ط1 ـ 1419 هـ ـ 1998 م ـ دار الكتب العلمية - بيروت ـ لبنان
    18.
    اللغة والجنس:حفريات لغوية في الذكورة والأنوثة ـ ط1، 2002م ـ دار الشرق ـ عمان
    19.
    المذكر والمؤنث ـ أبوالعباس محمد بن يزيد المبرد ـ تحقيق: رمضان عبدالتواب وصلاح الدين الهادي ـ 1970م ـ وزارة الثقافة ـ القاهرة
    20.
    المنخول- الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي ـ حققه وخرج نصه وعلق عليه الدكتور محمد حسن هيتو ـ ط3 ـ 1419هـ / 1998 م ـ دار الفكر المعاصرـ بيرت ـ لبنان ـ دار الفكرـ دمشق - سورية
    21.
    الموسوعة القرآنية ـ إبراهيم الإبيارى ـ مؤسسة سجل العرب ـ 1405هـ
    22.
    تاج العروس من جواهر القاموس ـ محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني ـ أبو الفيض الملقّب بمرتضى الزَّبيدي ـ تحقيق مجموعة من المحققين ـ دار الهداية
    23.
    تحرير ألفاظ التنبيه (لغة الفقه) ـ يحيى بن شرف بن مري النووي ـ تحقيق: عبد الغني الدقر ـ ط1 – 1408 ـ دار القلم - دمشق
    24.
    تفسير القرآن العظيم ـ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء ـ دار الفكر - بيروت – 1401هـ
    25.
    تيسير التحرير ـ محمد أمين المعروف بأمير بادشاه ـ دار الفكرـ بيروت
    26.
    جامع البيان عن تأويل آي القرآن ـ محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفرـ 1405هـ ـ دار الفكر - بيروت
    27.
    جامع الترمذي ـ محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي ـ تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت
    28.
    خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب ـ عبد القادر بن عمر البغدادي ـ تحقيق: محمد نبيل طريفي و أميل بديع اليعقوب ـ ط1 - 1998م ـ دار الكتب العلمية – بيروت
    29.
    سنن أبي داود ـ سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي ـ تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ـ دار الفكر – بيروت
    30.
    شذا العرف فى فن الصرف ـ أحمد الحملاوي ـ المكتبة العلمية ـ بيروت
    31.
    شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك ـ ابن عقيل الهمداني ـ تحقيق محمّد محيي الدّين ـ ط20 ـ1400 هـ ـ دارالتراث القاهرة .
    32.
    شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه ـ عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي ـ تحقيق زكريا عميرات ـ دار الكتب العلمية ـ 1416هـ - 1996م ـ بيروت
    33.
    شرح الكوكب المنير ـ تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار ـ المحقق: محمد الزحيلي و نزيه حماد ـ ط2 ـ 1418هـ - 1997 م ـ مكتبة العبيكان
    34.
    صحيح البخاري ـ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله ـ المحقق : محمد زهير بن ناصر الناصر ـ ط1 ـ 1422هـ ـ دار طوق النجاة
    35.
    صحيح مسلم ـ مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري ـ تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ـ دار إحياء التراث العربي – بيروت
    36.
    غرائب القرآن ورغائب الفرقان ـ نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري ـ ط1 ـ 1416 هـ - 1996 م ـ دار الكتب العلمية - بيروت ـ لبنان
    37.
    فتح الباري شرح صحيح البخاري ـ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني ـ المحقق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومحب الدين الخطيب ـ دار الفكر
    38.
    فقه اللغة وسر العربية ـ الإمام أبي منصور إسماعيل الثعالبي ـ دار الباز - مكة المكرمة .
    39.
    كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام ـ علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري ـ تحقيق عبد الله محمود محمد عمرـ 1418هـ - 1997م ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت
    40.
    لباب التأويل في معاني التنزيل –علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن ـ 1399 هـ /1979 م ـ دار الفكر – بيروت ـ لبنان
    41.
    مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، أبو محمد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري ـ تحقيق د/ مازن المبارك ومحمد علي حمد الله ـ ط5ـ دار الفكر ـ بيروت
    42.
    مناهل العرفان في علوم القرآن ـ محمد عبد العظيم الزرقاني ـ ط1 ـ 1416هـ / 1996م ـ دار الفكر ـ لبنان
    43.
    نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ـ برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي ـ تحقيق: عبد الرزاق غالب المهدي ـ 1415هـ ـ 1995 م ـ دار الكتب العلمية – بيروت
    44.
    همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ـ جلال الدين السيوطي - تحقيق: عبد العال مكرم - 1413 هـ/1993م - مؤسسة الرسالة - بيروت .

    http://vb.tafsir.net/tafsir28376/#.VijaStIrLIW

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •