هذه الجملة المهمة جدا، حذر من العمل بها الملك المؤسس، العبقري الصالح، عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله تعالى- فهو يراها أحد الأسس التي تحصل بها الفتن.
جاء في الكتاب النافع [رسائل أئمة التوحيد] الذي ألفه الأمير الدكتور الموفق/ فيصل بن مشعل بن سعود آل سعود ـ حفظه الله ورعاه ـ أن الملك عبدالعزيز رحمه الله، وصى ابنه الملك سعود – رحمه الله-: بالحزم في جميع الأمور، ونقل له أن انحطاط دولة بني العباس، كان من أسبابه أنهم قربوا أعداءهم تأليفا لهم، وأبعدوا أصدقاءهم وثوقا بهم، فلما وقع الأمر، وثب عليهم عدوهم، وتباعد عنهم صديقهم.
وهذا الذي حذر منه الملك عبدالعزيز – رحمه الله – مستنبط من النصوص الشرعية، والسنن الربانية، والحوادث التاريخية، فالعدو الحاقد، مهما تظاهر بالنصح والمجاملة – إن مُكّن – فإنه سيعض اليد التي أحسنت إليه.

واعتبر ذلك بما فعله أهل الأهواء، الخارجون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ فإنه – كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه “منهاج أهل السنة”-: فإنه أجابهم رضي الله عنه، إلى عزل من يريدون عزله، وإلى أن مفاتيح بيت المال، تُعطى لمن يرتضونه …”. ولكن ما النتيجة؟ النتيجة أنهم قتلوه، رغم إحسانه إليهم، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: “مصصتموه كما يُمصّ الثوب، ثم عمدتم إليهم فقتلتموه”.

فلا خير في أهل الأهواء، ولا تُؤمن بوائقهم، ومن لبَّس على غيره بأهمية تمكين أهل الأهواء، بحجة الاحتواء، وبحجة أن لهم قبولا عند الشباب، ووصاية عليهم، وبحجة أن تمكين أهل الأهواء، والاندماج معهم، ينفع ضد الأعداء من الشيوعيين والعلمانيين والخوارج، فهو إما جاهل، أو هو منهم، وهذا من تلبيس إبليس، ومن مصائد الشيطان، ولتستمع – أخي القارئ الكريم- إلى كلام الفقيه العالم، الراسخ الزاهد، ابن عثيمين، يقول – رحمه الله- : “العمل مع الفرق الضالة، التي تنتسب إلى الإسلام، قد لا يزيد الأعداء إلا شدة، لأنهم سوف يدخلون علينا من البدع الضالة، ويقولون: أنتم تقولون: كذا وكذا، لأننا أمامهم طائفة واحدة، فيحصل لنا الضرر بهذا الاجتماع، المشتمل على البدعة والسنة، لكننا نجانب هذا كله، وندعو من طريق واحد، وهو طريق السلف الصالح، وكفى به كفاية، وما هذا الفكر الذي يقول: نجتمع كلنا من أهل السنة وأهل البدع في مقابلة الأعداء، ما هذا النظر إلا كنظر من يقول: هات الأحاديث الضعيفة، واجمعها في الترغيب، واجمع الأحاديث الضعيفة في الترهيب، من أجل أن يُرغّب الناس في الطاعة، وأن يُرهبوا من المعصية، وهذا خطأ، ولهذا لا نرى إيراد الأحاديث الضعيفة، لا في الترغيب ولا في الترهيب، لا نرى إيرادها إطلاقا إلا ببيان الضعف، لأن في الأحاديث الصحيحة كفاية، كذلك في طريق السلف الصالح الخالص من شوائب البدع، فيه كفاية”.

1- الجهد في المكر والخديعة

فإذا كان هذا في العمل معهم، فكيف بتمكينهم، وإحسان الظن بهم؟
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
وبطانة الرجل: خاصّته، الذين يستبطنون أمره.

قال القرطبي: “نهى الله ـ عز وجل ـ المؤمنين بهذه الآية، أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دُخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم… (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا): يقول: فسادا، يعني: لا يتركون الجهد في إفسادكم، وإن لم يقاتلوكم في الظاهر، فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة.

وروى البخاري عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله”.
وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ وقد رآه قرب أحد الأعداء: “لا تُدنهم، وقد أقصاهم الله، ولا تُكرمهم، وقد أهانهم الله، ولا تُؤَمِّنْهم، وقد خوَّنهم الله”.


2- الانتقام واستغلال الأحداث

ومن سبق أن كان على الباطل أو أيده، أو أيد الخروج على الحكام، والدعوة إلى الثورات، والوقوف مع خندق التنظيمات والأحزاب خارج وطنه، ضد مواقف وطنه وولاة أمره، فإنه لا يؤمن أن يكون فيه بقية من ذلك الباطل، والاعتقاد الفاسد.
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله تعالى-: المتنقّل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم: ونحن حُدثاء عهد بكفر، أي أنهم قالوا مقولة أهل الكتاب: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط”
فكذلك من نشأ في تنظيمات وجماعات منحرفة لا يؤمنُ أن يكون فيه بقية من تلك النشأة، فيتعاطف مع من نشأ معهم، على حساب دينه ومجتمعه ووطنه، وهذا بلا ريب، من أسباب حصول الفتن والشرور على العباد والبلاد، لا سيما إذا كان ممكّنا.
والمؤمن الصادق: يكون صاحب عقيدة صحيحة، وليس ممن إذا أُعطي رضي، وإن لم يُعط سَخِط، كما أن المؤمن الصادق علاقته بولاة الأمر علاقة دين وإيمان، يُفرق بين المواقف الشخصية، والمواقف الشرعية.

فهذا الإمام أحمد – رحمه الله – مع أن الحاكم في زمنه سجنه لقوله: إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وناله ما ناله من العذاب والتضييق، فلما خرج اجتمع إليه فقهاء بغداد، في ولاية الواثق، وقالوا: إن الأمر تفاقم وفشا – يعنون إظهار القوم خلق القرآن – ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه.
هنا لم يستغل الإمام أحمد فرصة الانتقام الشخصي، لا سيما أن لدى الحاكم خطأ ظاهرا، وهو نصرة القول بخلق القرآن، ورغم أن: مقولة خلق القرآن مقولة كفرية لم يوافقهم الإمام أحمد على طلبهم بالخروج.


وإنما جاءت الرواية أنه “ناظرهم في ذلك” (أي ليمنعهم من الخروج)، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشُقُّوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم…”.
فالموقف الشرعي – الذي سلكه الإمام أحمد – هو عدم الخروج على الحكام وإن جاروا وظلموا، والموقف الشخصي: هو الانتقام والاحتقان، واستغلال الأحداث، وإثارة الغوغاء، وهذا ما حذر منه الإمام أحمد.

3- تهييج الشباب وقلب الحقائق

ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك، ما قاله شيخنا ابن عثيمين – رحمه الله- وهو كلام نفيس جدا: “إذا رأى ولاة الأمور مثلا إسكات واحد منا، قال: لا تتكلم، فهذا عذرُه عند الله، لا أتكلم كما أمرني، لأن بيان الحق فرض كفاية، لا يقتصر على زيد وعمرو، ولو علقنا الحق بالأشخاص لمات الحق بموتهم، الحق لا يُعلق بالأشخاص، افرض أنهم منعوني أنا، قالوا: لا تتكلم، لا تخطب، لا تشرح، لا تدرس، أقول: سمعا وطاعة، أذهب أُصلي، إن أذنوا لي أن أكون إماما صرتُ إماما، وإن قالوا: لا تؤم الناس، ما أممْتُ الناس، وصرتُ مأموما، لأن الحق يقوم به غيري، ولا يعني أنهم إذا منعوني منعوا الناس كلهم، ولنا في ذلك أسوة، فإن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ كان يُحدث عن الرسول أنه يأمر الجنب أن يتيمم، وكان عمر بن الخطاب لا يرى ذلك، فدعاه ذات يوم، وقال له: ما هذا الذي تحدث الناس به؟ يعني: تيممَ الجنب، إذا عدم الماء، فقال: أما تذكر حين بعثني النبي فأجنبت، وتمرغت بالصعيد، وأتيتُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبرته، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا”، وذكر له التيمم، ولكن يا أمير المؤمنين: إني لما جعل الله لك عليّ من الطاعة، إن شئت ألا أحدث به فعلتُ”.
الله أكبر، صحابي جليل، يُمسك عن الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأمر الخليفة الذي له الطاعة، فقال له عمر ـ رضي الله عنه ـ لا: أنا لا أمنعك، لكن أوليك ما توليتَ، يعني: أنّ العهدةَ عليك.
فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع أشرطة ابن عثيمين، أو أشرطة ابن باز، أو أشرطة فلان، نمتنع، وأما أن يُتّخذ من هذه الإجراءات سبيل إلى إثارة الناس، ولا سيما الشباب، وإلى تنفير القلوب من ولاة الأمور فهذا – والله – يا إخواني عين المعصية، وهذا أحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، وبلادنا -كما تعلمون- ليست بلادا صغيرة، وإنما فيها ملايين، بلاد شاسعة، وقبائل مختلفة، لولا أن الله عز وجل منّ علينا بجمع الكلمة، على يد عبدالعزيز بن سعود، لكنا متفرقين متناحرين…”.
فانظرـ أيها القارئ الكريم ـ إلى مواقف هؤلاء الأئمة الصادقين، الناصحين في القديم والحديث، إنها مواقف مشرّفة، لأنها تُقدّم النصوص الشرعية على أهواء النفوس وأطماع الدنيا، هؤلاء هم الذين في تقريبهم وتمكينهم درء للمفاسد والفتن والشرور عن البلاد والعباد.

وقارن بين مواقف هؤلاء العلماء الراسخين ومواقف مَن يتخذ من أي إجراء لولاة الأمور – فيه تنظيم للعمل الخيري أو الدعوي، أو تحفيظ القرآن الكريم، أو التحفظ على بعض المناشط – وسيلة لتهييج الشباب، وقلب الحقائق، وإثارة الفتن، وإساءة الظن بالولاة، والتهويل والمبالغة، تجد الفرق كما بين السماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع.

4- تهوين شأن الدولة وتنظيماتها المحلية

ومن الخطأ الكبير جدا: تهوين شأن الدولة وتنظيماتها المحلية وعلاقاتها الدولية وحساباتها السياسية في نفوس بعض الشباب وإيهامهم أن الحق دائما هو في الجهة المقابلة لتوجهات دولتهم، وإذا سلكت الدولة فجّاً سُلِك بأولئك الشباب فجّاً غير فَجّها، وأساؤوا الظنون بها وبتعليماتها وولاتها والمحبين لها، وهذا ليس من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فليتقوا الله في أبناء المسلمين.
والمقصودُ: أن وصية الملك عبدالعزيز – رحمه الله- بالحذر من تقريب الأعداء بحجة تأليفهم، وإبعاد الأصدقاء بحجة الثقة بهم، هي إحدى الأسس التي تحصل بها الفتن، وهي وصيةٌ ذهبية، دلت على صحتها النصوص الشرعية، وكلام العلماء الراسخين.

فعلى كل مسؤول – سواء كان في مدرسته، أو جامعته، أو مؤسسته، أو وزارته، أو غير ذلك- ألا يُؤتى دينه ووطنه من قِبَله، وليسهر على راحته، فإنه بلد التوحيد، ومهبط الوحي، ومنبع الإسلام، وفيه الحرمان الشريفان، وليس فيه وثنٌ يُعبدُ، ولا كنائس ولا أضرحة، وولاته يحكمون بالشريعة الإسلامية، وهم أنصارُ التوحيد والسنة، زادهم الله توفيقا، وأصلح لهم البطانة، وأعانهم على الأمانة، وجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى.
لمتابعة مقالات مشابهة ، زيارة الرابط التالي:

أسس الفتن الحزبية.. تنفير من العقيدة

فضيلة الشيخ الدكتور / أحمد الرضيمان