بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فلا زالت دعاوى الحداثيين تظهر بين الفينة والأخرى لتشوش على عامة المسلمين معتقداتهم ، ولتبين الحقد الدفين على الإسلام وأهله وحتى يستسيغها الجاهل المغفل فإنها تقدم على طبق عصرنة الدين والحياة وتغيير الرؤى ومسارعة التقدم وكأن الدين الذي انتشر في الآفاق وساد حتى خضعت له كل الأعناق هو سبب تخلفنا وتأخرنا عن ركب الحضارة والتمدن ، وليت شعري لولا الدين أكنا نلنا استقلالا من كافر فاجر أو حققنا تقدما في عصر حاضر أم غابر.
إنه الإسلام الذي يريد أعداؤه إزالته وطمس معالمه بأي أسلوب معفون وبأي شخص مأفون " يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ " الصف/8
ولما عكر صفونا هذه الأيام من تفوه أحد المخذولين في عقائد الإسلام بالتحريف والتغيير منتهجا نهج الحداثيين وزاعما أن هذا هو الدين الذي لا يصلح البشربة سواه ، أحببت أن أوقف إخواني على حقيقة الحداثة وأساس أطروحتها في هذا المقال.
أولا: تعريف الحداثة[1]
الحداثة مذهب فكري أدبي علماني، بني على أفكار وعقائد غربية خالصة مثل الماركسية والوجودية والفرويدية والداروينية، وأفاد من المذاهب الفلسفية والأدبية التي سبقته مثل السريالية والرمزية وغيرها.
وتهدف الحداثة إلى إلغاء مصادر الدين، وما صدر عنها من عقيدة وشريعة وتحطيم كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بحجة أنها قديمة وموروثة لتبني الحياة على الإباحية والفوضى ، وعدم المنطق، وذلك باسم الحرية. والحداثة خلاصة مذاهب خطيرة ملحدة، ظهرت في أوروبا كالمستقبلية والوجودية والسريالية ، وهي إفراز طبيعي لعزل الدين عن الدولة في المجتمع الأوروبي، هروبا من تسلط الكنيسة على ميادين العلم والتقدم.
ثانيا: الجذور التاريخية للحداثة[2]
إن الحداثة مذهب فكري ولد ونشأ في الغرب، منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي على يدي بودلير،إلا ان جذورها ترجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي، حين انفصلت المجتمعات الأوربية عن الكنيسة، وثارت على سلطتها الروحية التي كانت تحارب كل دعوة للعلم الصحيح، والاحترام لعقل الإنسان، ثم انتقل منه إلى بلاد المسلمين.
ولا شك أن الحداثيين العرب حاولوا بشتى الطرق والوسائل أن يجدوا لحداثتهم جذوراً في التاريخ الإسلامي، فما أسعفهم إلا من كان على شاكلتهم من كل ملحد أو فاسق أو ماجن مثل: الحلاج، وابن عربي، وبشار، وأبي نواس، وابن الراوندي، والمعري، والقرامطة، وثورة الزنج، لكن الواقع أن كل ما يقوله الحداثيون هنا، ليس إلا تكراراً لما قاله حداثيو أوربا وأمريكا، ورغم صياحهم وجعجعتهم بالإبداع والتجاوز للسائد والنمطي ـ كما يسمونه ـ إلا أنه لا يطبق إلا على الإسلام وتراثه، أمّا وثنية اليونان وأساطير الرومان وأفكار ملاحدة الغرب، حتى قبل مئات السنين، لذلك تجدهم يذمون كل ما هو ىت عن المسلمين ويمجدون ما جاء عن ضلال الفلاسفة ولربما اعتبروهم أنبياء كذلك ـ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ـ
ولذلك فهم مجرد نقلة لفكر أعمدة الحداثة في الغرب مثل: أليوت، وباوند، وريلكة ولوركا، ونيرودا، وبارت، وماركيز، وغيرهم.
ثالثا: من أبرز رموز مذهب الحداثة من الغربيين
- شارل بودلير 1821 - 1867م وهو أديب فرنسي أيضاً نادى بالفوضى الجنسية والفكرية والأخلاقية، ووصفها بالسادية أي مذهب التلذذ بتعذيب الآخرين. له ديوان شعر باسم أزهار الشر مترجم للعربية من قبل الشاعر إبراهيم ناجي، ويعد شارل بودلير مؤسس الحداثة في العالم الغربي.
- الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير 1821 - 1880م.
- مالا راميه 1842 - 1898م وهو شاعر فرنسي ويعد أيضاً من رموز المذهب الرمزي.
- الأديب الروسي مايكوفسكي، الذي نادى بنبذ الماضي والاندفاع نحو المستقبل.
رابعا: موجز تاريخ الحداثة العربية
بعد أن انتقل وباء الحداثة إلى ديار العرب على أيدي المنهزمين فكريا، ولقيت الرفض من المجتمع الإسلامي في بلاد العرب، أخذوا ينقبون عن أي أصول لها في التاريخ العربي لعلها تكتسب بذلك الشرعية،
وأدونيس .... يعتبر المنظر الفكري للحداثيين العرب، وكتابه (الثابت والمتحول) هو معول الحداثيين ، ومهما حاول الحداثيون أن ينفوا ذلك فإن جميع إنتاجهم يشهد بأنهم أبناؤه الأوفياء لفكره.
المصدر: الحداثة في العالم العربي دراسة عقدية لمحمد بن عبد العزيز العلي- 2/ 690
وهكذا ابتدأ المنظر الفكري للحداثة العربية ينبش كتب التراث, ويستخرج كل شاذ ومنحرف من الشعراء والأدباء والمفكرين، مثل: بشار بن برد، وأبي نواس، لأن في شعرهم الكثير من المروق على الإسلام، والتشكيك في العقائد والسخرية منها، والدعوة للانحلال الجنسي. وحين يتحدث أدونيس عن أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة، وعن سبب إعجاب الحداثيين بشعرهما، يقول: "إن الانتهاك ـ أي تدنيس المقدسات ـ هو ما يجذبنا في شعرهما، والعلة في هذا الجذب أننا لا شعوريّاً نحارب كل ما يحول دون تفتح الإنسان، فالإنسان من هذه الزاوية ثوري بالفطرة، الإنسان حيوان ثوري". انظر (الثابت المتحول) (ج1 صفحة 216). بل إنهم يعتبرون رموز الإلحاد والزندقة، أهل الإبداع والتجاوز، وأهل المعاناة في سبيل حرية الفكر والتجاوز للسائد، وألفوا في مدحهم القصائد والمسرحيات والمؤلفات.
المصدر: الحداثة في ميزان الإسلام لعوض القرني ص35، 38
خامسا:بعض رموز مذهب الحداثة في البلاد العربية
- يوسف الخال - الشاعر النصراني وهو سوري الأصل رئيس تحرير مجلة شعر الحداثية. وقد مات منتحراً أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.
- أدونيس (علي أحمد سعيد) نصيري سوري، ويعد المُروِّج الأول لمذهب الحداثة في البلاد العربية، وقد هاجم التاريخ الإسلامي، والدين والأخلاق في رسالته الجامعية التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة "القديس يوسف" في لبنان وهي بعنوان الثابت والمتحول، ودعا بصراحة إلى محاربة الله عز وجل. وسبب شهرته فساد الإعلام بتسليط الأضواء على كل غريب.
- د. عبد العزيز المقالح - وهو كاتب وشاعر يماني، وهو الآن مدير لجامعة صنعاء وذو فكر يساري.
- عبد الله العروي - ماركسي مغربي.
- محمد عابد الجابري مغربي.
- الشاعر العراقي الماركسي عبد الوهاب البياتي.
- الشاعر الفلسطيني محمود درويش - عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي أثناء إقامته بفلسطين المحتلة، وهو الآن يعيش خارج فلسطين.
- كاتب ياسين ماركسي جزائري.
- محمد أركون جزائري عاش في فرنسا.
- الشاعر المصري صلاح عبد الصبور - مؤلف مسرحية الحلاج.
ومن شاكلتهم ما يتفوه به من يدعو إلى إعادة ترتيب سور القرآن ، وإثبات النبوة لفلاسفة وثنيين وغيرها من المسائل التي يعول عليها الحداثيون لزعزعة أركان الإسلام .
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي[1]
[2]المصدر: الحداثة في ميزان الإسلام لعوض القرني ص23، 24