فتح رب البرية بتلخيص الحموية / للعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 70
24اعجابات

الموضوع: فتح رب البرية بتلخيص الحموية / للعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    الباب التاسعَ عشَرَ:

    في ظهور مقالة التعطيل واستمدادها

    شاعت مقالةُ التعطيل بعدَ القرون المفضلةِ

    - الصحابةِ والتابعين وتابعيهم -

    وإن كان أصلُها قد نبغ في أواخرِ عصر التابعين.


    وأولُ من تكلم بالتعطيل الـجَعْدُ بنُ دِرْهَمٍ،

    فقال:

    ( إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً )،

    فقتله خالدُ بنُ عبد الله القَسْرِيُّ

    الذي كان والياً على العراق لهشامِ بنِ عبد الملك.

    خرج به إلى مُصَلى العيد بوِثاقه ثم خطب الناس وقال:

    ( أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم،

    فإني مضحٍ بالجعد بن درهم،

    إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً

    ولم يكلم موسى تكليماً ) ثم نزل وذبحه،

    وذلك في عيد الأضحى سنة 119 هـ.

    وفي ذلك يقول ابنُ القيم رحمه الله في النونية:

    ( ولأجل ذا ضحى بجعدٍ خالدٌ الـ،،

    قسريُّ يومَ ذبائحِ القُربانِ

    إذ قال: إبراهيمُ ليس خليلَه،،

    كلا ولا موسى الكليمَ الداني

    شَكَرَ الضحيةَ كلُّ صاحب سنةٍ،،

    لله درُّكَ مِن أخي قُربانِ ).


    ثم أخذها عن الجعدِ رجلٌ يُقال له الجهمُ بنُ صَفْوانَ.

    وهو الذي يُنسب إليه مذهبُ الجهمية المعطلةِ لأنه نشره،

    فقتله سلَمُ بنُ أَحْوَزَ صاحبُ شرطة نصرِ بنِ سَيَّارٍ،

    وذلك في خراسانَ سنةَ 128 هـ.



    وفي حدود المِائَةِ الثانيةِ عُرِّبت الكتب اليونانيةُ والرومانيةُ،

    فازداد الأمر بلاء وشدة.


    ثم في حدود الـمِائَةِ الثالثة انتشرت مقالةُ الجهمية

    بسبب بِشرِ بنِ غِياثٍ الـمِرِيسِيِّ وطبقتِِه،

    الذين أجمع الأئمةُ على ذمِّهم،

    وأكثرُهم كفّروهم أو ضلَّلُوهم.



    وصنف عثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميُّ رحمه الله كتاباً

    رد به على المريسي سماه

    ( نقضُ عثمانَ بنِ سعيد، على الكافرِ العنيد،

    فيما افترى على الله من التوحيد ).


    من طالع هذا الكتابَ بعلم وعدل

    تبين له ضعفُ حجة هؤلاء المعطلة بل بطلانُها،

    وأن هذه التأويلاتِ التي توجد في كلام كثير من المتأخرين

    - كالرازي والغزالي وابنِ عقيل وغيرهم -

    هي بعينها تأويلاتُ بِشْر.


    الحمد لله رب العالمين

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    وأما استمداد مقالة التعطيل،

    فكان من اليهود والمشركين وضُلال الصابئين والفلاسفة.

    فإن الجعدَ بنَ درهمٍ أخذ مقالته - على ما قيل -

    من أبَانَ بنِ سَمْعانَ عن طالوتَ

    عن لَبِيدِ بنِ الأعصم اليهوديِّ

    الذي سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم.


    ثم إن الجعد كان - على ما قيل - من أرضِ حَرَّانَ،

    وفيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة،

    ولا ريبَ أن للبيئة تأثيراً قوياً في عقيدة الإنسان وأخلاقه.


    وكان مذهب النفاة من هؤلاءِ

    أن الله ليس له صفاتٌ ثبوتيةٌ،

    لأن ثبوتَ الصفات يقتضي - على زعمهم -

    أن الله مشابهٌ لخلقه.

    وإنما يثبتون له صفاتٍ سلبيةً أو إضافيةً أو مركبةً منهما.


    فالصفات السلبية

    ما كان مدلولُها عدم أمر لا يليق بالله عز وجل.

    مثلُ قولهم إن الله واحد،

    بمعنى أنه مسلوب عنه القِسْمَةُ بالكم أو القول،

    ومسلوبٌ عنه الشريك.


    أما الإضافية

    فهي التي لا يوصف الله بها على أنها صفة ثابتة له،

    ولكن يوصف بها باعتبار إضافتها إلى الغير.

    كقولهم عن الله تعالى إنه مبدأ وعلة،

    فهو مبدأ وعلة باعتبار أن الأشياء صدرت منه،

    لا باعتبار صفة ثابتةٍ له هي البَداءَة والعِلِّيَّة.


    أما المركبة منهما

    فهي التي تكون سلبية باعتبار وإضافية باعتبار.

    كقولهم عن الله تعالى إنه أوّلٌ،

    فهي سلبية باعتبار أنه مسلوب عنه الحدوثُ،

    إضافية باعتبار أن الأشياء بعده.

    فإذا كان هذا هو ما تُستمد منه طريقةُ النفاة،

    فكيف تطيب نفس مؤمن أو عاقل أن يأخذَ به

    ويتركَ سبيلَ الذين أنعم الله عليهم

    من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ؟

    الحمد لله رب العالمين

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    الباب العشرون:

    في طريقة النفاة فيما يجب إثباته أو نفيه من صفات الله

    اتفق النفاة على أن يثبتوا لله من الصفات

    ما اقتضت عقولُهم إثباتَه،

    وأن ينفُوا عنه ما اقتضت عقولُهم نفيَه،

    سواءٌ وافق الكتاب والسنة أم خالفهما.


    فطريق إثبات الصفات لله أو نفيها عنه عندَهم هو العقل.

    ثم اختلفوا فيما لا يقتضي العقلُ إثباتَه أو نفيَه،

    فأكثرهم نفَوْه وخَرَّجوا ما جاء منه على المجاز،

    وبعضهم توقف فيه وفوّض علمَه إلى الله

    مع نفيِ دلالتِه على شيء من الصفات.


    وهم يزعمون أنهم وَفَّقُوا بهذه الطريقةِ

    بين الأدلةِ العقليةِ والنقليةِ.

    ولكنهم كذبوا في ذلك.


    لأن الأدلة العقليةَ والنقليةَ متفقةٌ

    على إثبات صفاتِ الكمال لله.

    وكل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله

    فإنه لا يخالف العقل،

    وإن كان العقل يعجز عن إدراك التفصيل في ذلك.


    وقد شابه هؤلاءِ النفاةُ في طريقتهم

    طريقةَ من قال الله فيهم:

    ( ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك

    وما أنزل من قبلك

    يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت

    وقد أمروا أن يكفروا به

    ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً.

    وإذا قيل لهم تعالَوْا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول

    رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً.

    فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم

    ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ).

    الحمد لله رب العالمين

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    ووجهُ مشابهتهم لهم من وجوه:

    الأول:

    أن كل واحد من الفريقين يزعم أنه مؤمن

    بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم

    مع أنهم لا يقبلون كلَّ ما جاء به.


    الثاني:

    أن هؤلاءِ النفاةَ إذا دُعوا إلى ما جاء به الكتاب والسنة

    من إثبات صفات الكمال لله تعالى أعرضوا وامتنعوا،

    كما أن أولئك المنافقين إذا قيل لهم تعالَوْا

    إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وأعرضوا.


    الثالث:

    أن هؤلاء النفاةَ لهم طواغيتُ يقلدونهم

    ويقدمونهم على ما جاءت به الرسل

    ويريدون أن يكون التحاكمُ عند النـزاع إليهم

    لا إلى الكتاب والسنة،

    كما أن أولئك المنافقين يريدون أن يتحاكموا

    إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به.

    الرابع:

    أن هؤلاء النفاةَ زعموا أنهم أرادوا بطريقتهم هذه

    عملاً حسناً وتوفيقاً بين العقل والسمع،

    كما أن أولئك المنافقين يحلفون

    أنهم ما أرادوا إلا إحساناً وتوفيقاً.


    وكلُّ مبطل

    - يتستر في باطله ويتظاهر بالحق -

    فإنه يأتي بالدعاوَى الباطلةِ

    التي يروّج بها باطلَه.

    ولكن من وهبه الله علماً وفهماً

    وحكمة وحسن قصد،

    فإنه لا يلتبس عليه الباطلُ

    ولا تَرُوج عليه الدعاوى الكاذبةُ،

    والله المستعان.


    الحمد لله رب العالمين

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي


    فصل:

    فيما يلزم على طريقة النفاة من اللوازم الباطلة


    يلزم على طريقة النفاة لوازمُ باطلةٌ، منها:

    أولاً:

    أن الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه

    لأنهما مملوءان من إثبات صفات الله

    التي زعم هؤلاء النفاة أن إثباتها تمثيل وكفر.


    ثانياً:

    أن الكتاب والسنة لم يبينا الحق،

    لأن الحق عند هؤلاء هو نفي الصفات،

    وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على

    نفي صفات الكمال عن الله تعالى لا نصاً ولا ظاهراً.


    وغاية المتحذلق من هؤلاء

    أن يستنتج ذلك من مثل قوله تعالى:

    ( هل تعلم له سمياً )

    ( ولم يكن له كفواً أحد )

    ( ليس كمثله شيء )

    ( لا تجعلوا لله أنداداً ).


    ومن المعلوم لكل عاقل

    أنّ المقصودَ من أمثال هذه النصوص

    إثباتُ كمال الله تعالى،

    وأنه سبحانه وتعالى لكماله لا شبيهَ له في صفاته.

    ولا يمكن أن يراد بها بيان انتفاءُ الصفات عنه.


    إذ لا ريبَ أن من دلّ الناس

    على انتفاء الصفات عن الله تعالى بمثل هذا الكلام

    فهو إما مُلْغِزٌ في كلامه أو مدلِّس أو عاجز عن البيان،


    وكل هذه الأمور ممتنعة في كلام الله

    وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ،

    فإن كلامهما قد تضمن كمال البيان والإرادة،

    فليس المقصودُ به

    إرادةَ ضلال الخلق والتعميةَ عليهم،

    وليس فيه نقص في البيان والفصاحة.


    ثالثاً:

    أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصارِ

    والذين اتبعوهم بإحسان

    كانوا قائلين بالباطل

    وكاتمين للحق أو جاهلين به،

    فإنه قد تواتر النقل عنهم بإثبات صفات الكمال لله

    - الذي زعم هؤلاء أنه باطل -

    ولم يتكلموا مرة واحدة بنفي الصفات

    - الذي زعم هؤلاء أنه الحق -.

    وهذا اللازم مُمتنع على خير القرون وأفضل الأمة.


    رابعاً:

    أنه إذا انتفت صفة الكمال عن الله

    لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص،

    فإن كل موجود في الخارج لا بدَّ له من صفة،

    فإذا انتفت عنه صفات الكمال

    لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص.

    وبهذا ينعكس الأمر على هؤلاء النفاةِ

    ويقعون في شر مما فروا منه.

    الحمد لله رب العالمين

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    فصل:

    فيما يعتمد عليه النفاة من الشبهات

    يعتمد نفاة الصفات على شُبُهات باطلة

    يعرف بطلانَها كلُّ من رزقه الله

    علماً صحيحاً وفهماً سليماً.

    وغالب ما يعتمدون عليه ما يأتي:

    1.دعوى كاذبةٌ.

    مثلُ أن يدّعيَ الإجماعَ على قوله أو أنه هو التحقيق

    أو أنه قول المحققين أو أن قول خصمه خلافُ الإجماع،

    ونحوُ ذلك.


    2.شبهةٌ مركَّبة من قياس فاسد.

    مثل قولهم: إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه،

    لأن الصفاتِ أعراضٌ، والعرض لا يقوم إلا بجسم،

    والأجسام متماثلة.


    3.تَمَسُّك بألفاظ مشترَكة

    بين معانٍ يصح نسبتها إلى الله تعالى

    ومعانٍ لا يصح نسبتها إليه.

    مثلُ الجسم والـحَيْز والجهة،

    فهذه الألفاظُ المجملة يتوصلون بإطلاق نفيها عن الله

    إلى نفي صفاته عنه.


    ثم هم يصوغون هذه الشبهاتِ بعبارات مزخرفة

    طويلة غريبة يحسبها الجاهل بها حقّاً

    بما كُسِيَتْه من زخارفِ القول،

    فإذا حَقَّق الأمرَ تبيَّن له أنها شبهات باطلة،

    كما قيل:

    ( حجج تَهافَتُ كالزجاج تخالها،،

    حقاً وكلٌّ كاسرٌ مكسورٌ ).

    الحمد لله رب العالمين

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    والرد على هؤلاءِ من وجوه:

    الأولُ:

    نقضُ شبهاتهم وحججهم.

    وأنه يلزمهم فيما أثبتوه نظيرُ ما فَرُّوا منه فيما نَفَوْه.

    الثاني:

    بيان تناقض أقوالهم واضطرابِها،

    حيث كانت كل طائفة منهم تدّعي أن العقل يوجب

    ما تدّعي الأخرى أنه يمنعه، ونحوُ ذلك.

    بل الواحد منهم رُبّما يقول قولاً يدعي أن العقل يوجبه،

    ثم ينقضه في محل آخر.

    وتناقض الأقوال من أقوى الأدلة على فسادها.

    الثالث:

    بيان ما يلزم على نفيهم من اللوازم الباطلة،

    فإن فسادَ اللازم يدلّ على فساد الملزوم.

    الرابع:

    أن النصوص الواردةَ في الصفات لا تحتمل التأويلَ.

    ولئن احتمله بعضُها،

    فليس فيه ما يمنع إرادةَ الظاهر فتعين المصيرُ إليه.

    الخامس:

    أن عامةَ هذه الأمورِ - من الصفات -

    يُعلم بالضرورة من دين الإسلام أن الرسول

    صلى الله عليه وسلم جاء بها،

    فتأويلها بمنـزلة تأويل القَرَامِطَة والباطِنِيَّة

    للصلاة والصوم والحج ونحوِ ذلك.

    السادس:

    أن العقل الصريحَ

    - أيْ السالِمَ من الشبهات والشهوات -

    لا يُحيل ما جاءت به النصوص من صفات الله،

    بل إنه يدل على ثبوت صفات الكمال لله في الجملة،

    وإن كان في النصوص من التفاصيل في هذا الباب

    ما تعجز العقول عن إدراكه والإحاطة به.

    وقد اعترف الفحول من هؤلاء

    أنَّ العقل لا يمكنه الوصولُ إلى اليقين

    في عامة المطالب الإلهية.

    وعلى هذا،

    فالواجب تَلَقِّي ذلك من النُّبُوّات

    على ما هو عليه من غير تحريف.

    والله أعلم.

    الحمد لله رب العالمين

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    الباب الحادي والعشرون:

    في أن كل واحد من فريقَي التعطيل والتمثيل

    قد جمع بين التعطيل والتمثيل


    المعطل: من نفى شيئاً من أسماء الله أو صفاته،

    كالجهمية والمعتزلة والأشعرية ونحوِهم.


    والممثل: من أثبت الصفاتِ لله مُمَثِّلاً له بخلقه،

    كمتقدِّمي الرافضة ونحوهم.


    وحقيقة الأمر أن كلَّ معطلٍ ممثلٌ،

    وكلَّ ممثلٍ معطلٌ.


    أما المعطل فتعطيله ظاهر.

    وأما تمثيله فوجهه أنه إنما عطل

    لأنه اعتقد أن إثباتَ الصفات يستلزم التشبيه،

    فأخذ ينفي الصفاتِ فراراً من ذلك،

    فمثل أولاً وعطل ثانياً.


    وأما الممثل فتمثيله ظاهر.

    وأما تعطيله فمن وجوه ثلاثة:

    أحدها:

    أنه عطل نفسَ النص الذي أثبت به الصفةَ

    حيثُ صرفه عن مقتضى ما يدلّ عليه،

    فإن النصَّ دالٌّ على إثبات صفة تليق بالله،

    لا على مشابهة الله لخلقه.


    الثاني:

    أنه إذا مثَّل الله بخلقه فقد عطل كل نصٍّ

    يدل على نفي مشابهته لخلقه،

    مثلَ قوله تعالى:

    ( ليس كمثله شيء )

    ( ولم يكن له كفُواً أحدٌ ).


    الثالث:

    أنه إذا مثَّل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجبِ،

    حيثُ شبه الرب الكاملَ من جميع الوجوه

    بالمخلوق الناقص.
    الحمد لله رب العالمين

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي


    الباب الثاني والعشرون:

    في تحذير السلف عن علم الكلام

    علم الكلام هو ما أحدثه المتكلمون في أصول الدين

    من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها،

    وأعرضوا بها عما جاء في الكتاب والسنة به.


    وقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهلِه

    لما يُفْضِي إليه من الشُبُهات والشكوك.

    حتى قال الإمام أحمدُ:

    ( لا يفلح صاحب كلام أبداً ).

    وقال الشافعي:

    ( حُكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال،

    ويطافَ بهم في العشائر والقبائل ويقالَ:

    هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة

    وأقبل على علم الكلام ).

    وهم مستحقون لما قاله الإمام الشافعي من وجهٍ،

    ليتوبوا إلى الله ويرتدعَ غيرهم عن اتباع مذهبهم.

    ولكن إذا نظرنا إليهم من وجهٍ آخرَ

    -وقد استولت عليهم الحيرة واستحوذ عليهم الشيطان -

    فإننا نرحمهم ونرق لهم.[1]


    فلنا فيهم نظران،

    نظرٌ من جهة الشرعِ نؤدبهم ونمنعهم به من نشر مذهبِهم،

    ونظرٌ من جهة القدَر نرحمهم ونسأل الله لهم العافية [2]،

    ونحمد الله الذي عافانا من حالهم.


    وأكثر من يُخاف عليهم الضلالُ

    هم الذين دخلوا في علم الكلام ولم يصلوا إلى غايته.


    ووجه ذلك أن من لم يدخل فيه فهو في عافية منه،

    ومن وصل إلى غايته فقد تبين له فساده

    ورجع إلى الكتاب والسنة،

    كما جرى لبعض كبرائهم.

    فيبقى الخطر على من خرج عن الصراط المستقيم

    ولم يتبين له حقيقةُ الأمر.


    وقد نقل المؤلف رحمه الله في هذه الفتوى

    كثيراً من كلام من تكلم في هذا الباب من المتكلمين.

    وقال:

    ( وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف

    عن كل كلام.

    ولكن كثيراً من الناس قد صار منتسباً

    إلى بعض طوائفِ المتكلمين،

    ومُحسناً للظن بهم دونَ غيرهم،

    ومتوهماً أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم،

    فلو أُتِي بكل آية ما تبعها حتى يُؤتَى بشيء من كلامهم ).

    ثم قال:

    ( وليس كلُّ من ذكرنا قولَه من المتكلمين وغيرِهم

    نقول بجميع ما يقوله في هذا وغيرِه،

    ولكنّ الحقَّ يُقبل من كلِّ من تكلم به ).

    فبين رحمه الله أن الغرضَ من نقلِه

    بيانُ الحق من أيِّ إنسان،

    وإقامةُ الحجةِ على هؤلاء من كلام أئمتهم.

    والله أعلم.


    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
    [1]. قال الشيخ في الشرح: لكن كلام الشيخ أطول من هذا.

    يقول: فإن هؤلاء أوتوا فهوماً وما أوتوا علوماً وأوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء،

    وأوتوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة

    ( فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء
    إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ).

    هذا كلام الشيخ في الفتوى الحموية في الأصل،
    وليتني نقلته - ولكنه فاتني - لأن فيه فائدة عظيمة.

    [2]. قال الشيخ في الشرح: ولكن إذا اجتمع عندنا نظران نظر الشرع ونظر القدَر،
    نُغَلِّب جانب الشرع.
    الحمد لله رب العالمين

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    الباب الثالث والعشرون:

    في أقسام المنحرفين عن الاستقامة

    في باب الإيمان بالله واليوم الآخر


    طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِه

    والتابعين لهم بإحسان على الصراط المستقيم علماً وعملاً

    - يعرف ذلك من تتبعها بعلم وعدل -

    فقد حققوا الإيمان بالله واليوم الآخر،

    وأقروا بأن ذلك حق على حقيقته،

    وهم في عملهم مخلصون لله متبعون لشرعه،

    فلا شركَ ولا ابتداعَ، ولا تحريفَ ولا تكذيبَ.


    وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف:

    أهل التخييل وأهل التأويل وأهل التجهيل.


    فأما أهل التخييل فهم الفلاسفة والباطنية

    ومن سلك سبيلهم من المتكلمين وغيرهم.


    وحقيقة مذهبهم أن ما جاءت به الأنبياء

    مما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر أمثالٌ وتخييلاتٌ

    لا حقيقةَ لها في الواقع،

    وإنما المقصود بها انتفاع العامة وجمهورِ الناس.

    لأن الناس إذا قيل لهم إن لكم رباً عظيماً

    قادراً رحيماً قاهراً

    وأمامَكم يوماً عظيماً تبعثون فيه

    وتجازَوْن بأعمالكم ونحوُ ذلك،

    استقاموا على الطريقة المطلوبة منهم،

    وإن كان هذا لا حقيقة له على زعم هؤلاء.


    ثم إن هؤلاء على قسمين، غلاةٌ وغيرُ غلاة.


    فأما الغلاة فيزعمون

    أن الأنبياء لا يعلمون حقائق هذه الأمور،

    وأن من المتفلسفة الإلهية ومَن يزعمونهم أولياءَ

    من يعلم هذه الحقائقَ.

    فزعموا أن من الفلاسفة من هو أعلم بالله واليوم الآخر

    من النبيين الذين هم أعلم الناس بذلك.


    وأما غير الغلاة فيزعمون

    أن الأنبياء يعلمون حقائق هذه الأمور،

    ولكنهم ذكروا للناس أموراً تخيِيلية لا تطابق الحق

    لتقوم مصلحةُ الناس.

    فزعموا أن مصلحة العباد لا تقوم إلا بهذه الطريقة

    التي تتضمن كذب الأنبياء في أعظم الأمور وأهمها.



    فالطائفة الأولى حكمت على الرسل بالجهل.

    والطائفة الثانية حكمت عليهم بالخيانة والكذب.

    هذا هو قول أهل التخييل

    فيما يتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر.

    الحمد لله رب العالمين

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي


    أما في الأعمال فمنهم من يجعلها حقائقَ يُؤمر بها كل أحد.

    ومنهم من يجعلها تخيِيلاتٍ ورموزاً

    يؤمر بها العامةُ دون الخاصة،

    فيؤولون الصلاةَ بمعرفة أسرارهم، والصيامَ بكتمانها،

    والحجَّ بالسفر إلى شيوخهم، ونحوَ ذلك،

    وهؤلاء هم الملاحدة من الإسماعيلية والباطنية ونحوِهم.


    وفساد قول هؤلاء معلوم بضرورة الحس والعقل والشرع.

    فإننا نشاهد من الآيات الدالة على وجود الله

    وكمال صفاته ما لا يمكن حصره،


    ( وفي كل شيء له آية،،

    تدل على أنه واحد )،


    فإن هذه الحوادثَ المنتظمةَ لا يمكن أن تحدث

    إلا بمدبر حكيم قادر على كل شيء.

    والإيمان باليوم الآخر دلت عليه جميع الشرائع

    واقتضته حكمة الله البالغة،

    ولا ينكره إلا مكابر أو مجنون.

    وأهل التخييل لا يحتاجون في الرد عليهم إلى شيء كثير،

    لأن نفور الناس عنهم معلوم ظاهر.


    وأما أهل التأويل[1]

    فهم المتكلمون من الجهمية والمعتزلة وأتباعِهم[2].


    وحقيقة مذهبهم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم

    من نصوص الصفات لم يُقصد به ظاهرُه،

    وإنما المقصود به معانٍ تخالفه

    يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم ،

    لكنه تركها للناس يستنتجونها بعقولهم

    ثم يحاولون صرف ظواهر النصوص إليها،

    وغرضه بذلك امتحان عقولهم

    وكثرة الثواب بما يعانونه

    من محاولة صرف الكلام عن ظاهره

    وتنـزيله على شواذ اللغة وغرائب الكلام.


    وهؤلاء هم أكثر الناس اضطراباً وتناقضاً،

    لأنهم ليس لهم قدم ثابت فيما يمكن تأويله وما لا يمكن،

    ولا في تعيين المعنى المراد.

    ثم إن غالب ما يزعمونه من المعاني

    يُعلم من حال المتكلم وسياق كلامه

    أنه لم يرده في ذلك الخطاب المعين الذي أوّلوه.


    وهؤلاء كانوا يتظاهرون بنصر السنة

    ويتسترون بالتنـزيه،


    ولكن الله تعالى هتك أستارهم

    برد شبهاتهم ودحض حججهم،

    فلقد تصدى شيخ الإسلام وغيرُه

    للردّ عليهم أكثرَ من غيرهم،

    لأن الاغترار بهم أكثرُ من الاغترار بغيرهم

    لما يتظاهرون به من نصر السنة.



    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
    [1]. قال الشيخ في الشرح: في الحقيقة أنهم هم أهل التحريف ... لأن التأويل الذي يريدونه:
    صرف الكلام عن ظاهره إلى المعنى المخالف للظاهر. وهذا إذا لم يكن له دليل كان تحريفاً.
    وهذا هو الواقع في مذهبهم ...
    تسمية أنفسهم بأهل التأويل من باب التزيين والتلطيف والتغرير،
    لأنه من المعلوم أنه لو سموا أنفسهم أهل التحريف ... لنفر الناس منهم.

    [2]. قال الشيخ في الشرح: وقولنا ( وأتباعِهم ) يشمل من اتبعهم اتباعاً كاملاً،
    ومن تبعهم اتباعاً جزئياً كالأشاعرة. فإن الأشاعرة بلا شك من أهل التأويل.

    الحمد لله رب العالمين

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,581

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم
    لا إله إلا الله
    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رضا الحملاوي مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم
    وإياكم يا أستاذ رضا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي
    الحمد لله رب العالمين

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    فصلٌ


    مذهب أهل التأويل في نصوص الـمَعاد

    الإيمانُ بها على حقيقتها من غير تأويل.

    ولما كان مذهبُهم في نصوص الصفات

    صرفَها عن حقائقها إلى معانٍ مجازية تخالف ظاهرها،

    استطال عليهم أهل التخييل

    فألزموهم القولَ بتأويل نصوص الـمَعاد

    كما فعلوا في نصوص الصفات.


    فقال لهم أهل التأويل:

    نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم

    جاء بإثبات المعاد، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه،

    فلزم القولُ بثبوته.


    وهذا جواب صحيح وحجة قاطعة

    تتضمن الدفاعَ عنهم في عدم تأويلهم نصوص المعاد،

    وإلزامَهم أهلَ التخييل أن يقولوا بإثبات الـمَعاد

    وإجراءِ نصوصه على حقائقها،

    لأنه إذا قام الدليل وانتفى المانع وجب ثبوت المدلول.


    وقد احتج أهل السنة على أهل التأويل بهذه الحجة نفسِها

    ليقولوا بثبوت الصفات وإجراء نصوصها على حقيقتها،


    فقالوا لأهل التأويل:

    نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم

    جاء بإثبات الصفات لله،

    وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه،

    فلزم القول بثبوتها.

    وهذا إلزام صحيح وحجة قائمة

    لا محيدَ لأهل التأويل عنها،

    فإن من منع صرف الكلام عن حقيقته في نصوص المعاد

    يلزمه أن يمنعه في نصوص الصفات،

    التي هي أعظمُ وأكثر إثباتاً في الكتب الإلهية

    من إثبات المعاد.

    وإن لم يفعل فقد تبين تناقضه وفساد عقله.
    الحمد لله رب العالمين

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    فصلٌ
    وأما أهل التجهيل [1] فهم كثير

    من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف.

    وحقيقة مذهبِهم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم

    من نصوص الصفات ألفاظ مجهولة لا يُعرف معناها،

    حتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم

    يتكلم بأحاديث الصفات ولا يعرف معناها.



    ثم هم مع ذلك يقولون:

    ليس للعقل مَدخل في باب الصفات.



    فيلزم على قولهم

    أن لا يكون عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

    وأئمة السلف في هذا الباب علومٌ عقليةٌ ولا سمعيةٌ،


    وهذا من أبطل الأقوال.


    وطريقتهم في نصوص الصفات

    إمرار لفظها مع تفويض معناها.


    ومنهم من يتناقض فيقول:

    تُجرى على ظاهرها،

    مع أن لها تأويلاً يخالفه لا يعلمه إلا الله.

    وهذا ظاهر التناقض،

    فإنه إذا كان المقصود بها التأويل الذي يخالف الظاهر

    - وهو لا يعلمه إلا الله -

    فكيف يمكن إجراؤها على ظاهرها؟


    وقد قال الشيخ رحمه الله عن طريقة هؤلاء

    في كتاب العقل والنقل:

    ( فتبين أن قول أهل التفويض

    الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف

    من شر أقوال أهل البدع والإلحاد )[2] انتهى.


    والشبهة التي احتج بها أهل التجهيل

    هي وقف أكثر السلف على ( إلا الله ) مِن قوله تعالى:

    ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه

    ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله

    وما يعلم تأويلَه إلا الله

    والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ).


    وقد بنوا شبهتهم على مقدمتين:

    الأولى: أن آياتِ الصفات من المتشابهة.


    الثانية: أن المراد بالتأويل المذكورِ في الآيةِ

    صرفُ اللفظ عن ظاهره إلى المعنى الذي يخالف الظاهر،

    فتكون النتيجة أن لآيات الصفات معنىً يخالف ظاهرها

    لا يعلمه إلا الله.


    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

    [1]. قال الشيخ في الشرح: ويسمون أنفسهم تلبيساً وتزويراً بـ( أهل التفويض )
    لأنه معلوم إذا قال هذا مفوض أهون من إذا قيل هذا مجهل.
    إذا قيل هذا مجهل يجهل الرسول وأصحابه
    ليس بمثل الذي يقول هذا مفوض يفوض العلم إلى الله.

    [2]. قال الشيخ في الشرح: العجيب أن كثيراً من الناس - الذين لا يدرون عن مذهب السلف -
    يقولون إن أهل السنة ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما .. أهل التأويل وأهل التفويض.
    ويعنون بالتفويض تفويضَ المعنى، الذي هو التجهيل في الواقع ..
    معناه أن السلف ليسوا من أهل السنة .. لأن السلف يثبتون المعنى ولا يؤولون،
    فهم ليسوا مفوضة كأهل التجهيل وليسوا مؤولة كأهل التعطيل.
    فهناك .. قسم ثالث .. وهم أهل السنة،
    وهم الذين يفوضون الكيفية ويقرون بالمعنى، وهم السلف.

    الحمد لله رب العالمين

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    والرد عليهم من وجوه:


    الأول:

    أن نسألهم ماذا يريدون بالتشابه

    الذي أطلقوه على آيات الصفات.

    أيريدون بذلك اشتباهَ المعنى وخفاءَه،

    أم يريدون اشتباهَ الحقيقة وخفاءَها؟


    فإن أرادوا المعنى الأول - وهو مرادهم -

    فليست آيات الصفات منه لأنها ظاهرة المعنى.


    وإن أرادوا المعنى الثاني فآيات الصفات منه،

    لأنه لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله تعالى.

    وبهذا عرف

    أنه لا يصح إطلاق التشابه على آيات الصفات،

    بل لابد من التفصيل السابق.


    الثاني:

    أن قولهم: ( إن التأويل المذكور في الآية

    هو صرف اللفظ عن ظاهره

    إلى المعنى الذي يخالف الظاهر )

    غيرُ صحيح.


    فإن هذا المعنى للتأويل اصطلاح حادث

    لم يعرفه العرب والصحابة الذين نزل القرآن بلغتهم.


    وإنما المعروف عندهم أن التأويل يراد به معنيان:

    إما التفسير. ويكون التأويل على هذا المعنى

    معلوماً لأولي العلم،

    كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:

    ( أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله ).

    وعليه يحمل وقف كثير من السلف على قوله تعالى:

    ( والراسخون في العلم ) من الآية السابقة.


    وإما حقيقة الشيء ومآله.

    وعلى هذا يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه

    وعن اليوم الآخر غير معلوم لنا،

    لأن ذلك هو الحقيقةُ والكيفية التي هو عليها

    وهو مجهول لنا،

    كما قاله مالكٌ وغيره في الاستواء وغيره.


    وعليه يحمل وقف جمهور السلف على قوله تعالى:

    ( وما يعلم تأويله إلا الله ) من الآية السابقة.

    الوجه الثالث:

    أن الله أنزل القرآن للتدبر،

    وحثنا على تدبره كله ولم يستثن آيات الصفات.

    والحث على تدبره يقتضي أنه يمكن الوصول إلى معناه،

    وإلا لم يكن للحث على تدبره معنىً،

    لأن الحث على شيء لا يمكن الوصول إليه

    لغوٌ من القول ينـزه كلام الله وكلام رسوله

    صلى الله عليه وسلم عنه.

    وهذا - أعني الحث على تدبره كله من غير استثناء -

    يدل على أن لآيات الصفات معنىً

    يمكن الوصول إليه بالتدبر.

    وأقرب الناس إلى فهم ذلك المعنى هو النبي

    صلى الله عليه وسلم وأصحابُه،

    لأن القرآن نزل بلغتهم،

    ولأنهم أسرع الناس إلى امتثال الحث على التدبر

    خصوصاً فيما هو أهم مقاصد الدين.


    وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِي:

    ( حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن

    - عثمانُ بنُ عفانَ وعبدُ الله بنُ مسعودٍ وغيرُهما -

    أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم

    عشر آيات، لا يتجاوزونها حتى يتعلموها

    وما فيها من العلم والعمل،

    قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً ).


    فكيف يجوز مع هذا أن يكونوا جاهلين

    بمعاني نصوص الصفات التي هي أهم شيء في الدين ؟!

    الرابع:

    أن قولهم يستلزم أن يكون الله قد أنزل في كتابه المبين

    ألفاظاً جوفاءَ لا يَبِين بها الحق،

    وإنما هي بمنـزلة الحروف الهجائية والأبجدية.

    وهذا ينافي حكمة الله

    التي أنزل الله الكتاب وأرسل الرسول من أجلها.

    الحمد لله رب العالمين

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي


    تنبيه

    علم مما سبق أن معانـيَ التأويل ثلاثة:

    أحدها التفسير، وهو إيضاح المعنى وبيانه.

    وهذا اصطلاح جمهور المفسرين،


    ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس:

    ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ).

    وهذا معلوم عند العلماء في آيات الصفات وغيرها.


    الثاني الحقيقة التي يؤول الشيء إليها،

    وهذا هو المعروف من معنى التأويل في الكتاب والسنة،

    كما قال تعالى:

    ( هل ينظرون إلا تأويله )

    ( ذلك خير وأحسن تأويلاً ).

    فتأويل آيات الصفات بهذا المعنى هو الكُنْهُ

    والحقيقة التي هي عليها،

    وهذا لا يعلمه إلا الله.


    الثالث صرف اللفظ عن ظاهره

    إلى المعنى الذي يخالف الظاهر،

    وهو اصطلاح المتأخرين من المتكلمين وغيرهم.

    وهذا نوعانِ صحيحٌ وفاسدٌ.


    فالصحيح ما دل الدليل عليه.

    مثلُ تأويل قوله تعالى:

    ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )

    إلى أن المعنى إذا أردت أن تقرأ.


    والفاسد ما لا دليل عليه،

    كتأويل استواء الله على عرشه باستيلائه،

    ويده بقوته ونعمته، ونحوِ ذلك.

    الحمد لله رب العالمين

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    فصل

    روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:

    ( تفسير القرآن على أربعه أوجه:

    تفسيرٌ تعرفه العرب من كلامها،

    وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته،

    وتفسير يعلمه العلماء،

    وتفسير لا يعلمه إلا الله فمن ادعى علمه فهو كاذب )
    انتهى.


    فالتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها

    هو تفسير مفردات اللغة،

    كمعرفة معنى القَرْءِ والنمارق والكهف ونحوِها.


    والتفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته

    هو تفسير الآيات المكلَّفِ بها اعتقاداً أو عملاً،

    كمعرفة الله بأسمائه وصفاته ومعرفة اليوم الآخر

    والطهارة والصلاة والزكاة وغيرها.


    والتفسير الذي يعلمه العلماء

    هو ما يخفى على غيرهم، مما يمكن الوصول إلى معرفته،

    كمعرفة أسباب النـزول والناسخ والمنسوخ

    والعام والخاص والمحكم والمتشابه ونحوِ ذلك.


    وأما التفسير الذي لا يعلمه إلا الله

    فهو حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر،

    فإن هذه الأشياء نفهم معناها،

    لكن لا ندرك حقيقة ما هي عليه في الواقع.


    مثال ذلك أننا نفهم معنى استواءِ الله على عرشه،

    ولكننا لا ندرك كيفيتَه

    التي هي حقيقة ما هو عليه في الواقع.


    وكذلك نفهم معنى الفاكهة والعسل والماء واللبن

    وغيرِها مما أخبر الله أنه في الجنة،

    ولكن لا ندرك حقيقته في الواقع،

    كما قال تعالى:

    (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين

    جزاءً بما كانوا يعملون


    قال ابن عباس رضي الله عنهما:

    ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماءُ.


    وبهذا تبين أن في القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله،

    كحقائقِ أسمائه وصفاته وما أخبر الله به عن اليوم الآخر.

    وأما معاني هذه الأشياء فإنها معلومة لنا،

    وإلا لما كان للخطاب بها فائدة،

    والله أعلم.
    الحمد لله رب العالمين

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    الباب الرابع والعشرون:
    في انقسام أهل القبلة
    في آيات الصفات وأحاديثها
    المراد بأهل القبلة من يصلي إلى القبلة،
    وهم كل من ينتسب إلى الإسلام[1].
    وقد انقسم أهل القبلة في آيات الصفات وأحاديثها
    إلى ستِّ طوائفَ:
    طائفتان قالوا تُجرى على ظاهرها،
    وطائفتان قالوا تُجرى على خلاف ظاهرها،
    وطائفتان واقفتان.
    فالطائفتان الذين قالوا تُجرى على ظاهرها هم:
    أولاً:
    طائفة المشبهة الذين جعلوها من جنس صفات المخلوقين
    [2]،
    ومذهبهم باطل أنكره عليهم السلف.
    ثانياً:
    طائفة السلف الذين أجرَوْها على ظاهرها
    اللائقِ بالله تعالى.
    ومذهبهم هو الصواب المقطوعُ به،
    لدلالة الكتاب والسنة والعقل عليه دلالةً ظاهرةً،
    إما قطعية وإما ظنية،
    كما تقدم دليل وجوبها وصحتها
    في البابين الثالث والرابع.
    والفرق بين هاتين الطائفتين
    أن الأولى تقول بالتشبيه والثانية تنكره.
    فإن قال المشبه - في علم الله ونزوله ويده مثلاً -
    أنا لا أعقل من العلم والنـزول واليد
    إلا مثلَ ما يكون للمخلوق من ذلك.
    فجوابه من وجوه:
    الأول:
    أن العقل والسمع قد دل كل منهما
    على مباينة الخالق للمخلوق في جميع صفاته.
    فصفات الخالق تليق به وصفات المخلوق تليق به.
    فمن أدلة السمع - على مباينة الخالق للمخلوق -
    قوله تعالى:
    ( ليس كمثله شيء ).
    ومن أدلة العقل أن يقال:
    كيف يكون الخالقُ الكاملُ من جميع الوجوه
    الذي الكمالُ من لوازم ذاته وهو معطي الكمالِ،
    مشابهاً للمخلوق الناقص
    الذي النقصُ من لوازم ذاته
    وهو مفتقر إلى من يُكمِّله؟!
    الثاني:
    أن يقال له:
    ألست تعقل لله ذاتاً لا تشبه ذواتِ المخلوقين؟
    فسيقول: بلى.
    فيقال له:
    فلتعقل إذاً أن لله صفاتٍ لا تشبه صفاتِ المخلوقين،
    فإن القول في الصفات كالقول في الذات،
    ومن فرَّق بينهما فقد تناقض.

    الثالث:


    أن يقال: نحن نشاهد من صفات المخلوقات صفاتٍ

    اتفقت في أسمائها وتباينت في كيفيتها،

    فليست يد الإنسان كيد الحيوان الآخر.

    فإذا جاز اختلافُ الكيفية في صفات المخلوقات

    مع اتحادها في الاسم،


    فاختلاف ذلك بين صفات الخالق والمخلوق من باب أولى.

    بل التباينُ بين صفات الخالق والمخلوق واجبٌ كما تقدم.


    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
    [1]. قال الشيخ في الشرح: ... أما هل هم مسلمون أو غير مسلمين، هذا شيء آخر .
    المهم هؤلاء يقولون أنهم مسلمون.
    [2]. قال الشيخ في الشرح: ونحن إذا سمينا هذا ظاهراً فإنما نسميه من باب التَّنَزُّل.
    وإلا فليس ظاهرُ كلام الله ورسوله في صفاته التشبيهَ، لكن تنزُّلاً معهم.
    الحمد لله رب العالمين

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Aug 2011
    المشاركات
    13,301

    افتراضي

    وأما الطائفتان الذِين قالوا:
    تُجرى على خلاف ظاهرها،
    وأنكروا أن يكون لله صفاتٌ ثبوتيةٌ،
    أو أنكروا بعض الصفات،
    أو أثبتوا الأحوال دونَ الصفات[1]. فهم:
    أولاً:
    أهل التأويل من الجهمية وغيرِهم
    الذين أوّلوا نصوص الصفات إلى معانٍ عيّنوها،
    كتأويلهم اليدَ بالنعمة والاستواءَ بالاستيلاء ونحوِ ذلك.
    ثانياً:
    أهل التجهيل المفوضة الذين قالوا:
    الله أعلم بما أراد بنصوص الصفات،
    لكننا نعلم أنه لم يُرِد إثباتَ صفةٍ خارجية له تعالى.
    وهذا القول متناقض،
    فإن قولَهم: ( نعلم أنه لم يُرِد إثبات صفة خارجية له )
    يناقض التفويض،
    لأن حقيقة التفويض أن لا يحكم المفوض بنفي ولا إثبات،
    وهذا ظاهر.
    والفرق بين هاتين الطائفتين
    أن الأولى أثبتوا لنصوص الصفات معنىً
    لكنه خلاف ظاهرها،
    وأما الثانية فيفوضون ذلك إلى الله من غير إثبات معنى
    مع قولهم إنه لا يُراد من تلك النصوص
    إثبات صفة لله [2]عز وجل.


    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
    [1]. قال الشيخ في الشرح: المعتزلة وكذلك الأشاعرة أيضاً.
    وش معنى الأحوال؟
    قالوا مثلاً إن الله سميع. ليس المعنى أن له سمعاً، لكن هو ذو سمع ..
    يعني حاله أن يكون سميعاً،
    لكن تبي تثبت .. أنه له سمع لا.
    فأقول هو ذو سمع، وليس المعنى أنه متصف بسمع.
    فيكون الله عليم. وكونه عليماً هذه هي الحال. أما أن له علماً فلا.
    ولا شك هذا تناقض.
    [2]. قال الشيخ في الشرح:
    ولا شك أن الطائفة التي تثبت لها معنىً خير في العقل والنظر ممن لا تثبت.
    ولا شك أن التي تثبت معنى يخالف الظاهر أشد جرأة من الذين توقفوا،
    فكل واحدة من الطائفتين خير من الأخرى من وجه.
    الحمد لله رب العالمين

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •