ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 26
1اعجابات

الموضوع: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    بسم الله الرحمن الرحمن
    فهذا جزء من جمع جمعتُه فيه حكايات الإجماع عن أئمة سلفنا الصالح في مسئلة تارك عمل الجوارح بالكلية سميته:
    فَضَلُ وَرَحْمَةُ ٱللهِ ٱلْحَكِيمِ ٱلْحَمِيد
    بِجَمْعِ حِكَايَاتِ ٱلْإِجْمَاعِ ٱلَّذِي لَيْسَ بَعْدَ حُجِّيَّتِهِ مَزِيد

    بِأَنَّ ٱلْإِيمَانَ بِلَا عَمَلٍ لَّا يَنْفَعُ وَلَا يُفِيد

    وَكَلَامِ أَئِمَّةِ ٱلسَّلَفِ لِلِاسْتِزَادَة ِ وَٱلتَّوْكِيد

    وَإِيرَادُ شُبُهَاتِ ٱلْمُخَالِفِي نَ مَعَ ٱلرَّدِّ وَٱلتَّفْنِيد
    أسأل الله عز وجل أن يزرقني إتمامه إنه ولي ذلك والقادر عليه

    3-
    محمد بن إدريس الشَّافِعِيُّ رحمه الله (ت 204 هـ)
    قال اللالكائي رحمه الله في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/956) (1593):
    قال الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ الْأُمّ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ: نَحْتَجُّ بِأَن لَّا تُجْزِئَ صَلَاةٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ؛ لِّحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ». ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ مِن بَعْدِهِم مِّمَّنْ أَدْرَكْنَاهُمْ : أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَّا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِّنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْآخَرِ.
    ____________________

    قلت: وهـٰذا العزو من اللالكائي رحمه الله هو إحالة من ثقة لكتاب ثقة؛ وهو حجة على المعتمد، وأن رده بحجة أنه غير موجود في النسخة المطبوعة تسرع من قائله ومنهج مردود وغير مقبول للأسباب التالية:
    [1] أن نفي ثبوت ما عزاه اللالكائي للشافعي لمجرد عدم وجوده في المطبوع يتضمن رَمْيَ اللالكائيِّ بالوهم بلا مستند، فاللالكائي رحمه الله موصف بالفهم والحفظ والاتقان والضبط، وَصَفَهُ بذٰلك الخطيب البغدادي في تاريخه (16/108)، وأورد قصة تدل علىٰ إتقانه وضبطه؛ حدثه بها البَرْقاني وكانت بينه وبين اللالكائي؛ أعترض فيها اللالكائي على الحافظ أبي مسعود الدمشقي في إسناد حديث في صحيح مسلم، قال البرقاني في آخرها: فنظرت فإذا الأمر علىٰ ما قال. [أي: اللالكائي]، ووَصَفَهُ بذٰلك أيضًا شجاع بن فارس الذهلي، كما نقله عنه ابن نقطة الحنبلي في التقييد (640).(1)
    [2] أن الشافعي رحمه الله ألف كتبًا مستقلة لم يرتبها ترتيبًا محددًا، ولم يجمعها بين دفتي كتاب، حتىٰ جاء تلميذاه البويطي والربيع فرتبا كتاب الأم على الكتب والأبواب والمسائل الفقهيه، وألحقا الشبيه بشبيه، حتىٰ بدا الكتاب علىٰ ترتيب قريب من المطبوع الحالي - وهو الترتيب القديم - ، وكان هـٰذا الترتيب فيه كثير من الارتجالية والتكرار، مما حدا بسراج الدين البُلْقِيني أن يعيد ترتيب الكتاب علىٰ ترتيب وافق ترتيبَ المزني - صاحب الشافعي - في مختصره الذي أخذه عن الشافعي، وهو الترتيب الذي خرجت به طبعتي الكتاب: الأولىٰ ببولاق بمصر سنة 1321 هـ ، - وما تولد منها من طبعات مصورة - ، والأولي لدار الوفاء سنة 1422 هـ ، ولكن البلقيني عندما رتب الكتاب سقطت منه بعض الأبواب، وبعض النصوص، وإن كانت قليلة، كما بَيَّنَ ذٰلك كلَّه وحققه محقق طبعة دار الوفاء (1/24:15)، فكيف يحاسب اللالكائي رحمه الله (ت 418 هـ) عند عدم الوقوف على النص الذي عزاه لكتاب الأم لترتيب البلقيني رحمه الله (ت 805 هـ) الذي سقط بعض الشيء منه؟!.
    [3] وختام الأسباب - وهو أهمها في وجه نظري - أن النص الذي عزاه اللالكائي لكتاب الأم في باب النية في الصلاة فيه احتجاجٌ للشافعي رحمه الله بحديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: «إنما الأعمال بالنية»، وهـٰذا الحديث ليس موجودًا في باب النية في الصلاة في طبعتي الكتاب، وبدأ كلام الشافعي رحمه الله في هـٰذا الباب في الطبعتين بقوله: «فَرَضَ اللهُ عز وجل الصَّلَاةَ، وَأَبَانَ رَسُولُ اللهِ عَدَدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، .....»، وبدأ البيهقي رحمه الله (ت 458 هـ) هـٰذا الباب في معرفة السنن والآثار (2/326) - وهو كتاب تخريج أحاديث كتاب الأم - بذكر حديث عمر مرفوعًا: «إنما الأعمال بالنيات»، مما يؤكد وجود سقط في ترتيب البلقيني رحمه الله لكتاب الأم في هـٰذا الباب.

    تنبيه:

    لم أعتبر عزو ابن تيمية رحمه الله الأثرَ للشافعي في مجموع الفتاوىٰ (7/209) إحالةً جديدة من إمام ثقة آخر تشهد لإحالة اللالكائي؛ وذٰلك: أن شيخ الإسلام نقل أثر الشافعي، ثم أثر الحميدي، ثم أثر أحمد بن حنبل، بنفس ترتيب اللالكائي ولفظه؛ مما يحتمل أن يكون شيخ الإسلام اقتبسه من اللالكائي دون الإحالة عليه. مع أن الأصل في إحالة إمام ثبت كشيخ الإسلام هو وقوفه علىٰ كلام الشافعي في كتاب «الأم» مباشـرة، فإنك ترى الأثر الذي أورده اللالكائي قبل أثر «الأم» - وهو أثر أيضًا للشـافعي - أخرجه بسـنده من طريق ابن أبي حاتم الرازي، وأورده شيخ الإسلام بنفس ترتيب اللالكائي ولكنه عزاه إلى ابن أبي حاتم مباشرة في كتابه مناقب الشافعي[7] دون الإحالة علىٰ كتاب اللالكائي، فكذٰلك الأصل في إحالته لأثر «الأم» أنها إحالة مباشِرة منه للكتاب. ولولا إيراد شيخ الإسلام الآثار الثلاثة المشار إليها آنفًا بترتيب ولفظ اللالكائي لاحتججتُ بعزو شيخ الإسلام الأثر للشافعي، ولأوردتُه من أهم مقومات الرد علىٰ من يشكك في صحة ثبوته للشافعي، ول
    ـٰكن تركت ذٰلك قطعًا لمادة الجدال؛ لما يعكره الاحتمال الأول على الاحتجاج به.

    قلت: وعلق أحد الفضلاء في مقال له بعنوان (متعالم مغرور) في الحلقة الثانية منه، فقال:
    لا يثبت هـٰذا النقل عن الإمام الشافعي، ولا يوجد في كتبه لا « الأم » ولا غيرها، وقد صرّح محقق كتاب اللالكائي بأنه لم يجده في « الأم » للشافعي، والأمر كـٰذلك. وقال أيضًا: قد تبين .... أن تعريف الإيمان المنسوب إلى الشافعي رحمه الله لم يثبت.
    قلت: بل ثبت كما مر بيانه، وعلىٰ فرض عدم ثبوته عن الشافعي؛ فالثابت عن غيره يشهد لمعناه.

    - وتسائل - أيضًا في نفس المقال - فقال: من نقل هـٰذا الإجماع - المنسوب إلى الشافعي - غيرُ الشافعي؟ فهاته، وإلا فهـٰذه الدعوىٰ من الأباطيل التي لا أصل لها.
    قلت: دونكم إياهم في هـٰذا الكتاب.


    - وقال - أيضًا في نفس المقال -: الصحابة ما عرّفوا الإيمان بأي تعريف، لأن أسباب تعريفه - من الإرجاء وغيره - لم تظهر إلا بعد عصرهم ..... وأن التابعين ومن بعدهم ما عرّفوه إلا بقولهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. كما نُقل ذٰلك عن أئمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. وأنهم ما قالوا: لا يجزئ واحدٌ من الثلاثة إلا بالآخر، وأنه لا يقبل إيمانُ أحدٍ إلا إذا استكمل الثلاثة.
    قلت: قد ثبت كما ترىٰ عن غير واحد أنه حكىٰ عن السلف الإجماع علىٰ أن الإيمان بلا عمل ...:

    (لا يستقيم) كما حكاه الثوريُّ عن السلف.

    أو (لا يجوز) كما حكاه الثوريُّ عن السلف.

    أو (لا يكون) كما حكاه عن السلف ابنُ عيينة، والمزني، وابن أبي زيد القيرواني.

    أو (لا يجزئ) كما حكاه عن السلف الشافعيُّ، والآجريُّ، وابن بطة العكبريُّ.
    أو (لا يقبل) كما حكاه ابن بطة العكبريُّ عن السلف.

    أو (لا ينفع) كما حكاه عن السلف ابنُ عيينة، والحميديُّ، والآجريُّ، وابن بطة العكبريُّ.

    أو هو (ذهاب الإيمان) كما حكاه أبو طالب المكيُّ عن السلف.

    أو (هـٰذا هو الكفر بالله) كما حكاه عن السلف الحميديُّ، وأبو طالب المكي، وابنُ تيمية.


    - وقال - أيضًا في نفس المقال -: وتأمل التعريف الذي نسبه شيخ الإسلام إلىٰ من ذكرهم من أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ولم ينقل عنهم بقية هـٰذا التعريف المنسوب إلى الشافعي رحمه الله.
    قلت: بل نَقَلَ شيخُ الإسلام الإجماعَ الذي حكاه الشافعي محتجًا به علىٰ أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر، كما في موضعين من مجموع الفتاوىٰ (7/209)، و(8/308).

    ______________________________ __
    (1) قلت: وما فعله ناشرا [1] كتاب تمهيد الأوائل[2] لأبي بكر الباقلاني - طبعة لجنة التأليف والترجمة بالقاهرة عام 1947م - بإيعاز من الكوثري منَّا ببعيد، حيث أن ثلاثتهم اتهموا شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله بالتزوير أو الوهم فيما نسباه[3] للباقلاني في كتابه التمهيد من إثبات الباقلاني لصفة العلو والاستواء على العرش لله عز وجل لعدم وجود ذٰلك في النسخة الخطية التي بين أيديهما، مع اعترافهما [4] أنها ناقصة!، وجزما - والأمر كذٰلك - بخطأ ابن تيمية وابن القيم!، فقالا (ص265)[5]: «ونحن نثق علىٰ كل حال بنسخة التمهيد التي بين أيدينا ثقة أقوىٰ من ثقتنا بنقل ابن تيمية وابن القيم، والله أعلم»، وقال الكوثري فيما نقله الناشران عنه في نفس الصفحة [6]: «لا وجود لشيء مما عزاه ابن القيم إلىٰ كتاب التمهيد في كتاب «التمهيد» هـٰذا، ولا أدري ما إذا كان ابن القيم عزا إليه ما ليس فيه زورًا ليخادع المسلمين في نحلته، أم ظن بكتاب آخر أنه كتاب التمهيد للباقلاني»،
    قلت: وقد حقق الكتاب بعدهما رجل نصراني!، طبعته المكتبة الشرقية ببيروت عام 1957م، وفيه النص الذي عزاه ابن تيمية وابن القيم للكتاب. فكان رد الشيخ عبد الرزاق حمزة رحمه الله الماتع علىٰ نفي الكوثري في (ص132) من كتابه (الإمام الباقلاني وكتابه التمهيد): «من الذي يحيط علمه بنفي ما في نسخ التمهيد شرقًا وغربًا من القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر؟، من الذي يحيط علمه بهـٰذا النفي العام القاطع الجازم إلا علام الغيوب؟، فهل أحاط علم الكوثري في القرن الرابع عشر بجميع نسخ التمهيد شرقًا وغربًا في عشرة قرون، فصح له أن يقول: «لا يوجد ما نقل ابن القيم منه»، ليتدرج منه إلىٰ رمي ابن القيم بالتزوير والخداع وانتحال النحلة الباطلة إلخ؟. ألم يكن الأوفق والأجدر بالإنصاف أن يقول: لا أعرف، أو: لم أطلع، أو: لم يبلغني، كما هو الشأن في عبارات المنصفين من العلماء المحققين؟».
    ______________________________ ____________________________

    [1] كتب هـٰذان الناشران علىٰ غلاف الكتاب أنه من تحقيقهما، فرد عليهما الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة رحمه الله فقال في (ص132) من كتابه (الإمام الباقلاني وكتابه التمهيد): إنما صناعتكما النشر، ولم تتقناه، فإنكما لم تعطياه ما يعطيه الناشر الأمين.
    [2] طبعاه باسم (التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة).
    [3] ابن تيمية في درء التعارض (6/206)، وابن القيم في اجتماع الجيوش (ص459).
    [4] ذكرا في حاشية (ص260) سببين يدلان علىٰ نقص المخطوطة التي اعتمدا عليها، نقلًا من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/539).
    [5] نقلًا من نفس المصدر السابق.
    [6] نقلًا من نفس المصدر السابق، ومن كتاب الإمام الباقلاني للشيخ عبد الرزاق حمزة (ص126).
    [7] طبع باسم «آداب الشافعي ومناقبه»، والأثر المعزو له في (ص146).
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

    فأما مسألتا التكفير بترك العمل بالمباني الأربعة بالكلية، والتكفير بترك الصلاة بالكلية فغير صحيح نسبة عدم تكفير أهل العلم من السلف لتارك العمل في المسألتين بالكلية، بل هو من عدم العلم بمذهبهم وعدم تحريره، كما حدث ذلك في المتأخرين.

    وأما مسألتا التكفير بترك بعض المباني الأربعة والإتيان ببعضها - خلا ترك الصلاة بالكلية -، والتكفير بترك بعض الصلوات والإتيان ببعضها؛ فهاتان المسألتان محل خلاف بين السلف.

    ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين مسألة التكفير بترك شيء من المباني الأربعة، وبين التكفير بترك الفرائض كلها فقال في مجموع الفتاوى (611:609/7):
    ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه "الفرائض الأربع" بعد الإقرار بوجوبها ......
    وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئا من هذه الأركان الأربعة ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد ......
    وهذه المسألة لها طرفان؛
    أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر.
    والثاني: في إثبات الكفر الباطن.
    فأما "الطرف الثاني" فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولا وعملا كما تقدم.
    ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدي لله زكاة ولا يحج إلى بيته فهذا ممتنع ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح.
    انتهى باختصار.

    ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية سبب هذا الخلط الذي أحدثه المتأخرون ونسبوه إلى مذهب السلف، فيقول في نفس المصدر السابق (7/364):
    وكثير من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن هو في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف.

    وفي كلتا المسألتين السابقتين نقل العلماء من السلف الإجماع الصحيح على تكفير تارك العمل فيهما بالكلية.
    وإليكم النقولات عن السلف في المسألة الأعم والأشمل وهي المسألة الأولى:
    التكفير بترك المباني أو الفرائض الأربع بالكلية
    والتي نقلها عن السلف شيخ الإسلام ابن تيمية - كلها أو جلها - في المجلد السابع من مجموع الفتاوى في كتابي الإيمان الكبير والأوسط

    1- قال سفيان بن عيينة (ت 198 هج) عندما سأله سويد بن سعيد الهروي عن الإرجاء فقال:
    يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء.
    لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر.
    وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه، وإبليس، وعلماء اليهود.
    أما آدم؛ فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة، وحرمها عليه، فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين، فسمي عاصيا من غير كفر.
    وأما إبليس - لعنه الله -؛ فإنه فرض عليه سجدة واحدة، فجحدها متعمدا فسمي كافرا.
    وأما علماء اليهود؛ فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته، فسماهم الله عز وجل كفارا.
    فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء.
    وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس - لعنه الله -.
    وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود، والله أعلم.

    أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (1/347) (745) قال حدثنا سويد بن سعيد الهروي، قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء.
    وسويد صدوق إلا أنه عمي فصار يتلقن - التقريب (2705) -.
    وأخرجه عبد الله في نفس المصدر السابق (735) عن سويد به مختصرا.

    وأخرج عبد الله في نفس المصدر السابق (738) فقال: حدثنا محمد بن سليمان بن حبيب لوين، سمعت ابن عيينة، غير مرة يقول: «الإيمان قول وعمل»، قال ابن عيينة أخذناه ممن قبلنا قول وعمل: وأنه لا يكون قول إلا بعمل.
    ومحمد بن سليمان المعروف بلوين ثقة - التقريب (5962) -.

    قلت: فعلم أن قول ابن عيينة في الأثر (745): ونحن نقول الإيمان قول وعمل.
    أنه لم يعن به نفسه رحمه الله تعالى، وإنما عنى بها إجماع من كان قبله من السلف على تلك المقالة فقال في الأثر (738): «الإيمان قول وعمل، ... أخذناه ممن قبلنا».

    2- قال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت 219 هج):
    وأخبرت أن ناسا يقولون:
    من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه، إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة.
    فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين.
    قال الله عز وجل: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [البينة: 5].

    أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/957) (1594) قال:
    أخبرنا محمد بن أحمد البصير، قال: أنا عثمان بن أحمد، قال: نا حنبل بن إسحاق، قال: نا الحميدي.
    - والبصير هو ابن رزقويه الأعمى، وهو ثقة صدوق، تاريخ بغداد (2/211) (229).
    - وعثمان هو الدقاق المعروف بابن السماك، وهو ثقة ثبت، تاريخ بغداد (13/190) (6045).
    - وحنبل هو ابن إسحاق الشيباني ابن عم أحمد بن حنبل، وهو ثقة ثبت، تاريخ بغداد (9/217) (4339).
    - وأخرجه الخلال في السنة (3/586) (1027) عن عبيد الله بن حنبل عن أبيه عن الحميدي.
    - ونقله عن الحميدي شيخ الإسلام ابن تيمية - محتجا به - في مجموع الفتاوى (7/209).

    3- قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه (ت 238 هج):
    غلت المرجئة حتى صار من قولهم - إن قوما يقولون -:
    من ترك المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير ما جحود بها؛ لا نكفره.
    نرجي أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر.
    فهؤلاء المرجئة الذين لا شك فيهم.
    نقله عنه حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله لأحمد وإسحاق (3/1015) (1629).

    4- قال محمد بن الحسين الآجري (ت 360 هج ) في كتابه الشريعة (2/611):
    بَابُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاث
    ُقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: اعْمَلُوا رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ أَنَّ الَّذِيَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِين؛َ أَنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَهُوَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْمَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ وَالتَّصْدِيقٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ الْإِيمَانُ بِاللِّسَانِ نُطْقًا، وَلَا تُجْزِيءُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، حَتَّى يَكُونَ عَمَلٌ بِالْجَوَارِح،ِ فَإِذَا كَمُلَتْ فِيهِ هَذِهِ الثَّلَاثُ الْخِصَالِ: كَانَ مُؤْمِنًا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ، وَقَوْلُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ.

    5- قال أبو طالب محمد بن علي المكي (ت 386 هج) في كتابه قوت القلوب (2/216):
    [الفصل الخامس والثلاثون]
    ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى والحكم وافتراقهما في التفصيل والاسم، وأن كل مؤمن مسلم، وتحقيق القول بالعمل، وإبطال مذهب الجهمية والكرامية والحرورية، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة، وفقنا الله تعالى لذلك، .......
    ومن كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام؛ فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد، .......
    فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، كذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان.
    انتهى مختصرا.

    وفيه تنبيهان:
    الأول: وردت في أصل قوت القلوب في الفقرة الأخيرة: (فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان)، والتصحيح من نقل شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا النص عن أبي طالب المكي في مجموع الفتاوى (7/334).

    الثاني: وهو الرد على من اعترض عن النقل عن أبي طالب المكي لما كان عنده من بدع الكلام والتصوف.
    والرد على ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (10/551) حين سئل عن:
    "إحياء علوم الدين"، و"قوت القلوب" إلخ.
    فأجاب:
    أما (كتاب قوت القلوب) و (كتاب الإحياء) تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب: مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك.
    وأبو طالب أعلم بالحديث، والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد وأجود تحقيقا وأبعد عن البدعة، مع أن في "قوت القلوب" أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة.

    قلت: والمنقول عن أبي طالب المكي من "قوت القلوب" في مسألة الإيمان ليست من المسائل المنتقدة عليه، بل نقل أكثر كلام أبي طالب - إن لم يكن كله - في الإيمان وأقره عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، نقله عنه في مجموع الفتاوى (7/336:332)، وقال في آخره نقله:
    عقد "الفصل الثالث والثلاثين" في بيان تفصيل الإسلام والإيمان وشرح عقود معاملة القلب من مذهب أهل الجماعة وهذا الذي قاله أجود مما قاله كثير من الناس لكن ينازع في شيئين.

    قلت: فهذا الجزء الذي نقلته عن أبي طالب نقله شيخ الإسلام محتجا به، وجود مقالته، وأقر فيه أبا طالب في نسبته لما قاله لمذهب أهل السنة والجماعة.

    6- قال عبيد الله بن محمد المعروف بابن بطة العكبري (ت 387 هج) في كتابه الإبانة الكبري (2/626):
    فَإِنِّي مُبَيِّنٌ لَكُمْ شَرَائِعَ الْإِيمَانِ الَّتِي أَكْمَلَ اللَّهُ بِهَا الِّدين،َ وَسَمَّاكُمْ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَكُمْ إِخْوَةً عَلَيْهَا مُتَعَاوِنِين،َ وَمَيَّزَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا مِنَ الْمُبْتَدِعِين َ الْمُرْجِئَةِ الضَّالِّينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ وَمَعْرِفَةٌ مِنْ غَيْرِ حَرَكَة،ٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ كَذَّبَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ وَالْعُلَمَاءِ مِنْ عِبَادِه.

    7- قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم الحراني المعروف بابن تيمية (ت 728 هج) في مجموع الفتاوى (7/621):
    وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا؛ ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم.
    ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات - سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له؛ أو جزءا منه، فهذا نزاع لفظي - كان مخطئا خطأ بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها.

    وقال أيضا في نفس المصدر السابق (14/120):
    وهنا (أصول) تنازع الناس فيها، منها:
    أن القلب هل يقوم به تصديق أو تكذيب ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟.
    فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس أنه لا بد من ظهور موجب ذلك على الجوارح.
    فمن قال: إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه ولم يتكلم قط بالإسلام، ولا فعل شيئا من واجباته بلا خوف؛ فهذا لا يكون مؤمنا في الباطن؛ وإنما هو كافر.

    فهذه النقولات عن السلف في ما نقلوه من الإجماع على التكفير بترك العمل بالمباني أو الفرائض الأربع بالكلية فيها الحق.

    ويتبع هذا المقال - إن شاء الله تعالى - بآخر، فيه نقولات عن السلف فيها نفس المعنى، ولكن ذكروه عن أنفسهم ولم يذكروه إجماعا، للاستزادة والتوكيد.

    وفي ما مضى من النقولات كما قال ابن بطة الكعبري رحمه الله تعالى في الإبانة الكبرى (2/795):
    فيه شفاء وكفاية لمن أراد به مولاه الكريم خيرا، فوفقه لقبوله والعمل به، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل

    والحمد لله رب العالمين

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

    ذكرت في ما مضى النقولات عن العلماء من السلف في نقلهم الإجماع الصحيح على التكفير بترك المباني أو الفرائض الأربع بالكلية.

    وإليكم النقولات عن العلماء من السلف في نفس المسألة، تكلموا بنفس المعنى منتحلين له، ولكنهم لم ينسبوه إجماعا، وذلك للاستزادة والتوكيد.

    1- نافع مولى ابن عمر (ت 117 هج):
    قال معقل بن عبيد الله العبسي:
    قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فعرضه، قال: فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا .......
    قال: ثم قدمت المدينة فجلست إلى نافع .......
    فذكرت له بدو قولهم .......
    قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل.
    قال: فنتر يده من يدي ثم قال: «من فعل هذا فهو كافر».

    أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (1/382) (831) قال:
    حدثني أبي، نا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي، نا معقل بن عبيد الله العبسي.
    - وأبوه أحمد بن حنبل إمام ثقة حافظ فقيه حجة - التقريب (97) -.
    - وخالد صدوق يخطئ - التقريب (1632) -، وقد تابعه عند ابن نصر المروزي محمد بن يوسف الفريابي ثقة فاضل - التقريب (6455) -، وتابعه أيضا عند ابن جرير الطبري عمر بن خالد الأقطع الرقي لا بأس به - الدارقطني في سؤالات البرقاني (348)، والثقات لابن حبان (8/444) -، وسيأتي عزوهما قريبا.
    - ومعقل صدوق يخطئ - التقريب (6845) -.

    وأخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (977)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (963)، والخلال في السنة (1105)، وابن بطة في الإبانة (1101)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1732).

    2- قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هج):
    من انتحل الإيمان بالكلام ولم يفعل فقد كذب، وليس بصادق.

    أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (21/389) قال:
    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد به.
    - ويونس هو ابن يزيد الصدفي ثقة - التقريب (7964) -.
    - وعبد الله بن وهب المصري ثقة حافظ - التقريب (3718) -.

    3- إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي (ت 240 هج)
    سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان، وما هو؟ يزيد وينقص؟، وقول هو أو قول وعمل؟ وتصديق وعمل؟ فأجابه أبو ثور بهذا، فقال أبو ثور .......

    فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم:
    ما أراد الله عز وجل من العباد - إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة - إلا إقرارا بذلك؟ أو الإقرار والعمل؟.
    فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم.
    من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟!!!.
    فإن قالت أراد منهم الإقرار والعمل قيل: فإذا [كان] أراد منهم الأمرين جميعا؛ لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا؟!.
    أرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر [به] الله، ولا أقر به؛ أيكون مؤمنا؟.
    فإن قالوا: لا.
    قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل منه شيئا؛ أيكون مؤمنا؟.
    فإن قالوا: نعم.
    قيل لهم: ما الفرق؟!، وقد زعمتم أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعا!!!.
    فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر - إذا عمل ولم يقر - مؤمنا، لا فرق بين ذلك.
    فإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم، فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟.
    قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه، بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا.
    و[ولو] قال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان.
    [قال أبو ثور: إنه لا يكون مؤمنا إلا إذا التزم العمل مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنا].
    وفيما بينا من هذا ما يكتفى به، ونسأل الله التوفيق.
    انتهى كلام أبي ثور باختصار.

    أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4/931) (1590) قال:
    وأخبرنا محمد بن أحمد البصير، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: ثنا إدريس بن عبد الكريم المقرئ، قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان ....به.
    - البصير هو ابن رزقويه، ثقة مرت ترجمته في أثر الحميدي.
    - أحمد بن جعفر أبو بكر القطيعي، صدوق - تاريخ بغداد (5/116) (1966).
    - إدريس بن عبد الكريم أبو الحسن الحداد المقرئ، ثقة - تاريخ بغداد (7/466) (3433).

    وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/389:388)، وكل ما بين المعكوفات فهو زيادة من مجموع الفتاوى.

    4- أحمد بن حنبل (ت 241 هج)
    قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/957) (1595):
    أنا محمد، أنا عثمان، نا حنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول: «من قال هذا، فقد كفر بالله ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به».
    وهذا قاله أحمد إثر أثر الحميدي السابق، وأثر أحمد رجاله إسناده نفس رجال إسناد أثر الحميدي، وكلهم ثقات كما مرت تراجمهم في أثر الحميدي.

    قال أبو بكر الخلال في السنة (3/570) (980):
    أخبرني محمد بن موسى، ومحمد بن علي، أن حمدان بن علي الوراق حدثهم قال: سألت أحمد، وذكر عنده المرجئة.
    فقلت له: إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن.
    فقال: المرجئة لا تقول هذا، بل الجهمية تقول بهذا.
    المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه، و[إن لم] تعمل جوارحه، والجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه، وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر إبليس، قد عرف ربه، فقال: {رب بما أغويتني} [الحجر: 39] .
    قلت: فالمرجئة لم كانوا يجتهدون وهذا قولهم؟ قال: «البلاء».

    981 - وأخبرني محمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدثهم، قال: قال أبو عبد الله:
    كان شبابة يدعو إلى الإرجاء، وكتبنا عنه قبل أن نعلم أنه كان يقول هذه المقالة، كان يقول:
    الإيمان قول وعمل، فإذا قال: فقد عمل بلسانه.
    قول رديء.

    982 - أخبرنا محمد بن علي، قال: ثنا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله، وقيل له: شبابة، أي شيء تقول فيه؟
    فقال: شبابة كان يدعو إلى الإرجاء، قال: وقد حكي عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت أحدا عن مثله، قال: قال شبابة: إذا قال فقد عمل، قال: الإيمان قول وعمل كما يقولون: فإذا قال فقد عمل بجارحته أي بلسانه. فقد عمل بلسانه حين تكلم، ثم قال أبو عبد الله:
    «هذا قول خبيث، ما سمعت أحدا يقول به، ولا بلغني».

    تنبيه:
    في الأثر (980) عند الخلال سقط ما بين المعكوفتين، وهو سقط يستلزمه كلام الإمام أحمد في كل المنقول عنه، وبدون إثبات هذا السقط يكون معنى الكلام باطلا، وفيه أن الإمام أحمد نسب مذهب أهل السنة للمرجئة، وحاشاه رحمه الله تعالى أن يقول ذلك.

    تراجم رجال الأثر (980)
    - محمد بن موسى بن يونس أو الفضل البغدادي الملقب بزريق، صدوق - تاريخ بغداد (4/393) -.
    - محمد بن علي بن شعيب السمسار، ثقة - تاريخ بغداد (4/111) -.
    - محمد بن علي أبو جعفر الوراق يعرف بحمدان، ثقة - تاريخ بغداد (4/102) -.

    تراجم رجال الأثر (981):
    - محمد بن جعغر أبو جعفر الراشدي ثقة - تاريخ بعداد (2/499) -.
    - أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ من أصحاب أحمد صدوق - تاريخ بغداد (6/328) -.

    تراجم رجال الأثر (982):
    - محمد بن علي بن شعيب سبقت ترجمته في الأثر (980)، وقد تابعه الخضر بن داود عند العقيلي في الضعفاء (2/195).
    - وأحمد بن محمد بن هانئ الأثرم من أصحاب أحمد وكان حافظا - تاريخ بغداد (5/316) -.

    5- قال حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي (ت 388 هج) في كتابه معالم السنن (4/315):
    وأصل الإيمان: التصديق.
    وأصل الإسلام: الاستسلام والانقياد.
    فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن.
    ولا يكون صادق الباطن غير منقاد في الظاهر.

    تنبيه:
    جاءت الجملة الأخيرة في شرح النووي على مسلم (1/206) كالتالي:
    وقد يكون صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر.
    قلت: وهو خطأ بين، أخل بالمعنى، وخلف ضده.

    قلت: بذلك يكون قد بلغت الحجة من هذه النقولات في إثبات إجماع السلف على التكفير بترك المباني أو الفرائض الأربع بالكلية.
    وأما مسألة التكفير بترك الصلاة بالكلية لها موضع آخر إن شاء الله تعالى.

    والحمد لله رب العالمين.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    وإليكم النقولات عن العلماء من السلف في نفس المسألة، تكلموا بنفس المعنى منتحلين له، ولكنهم لم ينسبوه إجماعا، وذلك للاستزادة والتوكيد.

    فاتني منهم:
    5- إبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي (ت 240 هج)
    سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان، وما هو؟ يزيد وينقص؟، وقول هو أو قول وعمل؟ وتصديق وعمل؟ فأجابه أبو ثور بهذا، فقال أبو ثور .......

    فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم:
    ما أراد الله عز وجل من العباد - إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة - إلا إقرارا بذلك؟ أو الإقرار والعمل؟.
    فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل؛ فقد كفرت عند أهل العلم.
    من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة؟!!!.
    فإن قالت أراد منهم الإقرار والعمل قيل: فإذا [كان] أراد منهم الأمرين جميعا؛ لم زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعا؟!.
    أرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر [به] الله، ولا أقر به؛ أيكون مؤمنا؟.
    فإن قالوا: لا.
    قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل منه شيئا؛ أيكون مؤمنا؟.
    فإن قالوا: نعم.
    قيل لهم: ما الفرق؟!، وقد زعمتم أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعا!!!.
    فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر - إذا عمل ولم يقر - مؤمنا، لا فرق بين ذلك.
    فإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم، فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟.
    قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه، بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا.
    و[ولو] قال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان.
    [قال أبو ثور: إنه لا يكون مؤمنا إلا إذا التزم العمل مع الإقرار، وإلا فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمنا].
    وفيما بينا من هذا ما يكتفى به، ونسأل الله التوفيق.
    انتهى كلام أبي ثور باختصار.

    أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4/931) (1590) قال:
    وأخبرنا محمد بن أحمد البصير، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: ثنا إدريس بن عبد الكريم المقرئ، قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان ....به.
    - البصير هو ابن رزقويه، ثقة مرت ترجمته في أثر الحميدي.
    - أحمد بن جعفر أبو بكر القطيعي، صدوق - تاريخ بغداد (5/116) (1966).
    - إدريس بن عبد الكريم أبو الحسن الحداد المقرئ، ثقة - تاريخ بغداد (7/466) (3433).

    وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/389:388)، وكل ما بين المعكوفات فهو زيادة من مجموع الفتاوى.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    قد يظن البعض أن موضع النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل البدع في مسألة التكفير بترك العمل بالمباني الأربعة كلها يندرج تحت مباحث الأسباب التي يخرج بها المسلم من ملة الإسلام، وردته.

    وليس هذا هو موضع النزاع.

    وإنما موضع النزاع في مسألتنا هو في تحرير حد الإيمان عند أهل السنة والجماعة وعند من خالفهم
    والذي به يدخل المرء في دين الإسلام ابتداء.

    والفرق بينهما واضح.

    فتجد البعض يلتمس تحرير هذه المسألة في أبواب الردة من كتب الفقه.

    وهذا منهم منهج غير صحيح، فتحرير هذه المسألة عند السلف تجده مدونا في كتب الاعتقاد التي كتبها أئمة السلف، إما مفردة كالإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، أو ضمن تصنيف أعم للاعتقاد كالشريعة للآجري، أو ضمن تصيف شامل ككتاب الإيمان من صحيح البخاري.

    ولا يلتمس تحرير هذه المسألة إلا في المظان التي قدمت ذكرها.

    أما التماس تحريرها في غير مظانه فقد يكون سببا لفتح باب شر وخيبة شديدة.

    وليس المعنى المراد : هو حصر النقل في هذه المسألة من كتب الاعتقاد فحسب، ولكن المعنى المراد: هو عدم التماس تحرير اعتقاد السلف إلا في مظانه، وعدم معارضته بما قد يرد في بعض كتب الفقه أو التاريخ أو ما شابه بعد انعقاد إجماع السلف في هذه المسائل العقدية.

    ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (119:118/7) أن من أهم أسباب عدول المرجئة في هذا الأصل عن اعتقاد السلف هو اعتمادهم على كتب الأدب وكتب الكلام، وعدم اعتمادهم على إجماع السلف وآثارهم، فلذلك تجد حججهم دعاوى لا يقوم عليها دليل، وذكر في هذا السياق فقهاء المرجئة تنبيها منه - والله أعلم - على اشتراكهم في سبب العدول في هذا الأصل عن اعتقاد السلف، فقال:
    وَقَدْ عَدَلَتْ " الْمُرْجِئَةُ " فِي هَذَا الْأَصْلِ عَنْ بَيَانِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَاعْتَمَدُوا عَلَى رَأْيِهِمْ وَعَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ بِفَهْمِهِمْ اللُّغَةَ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد يَقُولُ: أَكْثَرُ مَا يُخْطِئُ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ.
    وَلِهَذَا تَجِدُ الْمُعْتَزِلَةَ وَالْمُرْجِئَةَ وَالرَّافِضَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِمْ وَمَعْقُولِهِمْ وَمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ اللُّغَةِ؛ وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى أَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَعْتَمِدُونَ لَا عَلَى السُّنَّةِ وَلَا عَلَى إجْمَاعِ السَّلَفِ وَآثَارِهِمْ؛ وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْعَقْلِ وَاللُّغَةِ وَتَجِدُهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورَةِ وَالْحَدِيثِ؛ وَآثَارِ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى كُتُبِ الْأَدَبِ وَكُتُبِ الْكَلَامِ الَّتِي وَضَعَتْهَا رُءُوسُهُمْ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَلَاحِدَةِ أَيْضًا؛ إنَّمَا يَأْخُذُونَ مَا فِي كُتُبِ الْفَلْسَفَةِ وَكُتُبِ الْأَدَبِ وَاللُّغَةِ وَأَمَّا كُتُبُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْآثَارِ؛ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهَا. هَؤُلَاءِ يُعْرِضُونَ عَنْ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ إذْ هِيَ عِنْدَهُمْ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَأُولَئِكَ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِمْ وَفَهْمِهِمْ بِلَا آثَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ فِي إنْكَارِ هَذَا وَجَعْلِهِ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَإِذَا تَدَبَّرْتَ حُجَجَهُمْ وَجَدْت دَعَاوَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ. وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي نَصَرَ قَوْلَ جَهْمٍ فِي " مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ " مُتَابَعَةً لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. فَأَمَّا أَبُو الْعَبَّاسِ القلانسي وَأَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُجَاهِدٍ شَيْخُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَصَاحِبُ أَبِي الْحَسَنِ - فَإِنَّهُمْ نَصَرُوا مَذْهَبَ السَّلَفِ. وَابْنُ كِلَابٍ - نَفْسُهُ - وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ البجلي وَنَحْوُهُمَا كَانُوا يَقُولُونَ: هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْقَوْلُ جَمِيعًا مُوَافَقَةً لِمَنْ قَالَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ كَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِثْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ.

    قلت: فالاشتراك في السبب قد يؤدي إلى الاشتراك في النتائج، فحذار، حذار.

    فنسال الله عز وجل الهداية والسداد.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    وإنما موضع النزاع في مسألتنا هو في تحرير حد الإيمان عند أهل السنة والجماعة وعند من خالفهم
    والذي به يدخل المرء في دين الإسلام ابتداء.
    قال أبو ثور كما مر نقله عنه قريبا:
    فإن احتج فقال: لو أن رجلا أسلم، فأقر بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل؟.
    قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه، بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنا.
    و[ولو] قال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان.

    ويزيد هذا المعنى بيانا ما نقله سفيان بن عيينة إجماعا عن السلف في التكفير بترك العمل بالفرائض الأربعة بالكلية متعمدا من غير جهل ولا عذر، وعد ذلك ناقضا للإقرار الأول.

    قال محمد بن الحسين الآجري في كتاب الشريعة (557/2) (197):
    حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الصفار، قال حدثني محمد بن عبد الملك المصيصي أبو عبد الله قال:

    كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان؟.

    فقال: قول وعمل.

    قال: يزيد وينقص؟.

    قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده، [وعقد بثلاثة أصابع، وحلق بالإبهام والسبابة].

    قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟.

    فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، ثم إن الله تعالى بعث نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى.

    فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول.

    فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم.

    فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم، ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه، فقال: يا رسول الله، هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم.

    فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدا، وأن يحلقوا رءوسهم تذللا ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا مهاجرتهم، ولا قتلهم آبائهم.

    فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتوا بها قليلها وكثيرها،فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا مهاجرتهم، ولا قتلهم آبائهم، ولا طوافهم.

    فلما علم الله الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده، [ومثولهم لها]، قال له: قل لهم: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة:3].

    قال سفيان: فمن ترك خلة من خلل الإيمان جاحدا، كان بها عندنا كافرا، ومن تركها كسلا أو تهاونا، أدبناه، وكان بها عندنا ناقصا.

    هكذا السنة، أبلغها عني من سألك من الناس.

    أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (855/2) (1157)، وأبو نعيم في الحلية (295/7)، والشجري في أماليه الخميسية (21/1).

    تراجم رجال إسناد الآجري:
    - محمد بن مخلد بن حفص أبو عبد الله الدوري العطار ثقة، تاريخ بغداد (499/4) (1673).
    - إسحاق بن إبراهيم أبو يعقوب الصفار، وهو إسحاق بن أبي إسحاق، ثقة ، تاريخ بغداد (402/7) (3357).
    - محمد بن عبد الملك بن مسلم أبو عبد الله المصيصي، مقبول، الجرح والتعديل (5/8).
    روى عنه ابن مخلد، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، ويعقوب بن يوسف.
    والزعفراني ثقة - التقريب (1291) -، وحديثه عنه عند ابن بطة في الإبانة الكبرى (630/2) (817).
    ويعقوب أظنه الدشتكي وهو صدوق - الجرح والتعديل (217/9).
    وقد تابع محمدا المصيصي عمرو بن عثمان الرقي في الحلية وعمرو ضعيف - التقريب (5109) -.
    وتابعهما يحيى المحشو - هكذا - في الأمالي الخميسية، وأظنه قد تصحف اسم أبيه، والله أعلم.

    قلت: فالأثر حسن لغيره بهذه الأسانيد، وهو من قسم المقبول، ويثبت به المعنى.

    والحمد لله رب العالمين.

    وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان (ص17:13) بنفس المعنى في التكفير بترك العمل بالفرائض الأربعة بالكلية عمدا من غير جهل ولا عذر، وعد ذلك ناقضا للإقرار الأول، وسيأتي نقل كلامه قريبا إن شاء الله تعالى.

    يتبع إن شاء الله تعالى.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اعترض علي البعض ببعض الشبهات، أنقل كلامه، ثم الرد على تلك الشبهات لتعم الفائدة إن شاء الله تعالى.

    قال بعضهم: تنقل إجماع علماء السلف على كفر المسلم اذا ترك أداء المباني الأربعة فلماذا لم تذكر مذهب الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام وهو من أئمة السلف وقال في كتابه الإيمان ص94: ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه الردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها. ه
    وليس المقصود هنا تصحيح ما ذهب إليه الإمام وإنما الكلام في إثبات الخلاف.!!!

    والرد على ذلك من وجهين

    أحدهما: في بيان أن من خالف الإجماع القطعي الثبوت بعد انعقاده لا يعتبر بقوله كائنا من كان، فلا ينخرم الإجماع بمخالفته، ولا يتوقف الإجماع على موافقته.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (163:162/1):

    وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا - أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا اسْتِحْبَاب -ٍ فَهُوَ ضَالٌّ مُتَّبِعٌ لِلشَّيْطَان،ِ وَسَبِيلُهُ مِنْ سَبِيلِ الشَّيْطَان.

    ِكَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، وَهَذِهِ سُبُل،ٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْه،ِ ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}.

    فَهَذَا أَصْلٌ جَامِعٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَتَّبِعَهُ وَلَا يُخَالِفَ السُّنَّةَ الْمَعْلُومَةَ وَسَبِيلَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ؛ بِاتِّبَاعِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ الْقَدِيمَ، لَا سِيَّمَا وَلَيْسَ مَعَهُ فِي بِدْعَتِهِ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مُجْتَهِدٌ يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الدِّينِ، وَلَا مَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ وَالنِّزَاع،ِ فَلَا يَنْخَرِمُ الْإِجْمَاعُ بِمُخَالَفَتِهِ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُوَافَقَتِهِ.

    وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَازَعَ فِي ذَلِكَ عَالِمٌ مُجْتَهِدٌ لَكَانَ مَخْصُومًا بِمَا عَلَيْهِ السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَة ُ وَبِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ قَبْلَه،ُ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُنَازِعُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْتَهِدِين َ وَلَا مَعَهُ دَلِيلٌ شَرْعِي،ٌّ وَإِنَّمَا اتَّبَعَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ، وَيُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا هُدًى، وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ.

    قلت: وأول من ثبت عنه نقله لإجماع السلف على كفر من ترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو سفيان بن عيينة (ت 198 هج) وهو من رؤوس الطبقة الثامنة، - التقريب (2541) -.

    وأما أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هج)، وهو من العاشرة، - التقريب (5462) -.

    فكيف ينخرم إجماع من كانوا قبل الطبقة الثامنة بمخالفة من لم يكن بعد، وهو من الطبقة العاشرة، وهل يتوقف إجماعهم لانتظار موافقته من عدمها؟!!!.

    بل إن هذا الإجماع منقول عن من كانوا قبل الطبقة السابعة، كما نقله سفيان الثوري (ت 161 هج)، وهو من رؤوس السابعة فقال:
    كان الفقهاء يقولون:
    لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.

    أخرجه عنه بإسناد صحيح ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (190)، و(1098)، وأبو نعيم في الحلية (32/7)، والهروي في ذم الكلام (469)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص11).

    وكذلك نفس كلام الثوري الماضي نقله عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 157 هج) إجماعا عن السلف، وزاد قائلا:
    وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل.
    والأوزاعي من السابعة، - التقريب (3967) -.

    أخرجه عنه حرب بن إسماعيل في مسائله لأحمد وإسحاق (1571)، وابن بطة - بنفس إسناده الصحيح للثوري الماضي - في الإبانة الكبرى (1097)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (1591)، وأبو نعيم في الحلية (143/6).

    وقال الثوري أيضا ناسبا ذلك لأهل السنة:
    لا يجوز قول إلا بعمل، ولا يجوز قول وعمل إلا بنية، ولا يجوز قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.

    أخرجه عنه بإسناد حسن اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (314)، وأبو بكر البقال في العاشر من حديث المخلص - المخلصيات (3036) -، وصححه الذهبي في تذكرة الحفاظ (153/1).

    قلت: فكيف تعد ذلك إثباتا للخلاف، ونقضا للإجماع بهذه الطريقة المخالفة لأصول الفقه والاستدلال.

    تنبيهان:
    1- الأول: إذا كان القول الماضي (لا يستقيم) بمعنى لا يكمل، فهل يريد - على هذا التأويل - أحد الإمامين الثوري والأوزاعي في الجملة الثانية من كلامهما المعنى التالي:
    (ولا يكمل إيمان المنافق الذي أتى بالقول والعمل إلا بالنية)!!!.

    أم أنه كلام فاسد - على هذا التأويل -، ولم يقل به أحد في تعريف حد الإيمان!.

    ويكون مرادهما الصحيح هو: لا ينفع، أو لا يصح، أو لا يقبل، أو لا يجوز كما وضحها الثوري نفسه في النقل الثاني عنه.

    فيكون المعنى الصحيح من الجملة الأولى من كلامهما:
    لا ينفع ولا يقبل قول إلا بالعمل.

    وهل يكون معنى (العمل) في كلامهما - على التأويل الصحيح في (لا يستقيم) - أنهما أرادا به عمل القلب فحسب دون عمل الجوارح، فيكون مرادهما - على هذا التأويل - في الجملة الأولى من كلامهما المعنى التالي:
    (لا ينفع قول باللسان إلا بعمل القلب فحسب)!!!.

    ويكون مرادهما في الجملة الثانية من كلامهما - على نفس التأويل الآنف قريبا - المعنى التالي:
    (ولا يقبل قول باللسان، وعمل بالقلب فحسب - من خوف ورجاء - إلا بنية القلب - من معرفة وإقرار -)!!!.

    أم أن كلاهما أيضا كلام فاسد - على هذا التأويل -، وهو إخراج لعمل الجوارح من مسمى الإيمان، كما هو الإيمان عند فقهاء المرجئة أنه نطق باللسان وعمل القلب فحسب.

    فلا يصح من المعاني في ما نقلاه عن السلف إلا:
    (لا يقبل قول اللسان، إلا بعمل القلب والجوارح معا، ولا يقبل قول اللسان وعمل القلب والجوارج معا إلا بنية القلب - من الإقرار والمعرفة -).

    2- الثاني من التنبيهين:
    في قولهما:
    (ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة ).

    قلت: وليس المراد حتما من (إلا بموافقة السنة) في كلامهما مجرد المخالفة والمعصية، فهذا ليس منهج أهل السنة بالاتفاق.
    ولكن الذي عنياه هو الإعراض عن متابعة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وابتغاء الهدى في غير سبيله صلى الله عليه وسلم.

    ووافقهما عليها في نقلها عن السلف إجماعا:
    1- إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري (ت 185 هج) في نفس مصادر تخريج أثر الأوزاعي الماضي.
    2- عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي (ت 219 هج) في كتابه أصول السنة المطبوع بنهاية مسنده.
    3- حرب بن إسماعيل الكرماني (ت 280 هج) في مسائله لأحمد وإسحاق (1/1560).
    4- الحسن بن محمد البربهاري (ت 329 هج) في كتابه شرح السنة (ص75).
    5- ابن أبي زيد القيرواني (ت 386 هج) في كتابه الجامع في السنن (ص110).
    6- ابن بطة العكبري (ت 387 هج) في كتابه الإبانة الكبرى (760/2).
    7- وقالها - منتحلا لها بغير عزوها إجماعا - داد بن أبي هند (ت 140 هج) يرويها عنه الثوري، كما أخرجه بإسناد حسن ابن أبي زمنين في كتابه أصول السنة (ص208).

    فهل تراهم جميعا قصدوا بها مجرد المخالفة؟!!!.

    أم قصدوا جميعا الإعراض عن متابعة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وابتغاء الهدى في غير سبيله صلى الله عليه وسلم.

    يتبع بالرد على الوجه الثاني إن شاء الله تعالى.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    اعترض علي البعض ببعض الشبهات، أنقل كلامه، ثم الرد على تلك الشبهات لتعم الفائدة إن شاء الله تعالى.
    قال بعضهم: تنقل إجماع علماء السلف على كفر المسلم اذا ترك أداء المباني الأربعة فلماذا لم تذكر مذهب الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام وهو من أئمة السلف وقال في كتابه الإيمان ص94: ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه الردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها. ه
    وليس المقصود هنا تصحيح ما ذهب إليه الإمام وإنما الكلام في إثبات الخلاف.!!!

    الوجه الثاني من الرد:
    1- في عدم صحة نسبة حصر التكفير بالقول لأبي عبيد القاسم بن سلام.
    2- في إثبات موافقة أبي عبيد لمذهب السلف في التكفير بترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر.
    3- ونقله الإجماع عن السلف أن جعل الإيمان بلا عمل من مقالات المرجئة.
    كل ذلك من خلال النقل عنه من كتابه الإيمان.


    1- قال أبو عبيد في كتابه الإيمان (ص95) - بعد صفحة واحدة مما نقلت -:
    حدثنا عباد بن عباد، عن الصلت بن دينار [متروك]، عن أبي عثمان النهدي، قال دخلت على ابن مسعود - وهو في بيت مال الكوفة - فسمعته يقول: لا يبلغ بعبد كفرا ولا شركا حتى يذبح لغير الله، أو يصلى لغيره.

    قلت: فما استدل به - على ضعفه - أبو عبيد عن ابن مسعود من التكفير بالذبح لغير الله، أو الصلاة لغيره ليس من عداد التكفير بكلمة الكفر فحسب، بل كلاهما من أعمال الجوارح، تزول بإحداهما أحكام الإسلام ويلحق صاحبه الردة.
    فلم يرد أبو عبيد حصر التكفير في القول كما يوهم نقلك عنه.

    فهل ترى نسبة ما نسبت إلى أبي عبيد من مذهب نسبة صحيحة؟!!!، وبعد نقلك عنه بصفحة واحدة ما يدل على خلاف ما نسبته له!!!.
    فلعله تسرع منك غير مقصود.

    2- قال أبو عبيد في كتابه الإيمان (ص14:13):
    وعلى هذا كل مخاطبة [يا أيها الذين آمنوا] كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة، وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار وحده؛ إذ لم يكن هناك فرض غيره، فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء، لا فرق بينها؛ لأنها جميعا من عند الله، وبأمره، وبإيجابه.
    فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يصلوا إليها، وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها، لم يكن ذلك مغنيا عنهم شيئا، ولكان فيه نقض لإقرارهم، لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار، صارا جميعا معا هما يومئذ الإيمان، إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار.

    ثم قال (ص17:15):
    فلبثوا بذلك برهة من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعة، وانشرحت لها صدورهم، أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فقال: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة:83 و110].
    وقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة:103].
    فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة، وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلا لما قبله، وناقضا للإقرار والصلاة، كما كان إباء [تصحيح من المحقق] الصلاة قبل ذلك ناقضا لما تقدم من الإقرار.
    والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق - رحمة الله عليه - بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء، وسبي الذرية، واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها.

    قلت: فسمى أبو عبيد ترك الفرائض عمدا من غير عذر ناقضا للإقرار، موافقا بذلك إجماع السلف، فلماذا لم تنقله عنه؟!!!.
    فلعلك ما وقفت عليه.


    ولعلك تقول: هذا الكلام من أبي عبيد في الممتنع، والممتنع معرض، والإعراض كفر، وأما مجرد ترك الفرائض كلها تهاونا وكسلا فليس من الامتناع!!!.

    وفي قول أبي عبيد: (فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة) ما يدل على بطلان هذا التفريق، إذ أنه جعل من ترك الفرائض عمدا من غير عذر في وقت العمل - مع الإقرار باللسان فحسب - من الممتنعين.

    فلعل في كلام أبي عبيد كفاية لمن أراد الله عز وجل به خيرا.

    أما الرد المفصل على هذه الشبهة تجده في الرد على الفقرة الرابعة من كلامك، في التفرقة بين الحالتين وهما عند السلف واحدة، وأن هذا التفريق من شبه المرجئة.

    فانتظر الرد المفصل إن شاء الله تعالى.

    3- قال أبو عبيد في كتابه الإيمان (ص62):
    باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولا بلا عمل، وما نهوا عنه من مجالستهم.

    ثم أورد آثارا عن الصحابة والتابعين فيها ذم بدعة الإرجاء وأهلها، ثم قال (ص67:66):
    على مثل هذا القول كان سفيان، والأوزاعي، ومالك بن أنس، ومن بعدهم من أرباب العلم وأهل السنة، الذين كانوا مصابيح الأرض وأئمة العلم في دهرهم، من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها، زارين على أهل البدع كلها، ويرون الإيمان قولا وعملا.

    فهذا هو نقل أبي عبيد لإجماع السلف على أن جعل الإيمان بلا عمل من مقالات المرجئة.

    وكل ما مر نقله عن أبي عبيد من خلال النقل عنه من كتابه الإيمان.

    وأسأل الله أن يرزقنا حسن الفهم، وحسن الظن، والثبات على الحق ..... آمين.

    ومن حسن الظن بك - والله حسيبك - أنك ما اطلعت على هذه النقولات في كتاب الإيمان لأبي عبيد، و لا تدري عنها شيئا.

    يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد والتعليق على نقلك من كلام ابن جرير الطبري

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    اعترض علي البعض ببعض الشبهات، أنقل كلامه، ثم الرد على تلك الشبهات لتعم الفائدة إن شاء الله تعالى.
    قال بعضهم: كذلك لم تذكر مذهب ابن جرير الطبري. قال ابن جرير الطبري في حديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن:
    فإن قال لنا قائل: أفتزيل عنه اسم الإيمان بركوبه ذلك؟
    قيل له: نزيله عنه بالإطلاق ونثبته له بالصلة والتقييد.
    فإن قال وكيف تزيله عنه بالإطلاق وتثبته له بالصلة والتقييد؟.
    قيل: نقول مؤمن بالله ورسوله مصدق قولاً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا نقول مطلقاً.
    هو مؤمن إذ كان الإيمان عندنا معرفة وقولاً وعملاً.
    فالعارف المقر المخالف عملاً ما هو به مقر قولاً غير مستحق اسم الإيمان بالإطلاق إذ لم يأت بالمعاني التي يستوجب بها ذلك ولكنه قد أتى بمعان يستحق التسمية به موصولاً في كلام العرب.
    ونسميه بالذي تسميه به العرب في كلامها ونمنعه الآخر الذي تمنعه دلالة كتاب الله وآثار رسوله صلى الله عليه وسلم وفطرة العقل. ه (تهذيب الآثار – مسند عبد الله بن عباس 2/649)

    قلت: تعالوا نتعرف على مذهب أبي جعفر محمد بن جرير الطبري من كتابه (تهذيب الآثار - مسند عبد الله بن عباس)

    أولا: تعريف المرجئة عند ابن جرير الطبري والذي نقل عليه الإجماع
    قال ابن جرير في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (661/2):
    ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان مرجئهما عنه، فهو مرجئ، غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المتخلفين [لعل الصواب: المختلفين، وقد يكون المعنى المتخلفين عن أهل السنة، والله أعلم] في الديانات في دهرنا هذا، هذا الاسم فيمن كان من قوله: الإيمان قول بلا عمل، وفيمن كان من مذهبه أن الشرائع ليست من الإيمان، وأن الإيمان إنما هو التصديق بالقول دون العمل المصدق بوجوبه.

    قلت: فهذا مذهب ابن جرير الطبري في نقله الإجماع على أن حصول الإيمان بلا عمل من مقالات المرجئة.

    ثانيا: حد الإيمان عند ابن جرير الطبري
    قال أيضا في نفس المصدر (687/2):
    فإذا كان التصديق بالقلب ومعرفة الرب به من الإيمان الذي لا يستحق أحد عندك اسم الإيمان إلا بإتيانه بهما، والمعرفة لا شك أنها من معنى الإقرار باللسان بمعزل؛ فما أنكرت أن يكون العمل بسائر الجوارح الذي هو لله طاعة من معاني الإيمان؟، التي لا يستحق أحد التسمية بأنه مؤمن إلا بإتيانه به، مع التصديق باللسان، والمعرفة بالقلب.
    وهل بينك وبين من قال: إنما الإيمان الإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، دون المعرفة بالقلب.
    أو قال: إنه العمل بالجوارح والمعرفة بالقلب، دون الإقرار باللسان فرق؟
    فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

    قلت: فمذهب ابن جرير الطبري في الإيمان كما مر نقله عنه في كتابه تهذيب الآثار مسند ابن عباس أنه لا فرق عنده بين ثلاثة مقالات في حد الإيمان:
    الأولى: أن الإيمان الإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، دون المعرفة بالقلب.
    الثانية: أن الإيمان العمل بالجوارح، والمعرفة بالقلب، دون الإقرار باللسان.
    وكلتا المقالتين لا يستحق أحد بهما التسمية بأنه مؤمن ولو بالصلة والتقييد بالاتفاق.
    الثالثة - في حكمهما في حد الإيمان في مذهب ابن جرير الطبري -
    : أن الإيمان المعرفة بالقلب، والتصديق بالقلب، والإقرار باللسان، دون عمل الجوارح.

    فإنه بدون عمل الجوارح في مذهب ابن جرير الطبري لا يستحق التسمية بأنه مؤمن ولو بالصلة والتقييد.

    فتم بحمد الله تعالى تحرير مذهب ابن جرير الطبري في حد الإيمان.

    والحمد لله رب العالمين.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    اعترض علي البعض ببعض الشبهات، أنقل كلامه، ثم الرد على تلك الشبهات لتعم الفائدة إن شاء الله تعالى.
    قال بعضهم: سؤالك وكلامك كان عن تارك المباني الأربعة، ثم إذا بك تأتي بكلام أهل العلم في تارك العمل كله.
    فإذا كنت ترى أن العمل كله هو المباني الأربعة؛ فهل كل من نقلت عنهم من أهل العلم يقصدون هذا الذي صرحت به؟.
    أم يقصد بعضهم بالعمل العمل كله المباني الأربعة وغيرها من الطاعات؟.

    قلت: الذي أفهمه من كلامك أن التكفير بترك العمل كله في كلام بعض العلماء قد يحتمل عدم الحصر في ترك فرائض المباني الأربعة كلها، بل هو بترك كل الفرائض التي أوجبها الله عز وجل من المباني الأربعة وغيرها من الطاعات.

    وترك العمل كله بهذا المعنى أمر منتف عقلا وشرعا، لم يقل به أحد.

    قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان:23].

    قال ابن كثير في تفسيره للآية:
    وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال - التي ظنوا أنها منجاة لهم - شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله.
    فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل.
    فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (621/7):
    وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا؛ ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد صلى الله عليه وسلم.
    ومن قال: بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات - سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له؛ أو جزءا منه، فهذا نزاع لفظي - كان مخطئا خطأ بينا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف، والصلاة هي أعظمها وأعمها وأولها وأجلها.

    وقال أيضا في شرح العمدة (82:81/2):
    فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دل عليه الكتاب، والسنة، وأجمع عليه السلف، على ما هو مقرر في موضعه.
    فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول.
    فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنا.
    والقول الذي يصير به مؤمنا قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    اعترض علي البعض ببعض الشبهات، أنقل كلامه، ثم الرد على تلك الشبهات لتعم الفائدة إن شاء الله تعالى.
    قال بعضهم: عامة ما نقلت من كلام أهل العلم إنما هو في حق الممتنع عن العمل.
    ويظهر لي - والله أعلم - أنك لا تفرق بين مطلق الترك وبين الامتناع والتولي عن العمل.
    والتولي عن العمل إعراضا واستكبارا ينتفي معه الإيمان بنص القرآن.
    بخلاف من ترك العمل تكاسلا أو تهاونا فلا يستويان.
    فان قلت: وكيف نفرق بين من ترك العمل تهاونا أو تركه امتناعا؟
    فالجواب: هذا يعرف في الدنيا بالتصريح بالامتناع بقوله صراحة
    وهذا ما قرره الإمام ابن تيمية في شرح العمدة وغيره من أهل العلم.
    أما في الآخرة فالحكم لله أولا وآخرا، يعلم ما في القلب وحقيقته. فرب مصل في الدنيا كافر في الآخرة.
    نسأل الله الثبات.

    قلت:
    أولا: ليتك تنقل لنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة، أو تحيل إلى موضعه بالكتاب، أو تنقل كلام غيره ممن قرروا - بحسب زعمك - التفريق بين تكفير الممتنع وبين تكفير المتهاون المتكاسل بترك العمل بكل فرائض الإسلام - وليس بشيء من آحاد العمل فانتبه لمسألة النزاع -، لنقف على أقوالهم، وصحيح المعنى المراد منها لتعم الفائدة.

    ثانيا: كل من ترك العمل بمباني الإسلام الأربعة بالكلية فقد انتفى عنه عمل القلب، فلا يبقى في القلب شيء من الإيمان مع انتفاء عمل الجوارح بالكلية.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (82/2):
    فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا، ومن لا دين له فهو كافر.

    وقال في مجموع الفتاوى (554/7):
    وَالْمُرْجِئَةُ أَخْرَجُوا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ عَنْ الْإِيمَانِ؛
    فَمَنْ قَصَدَ مِنْهُمْ إخْرَاجَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ أَيْضًا وَجَعَلَهَا هِيَ التَّصْدِيقَ فَهَذَا ضَلَالٌ بَيِّنٌ.
    وَمَنْ قَصَدَ إخْرَاجَ الْعَمَلِ الظَّاهِرِ؛ قِيلَ لَهُمْ: الْعَمَلُ الظَّاهِرُ لَازِمٌ لِلْعَمَلِ الْبَاطِنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَانْتِفَاءُ الظَّاهِرِ دَلِيلُ انْتِفَاءِ الْبَاطِنِ.

    ثالثا: مطلق الترك الذي لا يكفر به المسلم، وهو تركه لبعض ما أمر به في آحاد العمل - إن لم يكن تركه مكفرا -، هو مذهب أهل السنة المعروف.

    وأما ترك العمل بفرائض المباني الأربعة بالكلية متعمدا من غير جهل ولا عذر كفر بإجماع السلف كما مر نقله عنهم.

    وهاتان المسألتان يخلط دائما بينهما المرجئة، ويلبسون الحق بالباطل فيهما على أنهما مسألة واحدة.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (611:609/7):
    وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ "الْفَرَائِضِ الْأَرْبَعِ" بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا؛ فَأَمَّا الشَّهَادَتَانِ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَافِرٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَجَمَاهِيرِ عُلَمَائِهَا.
    ..........
    وَأَمَّا مَعَ الْإِقْرَارِ بِالْوُجُوبِ إذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ فَفِي التَّكْفِيرِ أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ هِيَ رِوَايَاتٌ عَنْ أَحْمَد ............
    .............
    وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا طَرَفَانِ.
    (أَحَدُهُمَا): فِي إثْبَاتِ الْكُفْرِ الظَّاهِرِ.
    وَ(الثَّانِي): فِي إثْبَاتِ الْكُفْرِ الْبَاطِنِ.
    فَأَمَّا (الطَّرَفُ الثَّانِي) فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةِ كَوْنِ الْإِيمَانِ قَوْلًا وَعَمَلًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا إيمَانًا ثَابِتًا فِي قَلْبِهِ بِأَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ، وَيَعِيشُ دَهْرَهُ لَا يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، وَلَا يَصُومُ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَا يُؤَدِّي لِلَّهِ زَكَاةً، وَلَا يَحُجُّ إلَى بَيْتِهِ، فَهَذَا مُمْتَنِعٌ وَلَا يَصْدُرُ هَذَا إلَّا مَعَ نِفَاقٍ فِي الْقَلْبِ وَزَنْدَقَةٍ لَا مَعَ إيمَانٍ صَحِيحٍ.


    رابعا: التفريق بين الممتنع وبين المتهاون المتكاسل في التكفير بترك عمل الجوارح بالكلية من شبه المرجئة.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (575/7):
    إذَا تَبَيَّنَ هَذَا وَعُلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالْحُبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْأُمُورَ الظَّاهِرَةَ مِنْ الْأَقْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ؛ كَمَا أَنَّ الْقَصْدَ التَّامَّ مَعَ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مَقَامَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ فِي الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ مُوجِبِ ذَلِكَ وَمُقْتَضَاهُ زَالَتْ "الشُّبَهُ الْعِلْمِيَّةُ" فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

    وقال أيضا في مجموع الفتاوى (616:615/7):
    وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَادَةِ أَنَّ رَجُلًا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ، مُقِرًّا بِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، مُلْتَزِمًا لِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ، يَأْمُرُهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فَيَمْتَنِعُ حَتَّى يُقْتَلَ وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا فِي الْبَاطِنِ قَطُّ لَا يَكُونُ إلَّا كَافِرًا.

    وَلَوْ قَالَ أَنَا مُقِرٌّ بِوُجُوبِهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أَفْعَلُهَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ هَذِهِ الْحَالِ كَذِبًا مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَخَذَ يُلْقِي الْمُصْحَفَ فِي الْحَشِّ، وَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ مَا فِيهِ كَلَامَ اللَّهِ، أَوْ جَعَلَ يَقْتُلُ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُنَافِي إيمَانَ الْقَلْبِ، فَإِذَا قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ بِقَلْبِي مَعَ هَذِهِ الْحَالِ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا أَظْهَرَهُ مِنْ الْقَوْلِ.

    فَهَذَا الْمَوْضِعُ يَنْبَغِي تَدَبُّرُهُ، فَمَنْ عَرَفَ ارْتِبَاطَ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ وَامْتَنَعَ عَنْ الْفِعْلِ لَا يُقْتَلُ، أَوْ يُقْتَلُ مَعَ إسْلَامِهِ؛ فَإِنَّهُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّة ، وَاَلَّتِي دَخَلَتْ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ لَا يَكُونُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْفِعْلِ.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    اعترض علي البعض ببعض الشبهات، أنقل كلامه، ثم الرد على تلك الشبهات لتعم الفائدة إن شاء الله تعالى.

    قال بعضهم:
    لا أرى فرقا بين قول الشافعي وقول غيره من اهل العلم بأن الايمان قول وعمل!!!!! يزيد وينقص .... فالقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح والنية هي عمل القلب .. والشافعي نص على النية للايضاح والبيان وليس لانها قسم ثالث يتميز عن القول والعمل.!!!.
    وقد بين ذلك ابن تيمية في الفتاوى 7/171.!!!

    فلا أرى هذا النقل يساعد في دعوى الاجماع على كفر تارك أعمال الاسلام الظاهرة كالصلاة والزكاة والحج ... بخلاف من ترك العمل كله أعني عمل القلب والجوارح.

    ابتداء أنقل كلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى الذي أحلت إليه (171:170/7):
    وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِي "تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ"، فَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
    وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ.
    وَتَارَةً يَقُولُونَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ.
    وَتَارَةً يَقُولُونَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ.
    وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ.
    إِذَا قَالُوا: قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَوْلِ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ جَمِيعًا؛ .............................. ........

    وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ أَرَادَ قَوْلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ؛
    وَمَنْ أَرَادَ الِاعْتِقَادَ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، أَوْ خَافَ ذَلِكَ فَزَادَ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ.
    وَمَنْ قَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ، فَزَادَ ذَلِكَ.
    وَمَنْ زَادَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فَلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ إلَّا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَأُولَئِكَ لَمْ يُرِيدُوا كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ إنَّمَا أَرَادُوا مَا كَانَ مَشْرُوعًا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ.
    وَلَكِنْ كَانَ مَقْصُودُهُمْ الرَّدَّ عَلَى "الْمُرْجِئَة" الَّذِينَ جَعَلُوهُ قَوْلًا فَقَطْ، فَقَالُوا: بَلْ هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
    وَاَلَّذِينَ جَعَلُوهُ "أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ" فَسَّرُوا مُرَادَهُمْ؛ كَمَا سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التستري عَنْ الْإِيمَانِ: مَا هُوَ؟، فَقَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَسُنَّةٌ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ إذَا كَانَ قَوْلًا بِلَا عَمَلٍ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا بِلَا نِيَّةٍ فَهُوَ نِفَاقٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا وَنِيَّةً بِلَا سُنَّةٍ فَهُوَ بِدْعَةٌ.

    قلت: هذا هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المصدر الذي أحالت عليه، وليس فيه المعنى الذي أردت، بل فيه ضده.!!!

    حيث قال - رحمه الله - عن الذين زادوا من السلف كلمة الاعتقاد في تعريفهم الإيمان:
    وَمَنْ أَرَادَ الِاعْتِقَادَ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، أَوْ خَافَ ذَلِكَ فَزَادَ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ..
    فقول القلب
    عند هذه الطائفة من السلف لا يدخل في عموم قول غيرهم من السلف: قول وعمل، في تعريفهم الإيمان.

    وقال - رحمه الله - عن الذين زادوا من السلف كلمة النية في تعريفهم الإيمان:
    وَمَنْ قَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ، فَزَادَ ذَلِكَ.
    فعمل القلب
    عند هذه الطائفة من السلف لا يدخل في عموم قول غيرهم من السلف: قول وعمل، في تعريفهم الإيمان.

    فهل تبين لك الفرق في ما قلت فيه
    لا أرى فرقا بين قول الشافعي وقول غيره من اهل العلم بأن الايمان قول وعمل!!!!!

    وهل تبين لك أن الشافعي أو غيره من السلف أراد بالنية قسما ثالثا بخلاف تحريفك لمرادهم - ولا يصح أن يقال عنه: تأويل -
    والشافعي نص على النية للايضاح والبيان وليس لانها قسم ثالث يتميز عن القول والعمل.!!!.


    قلت: وقد نقل ابن تيمية الإجماع الذي حكاه الشافعي عن السلف محتجا به على أن الإيمان قول وعمل، في موضعين من مجموع الفتاوى (209/7)، (308/7).

    أتراه ينقل عنه في الموضعين: (لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر)، ولا يريد معناه بعد ما بين أن الثلاثة متباينة!!!.

    وأما ما تلقيه في كل مرة من شبهة بقولك المتكرر
    بخلاف من ترك العمل كله أعني عمل القلب والجوارح.

    لمحولة الإيهام بأن السلف - على زعمك - إنما عنوا بما قالوه الممتنع عن العمل المصرح بذلك بلسانه فحسب، والذي ذهب بذلك عنه عمل القلب والجوارح معا، فلا يكون عند ذلك مؤمنا بالاتفاق، - موهما بذلك أن هذا هو موضع الاتفاق فحسب -.
    وأما المتهاون المتكاسل عن العمل كله غير المصرح بلسانه بالامتناع فقد ذهب عنه عمل الجوارح، ولكن قد يبقى له عمل القلب!!!، فلا يجوز إخراجه من الإسلام بالاحتمال، فهو من جملة العاصين، ويبقى له حكم الإسلام. - موهما بذلك ثبوت الخلاف -، ملبسا بهذا الخلط والإيهام الخلاف في ترك العمل بالكلية بتنازع العلماء في التكفير بترك شيء من آحادها.

    وهذه الشبهات المتهافتة رددت عليها في المقال الماضي مباشرة بما يغني عن الإعادة

    نقلت فيه التفصيل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما تستبين به بإذن الله تعالى سبيل المرجئة، فمن شاء فليراجعه.

    والحمد لله رب العالمين.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

    ليس مرادي من هذه المقالات أن أستوفي ذكر أدلة مسألة التكفير بترك العمل بالكلية من الكتاب والسنة، فإن علمائنا من السلف الصالح استوفوها كأبي بكر الآجري في الشريعة (643:611/2)، وابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (827:760/2)، ولكن مرادي هو جمع حكايات الإجماع لبيان أن دلالة هذه الأدلة قطعي، لا خلاف بين السلف في معناها القطعي عندهم، وأن هذه الدلالة لا يطرأ عليها نسخ ولا معارضة، وأن من خالف هذا المعنى المجمع عليه عند السلف فقد وافق أهل البدعة من المرجئة في قولهم بإمكان حصول الإيمان بلا عمل ظاهر، وأن من رد هذا الإجماع من بعد ما تبين له الهدى فهو من أهل البدع والأهواء.

    وفي هذا المقال أذكر شيئا من الأدلة من كتاب الله عز وجل على التكفير بترك العمل بالكلية

    قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158].

    قال ابن جرير الطبري في تفسيره (266/12) شاكر:
    وأما قوله : {أو كسبت في إيمانها خيرا}، فإنه يعني: أو عملت في تصديقها بالله خيرا من عمل صالح تصدق قيله، وتحققه من قبل طلوع الشمس من مغربها، لا ينفع كافرا لم يكن آمن بالله قبل طلوعها، كذلك إيمانه بالله إن آمن وصدق بالله ورسله، لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله العظيم لهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام الساعة، وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار.
    ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدقا، ولفرائض الله مضيعا، غير مكتسب بجوارحه لله طاعة، إذا هي طلعت من مغربها - أعماله إن عمل، وكسبه إن اكتسب -، لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك.
    كما : 14250 - حدثني محمد بن الحسين، قال : ثنا أحمد بن المفضل، قال : ثنا أسباط، عن السدي: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} يقول:
    كسبت في تصديقها خيرا عملا صالحا، فهؤلاء أهل القبلة.
    وإن كانت مصدقة ولم تعمل قبل ذلك خيرا؛ فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها.
    وإن عملت قبل الآية خيرا ثم عملت بعد الآية خيرا، قبل منها.

    قال ابن أبي حاتم في تفسيره (1429/5) (8147):
    قرأت على محمد بن الفضل ثنا محمد بن علي أنا محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان: قوله: {أو كسبت في إيمانها خيرا}، يعني:
    المسلم الذي لم يعمل في إيمانه خيرا وكان قبل الآية مقيما على الكبائر.

    قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (911/4):
    سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الإيمان تلفظ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح.
    قالوا: الدال على أنه تلفظ باللسان قوله عز وجل: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ...........
    والدلالة على أنه اعتقاد بالقلب قوله {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ............
    والدلالة على أنه عمل: قال الله عز وجل: ........
    {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}.

    والحمد لله رب العالمين.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

    في هذا المقال أذكر شيئا من الأدلة من سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على التكفير بترك العمل بالكلية تكملة للمقال الماضي.

    أخرج البخاري(52)، ومسلم (1599) في صحيحيهما
    عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: - وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه -
    «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه.
    ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (122:121/14):
    وَزَعَمَ جَهْمٌ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا فِي الْبَاطِنِ ....... [قال المحقق: بياض بالأصل] وَأَنَّ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقِهِ يَكُونُ إيمَانًا يُوجِبُ الثَّوَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلَا قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ ظَاهِرٍ.
    وَهَذَا بَاطِلٌ شَرْعًا وَعَقْلًا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
    وَقَدْ كَفَّرَ السَّلَفُ كَوَكِيعِ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مَنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ}.
    فَبَيَّنَ أَنَّ صَلَاحَ الْقَلْبِ مُسْتَلْزِمٌ لِصَلَاحِ الْجَسَدِ، فَإِذَا كَانَ الْجَسَدُ غَيْرَ صَالِحٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ غَيْرُ صَالِحٍ، وَالْقَلْبُ الْمُؤْمِنُ صَالِحٌ، فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْإِيمَانِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ لَا يَكُونُ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا.

    حَتَّى إنَّ الْمُكْرَهَ إذَا كَانَ [لا يأمن](1) فِي إظْهَارِ الْإِيمَانِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ نَفْسِهِ وَفِي السِّرِّ مَعَ مَنْ يَأْمَنُ إلَيْهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ؛ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ(2).

    وَأَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ لَا بِقَوْلِهِ وَلَا بِفِعْلِهِ قَطُّ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَلْبِ إيمَانٌ.

    وَذَلِكَ أَنَّ الْجَسَدَ تَابِعٌ لِلْقَلْبِ فَلَا يَسْتَقِرُّ شَيْءٌ فِي الْقَلْبِ إلَّا ظَهَرَ مُوجَبُهُ وَمُقْتَضَاهُ عَلَى الْبَدَنِ - وَلَوْ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ -، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ كُلُّ مُوجَبِهِ لِمُعَارِضِ فَالْمُقْتَضِي لِظُهُورِ مُوجَبِهِ قَائِمٌ؛ وَالْمُعَارِضُ لَا يَكُونُ لَازِمًا لِلْإِنْسَانِ لُزُومَ الْقَلْبِ لَهُ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مُتَعَذِّرًا إذَا كَتَمَ مَا فِي قَلْبِهِ، كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ دَعَا إلَى الْإِيمَانِ دُعَاءً ظَهَرَ بِهِ مِنْ إيمَانِ قَلْبِهِ مَا لَا يَظْهَرُ مِنْ إيمَانِ مَنْ أَعْلَنَ إيمَانَهُ بَيْنَ مُوَافَقِيهِ.

    وقال أيضا في الجواب الصحيح (488:487/2):
    وقد بسطنا الكلام على هذه في مسألة الإيمان، وبينا أن ما يقوم بالقلب من تصديق، وحب الله ورسوله، وتعظيم، لا بد أن يظهر على الجوارح، وكذلك بالعكس.
    ولهذا يستدل بانتفاء اللازم الظاهر على انتفاء الملزوم الباطن، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب».

    قال ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية (478/2):
    ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد، لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة. قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب».

    والحمد لله رب العالمين.
    ______________________________ _
    (1) جملة ساقطة يستقيم بها المعنى، والله أعلم.
    (2) يشير رحمه الله إلى الأثر: "ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه"، وقد أورده هو بصيغة التمريض في الجواب الصحيح (487/6)، وفي الاستقامة (355/1)، وقال فيه: يروى عن عثمان أو غيره، وقد نسبه كل من أبي سعد الآبي في نثر الدر (222/1)، وأبي منصور الثعالبي في الإعجاز والإيجاز (ص30) إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلا إسناد.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:

    ففي هذا المقال، وما يتلوه - إن شاء الله تعالى - أورد شبهات المخالفين لإجماع السلف على التكفير بترك الفرائض كلها، مع الرد عليها بكلام السلف رحمهم الله، وليس مرادي في هذه المقالات الجمع والاستقصاء، فإن جمع شبهات أهل البدع والأهواء مما لا طاقة لأحد به، لأنها لا تنتهي، ولا يعلم مداها إلا الله عز وجل، ولكن كما قال ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى (795/2): "الحق فيه الكفاية وشفاء لمن أراد به مولاه الكريم خيرا فوفقه لقبوله والعمل به، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل".

    والآن فلنشرع في المقصود

    الشبهة الأولى:

    استدلالهم بقوله تعالى: {إِن اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116،48].

    وبما أخرجه البخاري (1237)، ومسلم (94) في صحيحيهما عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي، فأخبرني - أو قال: بشرني - أنه: من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: «وإن زنى وإن سرق».

    وبما في معناه عند مسلم (93) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وعنده (199) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    أولا:
    ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة.


    قال أبو الحسين الملطي العسقلاني (ت 377 هج) في كتابه (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع) (ص35/ت.مدبولي):
    باب ذكر المرجئة
    وقد ذكرت المرجئة في كتابنا هذا أولا وآخرا، إذ قولها خارج من التعارف والعقل، ألا ترى أن منهم من يقول:
    من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وحرم ما حرم الله، وأحل ما أحل الله،،دخل الجنة إذا مات، وإن زنى، وإن سرق، وقتل، وشرب الخمر، وقذف المحصنات، وترك الصلاة والزكاة والصيام، إذا كان مقرا بها يسوف التوبة، لم يضره وقوعه على الكبائر،،وتركه للفرائض، وركوبه الفواحش.
    وإن فعل ذلك استحلالا كان كافرا بالله مشركا، وخرج من إيمانه وصار من أهل النار.
    وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإيمان الملائكة والأنبياء والأمم وعلماء الناس وجهالهم واحد، لا يزيد منه شيء على شيء أصلا.

    واحتجوا بقول الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فقالوا الكافر وحده لا يغفر له، وما دون الكفر مغفور لأهله.
    ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى، وسرق، وقتل"، وأنا أذكر دليل هذا في جزء الحجاج إن شاء الله.

    ثانيا:
    الرد على الشبهة


    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في الشرح الممتع (33/2):
    معنى قوله: {ما دون ذلك} ما هو أقل من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك، بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله فهو كافر كفرا لا يغفر، وليس ذنبه من الشرك.

    ولو سلمنا أن معنى: {ما دون ذلك} ما سوى ذلك؛ لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك، والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر، وإن لم يكن شركا.

    قلت: فهذا الاستدلال بمحل النزاع، فمذهب أهل السنة والجماعة أن ترك عمل الجوارح بالكلية من الكفر الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل لأحد.
    والمرجئة يذهبون إلى أن ترك عمل الجوارح بالكلية من الكفر الأصغر الذي يغفره الله عز وجل.

    وإنما تعرف حقيقة الأسماء بما وافق الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، لا يعرف بما تعارف عليه أصحابها.

    قال الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} [التوبة:17].

    قال البغوي في تفسيره (20/4):
    قوله تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} أراد: وهم شاهدون، فلما طرحت "وهم" نصبت، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر.

    وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن (437/2):
    (شاهدين) حال. المعنى ما كانت لهم عمارة المسجد الحرام في حال إقرارهم بالكفر.

    قال ابن الجوزي في زاد المسير (408/3):
    فإن قيل: كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر، وهم يعتقدون أنهم على الصواب؟.
    فعنه ثلاثة أجوبة:
    أحدها: أنه قول اليهودي: أنا يهودي، وقول النصراني: أنا نصراني، قاله السدي.
    والثاني: أنهم ثبتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حق لا يخفى على مميز، فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه.
    والثالث: أنهم آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالتصديق، وحرضوا على اتباعه، فلما آمنوا بهم وكذبوه، دلوا على كفرهم، وجرى ذلك مجرى الشهادة على أنفسهم بالكفر، لأن الشهادة هي تبيين وإظهار، ذكرهما ابن الأنباري.

    قلت: فكذلك لا عبرة بتسمية المرجئة لتارك عمل الجوارح بالكلية بمسلم عاص يستحق العقوبة، وينجو من عذاب الله عز وجل يوم القيامة بعد ما أجمع السلف على أن ذلك كفر أكبر مخرج من الملة.

    وقد نقل الإجماع عن السلف على ذلك سفيان بن عيينة، وأبو بكر الحميدي، وابن راهويه، والآجري، وأبو طالب المكي، وابن بطة العكبري، وابن تيمية، كما في رابط المقال المشار إليه بعد
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    وفي كلتا المسألتين السابقتين نقل العلماء من السلف الإجماع الصحيح على تكفير تارك العمل فيهما بالكلية.
    وإليكم النقولات عن السلف في المسألة الأعم والأشمل وهي المسألة الأولى:
    التكفير بترك المباني أو الفرائض الأربع بالكلية
    والتي نقلها عن السلف شيخ الإسلام ابن تيمية - كلها أو جلها - في المجلد السابع من مجموع الفتاوى في كتابي الإيمان الكبير والأوسط

    والحمد لله رب العالمين

    يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة الثانية:
    استدلالهم بقوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:85].

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    الشبهة الثانية:

    استدلالهم بقوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:85].

    أولا:
    ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


    قال أبو طالب المكي في قوت القلوب (225:224/2):
    وقال بعض السلف: من (لم يقل من المرجئة: أن إبليس مؤمن - لأنه قد أقر بالإيمان وقال به - انكسر عليه مذهبه).
    ولعمري إن إبليس - لعنه الله - موحد لله تعالى عارف به، إلا أنه لم يعمل بالتوحيد، ولم يطع من عرفه وآمن به فكفر.
    فأما تعلقهم بقول الله تعال: {فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار}، فإنه شرط القول للجنات، أو علق الجنات بالقول، فإنما ذلك إثبات منه تعالى لتحقيق القول، وأنه قول إيمان ويقين، وأنهم غير متعوذين بالقول، ولا متخذوه جنة كالمنافقين، إذ المنافقون قد قالوا كقولهم إلا أنه أخبر عن سرائرهم بضده فقال: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} [آل عمران: 761]، فأراد سبحانه بأن قول هؤلاء قول المؤمنين، وأن قولهم إيمان من أعمالهم لأنهم منفردون بالقول دون العمل.
    وفيه أيضا دليل أن القول بالحق من الإيمان، وأنه يستحق عليه ثوابا، لأنه من أعمال البر بمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    فأما أن يكون فيه دليل أن القول حسب هو الإيمان كله، وأن الإيمان يكون قولا لا يحتاج إلى عمل، فهذا باطل بالأدلة التي قدمنا ذكرها من الآي التي شرط الله تعالى فيها الأعمال، ومن قوله في الكفار: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا بالزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة:5].
    وأيضا فإن في نفس هذه الآية بطلان دعوى المرجئة؛ لأن الله تعالى لم يقل: فلم يثبهم الله إلا بما قالوا جنات، وإنما قال عز وجل: {فأثابهم الله بما قالوا جنات}، فأخبر أنه آجرهم على قولهم بالحق، كما قال: {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} [سبأ:37]، ثم أحكم ذلك وقيده بقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [البينة:5].
    ولكن هؤلاء كما قال الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران:7]، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين عنى الله تعالى فاحذروهم".
    وذلك أن الله تعالى قرن الأعمال بالإيمان في كل المواضع، فلم تقف المرجئة مع شيء من هذا البيان والإحكام، فلما أجمل القول في موضع واحد لما ذكرناه من السبب تعلقوا به ووقفوا معه.

    قلت: والرد على الاعتراض بالنقل عن أبي طالب المكي تجده في مقالي على الرابط التالي:
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    الرد على من اعترض عن النقل عن أبي طالب المكي لما كان عنده من بدع الكلام والتصوف.
    والرد على ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية

    ثانيا:
    الرد على الشبهة

    1- في بيان سبب نزول الآيات من سورة المائدة

    { تَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)}

    أخرج النسائي في الكبرى (11083)، قال: أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا عمر بن علي بن مقدم، قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه، {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع}.
    وأخرجه البزار في مسنده (2183)، والطبري في تفسيره (508/10)، وابن أبي حاتم في تفسيره (1185/4)، والطبراني في الكبير(107/13)، (213/14).

    وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (1184/4):
    حدثنا أبي، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي فلما دخلوا عليه قال: تعرفون ما أنزل إليكم قالوا نعم: قال: اقرءوا فقرءوا وهنالك منهم قسيسين ورهبان وساير النصارى، فجعلت طائفة كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}.
    وأخرجه الآجري في الشريعة (981)، ومن طريق آخر فيه جهالة أخرجه الطبراني في الكبير (12455)، والأوسط (4639).

    وقال ابن أبي شيبة في مصنفه (36642):
    حدثتا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، في قوله: «ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق»، قال: نزل ذلك في النجاشي.
    وأخرجه الطبري في المصدر السابق.

    وقال ابن أبي شيبة في مصنفه (36644):
    حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، قال: ثنا الزهري، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، قال: دعا النجاشي جعفر بن أبي طالب وجمع له رءوس النصارى ثم قال لجعفر: "اقرأ عليهم ما معك من القرآن، فقرأ عليهم كهيعص، ففاضت أعينهم، فنزلت: {ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}.

    وقال ابن إسحاق في السير (253/1):
    قال: سألت الزهري عن الآيات: «ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول» إلى قوله: «مع الشاهدين» وقوله: «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» [الفرقان:63]؟.
    فقال: ما زلت أسمع علماءنا يقولون نزلت في النجاشي وأصحابه.
    وأخرجه الطبري في المصدر السابق.

    2- في بيان أن أكثر شرائع الإسلام لم يكن النجاشي ومن آمن معه قد التزموها لعدم علمهم بها ولعجزهم عن ذلك، وأنهم أمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يمكنهم العمل بشريعته.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي (223:216/19)، وفي منهاج السنة (119:110/5) في مبحث طويل، جدير بأن ينقل كله، فقال:
    وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا كَقَوْلِهِ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا}، وقَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا}، وَقَوْلِهِ: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا}، وَقَوْلِهِ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا}.
    وَأَمَرَ بِتَقْوَاهُ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وَقَدْ دَعَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِمْ: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، فَقَالَ: "قَدْ فَعَلْت".
    فَدَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ خِلَافًا للجهمية الْمُجْبِرَةِ، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ الْمُخْطِئَ وَالنَّاسِيَ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَ ةِ، وَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ.
    فَالْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إمَامٍ وَحَاكِمٍ وَعَالِمٍ وَنَاظِرٍ وَمُفْتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ إذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ فَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ، كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَلَّفَهُ اللَّهُ إيَّاهُ، وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ إذَا اتَّقَاهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ أَلْبَتَّةَ، خِلَافًا للجهمية الْمُجْبِرَةِ، وَهُوَ مُصِيبٌ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ، لَكِنْ قَدْ يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ لَا يَعْلَمُهُ، خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَ ةِ فِي قَوْلِهِمْ: كُلُّ مَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ عَلِمَ الْحَقَّ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ كُلُّ مَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ.
    وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ: مَنْ بَلَغَهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِهِ، وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛ وَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ كَمَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ تُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا الْتِزَامُ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ الْهِجْرَةِ، وَمَمْنُوعًا مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَكَمَا كَانَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، بَلْ وَكَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَهْلِ مِصْرَ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُمْ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ دَعَاهُمْ إلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، قَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} .
    وَكَذَلِكَ النَّجَاشِيُّ هُوَ وَإِنْ كَانَ مَلِكَ النَّصَارَى فِلْم يُطِعْهُ قَوْمُهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ إنَّمَا دَخَلَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا {لَمَّا مَاتَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ؛ خَرَجَ بِالْمُسْلِمِين َ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّهُمْ صُفُوفًا وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ، وَقَالَ: "إنَّ أَخًا لَكُمْ صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ مَاتَ".
    وَكَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرِهَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهَا لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُهَاجِرْ، وَلَمْ يُجَاهِدْ، وَلَا حَجَّ الْبَيْتَ، بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يُؤَدِّ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَظْهَرُ عِنْدَ قَوْمِهِ فَيُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَتَهُمْ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ.
    وَاَللَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَبِيِّهِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا جَاءَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ، وَهَذَا مِثْلُ الْحُكْمِ فِي الزِّنَا لِلْمُحْصَنِ بِحَدِّ الرَّجْمِ، وَفِي الدِّيَاتِ بِالْعَدْلِ، وَالتَّسْوِيَةِ فِي الدِّمَاءِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ؛ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ بِالْعَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
    وَالنَّجَاشِيُّ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ قَوْمَهُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى ذَلِكَ.
    وَكَثِيرًا مَا يَتَوَلَّى الرَّجُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّتَارِ قَاضِيًا -'بَلْ وَإِمَامًا - وَفِي نَفْسِهِ أُمُورٌ مِنْ الْعَدْلِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، فَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بَلْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عُودِيَ وَأُوذِيَ عَلَى بَعْضِ مَا أَقَامَهُ مِنْ الْعَدْلِ، وَقِيلَ: إنَّهُ سُمَّ عَلَى ذَلِكَ.
    فَالنَّجَاشِيُّ وَأَمْثَالُهُ سُعَدَاءُ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَلْتَزِمُوا مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْتِزَامِهِ، بَلْ كَانُوا يَحْكُمُونَ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي يُمْكِنُهُمْ الْحُكْمُ بِهَا.
    وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}، وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ، وَيُرْوَى هَذَا عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ.
    وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ؛ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وقتادة، وَهَذَا مُرَادُ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ هُوَ الْمُطَاعُ، فَإِنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَفْظُ الْجَمْعِ لَمْ يُرَدْ بِهَا وَاحِدٌ.
    وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَثَلَاثِينَ مِنْ الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٍ مِنْ الرُّومِ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى فَآمَنُوا بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ مِثْلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، لأن هَؤُلَاءِ صَارُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يُقَالُ فِيهِمْ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ}.
    وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْدَ إسْلَامِهِمْ وَهِجْرَتِهِمْ وَدُخُولِهِمْ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ الْمُجَاهِدِينَ ؛ يُقَالُ: إنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كما لا يقال عن الصحابة الذين كانوا مشركين: وإن من المشركين لمن يؤمن بالله ورسوله، فإنهم بعد الإيمان ما بقوا يسمون مشركين، فدل على أن هؤلاء قوم من أهل الكتاب، أَيْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَقَدْ آمَنُوا بِالرَّسُولِ.
    كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَقْتُولِ خَطَأً: {عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}، وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}، فَهُوَ مِنْ الْعَدُوِّ، وَلَكِنْ هُوَ كَانَ قَدْ آمَنَ وَمَا أَمْكَنَهُ الْهِجْرَةُ وَإِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَالْتِزَامُ شَرَائِعِهِ، فَسَمَّاهُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ فَعَلَ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
    وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَخِفُّونَ بِإِيمَانِهِمْ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ الْهِجْرَةِ،،قَ الَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إلَّا الْمُسْتَضْعَفِ ينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)}، فَعَذَرَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَضْعَفَ الْعَاجِزَ عَنْ الْهِجْرَةِ.
    وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَ فِين مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}، فَأُولَئِكَ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ إقَامَةِ دِينِهِمْ، فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْهُ.
    فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَنْ كَانَ مُشْرِكًا وَآمَنَ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَآمَنَ؟.
    وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}، قِيلَ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ لِبَاسُ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي صَفِّهِمْ فَيُعْذَرُ الْقَاتِلُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الدِّيَةُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
    وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ. كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ، لَكِنَّ هَذَا قَدْ أَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ. وَقِيلَ: إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَلَا يُعْطَى أَهْلُ الْحَرْبِ دِيَتُهُ، بَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ؛ وَسَوَاءٌ عَرَفَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَقُتِلَ خَطَأً، أَوْ ظُنَّ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ.
    وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ جريج، وَمُقَاتِلٍ، وَابْنِ زَيْدٍ، يَعْنِي: قَوْلَهُ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنَّهَا فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ من اليهود والنصارى.
    فهذا إن أراد به من كان في الظاهر معدودا من أهل الكتاب، فَهُوَ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أَرَادَ الْعُمُومَ فَهُوَ كَالثَّانِي، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُ مَنْ أَدْخَلَ فِيهَا مثل ابْنَ سَلَامٍ وَأَمْثَالَهُ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
    أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّ ابْنَ سَلَامٍ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَقَالَ: "فَلَمَّا رَأَيْت وَجْهَهُ عَرَفْت أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ"، وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ إنَّمَا نَزَلَ ذِكْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ.
    وَثَانِيًا: أَنَّ ابْنَ سَلَامٍ وَأَمْثَالَهُ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِين َ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَذَلِكَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أُجُورٌ مِثْلُ أُجُورِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، وَهُمْ مُلْتَزِمُونَ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ فَأَجْرُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}.
    وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْرَ هَؤُلَاءِ كَانَ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَشُكُّ فِيهِمْ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِخْبَارِ بِهِمْ؟.
    وَمَا هَذَا إلَّا كَمَا يُقَالُ: الْإِسْلَامُ دَخَلَ فِيهِ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا، أَوْ كَانَ كِتَابِيًّا، وَهَذَا مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِأَنَّهُ دِينٌ لَمْ يُعْرَفْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فِيهِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ إمَّا مُشْرِكًا، وَإِمَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، إمَّا كِتَابِيًّا وَإِمَّا أُمِّيًّا، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِخْبَارِ بِهَذَا؟.
    بِخِلَافِ أَمْرِ النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِمَّنْ كَانُوا مُتَظَاهِرِينَ بِكَثِيرٍ مِمَّا عَلَيْهِ النَّصَارَى؛ فَإِنَّ أَمْرَهُمْ قَدْ يَشْتَبِهُ، وَلِهَذَا ذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: إنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ قَائِلٌ: تُصَلِّي عَلَى هَذَا الْعِلْجِ النَّصْرَانِيِّ وَهُوَ فِي أَرْضِهِ؟، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، هَذَا مَنْقُولٌ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَاشَرُوا الصَّلَاةَ عَلَى النَّجَاشِيِّ.
    وَهَذَا بِخِلَافِ ابْنِ سَلَامٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ؛ فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ فِيهِمْ مُنَافِقٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا نَزَلَ فِي حَقِّ ابْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ، وَأنَّ مَنْ هُوَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ يَكُونُ مُؤْمِنًا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالنَّجَاشِيِّ .

    والحمد لله رب العالمين.

    يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة الثالثة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار».

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    الشبهة الثالثة:

    استدلالهم بما أخرجه البخاري (128) واللفظ له، ومسلم (32) في صحيحيهما عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: «يا معاذ بن جبل»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا، قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار»، قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: «إذا يتكلوا» وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.

    وبما أخرجه البخاري في صحيحه (99) عن أبي هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه».

    وبما أخرجه البخاري (425)، ومسلم (33) عن عتبان بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله".

    أولا:
    ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


    قال ابن خزيمة في كتابه التوحيد (817:815/2):
    قد كنت أمليت أكثر هذا الباب في كتاب الإيمان وبينت في ذلك الموضع معنى هذه الأخبار، وأن معناها ليس كما يتوهمه المرجئة وبيقين يعلم كل عالم من أهل الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بهذه الأخبار أن من قال لا إله إلا الله أو زاد مع شهادة أن لا إله إلا الله شهادة أن محمدا رسول الله ولم يؤمن بأحد من الأنبياء، غير محمد صلى الله عليه وسلم ولا آمن بشيء من كتاب الله، ولا بجنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب أنه من أهل الجنة، لا يعذب بالنار.
    ولئن جاز للمرجئة الاحتجاج بهذه الأخبار، - وإن كانت هذه الأخبار ظاهرها خلاف أصلهم، وخلاف كتاب الله، وخلاف سنن النبي صلى الله عليه وسلم - جاز للجهمية الاحتجاج بأخبار رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تؤولت على ظاهرها، استحق من يعلم أن الله ربه وأن محمدا نبيه الجنة، وإن لم ينطق بذلك لسانه.
    ولا يزال يسمع أهل الجهل والعناد، ويحتجون بأخبار مختصرة، غير متقصاة، وبأخبار مجملة غير مفسرة، لا يفهمون أصول العلم؛ [فلا] يستدلون بالمتقصى من الأخبار على مختصرها، وبالمفسر منها على مجملها.
    قد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظة لو حملت على ظاهرها كما حملت المرجئة الأخبار التي ذكرناها في شهادة أن لا إله إلا الله على ظاهرها لكان العالم بقلبه: أن لا إله إلا الله مستحقا للجنة، وإن لم يقر بذلك بلسانه، ولا أقر بشيء مما أمر الله تعالى بالإقرار به، ولا آمن بقلبه بشيء أمر الله بالإيمان به ولا عمل بجوارحه شيئا أمر الله به، ولا انزجر عن شيء حرمه الله من سفك دماء المسلمين، وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم، واستحلال حرمهم.
    فاسمع الخبر الذي ذكرت أنه غير جائز أن يحمل على ظاهره، كما حملت المرجئة الأخبار التي ذكرناها على ظاهرها .
    61 - حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، قال: ثنا بشر يعني ابن المفضل، قال: ثنا خالد يعني الحذاء، عن الوليد أبي بشر، قال: سمعت حمران بن أبان، يحدث عن عثمان بن عفان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة».


    ثانيا:
    الرد على الشبهة


    قلت: المعنى - في كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى -: أن الجهمية إذا أرادوا الاحتجاج بالأحاديث التي فهموا من ظاهرها أن اعتقاد القلب وحده دون الإقرار باللسان يكفي للنجاة من عذاب النار في الآخرة، فاحتجت عليهم المرجئة بأن ظاهر هذه الأحاديث التي فهمتها الجهمية غير مراد، وأنها مقيد بأحاديث أخر فيها لزوم اقتران الإقرار باللسان مع اعتقاد القلب للنجاة من عذاب النار في الآخرة، قامت الحجة بذلك لأهل السنة على المرجئة من حيث قامت للمرجئة على الجهمية وأن ظاهر هذه الأحاديث التي فهمتها المرجئة غير مراد، وأنها مقيد بأحاديث أخر فيها لزوم اقتران عمل الجوارح مع إقرار اللسان واعتقاد القلب للنجاة من عذاب النار في الآخرة.

    كالذي أخرجه مسلم (2564) صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

    وما أخرجه البخاري(52)، ومسلم (1599) في صحيحيهما
    عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: - وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه -
    «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه.
    ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

    وهذا المعنى من تلازم عدم حصول الإيمان بدون عمل الجوارح دلالته قطعية عند السلف، منقول إجماعهم عليه، وممن نقل عنهم الإجماع:

    1- قال سفيان الثوري (ت 161 هج):
    كان الفقهاء يقولون:
    لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.

    وقال الثوري أيضا ناسبا ذلك لأهل السنة:
    لا يجوز قول إلا بعمل، ولا يجوز قول وعمل إلا بنية، ولا يجوز قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.

    2- وكذلك نفس كلام الثوري الأول نقله عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 157 هج) إجماعا عن السلف، وزاد قائلا:
    وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل.

    3- وكذلك نفس كلام الثوري الأول نقله إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري (ت 185 هج) إجماعا عن السلف، وزاد كما زاد الأوزاعي في نفس مصادر تخريج أثر الأوزاعي الماضي.

    4- قال محمد بن إدريس الشَّافِعِيُّ (ت 204 هـ):
    وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْآخَرِ.

    5- قال عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي (ت 219 هج) في كتابه أصول السنة المطبوع بنهاية مسنده:
    السنة عندنا: ...........
    وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة.

    6- قال محمد بن الحسين الآجري (ت 360 هج) في كتابه الشريعة (611/2):
    اعملوا - رحمنا الله وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزيء معرفة بالقلب، ونطق باللسان، حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال: كان مؤمنا دل على ذلك القرآن، والسنة، وقول علماء المسلمين.

    7- قال ابن أبي زيد القيرواني (ت 386 هج) في كتابه الجامع في السنن والآداب (ص107):
    ومما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة

    قال (ص110):
    وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان.
    ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية الا بموافقة السنة.

    8- ابن بطة العكبري (ت 387 هج) في الإبانة الكبرى (761:760/2):
    اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به، والتصديق له ولرسله ولكتبه، وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال، لا تجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها، ولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنا بقلبه، مقرا بلسانه، عاملا مجتهدا بجوارحه، ثم لا يكون أيضا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله، متبعا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله، وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن، ومضت به السنة، وأجمع عليه علماء الأمة.

    وقال بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن الذين زادوا من السلف كلمة النية في تعريفهم الإيمان:
    وَمَنْ قَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ، فَزَادَ ذَلِكَ.
    فعمل القلب عند هذه الطائفة من السلف لا يدخل في عموم قول غيرهم من السلف: قول وعمل، في تعريفهم الإيمان.

    قلت: فتبين بذلك أن كل النقولات الماضية عن السلف في تعريفهم الإيمان بقول وعمل ونية أنهم يقصدون بالعمل؛ عمل الجوارح فحسب.
    ويقصدون بالنية، عمل القلب فحسب.


    وقد نقلت كلام شيخ الإسلام في مقالي على الرابط التالي، بما يعني عن إعادة نقله، فمن شاء فليراجعه هنالك.
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    وقال - رحمه الله - عن الذين زادوا من السلف كلمة النية في تعريفهم الإيمان:
    وَمَنْ قَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ، فَزَادَ ذَلِكَ.
    فعمل القلب
    عند هذه الطائفة من السلف لا يدخل في عموم قول غيرهم من السلف: قول وعمل، في تعريفهم الإيمان.

    والحمد لله رب العالمين.

    يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة الرابعة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة.

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    الشبهة الرابعة:

    استدلالهم بما أخرجه ابن ماجه في سننه في باب ذهاب القرآن والعلم (4049) عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها".
    فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟.
    فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة.
    فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، ثلاثا.

    صححه الحاكم في مستدركه (587/4) ووافقه الذهبي.
    وقال ابن حجر في فتح الباري (16/13): أخرجه ابن ماجه بسند قوي.

    الرد على الشبهة

    قال ابن كثير في البداية والنهاية (44/19):
    وهذا دال على أن العلم قد يرفع من صدور الرجال في آخر الزمان، حتى إن القرآن يسرى عليه فيرفع من المصاحف والصدور، ويبقى الناس بلا علم ولا قرآن، وإنما الشيخ الكبير والعجوز المسنة يخبران أنهم أدركوا الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله فهم يقولونها أيضا على وجه التقرب بها إلى الله عز وجل، فهي نافعة لهم، وإن لم يكن عندهم من العمل الصالح والعلم النافع غيرها.
    وقوله: تنجيهم من النار. يحتمل أن يكون المراد أنها تدفع عنهم دخول النار بالكلية، ويكون فرضهم في ذلك الزمان القول المجرد عن العمل، لعدم تكليفهم بالأعمال، التي لم يخاطبوا بها، والله أعلم.
    ويحتمل أن يكون أراد نجاتهم من النار بعد دخولهم إليها، وأن لا إله إلا الله تكون سبب نجاتهم من العذاب الدائم المستمر. وعلى هذا يحتمل أن يكونوا من المرادين بقوله تعالى في الحديث: «وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال يوما من الدهر: لا إله إلا الله»، كما سيأتي بيانه في أحاديث الشفاعة.
    ويحتمل أن يكون أولئك قوما آخرين. والله أعلم.

    قال الشيخ ابن العثيمين في الشرح الممتع (37:36/2):
    ما ورد مقيدا بحال يعذر فيها بترك الصلاة، كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب» الحديث، وفيه: «وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها». فقال له صلة: ما تغني عنهم: لا إله إلا الله؛ وهم لا يدرون ما صلاة؛ ولا صيام؛ ولا نسك؛ ولا صدقة. فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا. كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار. ثلاثا.
    فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام؛ لأنهم لا يدرون عنها، فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها، كمن مات عقيب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم في دار الكفر قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع.

    قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (145/7):
    وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثا في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم.

    وقال أيضا في نفس المصدر (175/1):
    وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها.

    قلت: وهذا لا يصح فهمه من الحديث على إطلاقه، إنما يصح مقيدا بعذر عدم العلم بالشرائع لاندراس العلم، وفشو الجهل في ذلك الزمان، كما قال الشيخ الألباني نفسه في النقل الأول:
    وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك.

    فالحمد لله رب العالمين.

    يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة الخامسة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا ....... الحديث المعروف بحديث البطاقة.

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    الشبهة الخامسة:

    استدلالهم بما أخرجه ابن المبارك في مسنده (100): عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟، أظلمك كتبتي الحافظون؟، فيقول: لا يا رب. فيقول الله: ألك عذر أو حسنة؟، فبهت الرجل، وقال: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة،فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله،،وأن محمدا عبده ورسوله،،فيقول: احضر وزنك،،فيقول: يا رب، فما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء».

    - أخرجه الترمذي (2639)، وابن ماجه(4300)، وأحمد (6994)، وابن حبان (225)، ونعيم بن حماد في زوائد الزهد (109/2)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص283) من طريق عبد الله بن المبارك.
    - وأخرجه أبو حمزة الكتاني في جزء البطاقة (2)، واللالكاني في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (2204) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير.
    - وأخرجه الحاكم في المستدرك (46/1)، والبيهقي في الشعب (279) من طريق يونس بن محمد المؤدب.
    - وأخرجه الطبراني في الكبير (19/13)، (30/14)، وفي الدعاء (1482) من طريق عبد الله بن صالح الكاتب.
    أربعتهم (ابن المبارك، وابن بكير، ويونس، وعبد الله بن صالح) عن الليث به.

    - وأخرجه ابن عبد الحكم في نفس المصدر السابق من طريق عمرو بن الحارث.
    - وأخرجه الترمذي في نفس المصدر السابق من طريق ابن لهيعة.
    ثلاثتهم (الليث، عمرو بن الحارث، وابن لهيعة)، عن عامر بن يحيى المعافري.

    - وأخرجه عبد بن حميد (339)، وابن جرير الطبري في تفسيره (313/12)، والآجري في الشريعة (902) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
    كلاهما (المعافري، والإفريقي)، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

    قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
    وقال الحاكم: هذا على شرط مسلم.
    وقال ابن الملقن في التوضيح (596/33): حديث صحيح على شرط مسلم.

    أولا:
    حمل دلالة الحديث على عموم المسلمين ممتنع شرعا باتفاق أهل السنة والجماعة


    قال ابن القيم في مدارج السالكين (340/1):
    وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب.

    ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل، وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات، انفردت بطاقته بالثقل والرزانة.

    ثانيا:
    ذكر من نسب هذا الاستدلال للمرجئة


    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المستدرك على مجموع الفتاوى (96/3):
    والمرجئة من الشيعة والأشعرية قابلوا المعتزلة بنقيض قولهم فقالوا: لا نجزم بتعذيب أحد من أهل التوحيد، وهذا أيضا باطل، بل تواترت السنن بدخول أهل الكبائر النار، وخروجهم منها بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ما جاءت به السنن.
    .................
    وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن.

    ثالثا:
    الرد على الشبهة، وفيه نسبة هذا الاستدلال للمرجئة


    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (222:216/6) - والنقل منه -، وفي المستدرك على مجموع الفتاوى (96:95/3) بمعناه:
    فإن الإنسان قد يقول: إذا كفر عني بالصلوات الخمس، فأي شيء تكفر عني الجمعة، أو رمضان؟، وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء؟.
    وبعض الناس يجيب عن هذا بأنه يكتب لهم درجات إذا لم تجد ما تكفره من السيئات.

    فيقال: أولا: العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفر به السيئات هو العمل المقبول.
    والله تعالى إنما يتقبل من المتقين.

    والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} [سورة المائدة: 27] ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
    فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر. وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال.
    والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك.
    والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصا لوجه الله تعالى.
    ............
    فصاحب الكبائر إذا اتقى الله في عمل من الأعمال تقبل الله منه، ومن هو أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل لم يتقبله منه، وإن تقبل منه عملا آخر.
    ...........
    والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله له به كبائر. كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر. فيقال: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: لا ظلم عليك. فتخرج له بطاقة قدر الكف، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فثقلت البطاقة وطاشت السجلات».

    فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص. وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله،
    ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة.


    وكذلك في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه فيها العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها فشرب. ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له».

    وفي لفظ في الصحيحين: «إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فسقته به، فغفر لها».
    وفي لفظ في الصحيحين: «أنها كانت بغيا من بغايا بني إسرائيل».

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له، فغفر له».

    وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها: لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت».

    فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبا يغفر لها.
    وكذلك هذا الذي نحى غصن الشوك عن الطريق، فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك.
    فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص صلاتيهما كما بين السماء والأرض. وليس كل من نحى غصن شوك عن الطريق يغفر له.

    رابعا:
    عدم ذكر نجاة هؤلاء - الذين مثل بهم شيخ الإسلام في كلامه الماضي قريبا - بشيء من صالح عمل الجوارح بالفرائض ليس معناه نفي حقيقة أداء عمل الجوارح عنهم، إنما معناه نفي بقاء جزاء هذه الأعمال الصالحة لأصحابها إلا ما كان سببا للمغفرة


    قلت: فليس في الحديث أن هذا الرجل ترك العمل بالفرائض كلها، إنما المعنى منه كما بين شيخ الإسلام أنه لم يقبل منه من عمل صالح إلا هذا العمل، وهو قول اللسان واعتقاد القلب.

    ويبقى السؤال: وأين صالح عمل الجوارح لهؤلاء؟
    والجواب: اقتسمته الغرماء.

    قال ابن رجب الحنبلي في كتابه فتح الباري (95/1):
    الإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح، وقد قال ابن عيينه وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء أيضا.

    قال الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر في شرحه على سنن أبي داود (الشريط 207 بترقيم موقعه الرسمي/الدقيقة 09:00)، (ج255/ص29-الشاملة):
    حديث المفلس يدل على أنه كان عنده شيء ولكنه ذهب، فيمكن أن يكون معنى «لم عملوا شيئا قط»؛ يعني: بقي لهم، أو ينفعهم، لأن الذي عملوه أخذه الدائنون، لا أنهم دخلوا في الإسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله ثم لم يسجدوا لله سجدة، ولم يطعموا مسكينا، ولم يحجوا، ولم يصوموا يوما من الدهر.

    وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيد بسط لهذا المعنى في الرد على الشبهة السادسة.

    فالحمد لله رب العالمين.

    يتبع - إن شاء الله تعالى - بالرد على الشبهة السادسة: وهي استدلالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الطويل في ذكر الشفاعة وفيه: «فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه».

    وهي أكبر شبههم التي يتعلقون بها، بل ويرمون بهتانا وإثما مبينا من لم يقل بما التبس عليهم من دلالة مغلوطة بأنه من الحدادية.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    أتريب, بنها, القليوبية, مصر
    المشاركات
    48

    افتراضي رد: ثبوت صحة حكاية الإجماع عن الإمام الشافعي رحمه الله التي نقلها عن السلف في الإيمان

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد طه السيد مشاهدة المشاركة

    قال ابن رجب الحنبلي في كتابه فتح الباري (95/1):
    الإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم، وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح، وقد قال ابن عيينه وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء أيضا.


    تصحيح:
    جاء في طبعة ابن الجوزي بتحقيق طارق عوض الله (88/1):
    وهذا يستدل به على أن الإيمان القولي - أعني: كلمة التوحيد -، والإيمان القلبي - وهو التصديق - لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، .......

    وجاءت العبارة الأولى في طبعة الغرباء (95/1) على النحو التالي:
    وهذا يستدل به على أن الإيمان يفوق معنى كلمة التوحيد .......
    ثم قال المحققون في الحاشية: قوله: (يفوق معنى) عسر علينا قراءتها في (ف)، ولعلها هكذا.

    فلتستدرك من ههنا.

    والحمد لله رب العالمين.

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •