هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 20 من 20
6اعجابات
  • 1 Post By أبو مالك المديني
  • 1 Post By الطيبوني
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى 10 / 319 وما بعدها :
    وَقَوْلُ الْقَائِلِ : هَلْ الِاعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ الْمُعَيَّنِ يُوجِبُ دَفْعَ مَا حَصَلَ بِذُنُوبِ مُتَعَدِّدَةٍ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْضَارِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ؟ فَجَوَابُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبٍ آخَرَ إذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَقْوَى مِنْ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَشَدَّ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
    .... وَالتَّوْبَةُ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ كَفِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا دُونَ بَعْضٍ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَتْرُوكُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْمَفْعُولِ كَالْإِيمَانِ الْمَشْرُوطِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } وَقَالَ : { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
    ( الْأَصْلُ الثَّانِي ) أَنَّ مَنْ لَهُ ذُنُوبٌ فَتَابَ مِنْ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تَقْتَضِي مَغْفِرَةَ مَا تَابَ مِنْهُ أَمَّا مَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ فَهُوَ بَاقٍ فِيهِ عَلَى حُكْمِ مَنْ لَمْ يَتُبْ لَا عَلَى حُكْمِ مَنْ تَابَ وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا نِزَاعًا إلَّا فِي الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فَإِنَّ إسْلَامَهُ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ مِنْ الْكُفْرِ فَيُغْفَرُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ الْكُفْرُ الَّذِي تَابَ مِنْهُ ، وَهَلْ تُغْفَرُ لَهُ الذُّنُوبُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي حَالِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فِي الْإِسْلَامِ ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يُغْفَرُ لَهُ الْجَمِيعُ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مَعَ قَوْله تَعَالَى { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } . ( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ إلَّا مَا تَابَ مِنْهُ ؛ فَإِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى كَبَائِرَ دُونَ الْكُفْرِ، فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأُصُولُ وَالنُّصُوصُ ؛ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَقَالَ : مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ } فَقَدْ دَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تُرْفَعُ الْمُؤَاخَذَةُ بِالْأَعْمَالِ الَّتِي فُعِلَتْ فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ عَمَّنْ أَحْسَنَ لَا عَمَّنْ لَا يُحْسِنُ ؛ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَلَمْ يُحْسِنْ . وقَوْله تَعَالَى { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَهِيَ عَنْ شَيْءٍ يُغْفَرُ لَهُ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَهِيَ عَنْ شَيْءٍ يُغْفَرُ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ غَيْرِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ : إنْ انْتَهَيْتَ غَفَرْت لَك مَا تَقَدَّمَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَنَّك إنْ انْتَهَيْت عَنْ هَذَا الْأَمْرِ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَإِذَا انْتَهَيْت عَنْ شَيْءٍ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ كَمَا يُفْهَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { إنْ تُبْت } لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّك بِالِانْتِهَاءِ عَنْ ذَنْبٍ يُغْفَرُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ } وَفِي رِوَايَةٍ { يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ } فَهَذَا قَالَهُ لَمَّا أَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ العاص وَطَلَبَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ فَقَالَ لَهُ : { يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا } وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا تَابَ مِنْهُ ، لَا تُوجِبُ التَّوْبَةُ غُفْرَانَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ .
    الْأَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْتَحْضِرُ ذُنُوبًا فَيَتُوبُ مِنْهَا وَقَدْ يَتُوبُ تَوْبَةً مُطْلَقَةً لَا يَسْتَحْضِرُ مَعَهَا ذُنُوبَهُ لَكِنْ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ التَّوْبَةَ الْعَامَّةَ فَهِيَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَرَاهُ ذَنْبًا ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ الْعَامَّةَ تَتَضَمَّنُ عَزْمًا عَامًّا بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ وَكَذَلِكَ تَتَضَمَّنُ نَدَمًا عَامًّا عَلَى كُلِّ مَحْظُورٍ . وَ " النَّدَمُ " سَوَاءٌ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَات ِ أَوْ مِنْ بَابِ الْإِرَادَاتِ أَوْ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ بَابِ الْآلَامِ الَّتِي تَلْحَقُ النَّفْسَ بِسَبَبِ فِعْلِ مَا يَضُرُّهَا ؛ فَإِذَا اسْتَشْعَرَ الْقَلْبُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يَضُرُّهُ حَصَلَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ مِنْ السَّيِّئَاتِ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَات ِ ، وَكَرَاهِيَةٌ لِمَا كَانَ فَعَلَهُ ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ ؛ وَحَصَلَ لَهُ أَذًى وَغَمٌّ لِمَا كَانَ فَعَلَهُ ؛ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْآلَامِ كَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ كَمَا أَنَّ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ هُوَ مِنْ بَابِ اللَّذَّاتِ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَات ِ وَالْإِرَادَاتِ . وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَ ةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ : إنَّ اللَّذَّةَ هِيَ إدْرَاكُ الْمُلَائِمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُلَائِمٌ ، وَأَنَّ الْأَلَمَ هُوَ إدْرَاكُ الْمُنَافِرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُنَافِرٌ ، فَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ اللَّذَّةَ وَالْأَلَمَ حَالَانِ يَتَعَقَّبَانِ إدْرَاكَ الْمُلَائِمِ وَالْمُنَافِرِ ، فَإِنَّ الْحُبَّ لِمَا يُلَائِمُهُ كَالطَّعَامِ الْمُشْتَهَى مَثَلًا لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) الْحُبُّ كَالشَّهْوَةِ لِلطَّعَامِ . وَالثَّانِي : إدْرَاكُ الْمَحْبُوبِ كَأَكْلِ الطَّعَامِ . ........ إذَا تَبَيَّنَ هَذَا . فَمَنْ تَابَ تَوْبَةً عَامَّةً كَانَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ مُقْتَضِيَةً لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ كُلِّهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ أَعْيَانَ الذُّنُوبِ إلَّا أَنْ يُعَارِضَ هَذَا الْعَامَّ مُعَارِضٌ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الذُّنُوبِ لَوْ اسْتَحْضَرَهُ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ ؛ لِقُوَّةِ إرَادَتِهِ إيَّاهُ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ لَيْسَ بِقَبِيحِ فَمَا كَانَ لَوْ اسْتَحْضَرَهُ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي التَّوْبَةِ وَأَمَّا مَا كَانَ لَوْ حَضَرَ بِعَيْنِهِ لَكَانَ مِمَّا يَتُوبُ مِنْهُ فَإِنَّ التَّوْبَةَ الْعَامَّةَ شَامِلَتُهُ . وَأَمَّا " التَّوْبَةُ الْمُطْلَقَةُ " : وَهِيَ أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً مُجْمَلَةً وَلَا تُسْتَلْزَمُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَهَذِهِ لَا تُوجِبُ دُخُولَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الذُّنُوبِ فِيهَا وَلَا تَمْنَعُ دُخُولَهُ كَاللَّفْظِ الْمُطْلَقِ ؛ لَكِنَّ هَذِهِ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِغُفْرَانِ الْمُعَيَّنِ . كَمَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِغُفْرَانِ الْجَمِيعِ ؛ بِخِلَافِ الْعَامَّةِ فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ لِلْغُفْرَانِ الْعَامِّ كَمَا تَنَاوَلَتْ الذُّنُوبَ تَنَاوُلًا عَامًّا ....إلخ كلامه رحمه الله ، وهو كلام نفيس جدا .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    قال ابن مفلح في الآداب الشرعية 1 / 124 :
    فصل حكم توبة الكافر من المعاصي دون الكفر والعكس

    ولا تصح توبة كافر من معصية قال ابن عباس في رواية الوالبي في قوله تعالى { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة } : لا يقبل الله عز وجل مع الشرك عملا وقيل تصح من غير الكافر بالقول والنية ومنه بالإسلام ويغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه وهل تغفر له الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام فيه قولان معروفان
    قال الشيخ تقي الدين : أحدهما يغفر له الجميع ؛ لقوله تعالى { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف }
    أي : ينتهوا عن كفرهم ولأنه اندرج في ضمن المحرم الأكبر فسقط بسقوطه ، وفيه نظر لأنه كيف يندرج ويسقط مع إصراره عليه وعدم توبته منه وهذا ظاهر كلام أكثر الأصحاب رحمهم الله ، ولم أجده صريحا في كلامهم وقد سبق كلام ابن حامد في الفصل قبله وهو يدل على الغفران ؛ لأنه لم يذكر الخبر إلا حجة لمن اعتبر لصحة التوبة أعمالا صالحة وأنه يجيء على مقالة بعض أصحابنا فيدل على أن الأشهر خلافه
    والثاني : لا، نقله البغوي عن أحمد ، رواه الخلال ، وهو ظاهر ما اختاره ابن عقيل قال الشيخ تقي الدين : وهذا القول تدل عليه النقول والنصوص .
    وقال في موضع آخر : إنه إن تاب من جميع معاصيه غفر له ، وإن أصر عليها ، لم يغفر له وإن كان ذاهلا عن الإصرار والإقلاع إما ناسيا أو ذاكرا غير مريد للفعل ولا للترك غفر له أيضا ، والحديثان يأتلفان على هذا يعني : حديث عمرو بن العاص وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله. أخرجه مسلم في الإيمان
    رواه مسلم وغيره
    وحديث ابن مسعود وهو في الصحيحين : أن أناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ قال : أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ، ومن أساء أخذ بعملة في الجاهلية والإسلام .
    قال الشيخ تقي الدين : فالإسلام لتضمنه التوبة المطلقة يوجب المغفرة المطلقة إلا أن يقترن بها ما ينافي هذا الاقتضاء وهو الإصرار كما أنه يوجب الإيمان المطلق ما لم يناقضه كفر متصل فالإصرار في الذنوب كالاعتقاد في التصديق انتهى كلامه
    ولقائل أن يقول هذه دعوى تفتقر إلى دليل والأصل عدمه بل الإسلام إنما يتضمن التوبة من نقيضه وهو الشرك والكفر لا توبة مطلقة حتى يوجب مغفرة مطلقة ولو تضمن توبة مطلقة فإنما يوجب مغفرة مطلقة إذا لم يخطر بباله المحرم أما إذا ذكره ولم يتب منه بل توقف فيه فلم يندم عليه ولم يقلع عنه فكيف يسقط ، يؤيد هذا أنه قال كما أنه يوجب الإيمان المطلق وهذا يكفي إذا لم يخطر بباله بعض أنواع الكفر فلو ذكره وتوقف فيه ولم يتب منه كان ذلك مانعا من عمل المقتضى عمله والمقصود وكون التوقف في الأمر الخاص مانعا من عمل المقتضى عمله فلا أثر للفرق بأن المانع هنا رفع عمل المقتضى بالكلية وهناك لم يرفعه مطلقا فليس هو نظيره لأن المقصود تأثير التوقف في الأمر الخاص وهذا حاصل وهذا متوجه إن شاء الله تعالى
    وقد ظهر أن الأولى أن يقال : فالإسلام لتضمنه التوبة المطلقة يوجب المغفرة إلا أن يقترن بها ما ينافي هذا الاقتضاء وهو توقفه في بعض المحرمات عند ذكرها فلم يندم ولم يقلع كما أن الإسلام يوجب الإيمان المطلق ما لم يناقضه توقف في بعض المكفرات عند ذكره فلم يندم ولم يقلع ويكون هذا دليلا للقول الثاني وموافقا لقول الشيخ تقي الدين إنه الذي تدل عليه الأصول هذا إن ثبت أن الإسلام يتضمن توبة مطلقة والله سبحانه وتعالى أعلم


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    المشاركات
    228

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    جزاكم الله خيرا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محب الشيخ العلوان مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا
    نفع الله بك .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    للتذكير ...

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    1,002

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    و قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في الفتح /

    " إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها " فيه دليل على أن الإسلام إنما يكفر ما كان قبله من الكفر ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه ، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهلية إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها ، فإنه إذا أصر عليها في الإسلام لم يكن تائبا منها فلا يكفر عنه بدون التوبة منها .

    و قد ذكر ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا كأبي بكر بن عبد العزيز ابن جعفر وغيره ، وهو قول طوائف من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وهو اختيار الحليمي . ثم وجدته منصوصا عن الإمام أحمد ؛ فنقل الميموني في " مسائله " عن أحمد قال : بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول : لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية ، والنبي النبي صلى الله عليه وسلم يقول في غير حديث : " إنه يؤاخذ " ، يعني : حديث شقيق ، عن ابن مسعود : أزاد " إذا أحسنت في الإسلام " . انتهى

    وكذلك حكى الجوزجاني عن أهل الرأي أنهم قالوا : إن من أسلم وهو مصر على الكبائر ، كفر الإسلام كبائره كلها ، ثم أنكر عليهم وجعله من جملة أقوال المرجئة . انتهى المقصود من كلام ابن رجب

    ومن فوائد هذه المسالة تصور وجود مسلم له ذنوب مصر عليها تستوجب النار و ليس له من الاعمال شيء . كان يدخل في الاسلام و هو مصر على بعض الذنوب ثم يتوفى بعد ذلك و هو لم يعمل خيرا قط .

    فقد استبعد بعض الناس وجود هذه الحالة بحجة ان الاسلام يهدم ما قبله . و بنوا على هذا ان اهل الاسلام قسمان قسم حقق الايمان بالعمل . و قسم لم يعملوا خيرا قط فاحتجوا بهذا على عدم ركنية جنس العمل في الايمان .

    فمع امكانية وجود مسلم له ذنوب تستوجب النار و ليس معه عمل كما مثلنا من اسلامه و هو مصر على بعض الذنوب و موته بعد ذلك تسقط حجتهم و يسقط الاشكال الوارد حول حديث ( لم يعملوا خيرا قط )

    و الله اعلم





    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مالك المديني مشاهدة المشاركة
    فَجَوَابُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبٍ آخَرَ إذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَقْوَى مِنْ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَشَدَّ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
    .... وَالتَّوْبَةُ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ كَفِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا دُونَ بَعْضٍ
    نعم
    فهذه المسألة هي المعروفة بالتوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، وللعلماء فيها أقوال: فمنهم: من لم يرَ صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره. ومنهم -وهو قول الأكثر-: من يرى صحة التوبة إذا استوفت شروطها. ومنهم: من يفصل بين ما كان من جنس الذنب الذي تاب منه، وما لم يكن كذلك. والصحيح -إن شاء الله- هو قول الجمهور، وهو صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، وتبقى عليه تبعة ذلك الذنب الذي لم يتب منه، قال المحقق ابن القيم -رحمه الله-: وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ التَّوْبَةَ هَلْ تَتَبَعَّضُ، كَالْمَعْصِيَةِ ، فَيَكُونُ تَائِبًا مَنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، كَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ؟ وَالرَّاجِحُ: تَبَعُّضُهَا، فَإِنَّهَا كَمَا تَتَفَاضَلُ فِي كَيْفِيَّتِهَا، كَذَلِكَ تَفَاضَلُ فِي كَمِّيَّتِهَا، وَلَوْ أَتَى الْعَبْدُ بِفَرْضٍ وَتَرَكَ فَرْضًا آخَرَ لَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى مَا تَرَكَهُ دُونَ مَا فَعَلَهُ، فَهَكَذَا إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ وَأَصَرَّ عَلَى آخَرَ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ مِنَ الذَّنْبَيْنِ، فَقَدْ أَدَّى أَحَدَ الْفَرْضَيْنِ وَتَرَكَ الْآخَرَ، فَلَا يَكُونُ مَا تَرَكَ مُوجِبًا لِبُطْلَانِ مَا فَعَلَ، كَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ وَأَتَى بِالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ. انتهى. ورجّح هو عدم صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر من جنسه، فقال ما عبارته: وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ، مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى آخَرَ مِنْ نَوْعِهِ. وَأَمَّا التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ، مَعَ مُبَاشَرَةِ آخَرَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وَلَا هُوَ مِنْ نَوْعِهِ، فَتَصِحُّ، كَمَا إِذَا تَابَ مِنَ الرِّبَا، وَلَمْ يَتُبْ مَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مِنَ الرِّبَا صَحِيحَةٌ، وَأَمَّا إِذَا تَابَ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَأَصَرَّ عَلَيْهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ تَابَ مِنْ تَنَاوُلِ الْحَشِيشَةِ، وَأَصَرَّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَهَذَا لَا تَصِحُّ تَوْبَتَهُ، وَهُوَ كَمَنْ يَتُوبُ عَنِ الزِّنَى بِامْرَأَةٍ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَى بِغَيْرِهَا غَيْرَ تَائِبٍ مِنْهَا، أَوْ تَابَ مِنْ شُرْبِ عَصِيرِ الْعِنَبِ الْمُسْكِرِ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى شُرْبِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ، فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَتُبْ مِنَ الذَّنْبِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ نَوْعٍ مِنْهُ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ، بِخِلَافِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَى مَعْصِيَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا فِي الْجِنْسِ، إِمَّا لِأَنَّ وِزْرَهَا أَخَفُّ، وَإِمَّا لِغَلَبَةِ دَوَاعِي الطَّبْعِ إِلَيْهَا، وَقَهْرِ سُلْطَانِ شَهْوَتِهَا لَهُ، وَإِمَّا لِأَنَّ أَسْبَابَهَا حَاضِرَةٌ لَدَيْهِ عَتِيدَةٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِدْعَائِهَا ، بِخِلَافِ مَعْصِيَةٍ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِدْعَاءِ أَسْبَابِهَا، وَإِمَّا لِاسْتِحْوَاذِ قُرَنَائِهِ وَخُلَطَائِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَدَعُونَهُ يَتُوبُ مِنْهَا، وَلَهُ بَيْنَهُمْ حَظْوَةٌ بِهَا وَجَاهٌ، فَلَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ عَلَى إفساد جاهه بالتوبة. انتهى. وراجع الفتوى: 222013. وإذا تبين لك هذا؛ فمن كان تائبًا من الغيبة مثلًا، وهو قاطع للرحم، صحت توبته مما تاب منه، وبقي عليه إثم ذلك الذنب الذي لم يتب منه، فيحتاج إلى أن يبادره بتوبة على الفور.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    السؤال

    هل تصح التوبة من ذنب معيّن دون آخر؟ وهل تقبل توبة العبد من ذنب معيّن ، إذا كان يعمل ذنباً آخر أم لا ؟
    نص الجواب
    الحمد لله
    أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتوبة فقال : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/31 ، وقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) التحريم/8.
    وأمرنا رسوله صلى الله عليه وسلم بالتوبة فقَالَ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ) رواه مسلم (2702) .
    ولهذا اتفق العلماء رحمهم الله على أن التوبة من المعاصي واجبة .
    قال ابن جزي في "التسهيل" (1232) :
    " التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة " انتهى .
    وقال النووي رحمه الله :
    " وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَة مِنْ جَمِيع الْمَعَاصِي وَاجِبَة , وَأَنَّهَا وَاجِبَة عَلَى الْفَوْر , لَا يَجُوز تَأْخِيرهَا , سَوَاء كَانَتْ الْمَعْصِيَة صَغِيرَة أَوْ كَبِيرَة . وَالتَّوْبَة مِنْ مُهِمَّات الْإِسْلَام وَقَوَاعِده الْمُتَأَكِّدَة " انتهى .
    "شرح مسلم" (17/59) .
    أما التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره فتصح على الراجح من أقوال أهل العلم ، وإن كانت توبة قاصرة غير كاملة .
    قال النووي رحمه الله :
    "وَتَصِحّ التَّوْبَة مِنْ ذَنْب , وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى ذَنْب آخَر , وَإِذَا تَابَ تَوْبَة صَحِيحَة بِشُرُوطِهَا , ثُمَّ عَاوَدَ ذَلِكَ الذَّنْب , كُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْب الثَّانِي , وَلَمْ تَبْطُل تَوْبَته , هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة فِي الْمَسْأَلَتَيْ نِ" انتهى .
    "شرح مسلم" (17/59-60) .
    وقال ابن القيم رحمه الله :

    "هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ؟ فيه قولان لأهل العلم ، وهما روايتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه .

    والذي عندي في هذه المسألة : أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه . وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح ، كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الربا صحيحة ، وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس ، أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس : فهذا لا تصح توبته ، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها ، أو تاب من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة . فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب ، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر ، بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس " انتهى مختصرا .

    "مدارج السالكين" (1/273-275) .
    وقال القرطبي :
    "اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين ؛ لقوله تعالى : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) . وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه ، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أقام على ذنب . ولا فرق بين معصية ومعصية - هذا مذهب أهل السنة" انتهى .
    "الجامع لأحكام القرآن" (5/90) .
    وقال في "غذاء الألباب" (4/207) :
    " وَتَصِحُّ مِنْ بَعْضِ ذُنُوبِهِ فِي الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَة ِ .
    نَعَمْ ، لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ أَصَرَّ عَلَى مِثْلِهِ ، مِثْلُ : أَنْ يَتُوبَ مِنْ زِنَاهُ يَوْمَ كَذَا أَوْ فِي فُلَانَةَ ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَا بِغَيْرِهَا أَوْ بِهَا ، وَإِنَّمَا تَابَ مِنْ الزِّنَا الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ أَوَّلًا دُونَ مَا يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى أَصْلِ فِعْلِ الزِّنَا ، فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنْهُ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " انتهى .
    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

    "وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال : الأول : أنها تصح ، والثاني : أنها تصح إن كان الذنب من غير الجنس ، والثالث : لا تصح .

    والصحيح : أنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره ، لكن لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق ؛ فلا يستحق وصف التائب ، ولا يدخل في مدح التائبين ؛ لأن توبته مقيدة من هذا الذنب المعين . ومثال ذلك : إذا تاب رجل من الزنا لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم فإن توبته من الزنا تصح على القول الراجح ؛ لكن لا يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق . وعلى القول بأنها تصح إذا كانت من غير الجنس : فإنها لا تصح .

    وإذا تاب من الزنا مع الإصرار على الربا فإنها تصح ؛ لأن الربا ليس من جنسه" انتهى .
    "تفسير القرآن للعثيمين" (4/161) .
    فهذا من حيث صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ، والواجب على المسلم أن يتوب من جميع ذنوبه ، وأن يستقيم على أمر الله ، لينجو من عذاب الله .

    أما التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فهي وإن كانت توبة صحيحة من ذلك الذنب ، لكنها توبة ناقصة ، وقاصرة ، وليست هي التوبة النصوح التي وعد الله تعالى أهلها بالمغفرة والجنة ، قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) التحريم/4 .

    قال ابن القيم رحمه الله :

    "النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء :
    الأول : تعميم جميع الذنوب بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته .

    والثاني : إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار ، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها .

    الثالث : تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده ، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله أو لحفظ قوته وماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم أو لئلا يتسلط عليه السفهاء أو لقضاء نهمته من الدنيا أو لإفلاسه وعجزه ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله عز و جل" انتهى .
    "مدارج السالكين" (1/377) .
    نسأل الله تعالى أن يوفقنا للتوبة النصوح وأن يتقبل منا.
    والله أعلم


    المصدر: الإسلام سؤال وجواب
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    قال الامام ابن القيم رحمه الله فى مدارج السالكين
    التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره: وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟
    فيه قولان لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد ولم يطلع على الخلاف من حكى الإجماع على صحتها كالنووي وغيره.
    والمسألة مشكلة ولها غور ويحتاج الجزم بأحد القولين إلى دليل يحصل به الجزم والذين صححوها احتجوا بأنه لما صح الإسلام- وهو توبة من الكفر- مع البقاء على معصية لم يتب منها فهكذا تصح التوبة من ذنب مع بقائه على آخر.
    وأجاب الآخرون عن هذا بأن الإسلام له شأن ليس لغيره لقوته ونفاذه وحصوله- تبعا بإسلام الأبوين أو أحدهما- للطفل وكذلك بانقطاع نسب الطفل من أبيه أو بموت أحد أبويه في أحد القولين وكذلك يكون بكون سابيه ومالكه مسلما في أحد القولين أيضا وذلك لقوته وتشوف الشرع إليه حتى حصل بغير القصد بل بالتبعية.
    واحتج الآخرون بأن التوبة هي الرجوع إلى الله من مخالفته إلى طاعته وأي رجوع لمن تاب من ذنب واحد وأصر على ألف ذنب؟.
    قالوا: والله سبحانه إنما لم يؤاخذ التائب لأنه قد رجع إلى طاعته وعبوديته وتاب توبة نصوحا والمصر على مثل ما تاب منه- أو أعظم- لم يراجع الطاعة ولم يتب توبة نصوحا.
    قالوا: ولأن التائب إذا تاب إلى الله فقد زال عنه اسم العاصي كالكافر إذا أسلم زال عنه اسم الكافر وأما إذا أصر على غير الذنب الذي تاب منه فاسم المعصية لا يفارقه فلا تصح توبته.
    وسر المسألة أن التوبة هل تتبعض كالمعصية فيكون تائبا من وجه دون وجه كالإيمان والإسلام؟
    والراجح تبعضها فإنها كما تتفاضل في كيفيتها كذلك تفاضل في كميتها ولو أتى العبد بفرض وترك فرضا آخر لاستحق العقوبة على ما تركه دون ما فعله فهكذا إذا تاب من ذنب وأصر على آخر لأن التوبة فرض من الذنبين فقد أدى أحد الفرضين وترك الآخر فلا يكون ما ترك موجبا لبطلان ما فعل كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة.
    والآخرون يجيبون عن هذا بأن التوبة فعل واحد معناه الإقلاع عما يكرهه الله والندم عليه والرجوع إلى طاعته فإذا لم توجد بكمالها لم تكن صحيحة إذ هي عبادة واحدة فالإتيان ببعضها وترك بعض واجباتها كالإتيان ببعض العبادة الواجبة وترك بعضها فإن ارتباط أجزاء العبادة الواحدة بعضها ببعض أشد من ارتباط العبادات المتنوعات بعضها ببعض.
    وأصحاب القول الآخر يقولون: كل ذنب له توبة تخصه وهي فرض منه لا تتعلق بالتوبة من الآخر كما لا يتعلق أحد الذنبين بالآخر.
    والذي عندي في هذه المسألة أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الربا صحيحة وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس فهذا لا تصح توبته وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها أو تاب من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس إما لأن وزرها أخف وإما لغلبة دواعي الطبع إليها وقهر سلطان شهوتها له وإما لأن أسبابها حاضرة لديه عتيدة لا يحتاج إلى استدعائها بخلاف معصية يحتاج إلى استدعاء أسبابها وإما لاستحواذ قرنائه وخلطائه عليه فلا يدعونه يتوب منها وله بينهم حظوة بها وجاه فلا تطاوعه نفسه على إفساد جاهه بالتوبة كما قال أبو نواس لـ أبي العتاهية وقد لامه على تهتكه في المعاصي:
    أتراني يا عتـــــاهي ** تاركا تلك الملاهــي
    أتراني مفســـدا بالنـ ** ـسك عند القوم جاهي
    فمثل هذا إذا تاب من قتل النفس وسرقة أموال المعصومين وأكل أموال اليتامى ولم يتب من شرب الخمر والفاحشة صحت توبته مما تاب منه ولم يؤاخذ به وبقي مؤاخذا بما هو مصر عليه والله أعلم.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل ومن أحكام التوبة أنه : هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط فشرط بعض الناس عدم معاودة الذنب
    وقال : متى عاد إليه تبينا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم الجازم على ترك معاودته فإن كانت في حق آدمي : فهل يشترط تحلله فيه تفصيل سنذكره إن شاء الله فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة والمسألة مبنية على أصل وهو : أن العبد إذا تاب من الذنب ثم عاوده فهل يعود إليه إثم الذنب الذي قد تاب منه ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر إن مات مصرا أو إن ذلك قد بطل بالكلية فلا يعود إليه إثمه وإنما يعاقب على هذا الأخير وفي هذا الأصل قولان فقالت طائفة : يعود إليه إثم الذنب الأول لفساد التوبة وبطلانها بالمعاودة قالوا : لأن التوبة من الذنب بمنزلة الإسلام من الكفر والكافر إذا أسلم هدم إسلامه ما قبله من إثم الكفر وتوابعه فإن ارتد عاد إليه الإثم الأول مع
    إثم الردة كما ثبت فى الصحيح عن النبي أنه قال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر فهذا حال من أسلم وأساء فى إسلامه ومعلوم أن الردة من أعظم الإساءة في الإسلام فإذا أخذ بعدها بما كان منه فى حال كفره ولم يسقطه الإسلام المتخلل بينهما فهكذا التوبة المتخللة بين الذنبين لا تسقط الإثم السابق كما لا تمنع الإثم اللاحق قالوا : واولأن صحة التوبة مشروطة باستمرارها والموافاة عليها والمعلق على الشرط يعدم عند عدم الشرط كما أن صحة الإسلام مشروطة باستمراره والموافاة عليه قالوا : والتوبة واجبة وجوبا مصينقا مدى العمر فوقتها مدة العمر إذ يجب عليه استصحاب حكمها في مدة عمره فهي بالنسبة إلى العمر كالإمساك عن المفطرات في صوم اليوم فإذا أمسك معظم النهار ثم نقض إمساكه بالمفطرات : بطل ما تقدم من صيامه ولم يعتد به وكان بمنزلة من لم يمسك شيئا من يومه قالوا : ويدل على هذا : الحديث الصحيح وهو قوله : إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وهذا أعم من أن يكون هذا العمل الثاني كفرا موجبا للخلود أو معصية موجبة للدخول فإنه لم يقل : فيرتد فيفارق الإسلام وإنما أخبر أنه يعمل بعمل يوجب له النار وفي بعض السنن : إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في وصيته فدخل النار فالخاتمة السيئة أعم من أن تكون خاتمة بكفر أو بمعصية والأعمال بالخواتيم فإن قيل : فهذا يلزم منه إحباط الحسنات بالسيئات وهذا قول المعتزلة والقرآن والسنة قد دلا على أن الحسنات هي التي تحبط السيئات لا العكس كما قال إن الحسنات يذهبن السيئات هود : 114 وقال النبي لمعاذ : اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن قيل : والقرآن والسنة قد دلا على الموازنة وإحباط الحسنات بالسيئات فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه فعل أهل الهوى والتعصب بل نقبل الحق ممن قاله ويرد الباطل على من قاله فأما الموازنة : فمذكورة في سورة الأعراف آيه : 79 والأنبياء آيه21 : 47 والمؤمنين آيه : 101111 والقارعة والحاقة آيه : 1937 وأما الإحباط : فقد قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم محمد : 33 وتفسير الإبطال ها هنا بالردة لأنها أعظم المبطلات لا لأن المبطل ينحصر فيها وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى البقره : 264 فهذان سببان عرضا بعد للصدقة فأبطلاها شبه سبحانه بطلانها بالمن والأذى بحال المتصدق رياء فى بطلان صدقة كل واحد منهما وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض : أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون الحجرات : 2 وفي الصحيح عن النبي قال : من ترك صلاة العصر فقط حبط عمله وقالت عائشة رضى الله عنها لأم ولد زيد بن أرقم وقد باع بيع العينة : أخبري زيدا : أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب وقد نص أحمد على هذا في رواية فقال : ينبغي للعبد أن يتزوج إذا خاف على نفسه فيستدين ويتزوج لا يقع في محظور فيحبط عمله فإذا استقرت قاعدة الشريعة أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع ومنها ما يحبطها بالنص جاز ان المعاوده حسنة التوبة فتصير التوبة كأنها لم تكن فيلتقي العملان ولا حاجز بينهما فيكون التأثير لهما جميعا قالوا : وقد دل القرآن والسنة وإجماع السلف على الموازنة وفائدتها : اعتبار الراجح فيكون التأثير والعمل له دون المرجوح قال ابن مسعود يحاسب يوم القيامة فمن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ثم قرأ : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم الأعراف : 89 ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح قال : ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الاعراف وعلى هذا : فهل يحبط الراجح المرجوح حتى يجعله كأن لم يكن أو يحبط ما قابله بالموازنة ويبقى التأثير للقدر الزائد فيه قولان للقائلين بالموازنة ينبني عليهما : أنه إذا كانت الحسنات أرجح من السيئات بواحدة مثلا فهل يدفع الراجح المرجوح جملة فيثاب على الحسنات كلها أو يسقط من الحسنات ما قابل السيئات فلا يثاب عليه ولا يعاقب على تلك السيئات فيبقى القدر الزائد لا مقابل له فيثاب عليه وحده وهذا الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة وكذلك إذا رجحت السيئات بواحدة هل يدخل النار بتلك الواحدة التي سلمت عن مقابل أو بكل السيئات التي رجحت على القولين هذا كله على أصل أصحاب التعليل والحكم وأما على أصول الجبرية نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب : فالأمر مردود عندهم إلى محض المشيئة من غير اعتبار شيء من ذلك ولا يدرى عندهم ما يفعل الله بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة ويثيب صاحب السيئات الراجحة وأن يدخل الرجلين النار مع استوائهما في العمل وأحدهما في الدرك تحت الآخر ويغفر لزيد ويعاقب عمرا مع استوائهما من جميع الوجوه وينعم من لم يطعه قط ويعذب من لم يعصه قط فليس عندهم سبب ولا حكمة ولا علة ولا موازنة ولا إحباط ولا تدافع بين الحسنات والسيئات والخوف على المحسن والمسيء واحد إذ من الجائز تعذيبهما وكل مقدور له فجائز عليه لا يعلم امتناعه إلا بإخبار الرسول : أنه لا يكون فيمتنع وقوعه لمطابقة خبره لعلمه الله عز و جل بعد وقوعه

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل واحتج الفريق الآخر وهم القائلون بأنه لا يعود إليه إثم الذنب الذي تاب منه بنقض التوبة بأن ذلك الإثم قد ارتفع بالتوبة وصار بمنزلة ما لم يعمله وكأنه لم يكن فلا يعود إليه بعد ذلك وإنما العائد إثم المستأنف لا الماضي
    قالوا : ولا يشترط في صحة التوبة العصمة إلى الممات بل إذا ندم وأقلع وعزم على الترك : محي عنه إثم الذنب بمجرد ذلك فإذا استأنفه استأنف إثمه قالوا : فليس هذا كالكفر الذي يحبط الأعمال فإن الكفر له شأن آخر ولهذا يحبط جميع الحسنات ومعاودة الذنب لا تحبط ما تقدمه من الحسنات قالوا : والتوبة من أكبر الحسنات فلو أبطلتها معاودة الذنب لأبطلت غيرها من الحسنات وهذا باطل قطعا وهو يشبه مذهب الخوارج المكفعرين بالذنب والمعتزلة المخلدين في النار بالكبيرة التى تقدمها الألوف من الحسنات فإن الفريقين متفقان على خلود أرباب الكبائر في النار ولكن الخوارج كفروهم والمعتزلة فسقوهم وكلا المذهبين باطل في دين الإسلام مخالف للمنقول
    والمعقول وموجب العدل : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء : 40 قالوا : وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده مرفوعا إلى النبي : إن الله يحب العبد المفتن التواب قلت : وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للرب ولكان ذلك أدعى إلى مقته قالوا : وقد علق الله سبحانه قبول التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار دون المعاودة فقال تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون آل عمران : 135 والإصرار : عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به فهذا الذي يمنع مغفرته قالوا : وأما استمرار التوبة : فشرط في صحة كمالها ونفعها لا شرط في صحة ما مضى منها وليس كذلك العبادات كصيام اليوم وعدد ركعات الصلاة فإن تلك عبادة واحدة لا تكون مقبولة إلا بالإتيان بجميع أركانها وأجزائها وأما التوبة : فهي عبادات متعددة بتعدد الذنوب فكل ذنب له توبة تخصه فإذا أتى بعبادة وترك أخرى لم يكن ما ترك موجبا لبطلان ما فعل كما تقدم تقريره بل نظير هذا : أن يصوم من رمضان ويفطر منه بلا عذر فهل يكون ما أفطره منه مبطلا لأجر ما صامه منه بل نظير من صلى ولم يصم أو زكى ولم يحج ونكتة المسألة : أن التوبة المتقدمة حسنة ومعاودة الذنب سيئة فلا تبطل معاودته هذه الحسنة كما لا تبطل ما قارنها من الحسنات قالوا : وهذا على أصول السنة أظهر فإنهم متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين ويكون محبوبا لله مبغوضا له من وجهين أيضا بل يكون فيه إيمان ونفاق وإيمان وكفر ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر فيكون من أهله كما قال تعالى هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان وقال : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون يوسف : 106 أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله وإن كان معه تصديق لرسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل وباليوم الآخر فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر وشركهم قسمان : شرك خفي وشرك جلي فالخفي قد يغفر وأما الجلي فلا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة منه فإن الله لا يغفر أن يشرك به وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة لما قام بهم من السببين فإذا ثبت هذا فمعاود الذنب : مبغوض لله من جهة معاودة الذنب محبوب له من جهة توبته وحسناته السابقة فيرتب الله سبحانه على كل سبب أثره ومسببه بالعدل والحكمة ولا يظلم مثقال ذرة وما ربك بظلام للعبيد
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل وإذا استغرقت سيئاته الحديثات حسناته القديمات وأبطلتها ثم تاب منها
    توبة نصوحا خالصة : عادت إليه حسناته ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها بل يقال له : تبت على ما أسلفت من خير فان الحسنات التى فعلها فى الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره : من عتاقة وصدقة وصلة وقد قال حكيم بن حزام : يا رسول الله أرأيت عتاقة أعتقتها فى الجاهلية وصدقة تصدقت بها وصلة وصلت بها رحمي فهل لي فيها من أجر فقال : أسلمت على ما أسلفت من خير وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة وصارت كأنها لم تكن فتلاقت الطاعتان واجتمعتا والله أعلم
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل ومن أحكامها : أن العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية وعجز عنها بحيث يتعذر وقوعها منه هل تصح توبته
    وهذا كالكاذب والقاذف وشاهد الزور إذا قطع لسانه والزاني إذا جب والسارق إذا أتي على أطرافه الأربعة والمزور إذا قطعت يده ومن وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها ففي هذا قولان للناس فقالت طائفة : لا تصح توبته لأن التوبة إنما تكون ممن يمكنه الفعل والترك فالتوبة من الممكن لا من المستحيل ولهذا لا تتصور التوبة من نقل الجبال عن أماكنها وتنشيف البحار والطيران إلى السماء ونحوه قالوا : ولأن التوبة مخالفة داعي النفس وإجابة داعي الحق ولا داعي للنفس هنا إذ يعلم استحالة الفعل منها قالوا : ولأن هذا كالمكره على الترك المحمول عليه قهرا ومثل هذا لا تصح توبته قالوا : ومن المستقر في فطر الناس وعقولهم : أن توبة المفاليس وأصحاب الجوائح : توبة غير معتبرة ولا يحمدون عليها وبل يسمونها توبة إفلاس وتوبة جائحة قال الشاعر : ورحت عن توبة سائلا وجدتها توبة إفلاس قالوا : ويدل على هذا أيضا : أن النصوص المتضافرة المتظاهرة قد دلت على أن التوبة عند المعاينة لا تنفع لأنها توبة ضرورة لا اختيار قال تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار
    أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما النساء : 1718 و الجهالة ههنا : جهالة العمل وإن كان عالما بالتحريم قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل وأما التوبة من قريب : فجمهور المفسرين : على أنها التوبة قبل المعاينة قال عكرمة : قبل الموت وقال الضحاك : قبل معاينة ملك الموت وقال السدى والكلبى : أن يتوب فى صحته قبل مرض موته وفي المسند وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر وفى نسخة دراج أبى الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا : إن الشيطان قال : وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب عز و جل : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني فهذا شأن التائب من قريب وأما إذا وقع في السياق فقال : إني تبت الآن لم تقبل توبته وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها ويوم القيامة وعند معاينة بأس الله قالوا : ولأن حقيقة التوبة : هي كف النفس عن الفعل الذى هو متعلق النهي والكف إنما يكون عن أمر مقدور وأما المحال : فلا يعقل كف النفس عنه ولأن التوبة هى الإقلاع عن الذنب وهذا لا يتصور منه الإيقاع حتى يتأتى منه الإقلاع قالوا : ولأن الذنب عزم جازم على فعل المحرم يقترن به فعله المقدور والتوبة منه : عزم جازم على ترك المقدور يقترن به الترك والعزم على غير المقدور محال والترك في حق هذا ضروري لا عزم غير مقدور بل هو بمنزلة ترك الطيران إلى السماء وتقل الجبال وغير ذلك والقول الثاني وهو الصواب أن توبته صحيحة ممكنة بل واقعة فإن أركان التوبة مجتمعة فيه والمقدور له منها الندم وفي المسند مرفوعا الندم توبة فإذا تحقق ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه فهذه توبة وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه وعزمه الجازم ونيته أنه لو كان صحيحا والفعل مقدورا له لما فعله وإذا كان الشارع قد نزل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته كقوله في الحديث الصحيح : إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما وفي الصحيح أيضا عنه : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا : وهم بالمدينة قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر وله نظائر في الحديث فتنزيل العاجز عن المعصية التارك لها قهرا مع نيته تركها اختيارا لو أمكنه منزلة التارك المختار أولى يوضحه : أن مفسدة الذنب التى يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة ومن فعله تارة ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلا وعزما والعقوبة تابعة للمفسدة وأيضا فإن هذا تعذر منه الفعل ما تتعذر منه التمني والوداد فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب ومن نيته : أنه لو كان سليما لباشره فتوبته : بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني والحزن على فوته فإن الإصرار متصور في حقه قطعا فيتصور في حقه ضده وهو التوبة بل هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار وهذا واضح والفرق بين هذا وبين المعاين ومن ورد القيامة : أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة والتوبة إنما تكون في زمن التكليف وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف فالأوامر والنواهي لازمة له والكف متصور منه عن التمني والوداد والأسف على فوته وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله والله أعلم

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل ومن أحكامها : أن من توغل في ذنب وعزم على التوبة منه ولا يمكنه التوبة منه إلا بارتكاب بعضه كمن أولج في فرج حرام ثم عزم على التوبة قبل النزع الذي هو جزء الوطء وكمن توسط أرضا مغصوبة ثم عزم على التوبة ولا يمكنه إلا بالخروج الذى هو مشى فيها وتصرف
    فكيف يتوب من الحرام بحرام مثله
    وهل تعقل التوبة من الحرام بحرام
    فهذا مما أشكل على بعض الناس حتى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلص به من الحرام قال : لأنه لا يمكن أن يكون مأمورا به وهو حرام وقد تعين في حقه طريقا للخلاص من الحرام لا يمكنه التخلص بدونه فلا حكم في هذا الفعل ألبتة وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التكليف
    وقالت طائفة : بل هو حرام واجب فهو ذو وجهين مأمور به من أحدهما منهي عنه من الآخر فيؤمر به من حيث تعينه طريقا للخلاص من الحرام وهو من هذا الوجه واجب وينهى عنه من جهة كونه مباشرة للحرام وهو من هذا الوجه محرم فيستحق عليه الثواب والعقاب قالوا : ولا يمتنع كون الفعل في الشرع ذا وجهين مختلفين كالاشتغال عن الحرام بمباح فإن المباح إذا نظرنا إلى ذاته مع قطع النظر عن ترك الحرام قضينا بإباحته وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركا للحرام كان واجبا نعم غايته : أنه لا يتعين مباح دون مباح فيكون واجبا مخيرا قالوا : وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة هي حرام وهي واجبة وستر العورة بثوب الحرير كذلك : حرام واجب من وجهين مختلفين والصواب : أن هذا النزع والخروج من الأرض : توبة ليس بحرام إذ هو مأمور به ومحال أن يؤمر بالحرام وإنما كان النزع الذي هو جزء الوطء حراما بقصد التلذذ به وتكميل الوطء وأما النزع الذي يقصد به مفارقة الحرام وقطع لذة المعصية فلا دليل على تحريمه لا من نص ولا إجماع ولا قياس صحيح يستوي فيه الأصل والفرع فى علة الحكم ومحال خلو هذه الحادثة عن حكم الله فيها وحكمه فيها : الأمر بالنزع قطعا وإلا كانت الاستدامة مباحة وذلك عين المحال وكذلك الخروج من الأرض المغصوبة : مأمور به وإنما تكون الحركة والتصرف في ملك الغير حراما إذا كان على وجه الانتفاع بها المتضمن لإضرار مالكها أما إذا كان القصد ترك الانتفاع وإزالة الضرر عن المالك فلم يحرم الله ولا رسوله ذلك ولا دل على تحريمه نظر صحيح ولا قياس صحيح وقياسه على مشي مستديم الغصب وقياس نزع التائب على نزع المستديم : من أفسد القياس وأبينه بطلانا ونحن لا ننكر كون الفعل الواحد يكون له وجهان ولكن إذا تحقق النهي عنه والأمر به : أمكن اعتبار وجهيه فإن الشارع أمر بستر العورة ونهى عن لبس الحرير فهذا الساتر لها بالحرير قد ارتكب الأمرين فصار فعله ذا وجهين وأما محل النزاع : فلم يتحقق فيه النهي عن النزع والخروج عن الأرض المغصوبة من الشارع ألبتة لا بقوله ولا بمعقول قوله إلا باعتبار هذا الفرد بفرد آخر بينهما أشد تباين وأعظم فرق في الحس والعقل والفطرة والشرع وأما إلحاق هذا الفرد بالعفو : فإن أريد به أنه : معفو له عن المؤاخذة به فصحيح وإن أريد أنه لا حكم لله فيه بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنائم والناسي والمجنون : فباطل إذ هؤلاء غير مخاطبين وهذا مخاطب بالنزع والخروج فظهر الفرق والله الموفق للصواب فإن قيل : هذا يتأتى لكم فيما إذا لم يكن فى المفارقة بنزع أو خروج مفسدة فما تصنعون فيما إذا تضمن مفسدة مثل مفسدة الإقامة كمن توسط جماعة جرحى لسلبهم فطرح نفسه على واحد إن أقام عليه قتله بثقله وإن انتقل عنه لم يجد بدا من انتقاله إلى مثله يقتله بثقله وقد عزم على التوبة فكيف تكون توبته قيل : توبة مثل هذا : بالتزام أخف المفسدتين من الإقامة على الذنب المعين أو الانتقال عنه فإن تساوت مفسدة الإقامة على الذنب ومفسدة الانتقال عنه من كل وجه فهذا يؤمر من التوبة بالمقدور له منها وهو الندم والعزم الجازم على ترك المعاودة وأما الإقلاع : فقد تعذر في حقه إلا بالتزام مفسدة أخرى مثل مفسدته فقيل : إنه لا حكم لله في هذه الحادثة لاستحالة ثبوت شىء من الأحكام الخمسة فيها إذ إقامته على الجريح تتضمن مفسدة قتله فلا يؤمر بها ولا هو مأذون له فيها وانتقاله عنه يتضمن مفسدة قتل الآخر فلا يؤمر بالانتقال ولا يؤذن له فيه فيتعذر الحكم في هذه الحادثة وعلى هذا فتتعذر التوبة منها والصواب : أن التوبة غير متعذرة فإن إلا حكم فإنه لا واقعة إلا ولله فيها حكم علمه من علمه وجهله من جهله فيقال : حكم الله في هذه الواقعة : كحكمه في الملجأ فإنه قد ألجىء قدرا إلى إتلاف أحد النفسين ولا بد والملجأ ليس له فعل يضاف إليه بل هو آلة فإذا صار هذا كالملجأ فحكمه : أن لا يكون منه حركة ولا فعل ولا اختيار فلا يعدل من واحد إلى واحد بل يتخلى عن الحركة والاختيار ويستسلم استسلام من هو عليه من الجرحى إذ لا قدرة له على حركة مأذون له فيها ألبتة فحكمه الفناء عن الحركة والاختيار وشهود نفسه كالحجر الملقى على هذا الجريح ولا سيما إن كان قد ألقى عليه بغير اختياره فليس له أن يلقي نفسه على جاره لينجيه بقتله والقدر ألقاه على الأول فهو معذور به فإذا انتقل إلى الثاني انتقل بالاختيار والإرادة فهكذا إذا ألقى نفسه عليه باختياره ثم تاب وندم لا نأمره بإلقاء نفسه على جاره ليتخلص من الذنب بذنب مثله سواء وتوبة مثل هذا إنما تتصور بالندم والعزم فقط لا بالإقلاع والإقلاع في حقه مستحيل فهو كمن أولج في فرج حرام ثم شد وربط في حال إيلاجه بحيث لا يمكنه النزع ألبته فتوبته بالندم والعزم والتجافي بقلبه عن السكون إلى الاستدامة وكذلك توبة الأول بذلك وبالتجافي عن الإرادة والاختيار والله أعلم

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل ومن أحكامها : أنها إذا كانت متضمنة لحق آدمي : أن يخرج التائب إليه منه إما بأدائه وإما باستحلاله منه بعد إعلامه به
    وإن كان حقا ماليا أو جناية على بدنه أو بدن موروثه كما ثبت عن النبي أنه قال : من كان لاخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات
    وإن كانت المظلمة بقدم فيه بغيبة أو قدف : فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه أو إعلامه قد نال من عرضه ولا يشترط تعيينه أو لا يشترط لا هذا ولا هذا بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله تعالى من غير إعلام من قذفه واعتابه
    على ثلاثة أقوال
    وعن أحمد روايتان منصوصتان في حد القذف هل يشترط في توبة القاذف : إعلام المقذوف والتحلل منه أم لا ويخرج عليهما توبة المغتاب والشاتم والمعروف في مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك اشتراط الإعلام والتحلل هكذا ذكره أصحابهم في كتبهم والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي : فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول شرط إعلامه بعينه لا سيما إذا كان من عليه الحق عارفا بقدره فلا بد من إعلام مستحقه به لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره واحتجوا بالحديث المذكور وهو قوله : من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قالوا : ولأن فى هذه الجناية حقين : حقا لله وحقا للآدمي فالتوبة منها بتحلل الآدمي لأجل حقه والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه قالوا : ولهذا كانت توبة القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه إن شاء اقتص وإن شاء عفا وكذلك توبة قاطع الطريق والقول الآخر : أنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه بل يكفي توبته بينه وبين الله وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه
    بضد ما ذكره به من الغيبة فيبدل غيبته بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وقذفه بذكر عفته وإحصانه ويستغفر له بقدر ما اغتابه وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة فإنه لا يزيده إلا أذى وحنقا وغما وقد كان مستريحا قبل سماعه فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله وأورثته ضررا في نفسه أو بدنه كما قال الشاعر :
    فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلا عن أن يوجبه ويأمر به قالوا : وربما كان إعلامه به سببا للعداوة والحرب بينه وبين القائل فلا يصفو له أبدا ويورثه علمه به عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب والتراحم والتعاطف والتحابب قالوا : والفرق بين ذلك وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين أحدهما : أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه فلا يجوز إخفاؤها عنه فإنه محض حقه فيجب عليه أداؤه إليه بخلاف الغيبة والقذف فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس والثاني : أنه إذا أعلمه بها لم تؤذه ولم تهج منه غضبا ولا عداوة بل ربما سره ذلك وفرح به بخلاف إعلامه بما مزق به عرضه طول عمره ليلا ونهارا من أنواع القذف والغيبة والهجو فاعتبار أحدهما بالآخر اعتبار فاسد وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت والله أعلم

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل ومن أحكامها : أن العبد إذا تاب من الذنب : فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التى حطه عنها الذنب أو لا يرجع إليها
    اختلف في ذلك
    فقالت طائفة : يرجع إلى درجته لأن التوبة تجب الذنب بالكلية وتصيره كأن لم يكن والمقتضي لدرجته : ما معه من الإيمان والعمل الصالح فعاد إليها بالتوبة قالوا : لأن التوبة حسنة عظيمة وعمل صالح فإذا كان ذنبه قد حطه عن درجته فحسنته بالتوبة رقته إليها وهذا كمن سقط في بئر وله صاحب شفيق أدلى إليه حبلا تمسك به حتى رقي منه إلى موضعه فهكذا التوبة والعمل الصالح مثل هذا القرين الصالح والأخ الشفيق وقالت طائفة : لا يعود إلى درجته وحاله لأنه لم يكن في وقوف وإنما كان في وصعود فبالذنب صار في نزول وهبوط فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعدا به للترقي قالوا : ومثل هذا مثل رجلين سائرين على طريق سيرا واحدا ثم عرض لأحدهما ما رده على عقبه أو أوقفه وصاحبه سائر فإذا استقال هذا رجوعه ووقفته وسار بإثر صاحبه : لم يلحقه أبدا لأنه كلما سار مرحلة تقدم ذاك أخرى قالوا : والأول يسيره بقوة أعماله وإيمانه وكلما ازداد سيرا ازدادت قوته وذلك الواقف الذي رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه بالوقوف والرجوع وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحكي هذا الخلاف ثم قال : والصحيح : أن من التائبين من لا يعود إلى درجته ومنهم من يعود إليها ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرا مما كان قبل الدنب وكان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة قال : وهذا بحسب حال التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره وتشميره فإن كان ذلك أعظم مما كان له قبل الذنب عاد خيرا مما كان وأعلى درجة وإن كان مثله عاد إلى مثل حاله وإن كان دونه لم يعد إلى درجته وكان منحطا عنها وهذا الذي ذكره هو فصل النزاع في هذه المسألة
    ويتبين هذا بمثلين مضروبين أحدهما : رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن فهو يعدو مرة ويمشي أخرى ويستريح تارة وينام أخرى فبينا هو كذلك إذ عرض له في سيره ظل ظليل وماء بارد ومقيل وروضة مزهرة فدعته نفسه إلى النزول على تلك الاماكن فنزل عليها فوثب عليه منها عدو فأخذه وقيده وكتفه ومنعه عن السير فعاين الهلاك وظن أنه منقطع به وأنه رزق الوحوش والسباع وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمه فبينا هو على ذلك تتقاذفه الظنون إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر فحل كتافه وقيوده وقال له : اركب الطريق واحذر هذا العدو فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد واعلم أنك ما دمت حاذرا منه متيقظا له لا يقدر عليك فإذا غفلت وثب عليك وأنا متقدمك إلى المنزل وفرط لك فاتبعني على الأثر فإن كان هذا السائر تيسأ فطنا لبيبا حاضر الذهن والعقل استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول وأتم واشتد حذره وتأهب لهذا العدو وأعد له عدته فكان سيره الثاني أقوى من الأول وخيرا منه ووصوله إلى المنزل أسرع وإن غفل عن عدوه وعاد إلى مثل حاله الأول من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد عاد كما كان وهو معرض لما عرض له أولا وإن أورثه ذلك توانيا فى سيره وفتورا وتذكرا لطيب مقيله وحسن ذلك الروض وعذوبة مائه وتفيؤ ظلاله وسكونا بقلبه إليه : لم يعد إلى مثل سيره ونقص عما كان المثل الثاني : عبد في صحة وعافية جسم عرض له مرض أوجب له حمية وشرب دواء وتحفظا من التخليط ونقص بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال قوته وصحته فعاد بعد المرض أقوى مما كان قبله كما قيل :
    لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
    وإن أوجب له ذلك المرض ضعفا في القوة وتداركه بمثل ما نقص من قوته عاد إلى مثل ما كان وإن تداركه بدون ما نقص من قوته عاد إلى دون ما كان عليه من القوة وفي هذين المثلين كفاية لمن تدبرهما وقد ضرب لذلك مثل آخر برجل خرج من بيته يريد الصلاة في الصف الأول لا يلوي على شيء في طريقه فعرض له رجل من خلفه جبذ ثوبه وأوقفه قليلا يريد تعويقه عن الصلاة فله معه حالان : أحدهما : أن يشتغل به حتى تفوته الصلاة فهذه حال غير التائب الثاني : أن يجاذبه على نفسه ويتفلت منه لئلا تفوته الصلاة ثم له بعد هذا التفلت ثلاثة أحوال أحدها : أن يكون سيره جمزا أو وثوبا ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة فربما استدركه وزاد عليه الثاني : أن يعود إلى مثل سيره الثالث : أن تورثه تلك الوقفة فتورا وتهاونا فيفوته فضيلة الصف الأول أو فضيلة الجماعة وأول الوقت فهكذا حال التائبين السائرين سواء

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل ويتبين هذا بمسألة شريفة وهي أنه : هل المطيع الذي لم يعص خير من العاصي الذي تاب إلى الله توبة نصوحا أو هذا التائب أفضل منه
    اختلف في ذلك
    فطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحا واحتجوا بوجوه أحدها : أن أكمل الخلق وأفضلهم : أطوعهم لله وهذا الذي لم يعص أطوع فيكون أفضل الثاني : أن في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيع عدة مراحل إلى
    فوق فتكون درجته أعلى من درجته وغايته : أنه إذا تاب استقبل سيره ليلحقه وذاك في سير آخر فأنى له بلحاقه فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب كلما كسب أحدهما شيئا كسب الآخر مثله فعمد أحدهما إلى كسبه فأضاعه وأمسك عن الكسب المستأنف والآخر مجد فى الكسب فإذا أدركته حمية المنافسة وعاد إلى الكسب : وجد صاحبه قد كسب في تلك المدة شيئا كثيرا فلا يكسب شيئا إلا كسب صاحبه نظيره فأنى له بمساواته الثالث : أن غاية التوبة : أن تمحو عن هذا سيئاته ويصير بمنزلة من لم يعملها فيكون سعيه في مدة المعصية لا له ولا عليه فأين هذا السعي من سعي من هو كاسب رابح الرابع : أن الله يمقت على معاصيه ومخالفة أوامره ففي مدة اشتغال هذا بالذنوب : كان حظه المقت وحظ المطيع الرضا فالله لم يزل عنه راضيا ولا ريب أن هذا خير ممن كان الله راضيا عنه ثم مقته ثم رضى عنه فإن الرضى المستمر خير من الذى تخلله المقت الخامس : أن الذنب بمنزلة شرب السم والتوبة ترياقه ودواؤه والطاعة هي الصحة والعافية وصحة وعافية مستمرة : خير من صحة تخللها مرض وشرب سم أفاق منه وربما أديا به إلى التلف أو المرض أبدا السادس : أن العاصي على خطر شديد فإنه دائر بين ثلاثة أشياء أحدها : العطب والهلاك بشرب السم الثاني : النقصان من القوة وضعفها إن سلم من الهلاك والثالث : عود قوته إليه كما كانت أو خيرا منها بعيد والأكثر إنما هو القسمان الأولان ولعل الثالث نادر جدا فهو على يقين من ضرر السم وعلى رجاء من من حصول العافية بخلاف من لم يتناول ذلك السابع : أن المطيع قد أحاط على بستان طاعته حائطا حصينا لا يجد الأعداء إليه سبيلا فثمرته وزهرته وخضرته وبهجته في زيادة ونمو أبدا والعاصي قد فتح فيه ثغرا وثلم فيه ثلمة ومكن منه السراق والأعداء فدخلوا فعاثوا فيه يمينا وشمالا : أفسدوا أغصانه وخربوا حيطانه وقطعوا ثمراته وأحرقوا فى نواحيه وقطعوا ماءه ونقصوا سقيه فمتى يرجع هذا إلى حاله الأول فإذا تداركه قيمه ولم شعثه وأصلح ما فسد منه وفتح طرق مائه وعمر ما خرب منه فإنه إما أن يعود كما كان أو أنقص أو خيرا ولكن لا يلحق بستان صاحبه الذى لم يزل على نضارته وحسنه بل في زيادة ونمو وتضاعف ثمرة وكثرة غرس والثامن : أن طمع العدو في هذا العاصي إنما كان لضعف علمه وضعف عزيمته ولذلك يسمى جاهلا قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة وكذلك قال الله تعالى في حق آدم : ولم نجد له عزما طه : 115 وقال في حق غيره : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل الأحقاف : 35 وأما من قويت عزيمته وكمل علمه وقوى إيمانه : لم يطمع فيه عدوه وكان أفضل التاسع : أن المعصية لا بد أن تؤثر أثرا سيئا ولا بد : إما هلاكا كليا وإما خسرانا وعقابا يعقبه : إما عفو ودخول الجنة وإما نقص درجة وإما خمود مصباح الإيمان وعمل التائب فى رفع هذه الآثار والتكفير وعمل المطيع فى الزيادة ورفع الدرجات ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي خاصة فإنه يعمل في زيادة الدرجات وغيره يعمل فى تكفير السيئات وأين هذا من هذا العاشر : أن المقبل على الله المطيع له يسير بجمله أعماله وكلما زادت طاعاته وأعماله ازداد كسبه بها وعظم وهو بمنزلة من سافر فكسب عشرة أضعاف رأس ماله فسافر ثانيا برأس ماله الأول وكسبه فكسب عشرة أضعافه أيضا فسافر ثالثا أيضا بهذا المال كله وكان ربحه كذلك وهلم جرا فإذا فتر عن السفر في آخر أمره مرة واحدة فاته من الربح بقدر جميع ما ربح أو أكثر منه وهذا معنى قول الجنيد رحمه الله : لو أقبل صادق على الله ألف عام ثم أعرض عنه لحظة واحدة كان ما فاته أكثر مما ناله وهو صحيح بهذا المعنى فإنه قد فاته في مدة الإعراض ربح تلك الأعمال كلها وهو أزيد من الربح المتقدم فإذا كان هذا حال من أعرض فكيف من عصى وأذنب وفي هذا الوجه كفاية

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل - وطائفة رجحت التائب وإن لم تنكر كون الأول أكثر حسنات منه واحتجت
    بوجوه أحدها : أن عبودية التوبه من احب العبوديات الى الله وأكرمها عليه فإنه سبحانه يحب التوابين ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع محبوبه من التوبة وزيادة محبته لعبده فإن للتائبين عنده محبة خاصة يوضح ذلك : الوجه الثاني : أن للتوبة عنده سبحانه منزلة ليست لغيرها من الطاعات ولهذا يفرح سبحانه بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يقدر كما مثله النبي بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة بعد ما فقدها وأيس من أسباب الحياة ولم يجىء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرا عظيما في حال التائب وقلبه ومزيده لا يعبر عنه وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية فيصير حبيبا لله فإن الله يحب التوابين ويحب العبد المفتن التواب ويوضحه : الوجه الثالث : أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار والخضوع والتملق لله والتذلل له ما هو أحب إليه من كثير من الأعمال الظاهرة وإن
    زادت فى القدر والكمية على عبودية التوبة فإن الذل والانكسار روح العبودية ومخها ولبها يوضحه : الوجه الرابع : أن حصول مراتب الذل والانكسار للتائب أكمل منها لغيره فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة وامتاز عنه بانكسار قلبه بالمعصية والله سبحانه أقرب ما يكون الى عبده عند ذله وانكسار قلبه كما في الأثر الإسرائيلي يا رب أين أجدك قال : عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ولأجل هذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه وتأمل قول النبي فيما يروى عن ربه عز و جل أنه يقول يوم القيامة : يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال : يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال : يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي ابن آدم مرضت فلم تعدني قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال : أما إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده فقال في عيادة المريض : لوجدتني عنده وقال في الإطعام والإسقاء : لوجدت ذلك عندي ففرق بينهما فإن المريض مكسور القلب ولو كان من كان فلا بد أن يكسره المرض فإذا كان مؤمنا قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده وهذا والله أعلم هو السر في استجابة دعوة الثلاثة : المظلوم والمسافر والصائم للكسرة التي في قلب كل واحد منهم فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في نفسه وكذلك الصوم فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ويذلها والقصد : أن شمعة الخبر والفضل والعطايا إنما تنزل فى شمعدان الانكسار وللعاصى التائب من ذلك نصيب اوفر نصيب يوضحه الوجه الخامس : أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات وهذا معنى قول بعض السلف : قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الطاعة فيدخل بها النار قالوا : وكيف ذلك قال : يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى : ذكر بنه فيحدث له إنكساراتوبة واستغفارا وندما فيكون ذلك سبب نجاته ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى كلما ذكرها أورثته عجبا وكبرا ومنة فتكون سبب هلاكه فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه والإطراق بين يديه منكسا رأسه خجلا باكيا نادما مستقيلا ربه وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة وكبرا وازدراء بالناس ورؤيتهم بعين الاحتقار ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته الصائل بها المان بها وبحاله على الله عز و جل وعباده وإن قال بلسانه خلاف ذلك فالله شهيد على ما في قلبه ويكاد يعادى الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه ويخضعوا له ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامنا ولهذا تراه عاتبا على من لم يعظمه ويعرف له حقه متطلبا لعيبه في قالب حمية لله وغضب له وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا فتح له باب المعاذير والرجاء وأغمض عنه عينه وسمعه وكف لسانه وقلبه وقال : باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه فإذا أراد الله بهذا العبد خيرا ألقاه في ذنب يكسره به ويعرفه قدره ويكفي به عباده شره وينكس به رأسه ويستخرج به منه داء العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال كما قيل بلسان الحال في قصة آدم وخروجه من الجنة بذنبه : يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به وألبست بها حلة العبودية
    لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل يا آدم إنما ابتليتك بالذنب لأني أحب أن أظهر فضلي وجودي وكرمي على من عصاني لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم يا آدم كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك يا آدم إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب فعلى من أجود بحلمى وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي وأنا التواب الرحيم يا آدم لا تجزع من قولي لك : اخرج منها فلك خلقتها ولكن اهبط إلى دار المجاهدة وابذر بذر التقوى وأمطر عليه سحائب الجفون فإذا اشتد الحب واستغلظ واستوى على سوقه فتعال فاحصده يا آدم ما أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إلي في الصعود وما أخرجتك منها نفيا لك عنها ما أخرجتك فيها إلا لتعود إن جرى بيننا وبينك عتب وتناءت منا ومنك الديار فالوداد الذي عهدت مقيم والعثار الذى أصبت جيار يا آدم ذنب تذل به لدينا أحب إلينا من طاعة تدل بها علينا يا آدم أنين المذنبين : أحب إلينا من تسبيح المدلين
    يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك يا ابن آدم لو لقيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بى شيئا أتيتك بقرابها مغفرة ويذكر عن بعض العباد : أنه كان يسأل ربه في الطواف طاوفه بالبيت أن يعصمه ثم غلبته عيناه فنام فسمع قائلا يقول : أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألونني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل وأجود بمغفرتى وعفوى وعلى من أتوب وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي ونحو هذا من الكلام يا ابن آدم إذا آمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة عرشي ومن حوله يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك وفي الحديث العظيم الإلهى حديث أبى ذر : يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فمن علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاإنه هو الغفور الرحيم الزمر : 53 يا عبدي لا تعجز فمنك الدعاء وعلي الإجابة ومنك الاستغفار وعلي المغفرة ومنك التوبة وعلي تبديل سيئاتك حسنات يوضحه : الوجه السادس : وهو قوله تعالى : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما الفرقان : 70 وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح وهو حقيقة التوبة قال ابن عباس رضى الله عنهما : ما رأيت النبي فرح بشيء قط فرحه بهذه الآية لما أنزلت وفرحه بنزول إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح : 12 واختلفوا في صفة هذا التبديل وهل هو في الدنيا أو في الآخرة على قولين
    فقال ابن عباس وأصحابه : هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها فبدلهم بالشرك إيمانا وبالزنا عفة وإحصانا وبالكذب صدقا وبالخيانة أمانة فعلى هذا معنى الآية : أن صفاتهم القبيحة وأعمالهم السيئة عوضها صفات جميلة وأعمالا صالحة كما يبدل المريض بالمرض صحة والمبتلى ببلائه عافية وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين : هو تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة فيعطيهم مكان كل سيئة حسنة واحتج أصحاب هذا القول بما روى الترمذى في جامعه : حدثنا الحسين بن حريث قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال : قال رسول الله : إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها فيقال : عملت يوم كذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقال : أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول : إن لي ذنوبا ما أراها ههنا قال أبو ذر فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه فهذا حديث صحيح ولكن في الاستدلال به على صحة هذا القول نظر فإن هذا قد عذب بسيئاته ودخل بها النار ثم بعد ذلك أخرج منها وأعطي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداء بعدد ذنوبه وليس فى هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات إذ ولو كان كذلك لما عوقب عليها كما لم يعاقب التائب والكلام إنما هو في تائب أثبت له مكان كل سيئة حسنة فزادت حسناته فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول وقد علمت ما فيه لكن للسلف غور ودقة فهم لا يدركها كثير من المتأخرين فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدة إذا عرفت عرف لطف الاستدلال به ودقته وهي أن الذنب لا بد له من أثر وأثره يرتفع بالتوبة تارة وبالحسنات الماحية تارة وبالمصائب المكفرة تارة وبدخول النار ليتخلص من أثره تارة وكذلك إذا اشتد أثره ولم تقو تلك الأمور على محوه فلا بد إذا من دخول النار لأن الجنة لا يكون فيها ذرة من الخبيث ولا يدخلها إلا من طاب من كل وجه فإذا بقي عليه شيء من خبث الذنوب أدخل كير الامتحان ليخلص ذهب إيمانه من خبثه فيصلح حينئذ لدار الملك إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح وهي أقوى الأسباب وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار فإذا تطهر بالنار وزال أثر الوسخ والخبث عنه أعطي مكان كل سيئة حسنة فإذا تطهر بالتوبة النصوح وزال عنه بها أثر وسخ الذنوب وخبثها كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار وأحب إلى الله وإزالة النار بدل منها وهي الأصل فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول يوضحه : الوجه التاسع : وهو أن التائب قد بدل كل سيئة حسنه بندمه عليها إذ هو توبة تلك السيئة والندم توبة والتوبة من كل ذنب حسنة فصار كل ذنب عمله زائلا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار فتأمله فإنه من ألطف الوجوه وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة وقد تكون دونها وقد تكون فوقها وهذا بحسب نصح هذه التوبة وصدق التائب فيها وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزيد مصلحته ونفعه على مفسدة تلك السيئة وهذا من أسرار مسائل التوبة ولطائفها يوضحه : الوجه العاشر : أن ذنب العارف بالله وبأمره قد يترتب عليه حسنات أكبر منه وأكثر وأعظم نفعا وأحب إلى الله من عصمته من ذلك الذنب : من ذل وانكسار وخشية وإنابة وندم وتدارك بمراغمة العدو بحسنة أو حسنات أعظم منه حتى يقول الشيطان : يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه ويندم الشيطان على إيقاعه في الذنب كندامة فاعله على ارتكابه لكن شتان ما بين الندمين والله تعالى يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظه كما تقدم أن هذا من العبودية من أسرارا فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة والتدارك وحصول محبوب الله تعالى من التوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال هنا : ما يوجب جعل مكان السيئة حسنة بل حسنات وتأمل قوله في الآية يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان : 70 ولم يقل مكان كل واحدة واحدة فهذا يجوز أن يبدل السيئة الواحدة بعدة حسنات بحسب حال المبدل وأما فى الحديث : فإن الذى عذب على ذنوبه لم يبدلها في الدنيا بحسنات من التوبة النصوح وتوابعها فلم يكن له ما يجعل مكان السيئة حسنات فأعطي مكان كل سيئة حسنة واحدة وسكت النبي عن كبار ذنوبه ولما انتهى إليها ضحك ولم يبين ما يفعل الله بها وأخبر أن الله يبدل مكان كل صغيرة حسنة ولكن فى الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذا التبديل يعم كبارها وصغارها من وجهين أحدهما : قوله : أخبئوا عنه كبارها فهذا إشعار بأنه إذا رأى تبديل الصغائر ذكرها وطمع فى تبديلها فيكون تبديلها أعظم موقعا عنده من تبديل الصغائر وهو به أشد فرحا واغتباطا والثانى : ضحك النبي عند ذكر ذلك وهذا الضحك مشعر بالتعجب مما يفعل به من الإحسان وما يقر به على نفسه من الذنوب من غير أن يقرر عليها ولا يسأل عنها وإنما عرضت عليه الصغائر فتبارك الله رب العالمين وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين البر اللطيف المتودد إلى عباده بأنواع الإحسان وإيصاله إليهم من كل طريق بكل نوع لا إله إلا هو الرحمن الرحيم

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    فصل وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب وبالإقلاع عنه فى الحال وبالندم عليه في الماضي وإن كان في حق آدمي
    : فلا بد من أمر رابع وهو التحلل منه وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها وإلا فالتوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن ذلك تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبا حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به هذا حقيقة التوبة وهي اسم لمجموع الأمرين لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه فإذا أفردت تضمنت الأمرين وهي كلفظة التقوى التى تقتضى عند إفرادها فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه وتقتضى عند اقترانها بفعل المأمور الانتهاء عن المحظور فإن حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب وترك ما يكره فهي رجوع من مكروه إلى محبوب فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها والرجوع عن المكروه الجزء الآخر ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها فقال : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم
    تفلحون النور : 31 فكل تائب مفلح ولا يكون مفلحا إلا من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وقال تعالى : ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون الحجرات : 11 وتارك المأمور ظالم كما أن فاعل المحظور ظالم وزوال اسم الظلم عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين فالناس قسمان : تائب وظالم ليس إلا فالتائبون هم العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله التوبه : 112 فحفظ حدود الله : جزء التوبة والتوبة هي مجموع هذه الأمور وإنما سمي تائبا : لرجوعه إلى أمر الله من نهيه وإلى طاعته من معصيته كما تقدم فإذا التوبة هي حقيقة دين الإسلام والدين كله داخل في مسمى التوبة وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وإنما يحب الله من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه فإذا التوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا ويدخل في مسماها الإسلام والإيمان والإحسان وتتناول جميع المقامات ولهذا كانت غاية كل مؤمن وبداية الأمر وخاتمته كما تقدم وهي الغاية التي وجد لأجلها الخلق والأمر والتوحيد جزء منها بل هو جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها وأكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها فضلا عن القيام بها علما وعملا وحالا ولم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم فجميع ما يتكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيل التوبة وآثارها

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,648

    افتراضي رد: هَل تغفر الذنوب التي فعلها في كفره ولم يتب منها في الإسلام ؟

    من [ مدارج السالكين - ابن قيم الجوزية ]
    الكتاب : مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
    المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله
    الناشر : دار الكتاب العربي - بيروت
    الطبعة الثانية ، 1393 - 1973
    تحقيق : محمد حامد الفقي


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •