مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات - الصفحة 8
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 8 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 141 إلى 160 من 185
5اعجابات

الموضوع: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

  1. #141
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (تَجِبُ الْجَمَاعَةُ لِلْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ): حضور صلاة الجماعة واجب للصلوات الخمس؛ ودليل ذلك أن الله تعالى أمر بها؛ والأصل في الأمر أنه للوجوب.
    قال تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102]؛ فأمَرَ الله تعالى بالجماعة في حال الخوف؛ ففي غيره أولى.
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ([1])».
    وهذا أَمْرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بحضور الجماعة.
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ([2])».
    قوله: (عَلَى الرِّجَالِ): أي: أن الجماعة واجبة على الرجال، لا على النساء؛ ودليل عدم وجوبها على النساء حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ([3])».
    قوله: (الْأَحْرَارِ): أي: أن الجماعة واجبة على الرجال الأحرار، وخرج به العبيد، فلا تجب في حقهم الجماعة.
    والصحيح – وهو رواية عن أحمد([4]) – أن الجماعة واجبة في حق العبيد؛ لعدم ورود ما يستثنيهم من عموم النصوص الموجبة للجماعة.
    قال العلامة السعدي رحمه الله: ((الصواب أن الجمعة والجماعة تجب حتى على العبيد الأرقاء؛ لأن النصوص عامة في دخولهم, ولا دليل
    يدل على إخراج العبيد([5]))).
    وقال أيضًا رحمه الله: ((والأصل أن المملوك حكمه حكم الحر في جميع العبادات البدنية المحضة التي لا تعلق لها بالمال([6]))).
    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((تلزم صلاةُ الجماعةِ العبيدَ؛ لأنَّ النصوصَ عامةٌ، ولم يُسْتَثْنَ منها العبدُ، ولأنَّ حَقَّ اللهِ مقدَّمٌ على حقِّ البشرِ؛ ولهذا لو أمرَه سيِّدُه بمعصيةٍ أو بترِك واجبٍ حَرُمَ عليه أن يطيعَه؛ فإذا كان لا يجوزُ للعبد أن يفعلَ المعصيةَ أو يتركَ الواجبَ بأمْر سيِّده، فكيف إذا لم يأمره؟ وهو إذا تَرَكَ الجماعةَ فقد ترك واجبًا([7])))اهـ.
    قوله: (الْقَادِرِينَ): فغير القادر له أن يصلي في بيته، ولا يلزمه الذهاب إلى المسجد؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
    ولما مرض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ([8])».
    فمن كان باستطاعته أن يصلي الجماعة في بيته؛ مع من لم تجب عليه صلاة الجماعة؛ كزوجة أو مريض آخر، فإنه يجب عليه ذلك؛ فإن لم يتمكن، سقطت عنه الجماعة بالكلية.
    قوله: (وَحَرُمَ أَنْ يَؤُمَّ قَبْلَ رَاتِبٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ عُذْرِهِ، أَوْ عَدَمِ كَرَاهَتِ): ودليل ذلك حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ([9])».


    [1])) أخرجه مسلم (653).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (644)، ومسلم (651).

    [3])) أخرجه أحمد (5468)، وأبو داود (567)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (7458).

    [4])) ذكرها في ((الإنصاف)) (2/ 211).

    [5])) ((المختارات الجلية من المسائل الفقهية)) (52).

    [6])) السابق.

    [7])) ((الشرح الممتع)) (4/ 140).

    [8])) متفق عليه: أخرجه البخاري (664)، ومسلم (418).

    [9])) أخرجه مسلم (673).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #142
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ تَسْلِيمَةِ الْإِمَامِ الْأُولَى أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ): أي: أدرك فضل الجماعة؛ ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا([1])».
    فهذا حديث عامٌّ؛ فيدخل فيه أيُّ جزء أدركتَه من الصلاة؛ فمن أدرك صلاة الجماعة ولو قبل تسليم الإمام بلحظة، فقد أدرك الجماعة.
    والصحيح - وهو رواية عن أحمد([2]) ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية([3]) والشيخ ابن عثيمين([4]) - أن هذا الحديث عامٌّ مخصوص بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ([5])»؛ فبيَّن هذا الحديثُ أن الصلاة لا تُدرك بأقلَّ من ركعة.
    قوله: (وَمَنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ): أي: من أدرك الإمام راكعًا، فقد أدرك تلك الركعة التي أدركه فيها؛ ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ([6])».
    وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ جَاءَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعٌ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ نَعْلِ أَبِي بَكَرَةَ وَهُوَ يَحْضُرُ، يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ الرَّكْعَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ السَّاعِي؟» قَالَ أَبُو بَكَرَةَ: أَنَا، قَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ([7])».
    أي: زادك الله حرصًا على الصلاة، ولا تعد إلى الركوع قبل الصف.
    ففي هذا الحديث دليل على أن الركعة تُدرك بالركوع.
    قوله: (بِشَرْطِ إِدْرَاكِهِ رَاكِعًا): أي: لا بد أن يُدرك المأمومُ الإمامَ راكعًا؛ فإن أدركه وقد شرع في الاعتدال، فلا يكون مدركًا للركعة.
    قوله: (وَعَدَمِ شَكِّهِ فِيهِ): ويُشترط أيضًا كي يكون مُدركًا للركعة أن يغلب على ظنه أنه أدرك الإمام راكعًا، فإن شك في ذلك، فلا يعتد بتلك الركعة، وإنما يعتد بها في حال تيقنه؛ أو غلبة ظنه.
    قوله: (وَتَحْرِيمَتِه قَائِمًا): ويُشترط أيضًا أن يُكبِّر تكبيرة الإحرام قائمًا؛ فإن كبر وهو يهوي للركوع، لَمْ تنعقد صلاته.
    قوله: (وَتُسَنُّ ثَانِيَةٌ لِلرُّكُوعِ): أي: تُسَنُّ تكبيرةٌ ثانيةٌ للركوع بعد تكبيرة الإحرام، وليست بواجبة؛ مع أنه قد تقدم أن تكبيرات الانتقال واجبة؛ ولكنهم عللوا هنا بعلة؛ قالوا: لأنه اجتمع واجبان من جنس واحد في محل واحد، وأحدهما ركن، فسقط به الآخر؛ كما لو طاف الحاج طواف الزيارة عند خروجه من مكة أجزأه عن طواف الوداع.
    ولكن هذا التعليل فيه نظر؛ لأنَّ تكبيرةَ الإحرامِ تكون حالَ القيامِ، وتكبيرةَ الرُّكوعِ تكون حالَ الهويِّ للرُّكوعِ؛ فالمكان ليس واحدًا([8]).
    والصحيح – وهو رواية عن أحمد([9]) – أن التكبير للركوع واجب في هذه الحالة أيضًا؛ لعدم الدليل على استثنائه.
    قوله: (وَمَا أَدْرَكَ مَعَهُ آخِرُهَا، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا): أي: ما أدركه المأموم مع الإمام من الركعات فهي آخر صلاته، وما يقضيه بعد سلام الإمام فهو أول صلاته؛ واستدلوا على ذلك بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَسْعَ إِلَيْهَا أَحَدُكُمْ، وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ([10])».
    قالوا: والمقضي هو الفائت؛ فينبغي أن يكون على صفته.
    وعلى هذا، فيلزمه أن يأتي فيما يقضيه بالافتتاح والتعوذ وقراءة السورة.
    والصحيح – وهو رواية عن أحمد([11]) – أنَّ ما أدركه مع إمامه هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخر صلاته.
    قال العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي رحمه الله: ((وعنه: ما أدركه أولها، وما يقضيه آخرها، وهو الرواية الثانية عن مالك، وِفاقًا للشافعي، واختاره ابن المنذر وغيره.
    وقوله: «فاقضوا» لا ينافي قوله «فأتموا» وهو رواية الجمهور، وقول مُخَرِّجي الحديث وغيرهم، قال الشافعي: هو أولها حكمًا ومشاهدة، وقال الماوردي وغيره: إتمام الشيء لا يأتي إلا بعد تقدم أوله، وبقية آخره، والقضاء محمول على الفعل، لا القضاء المعروف في الاصطلاح؛ لأن هذا اصطلاح متأخري الفقهاء، والعرب تطلق القضاء بمعنى الفعل، قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ}، وقال: {فإذا قضيتم مناسككم}؛ قال الحافظ وغيره: إذا كان مخرج الحديث واحدًا، واختُلف في لفظة منه، وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد، كان أَوْلَى، ويُحْمَل فاقضوا على معنى الأداء أو الفراغ، فلا حجة لمن تمسك بلفظة ((فاقضوا))([12])))اهـ.



    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (636)، ومسلم (602).

    [2])) ذكرها شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (23/ 255)، والمرداوي في ((الإنصاف)) (2/ 222).

    [3])) ((مجموع الفتاوى)) (32/ 255)، وما بعدها.

    [4])) ((الشرح الممتع)) (4/ 169).

    [5])) متفق عليه: أخرجه البخاري (580)، ومسلم (607).

    [6])) السابق.

    [7])) أخرجه البخاري (783)، وأحمد (20435)، واللفظ له.

    [8])) ((الشرح الممتع)) (4/ 170).

    [9])) ذكرها في ((الإنصاف)) (2/ 224).

    [10])) متفق عليه: أخرجه البخاري (908)، ومسلم (602)، واللفظ له.

    [11])) ذكرها في ((الشرح الكبير)) (2/ 10)، و((الإنصاف)) (2/ 225)، و((المبدع)) (2/ 58).

    [12])) ((حاشية الروض المربع)) (2/ 283).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #143
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (وَيَتَحَمَّلُ عَنْ مَأْمُومِ): أي: ما يتحمله الإمام عن المأموم.
    قوله: (قِرَاءَةً): فيتحمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة والسورة؛ ودليل ذلك قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا([1]))).
    وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ([2])».
    هذا إذا كان المأموم مسبوقًا قد أدرك الإمام في الركوع، أو كان في صلاة جهرية، وأما إذا كانت الصلاة سرية فلا يتحمل الإمام القراءة عن المأموم؛ ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟»، قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ([3]).
    وفي لفظ: وَقَرَؤُوا فِي أَنْفُسِهِمْ سِرًّا فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ([4]).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ حَالَ الْجَهْرِ، لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
    قِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ يَسْمَعُ لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
    وَقِيلَ: بَلْ يَجُوزُ الْأَمْرَانِ، وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ. وَيُرْوَى هَذَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
    وَقِيلَ: بَلْ الْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ. وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ.
    وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، قَالَ أَحْمَدُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ.
    وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ فَتِلْكَ بِتِلْكَ)) الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ.
    وَرُوِيَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَيْضًا، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ثَابِتٌ.
    فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ إذَا قَرَأَ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الِائْتِمَامِ بِهِ؛ فَمَنْ لَمْ يُنْصِتْ لَهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ ائْتَمَّ بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ لِأَجْلِ الْمَأْمُومِ؛ وَلِهَذَا يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ عَلَى دُعَائِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَمِعْ لِقِرَاءَتِهِ ضَاعَ جَهْرُهُ؛ وَمَصْلَحَةُ مُتَابِعَةِ الْإِمَامِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُنْفَرِدُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ فَعَلَ كَمَا يَفْعَلُ فَيَتَشَهَّدُ عَقِيبَ الْوِتْرِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ إذَا وَجَدَهُ سَاجِدًا، كُلُّ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، فَكَيْفَ لَا يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ مَعَ أَنَّهُ بِالِاسْتِمَاعِ يَحْصُلُ لَهُ مَصْلَحَةُ الْقِرَاءَةِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَمِعَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْقَارِئِ.
    وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا: اتِّفَاقُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ إِذَا جَهَرَ؛ فَلَوْلَا أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الْقِرَاءَةِ بِإِنْصَاتِهِ لَهُ لَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ لِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِمَاعِهِ لِلْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُ بِالْإِنْصَاتِ أَجْرُ الْقَارِئِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى قِرَاءَتِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ بَلْ فِيهَا مَضَرَّةٌ شَغَلَتْهُ عَنِ الِاسْتِمَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
    وَقَدْ تَنَازَعُوا إذَا لَمْ يَسْمَعِ الْإِمَامَ لِكَوْنِ الصَّلَاةِ صَلَاةَ مُخَافَتَةٍ أَوْ لِبُعْدِ الْمَأْمُومِ أَوْ طَرَشِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، هَلْ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْرَأَ أَوْ يَسْكُتَ؟
    وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِعُ قِرَاءَةً يَحْصُلُ لَهُ بِهَا مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ، فَإِذَا قَرَأَ لِنَفْسِهِ حَصَلَ لَهُ أَجْرُ الْقِرَاءَةِ، وَإِلَّا بَقِيَ سَاكِتًا لَا قَارِئًا وَلَا مُسْتَمِعًا، وَمَنْ سَكَتَ غَيْرَ مُسْتَمِعٍ وَلَا قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِذَلِكَ وَلَا مَحْمُودًا؛ بَلْ جَمِيعُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ أَوْ الِاسْتِمَاعِ لِلذِّكْرِ.
    وَإِذَا قِيلَ: بِأَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُ عَنْهُ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ، فَقِرَاءَتُهُ لِنَفْسِهِ أَكْمَلُ لَهُ وَأَنْفَعُ لَهُ وَأَصْلَحُ لِقَلْبِهِ وَأَرْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَالْإِنْصَاتُ يُؤْمَرُ بِهِ إلَّا حَالَ الْجَهْرِ، فَأَمَّا حَالَ الْمُخَافَتَةِ فَلَيْسَ فِيهِ صَوْتٌ مَسْمُوعٌ حَتَّى يُنْصِتَ لَهُ([5])))اهـ.
    وقال شيخ الإسلام أيضًا رحمه الله: ((قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: ((إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))؛ فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ صَحَّحَهَا مُسْلِمٌ وَقَبِلَهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهَا الْبُخَارِيُّ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُطَابِقَةٌ لِلْقُرْآنِ؛ فَلَوْ لَمْ يُرَدْ بِهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ مُرَادَةٌ مِنْ هَذَا النَّصِّ.
    وَلِهَذَا كَانَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ: أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ يَسْتَمِعُ لَهَا وَيُنْصِتُ لَا يَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ بِهَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَمَا زَادَ؛ وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
    وَأَمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا لَا فِي السِّرِّ وَلَا فِي الْجَهْرِ؛ فَهَذَا يُقَابِلُهُ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَلَوْ كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ، كَالْقَوْلِ الْآخَرِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْجَدِيدُ وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا([6])))اهـ.
    قوله: (وَسُجُودَ سَهْوٍ): فإن سها المأموم في صلاته خلف الإمام فإن الإمام يتحمل عن المأموم سجودَ السهو.
    قال ابن المنذر رحمه الله: ((وأجمعوا على أن ليس على من سها خلف الإمام سجود، وانفرد مكحول، وقال: عليه([7]))).
    قوله: (وَتِلَاوَةٍ): ويتحمل الإمام أيضًا عن المأموم سجود التلاوة؛ فإنْ قرأ المأموم آية سجدة، فإنه لا يسجد دون إمامه.
    قوله: (وَسُتْرَةً): لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه؛ ودليل ذلك حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ([8]).
    ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ: أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ صَحِيحَةٌ، لَا يَضُرُّهَا مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهمْ فِي بَعْضِ الصَّفِّ، وَلَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ، وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: هَبَطْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى إِلَى جِدَارٍ، فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتَّى لَصَقَ بَطْنَهُ بِالْجِدَارِ، وَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ([9]).
    فَلَوْلَا أَنَّ سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ فَرْقٌ([10])))اهـ.
    قوله: (وَدُعَاءَ قُنُوتٍ): ويتحمل الإمام عن المأموم القنوت في الصلاة؛ فالإمام يدعو والمأموم يُؤَمِّن فقط.
    قوله: (وَتَشَهُّدًا أَوَّلَ؛ إِذَا سُبِقَ بِرَكْعَةٍ): ويتحمل الإمام عن المأموم التشهد الأول؛ إن كان المأموم مسبوقًا، فأدرك الإمامَ في الركعة الثانية، فالركعة الثالثة للإمام تكون هي الثانية للمأموم، ومع ذلك لا يجلس للتشهد، وإنما يتابع الإمام.


    [1])) أخرجه مسلم (404)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

    [2])) أخرجه أحمد (14643)، وابن ماجه (850)، وحسنه الألباني في ((الإرواء)) (500)، ومحققو المسند.

    [3])) أخرجه أحمد (8007)، وأبو داود (826)، والترمذي (312)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ»، والنسائي (919)، وابن ماجه (849)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (3/ 409)، ومحققو المسند.

    [4])) أخرجه البخاري في ((جزء القراءة خلف الإمام)) (68).

    [5])) ((مجموع الفتاوى)) (22/ 294- 297).

    [6])) السابق (18/ 20، 21).

    [7])) ((الإجماع)) (40).

    [8])) متفق عليه: أخرجه البخاري (76)، ومسلم (504).

    [9])) أخرجه أحمد (6852)، وأبو داود (708)، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (3/ 290): ((إسناده حسن صحيح)).

    [10])) ((المغني)) (2/ 175).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #144
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (لَكِنْ يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِهِ): أي: يُسنُّ للمأموم أن يقرأ إذا سكت الإمام، وإن كان هذا غير واجب كما تقدم.
    قلت: والصواب أن هذا لا يُسنُّ ولا يُشرع أصلًا؛ لعدم ورود سُنَّةٍ صحيحةٍ بذلك؛ فلم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم أمْرٌ بسكوت الإمام ليقرأ من خلفه، ولا فَعَلَ هو ذلك صلى الله عليه وسلم.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ السُّكُوتُ لِيَقْرَأَ الْمَأْمُومُ، عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ؛ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْكُتُ لِيَقْرَأَ الْمَأْمُومُونَ ، وَلَا نَقَلَ هَذَا أَحَدٌ عَنْهُ، بَلْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي ((الصَّحِيحِ)) سُكُوتُهُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِلِاسْتِفْتَاح ِ([1])، وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ: سَكْتَةٌ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَسَكْتَةٌ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ لِلْفَصْلِ لَا تَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ.
    وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ السَّكْتَةَ كَانَتْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ([2])؛ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّهُ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ سَكَتَاتٍ وَلَا أَرْبَعُ سَكَتَاتٍ؛ فَمَنْ نَقَلَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ سَكَتَاتٍ أَوْ أَرْبَعَ فَقَدْ قَالَ قَوْلًا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالسَّكْتَةُ الَّتِي عَقِبَ قَوْلِهِ: {وَلَا الضَّالِّينَ} مِنْ جِنْسِ السَّكَتَاتِ الَّتِي عِنْدَ رُءُوسِ الْآيِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُسَمَّى سُكُوتًا؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَقْرَأُ فِي مِثْلِ هَذَا.
    وَكَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا يَقْرَأُ عَقِبَ السُّكُوتِ عِنْدَ رُءُوسِ الْآيِ؛ فَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وَإِذَا قَالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
    وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سُكُوتِ الْإِمَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
    فَقِيلَ: لَا سُكُوتَ فِي الصَّلَاةِ بِحَالِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
    وَقِيلَ: فِيهَا سَكْتَةٌ وَاحِدَةٌ لِلِاسْتِفْتَاح ِ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
    وَقِيلَ: فِيهَا سَكْتَتَانِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا؛ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ([3]): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ: سَكْتَةٌ حِينَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ السُّورَةِ الثَّانِيَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرْكَع، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فَقَالَ: كَذَبَ سَمُرَةُ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى الْمَدِينَةِ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: صَدَقَ سَمُرَةُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ ُ، وَقَالَ: ((حَدِيثٌ حَسَنٌ))، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: سَكْتَةٌ إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةٌ إِذَا فَرَغَ مِنْ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، وَأَحْمَدُ رَجَّحَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَاسْتَحَبَّ السَّكْتَةَ الثَّانِيَةَ؛ لِأَجْلِ الْفَصْلِ، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَحْمَدُ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ لِقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ، وَلَكِنْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ يَسْكُتُ سَكْتَةً تَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
    وَالسَّكْتَةُ الثَّانِيَةُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ قَدْ نَفَاهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا سَكْتَةٌ يَسِيرَةٌ قَدْ لَا يَنْضَبِطُ مِثْلُهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُتْ إِلَّا سَكْتَتَيْنِ؛ فَعُلِمَ أَنَّ إِحْدَاهُمَا طَوِيلَةٌ وَالْأُخْرَى بِكُلِّ حَالٍ لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً مُتَّسِعَةً لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ.
    وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ يَقْرَءُونَ الْفَاتِحَةَ خَلْفَهُ إمَّا فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى وَإِمَّا فِي الثَّانِيَةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ خَلْفَهُ يَقْرَءُونَ الْفَاتِحَةَ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَكَانَ الصَّحَابَةُ أَحَقَّ النَّاسِ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ([4])))اهـ.
    قوله: (وَسِرِّيَّةٍ): أي: ويُسنُّ للمأموم أن يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية.
    والصحيح أن القراءة تجب على المأموم في السرية؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟»، قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ.
    وفي لفظ: وَقَرَؤُوا فِي أَنْفُسِهِمْ سِرًّا فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ([5]).
    وقد تقدم الكلام على ذلك.
    قوله: (وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدٍ): أي: إن كان المأموم بعيدًا فلَمْ يسمع قراءة الإمام، فإنه يُسّنُّ له القراءة.
    والصحيح أنه تجب في حقه القراءة، كما تقدم.
    قوله: (لَا طَرَشٍ): أي: إن كان عدم سماعه لصمم فيه، فلا تجب في حقه القراءة، ولا تُسَنُّ.
    وقد يُقال: إن الأصم يقرأ؛ إن لَمْ يُشوش على الإمام، وهو ما رجحه شيخ الإسلام رحمه الله([6]).


    [1])) روى البخاري (744)، ومسلم (598)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ، سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ».

    [2])) وهو حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه الآتي ذكره، وهو حديث ضعيف.

    [3])) أخرجه أحمد (20081)، وأبو داود (780)، والترمذي (251)، وابن ماجه (844)، وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (505).

    [4])) ((مجموع الفتاوى)) (23/ 276- 279).

    [5])) تقدم.

    [6])) ((مجموع الفتاوى)) (18/ 21).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #145
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (وَسُنَّ لَهُ: التَّخْفِيفُ مَعَ الْإِتْمَامِ): أي: يُسَنُّ للإمام التخفيف في الصلاة؛ لعدم المشقة على المأمومين؛ ولكن مع إتمامها وعدم الإخلال بها؛ ودليل ذلك حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ؛ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ([1])».
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ([2])».
    وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «أُمَّ قَوْمَكَ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا قَالَ: «ادْنُهْ» فَجَلَّسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «تَحَوَّلْ» فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ».
    وفي لفظ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: «آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا، فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ([3])».
    وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ، يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ؟ يَا فُلَانُ، قَالَ: لَا وَاللهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّ هُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا».
    قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِعَمْرٍو، إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى([4])».
    وفي لفظ: «فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ([5])».
    وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ وَيُتِمُّ.
    وفي لفظ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ.
    وفي لفظ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([6]).
    قوله: (وَتَطْوِيلُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ): أي: ويُسنُّ تطويل الركعة الأولى على الركعة الثانية؛ ودليل ذلك حديث أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ([7]).
    وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ (الم تَنْزِيلُ) السَّجْدَةِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ([8]).
    وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنهما، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا؛ أُصَلِّي صَلَاةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ([9]).
    قوله: (وَانْتِظَارُ دَاخِلٍ مَا لَمْ يَشُقَّ): أي: يُسنُّ للإمام إذا أحسَّ بأحد داخل إلى الصلاة، وهو في الركوع أن ينتظره؛ لأجل أن يلحق بالركعة، فينال ثوابها، وذلك ما لمْ يشق على المصلين معه؛ واستدلوا على ذلك بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لَا يُسْمَعَ وَقْعُ قَدَمٍ([10]).
    وهو حديث ضعيف.
    واستدلوا على ذلك أيضًا بحديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ([11]).
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((ولأنه انتظار ليدرك المأموم على وجه لا يشق، فلم يُكْره؛ كالانتظار في صلاة الخوف([12])))اهـ.
    قلت: وللشيخ ابن عثيمين رحمه الله هنا تفصيل حسن؛ حيث قال رحمه الله:
    والانتظارُ يشمَلُ ثلاثةَ أشياء:
    1 - انتظارٌ قبل الدُّخولِ في الصَّلاةِ.
    2 - انتظار في الرُّكوعِ، ولا سيَّما في آخر ركعة.
    3 - انتظار فيما لا تُدرك فيه الركعة، مثل: السُّجود.
    أما الأول: وهو انتظارُ الدَّاخلِ قبل الشروعِ في الصَّلاةِ، فهذا ليس بسُنَّة، بل السُّنّةُ تقديمُ الصَّلاةِ التي يُسَنُّ تقديمُها، وأما ما يُسَنُّ تأخيرُه مِن الصَّلوات وهي العشاء؛ فهنا يُراعي الدَّاخلين؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان في صلاةِ العشاءِ، إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّرَ، لأنَّ الصَّلاةَ هنا لا يُسنُّ تقديمُها، ولذلك كان الرَّسولُ عليه الصلاة والسَّلام يستحبُّ يُؤخِّرَ من العشاءِ، ولكنهم إذا اجتمعوا لا يُحِبُّ أن يُؤخِّرَ مِن أجلِ أنْ لا يَشُقَّ عليهم، أما غيرُها مِن الصَّلوات فلا يؤخِّرُها ولا ينتظر، بل يُصلِّي الصَّلاة في أولِ وقتِها.
    الثاني: انتظاره في الرُّكوع، مثل: أن يكون الإِمامُ راكعًا، فأحسَّ بداخلٍ في المسجدِ، فلينتظرْ قليلًا حتى يُدركَ هذا الدَّاخلُ الرَّكعةَ، فهنا يكون للقولِ باستحبابِ الانتظارِ وَجْهٌ، ولا سيما إذا كانت الرَّكعةُ هي الأخيرةُ، مِن أجل أنْ يدركَ الجماعةَ؛ لكن؛ بشرطِ أن لا يَشُقَّ على المأمومين، مثل: لو سَمِعَ إنسانًا ثقيلَ المشيِ لكِبَرٍ؛ وبابُ المسجدِ بعيدٌ عن الصَّفِّ، فهذا يستغرقُ بِضْعَ دقائق في الوصول إلى الصَّفِّ، فهنا لا ينتظرُه؛ لأنه يَشُقُّ على المأمومين، ولكن الانتظار اليسير لا بأس به.
    الثالث: انتظار الدَّاخلِ في رُكنٍ غيرِ الرُّكوعِ، أي: في رُكنٍ لا يُدرِكُ فيه الرَّكعةَ ولا يُحسبُ له، فهذا نوعان:
    النوع الأول: ما تحصُلُ به فائدةٌ.
    النوع الثاني: ما ليس فيه فائدةٌ، إلا أن يشاركَ الإِمامُ فيما اجتمع معه فيه.
    مثال النوع الأول: إذا دخلَ في التشهُّدِ الأخيرِ، فهنا الانتظارُ حَسَنٌ؛ لأنَّ فيه فائدةً، وهي: أنه يدركُ صلاةَ الجماعةِ عند بعضِ أهلِ العِلمِ.
    وأيضًا: فيه فائدة - حتى على القولِ بعدمِ إدراكِ الجماعةِ - لأنَّ إدراكَ هذا الجُزءِ خيرٌ مِن عدمِهِ فهو مستفيدٌ.
    ومثال النوع الثاني: ما ليس فيه فائدة في إدراكِ الجماعةِ؛ إلا مجرد المتابعة للإِمام، مثل: أن يكون ساجدًا في الرَّكعةِ الثالثة في الرُّباعيةِ فأحسَّ بداخلٍ، فهنا لا يُستحبُّ الانتظار؛ لأنَّ المأمومَ الداخلَ لا يستفيدُ بهذا الانتظارِ شيئًا في إدراكِ الجماعةِ؛ إذ سيدركُ الرَّكعةَ الأخيرةَ([13]).



    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (90)، ومسلم (466).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (703)، ومسلم (467).

    [3])) أخرجه مسلم (768).

    [4])) متفق عليه: أخرجه البخاري (705)، ومسلم (465).

    [5])) البخاري (705).

    [6])) متفق عليه: أخرجه البخاري (706، 708)، ومسلم (469).

    [7])) متفق عليه: أخرجه البخاري (759)، ومسلم (451).

    [8])) أخرجه مسلم (452).

    [9])) متفق عليه: أخرجه البخاري (755)، ومسلم (453).

    [10])) أخرجه أحمد (19146)، وأبو داود (802)، وابن ماجه (4249)، وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (513)، وكذا ضعفه محققو المسند.

    [11])) متفق عليه: أخرجه البخاري (4129)، ومسلم (842).

    [12])) ((الكافي)) (1/ 291).

    [13])) ((الشرح الممتع)) (4/ 196- 199)، مختصرًا.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #146
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    فصل
    الْأَقْرَأُ الْعَالِمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ أَوْلَى مِنَ الْأَفْقَهِ.
    وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ فَاسِقٍ إِلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ تَعَذُّرًا خَلْفَ غَيْرِهِ، وَلَا إِمَامَةُ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ، وَأُمِّيٍّ؛ وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ يُدْغِمُ فِيهَا حَرْفًا لَا يُدْغَمُ أَوْ يُلْحِنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى إِلَّا بِمِثْلِهِ، وَكَذَا مَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، وَعَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، أَوْ عَنْ قُعُودٍ وَنَحْوِهَا، أَوِ اجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ، أَوِ اسْتِقْبَالٍ، وَلَا عَاجِزٍ عَنْ قِيَامٍ بِقَادِرٍ؛ إِلَّا رَاتِبًا رُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ، وَلَا مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ، وَلَا امْرَأَةٍ لِرِجَالٍ وَخُنَاثًا، وَلَا خَلْفَ مُحْدِثٍ، أَوْ نَجِسٍ؛ فَإِنْ جُهِلَا حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ.
    وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ لَحَّانٍ وَفَأْفَاءٍ وَنَحْوِهِ.
    وَسُنَّ وُقُوفُ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَالْوَاحِدِ عَنْ يَمِينِهِ وُجُوبًا، وَالْمَرْأَةِ خَلْفَهُ. وَمَنْ صَلَّى عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ أَوْ فَذًّا رَكْعَةً لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِذَا جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ صَحَّتِ الْقُدْوَةُ مُطْلَقًا؛ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ، وَإِلَّا شُرِطَ رُؤْيَةُ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ أَيْضًا وَلَوْ فِي بَعْضِهَا.
    وَكُرِهَ عُلُوُّ إِمَامٍ عَلَى مَأْمُومٍ ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ، وَصَلَاتُهُ فِي مِحْرَابٍ يَمْنَعُ مُشَاهَدَتَهُ، وَتَطَوُّعُهُ مَوْضِعَ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِطَالَتُهُ الِاسْتِقْبَالَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَوُقُوفُ مَأْمُومٍ بَيْنَ سَوَارٍ تَقْطَعُ الصُّفُوفَ عُرْفًا؛ إِلَّا لِحَاجَةٍ فِي الْكُلِّ، وَحُضُورُ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ لِمَنْ رَائِحَتُهُ كَرِيهَةٌ مِنْ بَصَلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
    وَيُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ: مَرِيضٌ، وَمُدَافِعُ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ ، وَمَنْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَخَائِفٌ ضَيَاعَ مَالِهِ، أَوْ مَوْتَ قَرِيبِهِ، أَوْ ضَرَرًا مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ مُلَازَمَةَ غَرِيمٍ وَلَا وَفَاءَ لَهُ، أَوْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ وَنَحْوِهِمْ.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #147
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (الْأَقْرَأُ الْعَالِمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ أَوْلَى مِنَ الْأَفْقَهِ): أي: أن الأقرأ لكتاب الله تعالى العالم بفقه الصلاة؛ كأحكام الإمامة والسهو وغير ذلك، يُقدَّم في الإمامة على مَنْ كان أفقه منه، إِذا لم يكن جيد الْقِرَاءَة؛ ودليل ذلك حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ([1])، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا([2])».
    وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ([3])».
    قوله: (وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ فَاسِقٍ): أَي: لا تصح الصلاة خلف فاسق؛ وهو مَنْ خرج عن حدِّ الاستقامة([4]).
    والفسق يطلق في الشرع على الكافرين الكفر الأكبر، ويطلق على عصاة الموحدين.
    فمن إطلاقه على الكافرين: قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99].
    وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84].
    وقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
    ومن إطلاقه على عصاة الموحدين: قوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 282].
    وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4].
    والمقصود هنا: هم فسقة الموحدين؛ سواء كان الفسق بمعصية؛ كالسرقة أو الزنى أو شرب الخمر، أو بالغِيبة والنميمة أو سب المسلمين، وغير ذلك؛ أو كان الفسق ببدعة؛ كإرجاء أو رفض أو تأويل لبعض الصفات، وغير ذلك.
    وأما الكافر؛ سواء كان كافرًا أصليًّا، أو كافرًا ببدعته؛ كغلاة الرافضة، أو غلاة الجهمية، فمتفق على أن الصلاة خلفه لا تجوز.
    واستدلوا على عدم صحة الصلاة خلف الفاسق بحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ([5])».
    وهو حديث ضعيف لا يثبت.
    قلت: والصحيح – وهو رواية عن أحمد([6]) – أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ، وَالْحُسَيْنُ وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ مَرْوَانَ، وَاَلَّذِينَ كَانُوا فِي وِلَايَةِ زِيَادٍ وَابْنِهِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُمَا، وَصَلَّوْا وَرَاءَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعًا، وَقَالَ: أَزِيدُكُمْ؛ فَصَارَ هَذَا إجْمَاعًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قَالَ: قُلْت: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ([7]). وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ». وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّي». وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ»؛ وَهَذَا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهُمْ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» عَامٌّ، فَيَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ، فَصَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْعَدْلِ([8])))اهـ.
    وهذا كلام مفيد لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
    قال رحمه الله:
    ((وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَخَلْفَ أَهْلِ الْفُجُورِ، فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَتَفْصِيلٌ؛ لَكِنْ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ فِي هَؤُلَاءِ: أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلْفُجُورِ أَوْ الْبِدَعِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَنَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ هَجْرُهُ لِيَنْتَهِيَ عَنْ فُجُورِهِ وَبِدْعَتِهِ؛ وَلِهَذَا فَرَّقَ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ فَاسْتَحَقَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّاكِتِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسَرَّ بِالذَّنْبِ؛ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ؛ فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا، وَلَكِنْ إذَا أُعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ وَتُوكَلُ سَرَائِرُهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ بِخِلَافِ مَنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ.
    فَإِذَا كَانَ دَاعِيَةً مُنِعَ مِنْ وِلَايَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا لِأَجْلِ فَسَادِ الصَّلَاةِ أَوِ اتِّهَامِهِ فِي شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ؛ فَإِذَا أَمْكَنَ لِإِنْسَانِ أَلَّا يُقَدِّمَ مُظْهِرًا لِلْمُنْكَرِ فِي الْإِمَامَةِ وَجَبَ ذَلِكَ.
    لَكِنْ إذَا وَلَّاهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ صَرْفُهُ عَنِ الْإِمَامَةِ، أَوْ كَانَ هُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ صَرْفِهِ إلَّا بِشَرِّ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِنْ ضَرَرِ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الْمُنْكَرِ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْفَسَادِ الْقَلِيلِ بِالْفَسَادِ الْكَثِيرِ وَلَا دَفْعُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ وَمَطْلُوبُهَا: تَرْجِيحُ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا جَمِيعًا، وَدَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعَا جَمِيعًا.
    فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ مَنْعُ الْمُظْهِرِ لِلْبِدْعَةِ وَالْفُجُورِ إلَّا بِضَرَرِ زَائِدٍ عَلَى ضَرَرِ إمَامَتِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بَلْ يُصَلِّي خَلْفَهُ مَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا إلَّا خَلْفَهُ؛ كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْجَمَاعَةِ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إمَامٌ غَيْرُهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَغَيْرِهِمَا الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ فَإِنَّ تَفْوِيتَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنَ الِاقْتِدَاءِ فِيهِمَا بِإِمَامِ فَاجِرٍ؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ عَنْهُمَا لَا يَدْفَعُ فُجُورَهُ، فَيَبْقَى تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدُونِ دَفْعِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ.
    وَلِهَذَا كَانَ التَّارِكُونَ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ مُطْلَقًا مَعْدُودِينَ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ.
    وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْبَرِّ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهَا خَلْفَ الْفَاجِرِ([9])))اهـ.


    [1])) ومعنى (أقرؤهم): أي: أكثرهم حفظًا، وأحسنهم قراءة؛ والمقصود أن يكون حافظًا للقرآن حفظًا صحيحًا كما أُنزل القرآن، لا حفظًا خاطئًا؛ فلو وُجِد شخصان أحدهما أكثر حفظًا وأحسن قراءة، فإنه يُقدم، وأما إن كان أكثر حفظًا ولكنه لا يُحسن القراءة، فيُقدم عليه الأحسن قراءة ولو كان أقل حفظًا؛ وهذا هو المقصود بالأحاديث الواردة في تقديم الأكثر حفظًا.
    فقد روى أحمد (20685)، والطبراني في ((الكبير)) (55)، وغيرهما، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ رضي الله عنه، قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْلَامِ قَوْمِهِ فَكَانَ فِيمَا أَوْصَانَا: «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا فَقَدَّمُونِي.
    وعند البخاري (692)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ - مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا.
    فهؤلاء - مع كثرة حفظهم - كانوا يحسنون قراءة القرآن بلا شك.

    [2])) أخرجه مسلم (673).

    [3])) أخرجه مسلم (672).

    [4])) الفسق لغة: قال ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)) (4/ 502): ((الْفَاءُ وَالسِّينُ وَالْقَافُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْفِسْقُ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ. تَقُولُ الْعَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِهَا: إِذَا خَرَجَتْ. حَكَاهُ الْفَرَّاءُ)).
    واصطلاحًا:
    وقال الكفوي في ((الكليات)) (693): ((الْفسق: التَّرْك لأمر الله، والعصيان، وَالْخُرُوج عَن طَرِيق الْحق، والفجور)).

    [5])) أخرجه ابن ماجه (1081)، وغيره، وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (524).

    [6])) ذكرها في ((المغني)) (2/ 139).

    [7])) برقم (643)، وكذلك جميع الألفاظ الآتية في ((صحيح مسلم)) بنفس الرقم.

    [8])) ((المغني)) (2/ 139).

    [9])) ((مجموع الفتاوى)) (23/ 342- 344).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #148
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (إِلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ تَعَذُّرًا خَلْفَ غَيْرِهِ): أي: تصح الصلاة خلف الفاجر إن كانت الصلاةُ صلاةَ جمعة أو عيد، وتعذر وجود إمام عدل؛ حتى لا تفوته الصلاة مع المسلمين.
    وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك.
    قوله: (وَلَا إِمَامَةُ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ): أي: لا تصح إمامةُ مَنْ كان حدثُه دائم؛ كمن به سلس بول، أو مذي، أو انفلات ريح، أو رعاف؛ لأن في صلاته خللًا، وإنما صحت صلاته لنفسه للضرورة، وتصح إمامته لمثله؛ لتساويهما في خروج الخارج المستمر.
    قلت: والصحيح أن إمامةَ دائمِ الحدث صحيحةٌ.
    قال العلامة السعدي رحمه الله: والصحيح صحة إمامة العاجز عن شيء من أركان الصلاة أو شيء من شروطها؛ إذا أتى بما يقدر عليه؛ وسواء كان إمام الحي أو غيره, وسواء كان بمثله أو بغير مثله؛ وهذا القول هو الذي يدل عليه العمومات؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) يشمل العاجز وغيره, وكذلك صلاته صلى الله عليه وسلم جالسًا لَمَّا عجز عن القيام دليلٌ على جواز مثل هذه...
    ومما يؤيد هذا القول الصحيح: أن العاجز عن الأركان والشروط لَمْ يترك في الحقيقة شيئًا لازمًا؛ بل الواجب عليه ما يقدر عليه فقط، وصلاته كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ فما الذي أوجب بُطْلان إمامته وعدم صحتها؟ ولأن نفس صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة إمامه إلا بالمتابعة فقط، فكل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت([1]).
    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((والقول الصحيح في هذا: أن إمامةَ مَن به سَلَسُ البولِ صحيحةٌ بمثْلِهِ وبصحيحٍ سليمٍ.
    ودليلُ ذلك: عمومُ قولِه صلى الله عليه وسلم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ»؛ وهذا الرَّجلُ صلاتُه صحيحةٌ؛ لأنَّه فَعَلَ ما يجب عليه، وإذا كانت صلاتُه صحيحةٌ لزمَ مِن ذلك صحَّةُ إمامتِه([2])))اهـ.
    قوله: (وَأُمِّيٍّ؛ وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ يُدْغِمُ فِيهَا حَرْفًا لَا يُدْغَمُ أَوْ يُلْحِنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى إِلَّا بِمِثْلِهِ): أي: ولا تصح إمامة الأمي([3]) الذي لا يُحسن قراءة الفاتحة بقارئ يُحسن قراءتها؛ لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بالقيام به على الوجه الصحيح.
    وتصح إمامة الأُمِّيِّ لمثله - إذا لم يمكنه الصلاة خلف قارئ - لأنهما أُمِّيَّان، فجاز لأحدهما الائتمام بالآخر، كاللَّذَيْنِ لا يحسنان شيئًا؛ فإن أمكنه الصلاة خلف قارئ فلا تصح صلاته.
    قوله: (وَكَذَا مَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، وَعَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، أَوْ عَنْ قُعُودٍ وَنَحْوِهَا، أَوِ اجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ، أَوِ اسْتِقْبَالٍ، وَلَا عَاجِزٍ عَنْ قِيَامٍ بِقَادِرٍ؛ إِلَّا رَاتِبًا رُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ): أي: لا تصح إمامة مَنْ كان عاجزًا عن تحصيل شرط أو الإتيان بركن، لصحيح يستطيع تحصيل الأركان والشروط؛ إلا أن يكون إمامًا راتبًا ويُرجى برؤه؛ فتصح إمامته.
    قلت: والصحيح صحة إمامة من كان حاله هكذا.
    قال العلامة السعدي رحمه الله: والصحيح صحة إمامة العاجز عن شيء من أركان الصلاة أو شيء من شروطها؛ إذا أتى بما يقدر عليه؛ وسواء كان إمام الحي أو غيره, وسواء كان بمثله أو بغير مثله؛ وهذا القول هو الذي يدل عليه العمومات؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) يشمل العاجز وغيره, وكذلك صلاته صلى الله عليه وسلم جالسًا لَمَّا عجز عن القيام دليلٌ على جواز مثل هذه...
    ومما يؤيد هذا القول الصحيح: أن العاجز عن الأركان والشروط لَمْ يترك في الحقيقة شيئًا لازمًا؛ بل الواجب عليه ما يقدر عليه فقط، وصلاته كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ فما الذي أوجب بُطْلان إمامته وعدم صحتها؟ ولأن نفس صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة إمامه إلا بالمتابعة فقط، فكل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت([4]).
    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((مِن المعلومِ أن القاعدة الأصولية: ((أن ما وَرَدَ عن الشارع مطلقًا فإنَّه لا يجوز إدخال أيِّ قيدٍ مِن القيود عليه إلا بدليل))؛ لأنه ليس لنا أن نقيِّد ما أطلقه الشرعُ.
    وهذه القاعدةُ تفيدك كثيرًا في مسائلَ؛ منها المسحُ على الخُفَّينِ، فقد أطلقَ الشارعُ المسحَ على الخُفَّينِ، ولم يشترط في الخُفِّ أن يكون مِن نوعٍ معيَّنٍ، ولا أن يكون سليمًا مِن عيوبٍ ذكروا أنها مانعة مِن المسحِ كالخرق وما أشبهه؛ فالواجبُ علينا إطلاقُ ما أطلقَه الشرعُ؛ لأننا لسنا الذين نتحكَّمُ بالشرعِ، ولكن الشرعُ هو الذي يَحكمُ فينا، أمَّا أن نُدخِلَ قيودًا على أمْرٍ أطلقه الشرعُ فهذا لا شَكَّ أنه ليس مِن حَقِّنا.
    فلننظرْ إلى المسألة هنا، فقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا سَجَدَ فاسجدوا، وإذا صَلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا أجمعون».
    هل هذه الأحكام التي جعلها الشارعُ في مسارٍ واحدٍ تختلفُ بين إمامِ الحيِّ وغيرِه أو لا؟
    فهل نقولُ إذا كبَّر إمام الحَيِّ فكبِّرْ، وإذا رَكَعَ فاركعْ، وإذا كَبَّرَ غيرُ إمامِ الحَيِّ فأنت بالخيارِ، وإذا رَكَعَ فأنت بالخيارِ؟
    الجواب: لا، فالأحكامُ هذه كلُّها عامةٌ لإِمامِ الحَيِّ ولغيرِه، وعلى هذا يتبيَّنُ ضعفُ الشرطِ الأولِ الذي اشترطه المؤلِّفُ، وهو قوله: «إمام الحي»، ونقول: إذا صَلَّى الإِمامُ قاعدًا فنصلِّي قعودًا، سواء كان إمامَ الحَيِّ أم غيره، وقد قال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله»؛ فإذا كان هذا الأقرأُ عاجزًا عن القيام، قلنا: أنت إمامُنا فَصَلِّ بنا؛ وإذا صَلَّى بنا قاعدًا فإننا نصلِّي خلفَه قُعودًا بأمرِه صلّى الله عليه وسلّم في كونه إمامَنا، وبأمره في كوننا نصلِّي قعودًا.
    والشرط الثاني: المرجو زوال عِلَّتِهِ.
    هذا أيضًا قيدٌ في أمرٍ أطلقَه الشارعُ، فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: إذا صَلَّى قاعدًا وأنتم ترجون زوالَ عِلَّته فصلُّوا قعودًا؛ بل قال: «إذا صلّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا أجمعون»؛ وعلى هذا؛ فإننا نصلِّي قعودًا خلفَ الإِمامِ العاجزِ عن القيامِ، سواءٌ كان ممن يُرجى زوالُ عِلَّتِهِ، أو ممن لا يُرجى زوالُ عِلَّتِه.
    والدليل: عمومُ النَّصِّ، فالدليلُ عامٌّ مطلقٌ، فإذا كان عامًّا مطلقًا فليس لنا أن نخصِّصَهُ ولا أن نقيِّدَه؛ لأننا عبيدٌ محكومٌ علينا، ولسنا بحاكمين، وليس هناك دليلٌ يدلُّ على هذا القيد مِن الكتابِ والسُّنَّةِ ولا الإِجماعِ؛ فإذا انتفى ذلك وَجَبَ أن يبقى النَّصُّ على إطلاقِهِ فلا يُشترطُ أن يكونَ عجزُ الإِمامِ عن القيامِ مرجوَّ الزَّوالِ([5])))اهـ.



    [1])) ((المختارات الجلية من المسائل الفقهية)) (46).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (4/ 240).

    [3])) نسبة إلى الأُمِّ؛ وكأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها.

    [4])) ((المختارات الجلية)) (46).

    [5])) ((الشرح الممتع)) (4/ 233- 235).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #149
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (وَلَا مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ): أي: لا تصح إمامة صبيٍّ مميِّز لرجل بالغ؛ واستدلوا على ذلك بما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ، وَلَا سُفَهَاءَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ وَفْدَكُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى([1])».
    واستدلوا على ذلك أيضًا بما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ([2]).
    وقوله: (في فرض): خرجت به النافلة؛ فصححوا إمامة الصبي المميِّز للبالغ في النافلة؛ قالوا: لأن النافلة يدخلها التخفيف([3]).
    والصحيح – وهو رواية عن أحمد([4]) – أن إمامة الصبي المميِّز للبالغ جائزة؛ ودليل ذلك حديث عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا، فَقَالَ: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي؛ لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ([5]).
    فدلَّ هذا الحديث على صحة إمامة الصبي المميِّز للبالغين، وأما الحديث والأثر الذَيْنِ استدل بهما المانعين، فلا يصحَّان.
    قلت: بل المميِّز أَولى بالإمامة - لو كان أقرأ لكتاب الله - من البالغ؛ ودليل ذلك عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»؛ فهو حديث عام يشمل البالغ وغيره.
    قوله: (وَلَا امْرَأَةٍ لِرِجَالٍ): أي: لا تصح إمامة المرأة لرجال.
    وإمامة المرأة للرجال لا تصح بإجماع أهل العلم.
    قال ابن حزم رحمه الله: ((وَاتَّفَقُوا أن الْمَرْأَة لَا تؤم الرِّجَال وهم يعلمُونَ أنها امْرَأَة؛ فإنْ فعلوا فصلاتهم فَاسِدَة بإجماع([6]))).
    قلت: هذا الإجماع في صلاة الفريضة، وأما صلاة النافلة ففيها خلاف ضعيف؛ حيث ورد عن بعض الحنابلة القول بصحة ائتمام الرجل بالمرأة في صلاة التراويح([7]).
    (وَخُنَاثًا): أي: ولا تصح إمامة المرأة لمخنَّثِينَ مُشْكَلِينَ لَمْ يَتَبَيَّن أمرهم.
    والمخنث في اللغة: هُوَ الَّذِي لَا يَخْلُصُ لِذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى، أَوِ الَّذِي لَهُ مَا لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا. مِنَ الْخَنَثِ؛ وَهُوَ اللِّينُ وَالتَّكَسُّرُ؛ يُقَال: خَنَّثْتُ الشَّيْءَ فَتَخَنَّثَ؛ أَيْ: عَطَّفْتُهُ فَتَعَطَّفَ، وَالاِسْمُ الْخُنْثُ([8]).
    وفي الاصطلاح: هُوَ الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجُ امْرَأَةٍ، أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا أَصْلًا، وَلَهُ ثُقْبٌ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْل([9]).
    وَيَنْقَسِمُ الْخُنْثَى إِلَى قِسْمَيْنِ:
    القسم الأول: خُنْثَى غَيْرُ مُشْكِلٍ: وَهُوَ اَلَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ عَلَامَاتُ الذُّكُورِيَّةِ ، أَوِ الْأُنُوثِيَّةِ ؛ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ، أَوِ امْرَأَةٌ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِمُشْكِلٍ؛ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ فِيهِ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ، أَوِ امْرَأَةٌ فِيهَا خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ؛ وَحُكْمُهُ فِي إِمَامَتِهِ وَإِرْثِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ حُكْمُ مَا ظَهَرَتْ عَلَامَاتُهُ فِيهِ.
    القسم الثاني: خُنْثَى مُشْكِلٌ: وَهُوَ مَنْ لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ عَلَامَاتُ الذُّكُورَةِ أَوِ الْأُنُوثَةِ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ تَعَارَضَتْ فِيهِ الْعَلَامَاتُ.
    فَتَحَصَّل مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُشْكِلَ نَوْعَانِ:
    نَوْعٌ لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجُ امْرَأَةٍ، وَاسْتَوَتْ فِيهِ الْعَلَامَاتُ.
    وَنَوْعٌ لَيْسَ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَهُ ثُقْبٌ.
    بِمَ يُعرف الخنثى المشكِل؟
    الخنثى المشكِلُ إما أن يكون بالغًا أو غير بالغ:
    فَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ فَيُعْتَبَرُ بِمَبَالِهِ.
    قال ابن قدامة رحمه الله: وَيُعْتَبَرُ بِمَبَالِهِ فِي قَوْلِ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخُنْثَى يُوَرَّثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ؛ إنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ، فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَهُوَ امْرَأَةٌ؛ فَإِنِ اسْتَوَيَا فَهُوَ حِينَئِذٍ مُشْكِلٌ.اهـ.([10])
    وإن كان بالغًا، فَيَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الآْتِيَةِ:
    إِنْ خَرَجَتْ لِحْيَتُهُ، أَوْ أَمْنَى بِالذَّكَرِ، أَوْ أَحْبَل امْرَأَةً، أَوْ وَصَل إِلَيْهَا، فَرَجُلٌ، وَكَذَلِكَ ظُهُورُ الشَّجَاعَةِ وَالْفُرُوسِيَّ ةِ، وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ، دَلِيلٌ عَلَى رُجُولِيَّتِهِ.
    وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيٌ وَنَزَل مِنْهُ لَبَنٌ أَوْ حَاضَ، أَوْ أَمْكَنَ وَطْؤُهُ، فَامْرَأَةٌ، وَأَمَّا الْوِلَادَةُ فَهِيَ تُفِيدُ الْقَطْعَ بِأُنُوثَتِهِ، وَتُقَدَّمُ عَلَى جَمِيعِ الْعَلَامَاتِ الْمُعَارِضَةِ لَهَا.
    وَأَمَّا الْمَيْلُ، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْأَمَارَاتِ السَّابِقَةِ؛ فَإِنْ مَالَ إِلَى الرِّجَال، فَامْرَأَةٌ، وَإِنْ مَالَ إِلَى النِّسَاءِ، فَرَجُلٌ، وَإِنْ قَالَ: أَمِيل إِلَيْهِمَا مَيْلًا وَاحِدًا. أَوْ: لَا أَمِيلُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَمُشْكِلٌ([11]).
    قَال السُّيُوطِيُّ: ((وَحَيْثُ أُطْلِقَ الْخُنْثَى فِي الْفِقْهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُشْكِل([12]))).
    فقوله: (وخُناثًا)؛ أي: ولا تصح إمامة المرأة لمخنَّثِينَ مُشْكَلِينَ لَمْ يَتَبَيَّن أمرهم؛ وأما الخنثى الذي تبيَّن أنه أُنثى، فلا إشكال في جواز أنْ تؤمَّهُ امرأة، والخنثى الذي تبيَّن أنه رَجُلٌ، فلا إشكال في عدم جواز إمامة المرأة له.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، وَلَا يَؤُمُّ خُنْثَى مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ امْرَأَةً وَالْمَأْمُومُ رَجُلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّهُ امْرَأَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا([13])))اهـ.
    قوله: (وَلَا خَلْفَ مُحْدِثٍ): أي: لا تصح الصلاة خلف محدِث؛ سواء كان حدث أكبر أو أصغر؛ لأنه ائتمَّ بمن لا تصح صلاته.
    قوله: (أَوْ نَجِسٍ): ولا تصح الصلاة خلف متنجس أيضًا؛ لأنه ائتمَّ بمن لا تصح صلاته.
    قوله: (فَإِنْ جُهِلَا حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ): أي: إن جُهِل الحدث أو النجاسة للإمام والمأموم حتى انقضت الصلاة، صحت صلاةُ المأموم؛ فليس عليه إعادة؛ لأنه معذور بجهله حال الإمام، وقد أدى ما عليه، فلا يُؤمر بالإعادة.
    وأما الإمام فلو عَلِمَ بحدثه أو تنجسه بعد انقضاء الصلاة فعليه الإعادة؛ لأن صلاته لم تكن على الوجه الشرعي الصحيح.
    قلت: والصحيح بالنسبة للإمام أنه يُعيد إن كان محدِثًا، ولا يُعيد إن كان متنجسًا.
    فدليل إعادة المحدِث حديث أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمًا، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَاغْتَسَلَ، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ([14]).
    ففي هذا الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبطل صلاته لَمَّا عَلِم بالحدث.
    ولأنه صلى وهو فاقد شرطًا مأمورًا به في الصلاة؛ فلزمه الإعادة.
    ودليل عدم إعادة المتنجس حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ، قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ»، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى»، وَقَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا([15])».
    فدل هذا الحديث على أن من كان متنجسًا، ولا يعلم بتنجسه، فلا إعادة عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعِد.
    ومفهوم قول المؤلف: (فَإِنْ جُهِلَا حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ): أنهما لو عُلِما – أي: الحدث أو النجاسة - في أثناء الصلاة وقبل انقضائها، فإنَّ صلاة الإمام والمأموم تبطل.
    والصحيح - وهو رواية عن أحمد([16]) - أنه لا فرق بين العلم في أثناء الصلاة أو بعد انقضائها؛ فهما سواء؛ فصلاة الإمام والمأموم لا تبطل في حال النجس؛ وأما في حال الحدث، فتبطل صلاة الإمام ولا تبطل صلاة المأموم.
    ودليل ذلك حديث أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، المتقدم.
    ففي هذا الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم محدِثًا، ولَمْ يُبطل صلاةَ المأمومين؛ وإنما خرج هو فقط من الصلاة فتطهر ثم استأنف صلاته.
    وحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، المتقدم.
    ففي هذا الحديث كانت على النبي صلى الله عليه وسلم نجاسة، فلم يُبطل صلاته ولا صلاة المأمومين؛ وإنما أزال النجاسة ثم استكمل صلاته.


    [1])) ذكره ابن عبد الهادي في ((تنقيح التحقيق)) (2/ 469)، وقال: ((هذا حديثٌ لا يصحُّ، ولا يُعرف له إسنادٌ صحيحٌ، بل رُوِيَ بعضه بإسنادٍ مظلمٍ)).

    [2])) أخرجه عبد الرزاق (1872)، والبيهقي في ((الكبير)) (5858)، بسند ضعيف.

    [3])) انظر: ((المغني)) (2/ 168).

    [4])) ذكرها القاضي أبو يعلى في ((الروايتين والوجهين)) (1/ 173)، والمرداوي في ((الإنصاف)) (2/ 266).

    [5])) أخرجه البخاري (4302).

    [6])) ((مراتب الإجماع)) (28)، وذكره أيضًا ابن القطان رحمه الله في ((الإقناع في مسائل الإجماع)) (1/ 144).

    [7])) ذكره ابن قدامة في ((المغني)) (2/ 164).

    [8])) ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (20/ 21)، وانظر: ((لسان العرب)) (2/ 145).

    [9])) ((المغني)) (6/ 336)، و((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (20/ 21).

    [10])) ((المغني)) (6/ 336)، مختصرًا.

    [11])) ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (20/ 21).

    [12])) ((الأشباه والنظائر)) (248).

    [13])) ((المغني)) (2/ 147).

    [14])) أخرجه أحمد (20459)، وأبو داود (233)، وابن حبان (2235)، والبيهقي في ((الكبير)) (4063)، و((الصغير)) (509)، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (1/ 416): ((حديث صحيح، وصححه ابن حبان والبيهقي، وقال النووي
    والعراقي: إسناده صحيح)).

    [15])) أخرجه أحمد (11153)، وأبو داود (650)، والدارمي (1418)، وابن خزيمة (786)، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (284).

    [16])) ذكرها ابن قدامة في ((المغني)) (2/ 74)، والمرداوي في ((الإنصاف)) (2/ 268).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #150
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي

    قال ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع ( 14-17/ 4 ) :

    قوله: «مثنى مثنى» أي: يصليها اثنتين اثنتين.
    قوله: «ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم»
    لقول عائشة: «كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي باللَّيلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكعةً، يُوتِرُ منها بواحدةٍ» وفي لفظ: «يُسلِّمُ بين كُلِّ رَكعتين، ويوتِرُ بواحدةٍ».
    فيجوزُ الوِترُ بثلاثٍ، ويجوزُ بخمسٍ، ويجوزُ بسبعٍ، ويجوزُ بتسعٍ، فإنْ أوترَ بثلاثٍ فله صِفتان كِلتاهُما مشروعة:
    الصفة الأولى : أنْ يَسْرُدَ الثَّلاثَ بِتَشهدٍ واحدٍ.
    الصفة الثانية : أنْ يُسلِّمَ مِن رَكعتين، ثم يُوتِرَ بواحدة.

    كلُّ هذا جَاءت به السُّنةُ، فإذا فَعَلَ هذا مرَّةً، وهذا مرَّةً فَحَسَنٌ.
    أمَّا إذا أوتَرَ بخمسٍ؛ فإنَّه لا يَتَشَهَّدُ إلا مرَّةً واحدةً في آخرها ويُسلِّمُ.
    وإذا أوتَرَ بسبعٍ؛ فكذلك لا يَتَشَهَّدُ إلا مرَّةً واحدةً في آخرها. وإن تَشَهَّدَ في السَّادسة بدون سلام ثم صَلَّى السَّابعةَ وسَلَّمَ فلا بأس .
    وإذا أوترَ بتسعٍ؛ تَشهَّدَ مرَّتينِ، مرَّةً في الثَّامنةِ، ثم يقومُ ولا يُسلِّمُ، ومرَّةً في التاسعة يتشهَّدُ ويُسلِّمُ .
    وإنْ أوترَ بإحدى عَشْرَة، فإنه ليس له إلا صِفةٌ واحدةٌ؛ يُسلِّمُ من كُلِّ ركعتين، ويُوترُ منها بواحدة.

    قوله: «وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين» أي: أدنى الكمال في الوِتْرِ أنْ يُصلِّيَ ركعتين ويُسَلِّمَ، ثم يأتي بواحدة ويُسلِّمَ.
    ويجوز أن يجعلها بسلام واحدٍ، لكن بتشهُّدٍ واحدٍ لا بتشهُّدين؛ لأنه لو جعلها بتشهُّدين لأشبهت صلاةَ المغربِ، وقد نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أن تُشَبَّهَ بصلاةِ المغربِ.

    ... قوله: «ويقنت فيها» أي: في الثالثة.

    والقُنُوتُ يُطلق على معانٍ منها:
    1 ـ الخُشوعُ، كما في قوله تعالى: {{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}} ، وكما في قوله: {{وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}}.
    2 ـ الدُّعاءُ، كما هنا «يَقْنُتُ فيها بعد الرُّكوع» .
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  11. #151
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي


    قوله: «اللهم اهدني فيمن هديت» ظاهر كلامه: أنه لا يبدأُ بشيءٍ قبل هذا الدُّعاءِ، لكن الصَّحيحُ أنَّه يبدأ بقوله: «اللَّهمَّ إِنَّا نَستعينُكَ، ونَستهديكَ، ونستغِفرُكَ، ونتوبُ إليكَ، ونؤمنُ بك، ونَتوكَّلُ عليك، ونُثْنِي عليكَ الخيرَ كُلَّه، ونَشْكُرُكَ ولا نَكْفُرُكَ. اللَّهمَّ إياك نعبدُ، ولك نُصلِّي ونسجدُ، وإِليكَ نَسعَى ونَحْفِدُ، نَرجو رحمَتَكَ، ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّار مُلحِق» ثم يقول: «اللَّهمَّ اهدني فيمن هَدَيتَ» إلخ، هكذا قال الإمامُ أحمدُ رحمه الله؛ لأنه ثناءٌ على الله، والثناءُ مقدَّمٌ على الدُّعاءِ؛ لأنه فَتْحُ بابِ الدُّعاءِ.


    وقوله: «اللَّهُمَّ» أصلُه: يا اللهُ، لكن حُذِفت ياءُ النِّداءِ، وعُوِّضَ عنها الميمُ وبقيت «الله»، وإنما حُذفت الياءُ لكثرةِ الاستعمالِ وعُوِّضَ عنها الميمُ للدّلالةِ عليها، وأُخِّرت للبَدَاءة باسم الله، وجُعلت ميماً للإشارة إلى جَمْعِ القلب على هذا الدُّعاءِ؛ لأن الميم تدلُّ على الجَمْعِ.


    وقوله: «اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» الذي يقول: «اللَّهُمَّ اهْدِني» هو المنفردُ، أما الإمام فيقول: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا» وقد رُوي عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أمَّ قوماً فَخَصَّ نفسَه بالدُّعاءِ فقد خَانَهم» لأنَّه إذا دعا الإمامُ فقال: «اللَّهُمَّ اهْدِني» والمأمومون يقولون: آمين؛ صار الدُّعاءُ له، والمأموم ليس له شيء، إلا أنه يؤمِّنُ على دُعاءِ الإمامِ لنفسِهِ، وهذا نوعُ خِيانةٍ.

    وقوله: «اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيتَ» أي: في جُمْلة مَنْ هديتَ، وهذا فيه نوعٌ مِن التوسُّلِ بفِعْلِ الله سبحانه وتعالى، وهو هدايتُه مَنْ هَدى، فكأنَّك تتوسَّلُ إلى الله الذي هَدى غيرَك أنْ يهديَكَ في جُملتِهم، كأنَّكَ تقول: كما هَديتَ غيري فَاهْدِني.
    والهداية هنا يُرادُ بها: هدايةُ الإرشاد، وهدايةُ التوفيق.
    فهدايةُ الإرشادِ: ضِدّها الضَّلالُ.
    وهدايةُ التوفيقِ: ضِدُّها الغَيُّ.
    فأنت إذا قلتَ: «اللَّهُمَّ اهْدِني» تسألُ الله سبحانه وتعالى الهِدايتين: هدايةَ الإرشادِ وذلك بالعِلْمِ، وهدايةَ التوفيقِ وذلك بالعمل؛ لأنه ليس كلُّ مَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وليس كلُّ مَنْ عَمِلَ يكون عملُه عن عِلْمٍ وتمامٍ، فالتَّوفيقُ أن تعلَمَ وتعمَلَ.

    قوله: «وعافني فيمن عافيت» أي: في جُملةِ مَنْ عافيتَ، وهذا ـ كما قلتُ آنفاً ـ مِنَ التَّوسُّلِ إلى الله تعالى بفِعْلِه في غيرِك، فكأنَّكَ تقول: كما عافيتَ غيري فعافِني. والمعافاة: المُراد بها المعافاةُ في الدِّين والدُّنيا، فتشملَ الأمرين: أنْ يعافيكَ مِنْ أسقام الدِّين، وهي أمراضُ القلوب التي مدارُها على الشَّهوات والشُّبُهاتِ، ويعافيك من أمراضِ الأبدان، وهي اعتلال صِحَّةِ البَدَنِ.
    والإنسانُ مُحتاجٌ إلى هذا وإلى هذا، وحاجتُه إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ القلبِ أعظمُ مِن حاجتِهِ إلى المُعافاةِ مِن مَرَضِ البَدَنِ.
    ولهذا؛ يجبُ علينا أنْ نُلاحِظَ دائماً قلوبَنَا، وننظُرَ: هل هي مريضةٌ أو صحيحةٌ؟ وهل صَدِئتْ أو هي نظيفةٌ؟ فإذا كنت تنظِّفُ قلبَكَ دائماً في معاملتِكِ مع الله، وفي معاملتِكِ مع الخَلْقِ؛ حَصَّلتَ خيراً كثيراً، وإلا؛ فإنَّكَ سوف تَغْفُلُ، وتَفْقِدُ الصِّلةَ بالله، وحينئذٍ يَصْعُبُ عليكَ التراجعُ.
    فحافظْ على أنْ تُفتِّشَ قلبَكَ دائماً، فقد يكون فيه مَرَضُ شُبْهةٍ أو مَرَضُ شهوةٍ، وكلُّ شيءٍ ولله الحمدُ له دَواءٌ، فالقرآن دواءٌ للشُّبُهاتِ والشَّهواتِ، فالترغيبُ في الجَنَّةِ والتحذيرُ مِن النَّارِ دواءُ الشَّهواتِ.
    وأيضاً: إذا خِفْتَ أنْ تميلَ إلى الشَّهواتِ في الدُّنيا التي فيها المُتْعَةُ؛ فتذكَّرْ مُتْعَةَ الآخرة.
    ولهذا كان نبيُّنَا صلّى الله عليه وسلّم إذا رأى ما يعجِبُه مِن الدُّنيا قال: «لبيَّكَ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرةِ» فيقول: «لبيَّكَ» يعني: إجابةً لك، مِن أجلِ أنْ يكبَحَ جِمَاحَ النَّفْسِ؛ حتى لا تغترَّ بما شاهدت مِن مُتَعِ الدُّنيا، فَيُقبل على الله، ثم يوطِّن النَّفسَ ويقول: «إن العَيْشَ عَيْشُ الآخرة» لا عيشُ الدُّنيا. وصَدَقَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، والله؛ إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرةِ، فإنه عيشٌ دائمٌ ونعيمٌ لا تنغيصَ فيه، بخِلافِ عيشِ الدُّنيا فإنه ناقصٌ منغَّصٌ زائِلٌ.
    وأما دواءُ القُلوبِ مِن أمراضِ الشُّبُهَاتِ؛ فالقُرآنُ كلُّه بيانٌ وفُرقانٌ تزولُ به جميعُ الشُّبهاتِ، فكتابُ الله كلُّه مملوءٌ بالعِلْمِ والبيانِ الذي يزولُ به داءُ الشُّبهاتِ، ومملوءٌ بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ الذي يَزولُ به داءُ الشَّهواتِ، ولكنَّنا في غَفْلةٍ عن هذا الكتاب العزيز؛ الذي كلُّه خيرٌ، وكذلك ما في السُّنَّةِ المطهَّرَةِ الثابتةِ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.

    أما عافيةُ الأبدانِ، فَطِبُّهَا نوعان:
    النوع الأول : طِبٌّ جاءت به الشَّريعةُ، فهو أكملُ الطِّبِّ وأوثقُهُ؛ لأنه مِن عند الله الذي خَلَقَ الأبدانَ؛ وعَلِمَ أدواءَها وأدويتَها، والطِّبُّ الذي جاءت به الشريعة ضربان:
    الأول : طب مادي، كقول الله تعالى في «النحل»: {{يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}} وكقول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الحَبَّةِ السَّوداءِ «إنها شفاء من كل داء إلا السام» يعني: الموتَ، وكقوله صلّى الله عليه وسلّم في الكَمْأَةِ: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُهَا شِفاءٌ للعَيْنِ» وأمثالُ ذلك، وكلُّ هذا طِبٌّ ماديٌّ قرآنيٌّ ونبويٌّ.
    الضرب الثاني : طِبٌّ معنويٌّ رُوحيٌّ: وذلك بالقِراءة على المَرضى، وهذا قد يكون أقوى وأسرعَ تأثيراً، انظر إلى رُقيَةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمَرضَى، تَجِدُ أنَّ المريضَ يُشفى في الحَالِ، فإنَّه لما قال في يوم خيبر: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ غداً رَجلاً يَفْتحُ اللهُ على يَدَيْه، يُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ» باتَ النَّاسُ تلك الليلة يخوضون في هذا الرَّجُلِ؟ فلما أصبحوا غَدَوا إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كلُّ واحدٍ متشوِّفٍ لها؛ لأنه سوف ينالُ هذا الوصف، وهو أنَّه «يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه» فقال: أين عليُّ بنُ أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه، فدعا به فجيء به فبصَقَ في عينيه، ودعا له فبَرِىءَ في الحال؛ كأنْ لم يكن به أثرٌ؛ فأعطاه الرَّايةَ.
    وكذلك أيضاً في قِصَّةِ السَّرِيَّةِ الذين استضافوا قوماً فلم يُضيِّفُوهم فتنحُّوا ناحيةً، فقدَّرَ اللهُ عزّ وجل أنْ تلدغَ عقربٌ زعيمَ هؤلاء القومِ الذين أَبَوا أن يضيِّفُوا الصَّحَابة، فلما لُدِغَ قالوا: مَنْ يرقي؟ قال بعضُهم لبعضٍ: انظروا الجماعةَ ـ الذين نزلوا عليكم ضيوفاً، ولم تضيِّفوهم ـ لعلَّ فيهم قارئاً، فذهبوا إليهم، فقالوا: نعم؛ فينا مَنْ يقرأُ، لكن لقد استضفناكم فلم تضيِّفُونا؛ فما نقرأُ عليكم إلا بجُعْلٍ، فجعلوا لهم قطيعاً مِنَ الغَنَمِ، فذهب أحدُهم يَتْفُلُ؛ ويقرأ على هذا اللَّديغِ سورةَ الفاتحة فقط يكرِّرُها، فقامَ اللَّديغُ الذي لدغته عقربٌ كأنما نَشِطَ من عِقَالٍ، فلما غدوا إلى رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبروه فقال للقارئ: «وما يُدْرِيكَ أَنَّها رُقيةٌ» . وهذا طِبٌّ نبويٌّ، لكنَّه معنويٌّ بالقِراءة، وما أكثرُ الذين نشاهدهم ونسمعُ بهم يُؤثِّرونَ تأثيراً بالغاً في المرضى، أشدَّ من تأثير الطِّبِّ الماديِّ الذي يُدركُ بالتَّجاربِ.
    النوع الثاني : طِبٌّ ماديٌّ يُعرفُ بالتَّجاربِ، وهو ما يكون على أيدي الأطبَّاءِ، سواء درسوا في المدارس الرَّاقيةِ وعرفوا، أو أخذوه بالتَّجارب، لأنه يوجد أُناسٌ من عامَّة النَّاس يُجْرُون تَجَارِبَ على بعض الأعشاب، ويحصُل منها فائدةٌ، ويكونون بذلك أطبَّاءَ بدون دراسة؛ لأن هذا يُدرك بالتَّجَاربِ.

    - تابع -
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  12. #152
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي

    قوله: «وتولني فيمن توليت» هل هي من «الوَلي» بفتح الواو، وسكون اللام مخفَّفة، بمعنى القُرب. أو هي من التَّولِّي بمعنى الولاية والنُّصرة. أو هي منهما جميعاً؟
    الجواب : هي منهما جميعاً، فعلى المعنى الأوَّل: اجعلني قريباً منك، كما يُقال: وليَ فلانٌ فلاناً، وقال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «ليلنِي منكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهَى» أي: مِنَ الوَلْي، وهو القُرْبُ.
    وعلَى المعنى الثاني: اعْتَنِ بي فكن لي وَلِيًّا وناصراً ومعيناً لي في أموري، فيشمَل الأمرين، وإنْ كان المُتبادر إلى الذِّهن أنه مِنَ الموالاة وهي النُّصرةِ.
    والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصَّة؛ لأنَّ الولايةَ العامَّةَ شاملةٌ لكلِّ أحدٍ مؤمنٍ وكافرٍ؛ بَرٍّ وفاجرٍ، فكلُّ أحدٍ فاللهُ تعالى مولاه، قال الله تعالى: {{ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ *}} فقوله: {{رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ}} يشمَلُ كلَّ مَنْ ماتَ مِن مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، وهذه هي الوِلاية العامَّة؛ لأن الله يتولَّى شؤون جميع الخَلْقِ.
    أما الوِلاية الخاصَّة فهي المذكورة في قوله تعالى: {{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا}} وفي قوله: {{أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *}} والسَّائل الذي قال: «تولَّني فِيمَنْ تولَّيتَ» يريد الولاية الخاصَّة.

    قوله: «وبارك لي فيما أعطيت» أي: أنزل البركةَ لي فيما أعطيتني مِنَ المال، والعِلْمِ، والجاه، والولد، ومِنْ كُلِّ ما أعطيتني {{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}} إذاً؛ باركْ لي في جميع ما أنعمتَ به عليَّ، وإذا أنزل اللهُ البركةَ لشخص فيما أعطاه صار القليلُ منه كثيراً، وإذا نُزعت البركةُ صار الكثيرُ قليلاً، وكم مِن إنسانٍ يجعلُ اللهُ على يديه مِنَ الخير في أيامٍ قليلة ما لا يجعلُ على يدِ غيرِه في أيَّام كثيرةٍ؟، وكم مِن إنسانٍ يكون المالُ عنده قليلاً لكنه متنعِّمٌ في بيته، قد بارك اللهُ له في مالِهِ، ولا تكون البركةُ عند شخصٍ آخرَ أكثرَ منه مالاً؟ وأحياناً تُحِسُّ بأن الله باركَ لك في هذا الشيء بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلةً.

    قوله: «وقِنِي شَرَّ ما قضيتَ» ما قَضَاهُ الله عزّ وجل قد يكون خيراً، وقد يكون شرًّا، فما كان يُلائمُ الإنسانَ وفِطرتَه فإن ذلك خير، وما كان لا يُلائِمه فذلك شرٌّ، فالصِّحَّةُ والقوةُ والعِلْمُ والمالُ والولدُ الصَّالحُ وما أشبه ذلك خير، والمَرَضُ والجهل والضَّعف والولد الطالحُ وما أشبه ذلك شرٌّ؛ لأنه لا يُلائم الإنسانَ.
    وقوله: «ما قضيت» «ما» هنا بمعنى الذي، أي: الذي قضيتُه، ويجوز أن تكون مصدريَّة، أي: شَرَّ قضائِكَ.
    والمراد: قضاؤه الذي هو مقضيَّه؛ لأن قضاءَ الله الذي هو فِعْلُه كلُّه خير. وإنْ كان المقضيُّ شرًّا؛ لأنه لا يُراد إلا لحكمةٍ عظيمةٍ، فالمرضُ مثلاً قد لا يَعرفُ الإنسانُ قَدْرَ نِعمة الله عليه بالصِّحَّة إلا إذا مَرِضَ، وقد يُحْدِثُ له المرضُ توبةً ورجوعاً إلى الله، ومعرفةً لِقَدْرِ نفسِهِ، وأنه ضعيفٌ، ومُحتاجٌ إلى الله عزّ وجل، بخلاف ما لو بقيَ الإنسانُ صحيحاً معافى، فإنه قد ينسى قَدْرَ هذه النِّعمة، ويفتخرُ كما قال الله تعالى: {{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ *وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ *}} [هود] .

    فإن قال قائلٌ: كيف نجمعُ بين قوله: «قِني شرَ ما قضيتَ» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «والشرُّ ليس إليكَ» ؟.

    فالجواب عن ذلك : أنَّ الشَّرَّ لا يُنسب إليه تعالى؛ لأن ما قضاه وإنْ كان شرًّا فهو خير، بخلاف غيره، فإن غيرَ الله رُبَّما يقضي بالشَّرِّ لشرٍّ محضٍ، فربما يعتدي إنسانٌ على مالكَ أو بدنكَ أو أهلكَ لقصد الشَّرِّ والإضرار بك، لا لقصدِ مصلحتِكَ، وحينئذٍ يكون فِعْلُهُ شرًّا محضاً.
    وفي قوله: «ما قضيتَ» إثباتُ القضاءِ لله.
    وقضاءُ الله: شرعيٌّ، وقَدَريٌّ.
    فالشَّرعيُّ مثل قوله تعالى: {{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}}
    والقدريُّ مثل قوله تعالى: {{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا *}}
    والفَرْقُ بينهما مِن وجهين:
    الوجه الأول : أنَّ القضاءَ الكونيَّ لا بُدَّ مِن وقوعِهِ، وأما القضاءُ الشَّرعيُّ فقد يقع مِن المقضيِّ عليه وقد لا يقعُ.
    الوجه الثاني : أنَّ القضاءَ الشَّرعيَّ لا يكون إلا فيما أحبَّه الله، سواءٌ أحبَّ فِعْلَه أو أحبَّ تَرْكَهُ، وأما القضاءُ الكونيُّ فيكون فيما أحبَّ وفيما لم يحبَّ:
    وقوله: «ما قضيت» يشمَلُ ما قضاه مِن خيرٍ وشرٍّ.

    فإن قيل: وهل في الخير من شرٍّ؟

    فالجواب: نعم؛ قد يكون فيه شرٌّ، فتكون النِّعَمُ سبباً للأَشَرِ والبَطَرِ؛ فتنقلبُ شرًّا، فكم من إنسانٍ كان مستقيماً؛ أنعمَ اللهُ عليه، فحملته النِّعَمُ على الاستكبار عن الحقِّ وعلى الخَلْقِ فهَلك. واقرأْ قول الله تعالى: {{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}}.

    قوله: «إنكَ تَقضي ولا يُقضى عليك» فالله سبحانه وتعالى يَقضي بما أرادَ، ولا أحدٌ يَقضي على الله ويَحكمُ عليه، قال الله تعالى: {{وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *}} .
    قوله: «إِنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ» أي: لا يلْحَقُ مَنْ واليتَهُ ذُلٌّ وخُذلان، والمراد: الولاية الخاصَّة المذكورة في قوله تعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.

    قوله: «ولا يَعِزُّ مَنْ عاديت» أي: لا يَغلِبُ مَنْ عاديته، بل هو ذليلٌ؛ لأَنَّ مَنْ والاه الله فهو منصورٌ، كما قال الله تعالى: {{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ *}} وقال الله تعالى: {{وَلَيَنْصُرَنّ َ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}{الَّذِي نَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ *}} وأمَّا مَنْ عاداه اللهُ فهو ذليلٌ؛ لأنَّ الله إذا نَصَرَ أولياءَه فعلى أعدائه. إذاً؛ فالعِزُّ للأولياءِ، والذُّلُّ للأعداء.

    فإنْ قال قائلٌ: هل هذا على عُمُومِهِ، لا يَذِلُّ مَنْ وَالاه الله، ولا يَعِزُّ مَنْ عاداه؟

    فالجواب: ليس هذا على عُمُومه، فإنَّ الذُّلَّ قد يعرِضُ لبعض المؤمنين، والعِزُّ قد يعرِضُ لبعض المشركين، ولكنَّه ليس على سبيل الإدالة المطلقة الدَّائمة المستمرَّة، فالذي وقع في أُحُدٍ للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابِهِ لا شَكَّ أنَّ فيه عِزًّا للمشركين، ولهذا افتخروا به فقالوا: يومٌ بيومِ بَدْرٍ، والحربُ سِجَالٌ ، ولا شَكَّ أنه أصابَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابَه من الجراح والضَّعف ما لم يسبق مِن قبلُ، ولكن هذا شيءٌ عارضٌ ليس عِزًّا دائماً مطَّرِداً للمشركين، وليس ذُلًّا للمؤمنين على وجه الدَّوام والاستمرار، وهذا فيه مصالح عظيمة كثيرة ذَكَرَها اللهُ تعالى في سورة «آل عمران»، واستوعبَ الكلامَ عليها ابنُ القيم رحمه الله في «زاد المعاد» في فِقْهِ هذه الغزوة، وذَكَرَ فوائدَ عظيمةً مِن هذا الذي حصَل للنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.
    إذاً؛ فقوله: «لا يذلُّ مَنْ واليتَ ولا يَعِزُّ مَنْ عَاديتَ»، لنا أنْ نقول: هذا ليس على عُمُومه، ويُخصَّص بالأحوال العارضة، ولنا أن نقول: إنه عامٌّ؛ باقٍ على عُمُومه لا يُخصَّص منه شيء، لكنه عامٌّ أُريد به الخُصوص، يعني: أنَّ المراد: لا يَذِلُّ ذُلًّا دائماً، ولا يَعِزُّ عِزًّا دائماً.

    قوله: «تباركت رَبَّنَا» التقدير: تباركتَ يا رَبَّنَا، والبركة: كثرةُ الخير وسعته. مشتقٌّ من «بِرْكَةَ الماء» وهي حوض الماء الكبير ومعنى التَّبارك في الله عزّ وجل: أنه سبحانه وتعالى عظيمُ البَركة واسعها، ومنزِّلُ البَرَكة، وأن بذِكْرِه تحصُلُ البَرَكةُ، وباسمِهِ تحصُلُ البركةُ، ولذلك نجد أن الرَّجُل لو قال على الذَّبيحة: «بسم الله» صارت حلالاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صارت حراماً، ولو قال: «بسم الله» على وُضُوئه صار صحيحاً، ولو لم يقل: «بسم الله» صار غيرَ صَحيح عند كثير من أهل العِلْمِ.
    وإنْ كان الصَّحيح أنَّ التَّسمية في الوُضُوء لا تجب، لكن على القول بأنها واجبة إذا تَركَها عمداً لم يصحَّ وُضُوؤه .
    وقوله: «رَبَّنَا» أي: يا ربَّنا، وحُذِفَت «ياء النداء» لسببين:
    1 ـ لكثرة الاستعمال.
    2 ـ وللتَّبرُّك بالبَدَاءَة باسم الله عزّ وجل.
    وقوله: «رَبَّنا» اسم من أسماء الله: يأتي مضافاً أحياناً كما هنا وكما في قوله تعالى: {{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}} ويأتي غير مضاف مُحَلاًّ بأل؛ مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فأمَّا الرُّكوع فَعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «السِّواك مطهرةٌ للفَمِ مرضاةٌ للرَّبِّ» .

    قوله: «تعاليت» من التَّعالي وهو العُلو، وزِيدت التَّاء للمبالغة في عُلوه.

    وعُلوُّ الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: عُلوِّ الذِّات، وعُلوِّ الصِّفَة.
    فأما عُلوُّ الذَّات فمعناه: أنَّ الله نَفْسَهُ فوقَ كُلِّ شيء.
    وأمَّا عُلوُّ الصِّفة فمعناه: أنَّ الله تعالى موصوفٌ بكلِّ صفاتٍ عُليا...


    المصدر : الشرح الممتع الجزء الرابع
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  13. #153
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي

    قوله: «أعوذ برضاك مِن سَخَطك» هذا من باب التَّوسُّل برضاء الله أنْ يُعيذك مِن سَخَطِهِ، فأنت الآن استجرت مِن الشَّيء بضدِّه، فجعلت الرِّضاءَ وسيلةً تتخلَّصُ به من السُّخط.

    قوله: «وبعفوك مِن عقوبتك» الحديث: «وبمعافاتك من عقوبتك».
    والمعافاة هي: أنْ يعافيكَ اللهُ مِن كُلِّ بَلِيَّة في الدِّين، أو في الدُّنيا، وضِدُّ المعافاة: العقوبةُ، والعقوبةُ لا تكون إلا بذَنْبٍ، وإذا استعذت بمعافاة الله مِن عقوبته، فإنك تستعيذُ مِن ذنوبك حتى يعفوَ اللهُ عنك، إما بمجرَّدِ فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التَّوبة.
    والتعوُّذ بالرضا من السُّخط، وبالمعافاة مِن العقوبة، تعوُّذ بالشيء مِن ضِدِّه، كما أن معالجة الأمراض تكون بأدوية تضادُّها.

    قوله: «وبك منك» لا يمكن أن تستعيذ مِنَ الله إلا بالله، إذ لا أحدَ يُعيذك مِن اللهِ إلا اللهُ، فهو الذي يُعيذني مما أرادَ بي مِن سوءٍ، ومعلومٌ أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يريد بك سوءاً، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله، وأنَّ الإنسان يُقِرُّ بقلبه ولسانِهِ أنه لا مرجعَ له إلا رَبُّهُ سبحانه وتعالى.

    قوله: «لا نحصي ثناء عليك» أي: لا نُدْرِكُهُ، ولا نبلغُه، ولا نصلُ إليه.
    والثناء هو: تَكْرَارُ الوصف بالكمال، ودليلُ ذلك: قوله تعالى في الحديث القُدسيِّ: «إذا قال العبدُ: الحمدُ لله رَبِّ العالمين. قال اللهُ تعالى: حَمَدَني عبدي. وإذا قال العبدُ: الرَّحمن الرحيم. قال اللهُ تعالى: أثنى عَلَيَّ عبدي» فلا يمكن أن تُحصي الثناءَ على الله أبداً، ولو بقيت أبد الآبدين، وذلك لأن أفعال الله غير محصورة، وكلُّ فعلٍ مِن أفعال الله فهو كمالٌ، وأقوالُه غيرُ محصورة، وكلُّ قولٍ من أقواله فهو كمالٌ، وما يدافع عن عباده أيضاً غير محصور. فالثناءُ على الله لا يمكن أنْ يَصِلَ الإنسانُ منه إلى غاية ما يجب لله مِنَ الثَّناء؛ مهما بلغ مِنَ الثَّناء على الله.
    وغايةُ الإنسان أنْ يعترفَ بالنَّقص والتقصيرِ، فيقول: «لا أُحصِي ثناءً عليكَ؛ أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك» أي: أنت يا رَبَّنَا كما أثنيت على نفسِكَ، أمَّا نحنُ فلا نستطيع أنْ نحصيَ الثَّناءَ عليك. وفي هذا مِنَ الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهرٌ معلومٌ.

    قوله: «اللهم صل على محمد» أي: يختم الدُّعاء بالصَّلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن ذلك مِنْ أسباب الإجابةِ؛ كما يُروى ذلك في حديثٍ فيه مقال: أنَّ الدُّعاءَ موقوفٌ بين السَّماء والأرض حتى تُصلِّي على نَبيِّكِ.
    وظاهرُ كلامِ المؤلِّف : الاقتصارُ على هذا الدُّعاء. ولكن لو زاد إنسانٌ على ذلك فلا بأس، لأنَّ المقامَ مقامُ دُعاءٍ، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنتُ بلعن الكافرين، فيقول: اللَّهُمَّ الْعَن الكفرة» وفي هذا ما يدلُّ على أن الأمر في ذلك واسع.
    وأيضاً: لو فُرِضَ أنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يدعوَ بهذا الدُّعاءِ؛ فله أنْ يدعوَ بما يشاء مما يحضره. ولكن إذا كان إماماً فلا ينبغي أن يطيلَ الدُّعاء بحيث يشقُّ على مَن وراءَه أو يملُّهم، إلا أن يكونوا جماعة محصورةً يرغبون ذلك.
    وصلاةُ اللهِ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: الثناءُ عليه في الملأ الأعلى. أي: أن الله تعالى يُبيِّنُ صفاته الكاملة عند الملائكة. هكذا نُقل عن أبي العالية رحمه الله.

    قوله: «وعلى آل محمد» آله: أتباعُه على دِيْنِهِ؛ لقوله تعالى: {{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}} [غافر: 46] أي: أتباعه على دِيْنِهِ. فإن قيل: وعلى آلِهِ وأتباعِهِ، صار المرادُ بالآل المؤمنين مِن أهل بيته، وأمَّا غيرُ المؤمنين فليسوا مِن آلِهِ، وقد قال الشَّاعرُ مبيِّناً أنَّ المرادَ بالآل الأتباع:
    آلُ النَّبيِّ همو أتباعُ مِلَّتِهِ
    مِن الأعاجم والسُّودان والعَرب
    لو لم يكن آلهُ إلا قرابتُه
    صَلَّى المصلِّي على الطَّاغي أبي لهب

    قوله: «ويمسح وجهه بيديه» . ظاهرُ كلام المؤلِّف : أنَّه سُنَّة، أي: أنَّ مَسْحَ الوجه باليدين بعد دُعاء القُنُوت سُنَّة.
    ودليل ذلك: حديث عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رَفَعَ يديه لا يردُّهما حتى يمسح بهما وجهَهُ. لكن هذا الحديث ضعيف، والشَّواهد التي له ضعيفة، ولهذا رَدَّ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية هذا القول، وقال: إنه لا يمسحُ الدَّاعي وجهه بيديه؛ لأن المسحَ باليدين عبادة تحتاج إلى دليل صحيح، يكون حُجَّةً للإنسان عند الله إذا عمل به، أما حديث ضعيف فإنه لا تثبت به حُجَّة، لكن ابن حَجَر في «بلوغ المرام» قال: «إن مجموع الأحاديث الشاهدة لهذا تقضي بأنه حديث حسن».
    فَمَن حَسَّنَه كان العملُ بذلك سُنَّة عنده، ومَن لم يُحَسِّنُه بل بقي ضعيفاً عنده كان العملُ بذلك بدعة، ولهذا كانت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة:
    القول الأول : أنه سُنَّة.
    القول الثاني : أنه بدعة.
    القول الثالث : أنه لا سُنَّة ولا بدعة، أي: أنَّه مباح؛ إنْ فَعَلَ لم نُبدِّعه، وإنْ تَرَك لم نُنقِصْ عَمَله.
    والأقرب: أنه ليس بسُنَّة؛ لأنَّ الأحاديثَ الواردة في هذا ضعيفة، ولا يمكن أنْ نُثبتَ سُنَّة بحديث ضعيف، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن فيه أحاديث كثيرة في «الصحيحين» وغيرهما تثبت أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يدعو ويرفع يديه ولا يمسحُ بهما وجهه، ومثل هذه السُّنَّة التي تَرِدُ كثيراً؛ وتتوافر الدَّواعي على نَقْلِها إذا لم تكن معلومةً في مثل هذه المؤلَّفات المعتبرة كالصحيحين وغيرهما، فإن ذلك يَدلُّ على أنها لا أصل لها.
    وعلى هذا؛ فالأفضل أنْ لا يمسح، ولكن لا نُنكرُ على مَن مَسَحَ اعتماداً على تحسين الأحاديثِ الواردة في ذلك؛ لأنَّ هذا مما يختلف فيه النَّاسُ.

    قوله: «ويُكره قنوته» أي: المصلِّي، والمراد: القُنُوت الخاصّ لا مطلق الدُّعاء، فإنَّ الدُّعاء في الصَّلاة مشروع في مواضعه.

    قوله: «في غير الوتر» يشمَلُ القُنُوت في الفرائضِ، والرَّواتبِ، وفي النَّوافل الأُخرى، فكلُّها لا يَقْنُتُ فيها مهما كان الأمرُ؛ وذلك لأنَّ القُنُوتَ دُعاءٌ خاصٌّ في مكانٍ خاصٍّ في عبادةٍ خاصَّةٍ، وهذه الخصوصيات الثلاث تحتاج إلى دليل، أي: أنها لا تدخل في عموم استحباب الدُّعاء، فلو قال قائل: أليس القُنُوت دُعاء فليكن مستحبًّا؟..
    فالجواب : نقول: هو دعاءٌ خاصٌّ في مكان خاصٍّ في عبادة خاصَّة، ومثل هذا يحتاج إلى دليل، فإنَّ الشيءَ الذي يُستحبُّ على سبيل الإطلاق لا يمكن أنْ تجعله مُستحبًّا على سبيل التَّخصيص والتقييد إلا بدليل. ولهذا لو قال قائل: سأدعو في ليلةِ مولدِ الرَّسولِ صلواتٍ على الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بأدعية واردة جاءت بها السُّنَّةُ؟
    قلنا: لا تفعلْ؛ لأنك قيَّدت العامَّ بزمنٍ خاصٍّ، وهذا يحتاج إلى دليل، فليس كُلُّ ما شُرع على سبيل العُموم يمكن أنْ نجعله مشروعاً على سبيل الخُصوص.
    ومِن ثَمَّ قلنا: إنَّ دُعاء خَتْمِ القرآن في الصَّلاة لا شَكَّ أنه غير مشروع؛ لأنه وإنْ وَرَدَ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يجمعُ أهلَه عند خَتْمِ القُرآن ويدعو ، فهذا خارجُ الصَّلاة، وفَرْقٌ بين ما يكون خارجَ الصلاة وداخلها، فلهذا يمكن أنْ نقول: إنَّ الدُّعاء عند خَتْمِ القرآن في الصَّلاة لا أصلَ له، ولا ينبغي فِعْلُه حتى يقومَ دليلٌ مِن الشَّرعِ على أنَّ هذا مشروعٌ في الصَّلاة.

    قوله: «إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة...» هذه الجملة استثناء من قوله: «ويُكره قُنُوتُهُ في غير الوِتْرِ» . والنَّازلة: هي ما يحدث من شدائد الدَّهر.

    قوله: «غير الطَّاعون» الطَّاعون: وباءٌ معروف فَتَّاكٌّ مُعْدٍ، إذا نَزَلَ بأرضٍ فإنه لا يجوز الذَّهابُ إليها، ولا يجوز الخُروجُ منها فِراراً منه؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سَمعتُم به في أرضٍ فلا تَقْدَمُوا عليها، وإنْ وَقَعَ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فِراراً منه» وهذا الطَّاعون ـ نسأل الله العافية ـ إذا نَزَلَ أهلك أُمماً كثيرة، كما في «طاعون عَموَاس» الذي وقع في الشَّام، في عهد عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه.

    وهذا النَّوع من الوباء إذا نَزَلَ بالمسلمين فقد اختلف العُلماءُ رحمهم الله هل يُدعى بِرَفْعِهِ أم لا؟
    فقال بعضُ العلماءِ : إنه يُدْعَى برَفْعِهِ؛ لأنَّه نازلةٌ مِن نوازل الدَّهر، وأيُّ شيءٍ أعظمُ مِن أنْ يُفني هذا الوباءُ أمَّةَ محمَّدٍ، ولا مَلجأ للنَّاس إلا إلى الله عزّ وجل، فيدعون الله ويسألونه رَفْعَهُ.
    وقال بعضُ العلماءِ: لا يُدعَى برَفْعِهِ. وعلَّل ذلك: بأنه شهادة، فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر: «بأنَّ المَطْعُونَ شَهيدٌ» قالوا: ولا ينبغي أنْ نَقْنُتَ مِن أجْلِ رَفْعِ شيءٍ يكون سبباً لنا في الشَّهادة، بل نُسَلِّمُ الأمرَ إلى الله، وإذا شاء اللهُ واقتضت حكمتُه أنْ يرفعَه رَفَعَهُ، وإلا أبقاه، ومَن فنيَ بهذا المرض فإنَّه يموت على الشَّهادة التي أخبر عنها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.

    قوله: «فيقنُتُ الإمامُ في الفرائض» . «فيقنتُ» برفع الفعل استئنافاً، أي: إلا أنْ تَنْزِلَ فحينئذٍ يقنتُ الإمامُ في الفرائض، ولم يبيّن المؤلِّفُ حُكْمَ هذا القُنُوتِ، لكنه استثناه مِن الكراهة، وإذا استُثْنِيَ مِن الكراهة، وثبت فعلُه في الصَّلاة فإنه يكون مستحبًّا، لأنه إذا ثبت فعلُه في الصَّلاة لَزِمَ أنْ يكون مِن أذكار الصَّلاة وحينئذٍ يكون مستحبًّا.
    وعلى هذا؛ فقول المؤلِّفِ: «فيقنتُ الإمامُ» أي: استحباباً، وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ هذا القُنُوت ليس بواجب، لكن الأفضل أنْ يقنتَ الإمامُ.
    وقوله: «الإمام» مَنْ يعني بالإمام؟
    إذا أطلقَ الفقهاءُ «الإمامَ» فالمرادُ به: القائدُ الأعلى في الدَّولة، فيكون القانتَ الإمامُ وحدَه، أما بقيَّة النَّاس فلا يقنتون، قالوا: لأنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم قَنَتَ عند النَّوازل ولم يأمر أحداً بالقنوت، ولم يقنتْ أحدٌ من المساجد في عهده صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأن هذا القنوت لأمر نزل بالمسلمين عامَّة، والذي له الولاية العامَّة على المسلمين هو الإمام فيختصُّ الحكم به، ولا يُشرع لغيره. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
    القول الثاني في المسألة : أنه يقنت كلُّ إمام.
    القول الثالث : أنه يقنت كلُّ مصلٍّ، الإمام والمأموم والمنفرد.
    والأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدلَّ بعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصَلِّي» وهذا العمومُ يشمَلُ ما كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الاستمرار، وما يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الحوادث النَّازلةِ، فيكون القنوتُ عند النَّوازِلِ مشروعاً لكلِّ أحد.
    ولكن الذي أرى في هذه المسألة: أنْ يُقتصرَ على أَمْرِ وليِّ الأمْرِ، فإن أَمَرَ بالقُنُوتِ قنتنا، وإن سكتَ سكتنا، ولنا ـ ولله الحمد ـ مكانٌ آخر في الصَّلاة ندعو فيه؛ وهو السُّجودُ والتَّشَهُّدُ، وهذا فيه خيرٌ وبَرَكَةٌ، فأقرب ما يكون العبدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجد، لكن؛ لو قَنَتَ المنفردُ لذلك بنفسه لم نُنْكر عليه؛ لأنه لم يخالف الجماعة.
    وقوله: «يقنتُ الإمامُ في الفرائض» ليس المراد أنْ يدعو بدعاء القُنُوتِ الذي عَلَّمه الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم الحَسَن، بل يقنتُ بدُعاءٍ مناسبٍ للنَّازلة التي نزلت، ولهذا كان الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم يدعو في هذا القُنُوتِ بما يناسب النَّازلة ، ولا يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ اهْدِني فيمن هَديت» كما يفعله بعضُ العامَّة، ولم يَرِدْ عن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أبداً لا في حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقول: «اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيت» في الفرائض، إنما يدعو بالدُّعاء المناسب لتلك النَّازلة، فمرَّةً دعا صلّى الله عليه وسلّم لقوم مِن المستضعفين أنْ ينجِّيهم اللهُ عزّ وجل حتى قدموا.
    ورُويَ أنه قَنَتَ مِن النصف مِن رمضان؛ حتى صَبيحة يوم العيد، حيث قدموا في صَبيحة يوم العيد، فيكون مدَّةُ قنوتِه لهم خمسةَ عَشَرَ يوماً.
    وقَنَتَ على قوم دعا عليهم، على رِعْل وذَكْوان وعُصَيَّة شهراً كاملاً فقيل: إنهم قدموا مسلمين تائبين فأمسك.
    ودعا على قوم معيَّنين باللعن فقال: اللهم الْعَنْ فلاناً وفلاناً حتى نَزَلَ قولُه تعالى: {{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ}} [آل عمران: 128 ] فأمسك فصار دعاء النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالقُنُوتِ دُعاءً مناسباً، وعلى قَدْرِ الحاجة، ولم يستمرَّ.
    وقوله: «في الفرائض» «أل» دخلت على جَمْعٍ فتفيد العمومَ، أي: في الفجر والظُّهر والعَصر والمَغرب والعِشاء، وليس خاصًّا بصلاة الفجر، بل في كُلِّ الصَّلوت، هكذا صَحَّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قَنَتَ في جميع الصَّلوات.
    واستثنى بعضُ العلماءِ الجُمعةَ وقال: إنَّه لا يقنتُ فيها؛ لأن الأحاديثَ الواردةَ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قَنَتَ في الصَّلوات الخمسِ الفجرِ والظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ. ولم تذكر الجُمُعَةَ. والجُمُعَةُ صلاةٌ مستقلَّة لا تدخل في مُسَمَّى الظُّهر عند الإطلاق، ولهذا لا تُجمع العصرُ إليها فيما لو كان الإنسان مسافراً وصَلَّى الجُمُعَة، وهو يريد أن يمشي وأراد أنْ يجمعَ العصرَ إلى الجُمُعَةِ فلا يجوز، لأنها صلاةٌ من جنس آخر مستقلَّة.
    وعلَّلَ بعضُهم أيضاً ذلك: بأن الإمام يدعو في خُطبة الجُمُعَةِ دُعاءً عامًّا يؤمِّنُ النَّاسُ عليه، فيدعو لرفع النَّازلة في خُطبة الجُمُعة، ويُكتفى بهذا الدُّعاء عن القنوت في صلاة الجُمُعة.
    ويرى بعضُ أهلِ العِلم: أنَّه لا وجه للاستثناء، وإنَّما لم ينصَّ عليها في الأحاديث الواردة عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنها يومٌ واحد في الأسبوع فلهذا تُركت، ويدلُّ لهذا: أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم إذا ذكر الصَّلاة المفروضة لا يذكر إلا الصَّلوات الخمس؛ لأنها هي الرَّاتبة التي تَرِدُ على الإنسان في كُلِّ يوم، بخلاف الجُمُعة.
    فالظَّاهر: أنه يَقْنُتُ حتى في صلاة الجُمُعة.
    وإذا قلنا بالقُنُوت في الصَّلوات الخمس، فإنْ كان في الجهرية فَمِنَ المعلوم أنَّه يجهرُ به، وإنْ كان في السِّريَّة فإنه يجهر به أيضاً؛ كما ثبتت به السُّنَّةُ: أنه كان يقنتُ ويؤمِّنُ النَّاسُ وراءَه. ولا يمكن أن يؤمِّنُوا إلا إذا كان يجهرُ.
    وعلى هذا؛ فيُسَنُّ أنْ يجهرَ ولو في الصَّلاة السِّريَّة.

    مسألة : القُنُوت هل يكون قبل الرُّكوع، أو بعد الرُّكوع؟
    أكثرُ الأحاديث؛ والذي عليه أكثرُ أهل العِلم: أنَّ القُنُوتَ بعدَ الرُّكوع، وإن قَنَتَ قبل الرُّكوع فلا حَرَج، فهو مُخَيَّرٌ بين أنْ يركعَ إذا أكملَ القِراءة، فإذا رَفَعَ وقال: «ربَّنا ولك الحمدُ» قَنَتَ، كما هو أكثر الرِّوايات عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعليه أكثرُ أهل العِلم، وبين أنْ يقنتَ إذا أتمَّ القِراءة ثم يكبِّرُ ويركع، كلُّ هذا جاءت به السُّنَّةُ.
    (تنبيه) قول المؤلِّف رحمه الله: «إلا أن تنزل ما بالمسلمين نازلة» عُلم منه أنه إن نزلت بغير المسلمين نازلة لم يُقنت لها.



    الشرح الممتع ( 4 / 36 – 48 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  14. #154
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ لَحَّانٍ وَفَأْفَاءٍ وَنَحْوِهِ): فاللَّحَّان هو الذي يُلحن في القراءة.
    قال ابن فارس رحمه الله: اللَّامُ وَالْحَاءُ وَالنُّونُ لَهُ بِنَاءَانِ يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى إِمَالَةِ شَيْءٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَيَدُلُّ الْآخَرُ عَلَى الْفِطْنَةِ وَالذَّكَاءِ.
    فَأَمَّا اللَّحْنُ بِسُكُونِ الْحَاءِ: فَإِمَالَةُ الْكَلَامِ عَنْ جِهَتِهِ الصَّحِيحَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ؛ يُقَالُ: لَحَنَ لَحْنًا.
    وَهَذَا عِنْدَنَا مِنَ الْكَلَامِ الْمُوَلَّدِ؛ لِأَنَّ اللَّحْنَ مُحْدَثٌ، لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِطِبَاعِهِمُ السَّلِيمَةِ.
    وَمِنْهُ أَيْضًا: اللَّحْنُ: فَحْوَى الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَتَعْرِفَنّ هُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]؛ وَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ الْمُوَرَّى بِهِ الْمُزَالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِقَامَةِ وَالظُّهُورِ.
    وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: اللَّحَنُ: وَهِيَ الْفِطْنَةُ، يُقَالُ: لَحِنَ يَلْحَنُ لَحْنًا، وَهُوَ لَحِنٌ وَلَاحِنٌ.
    وَفِي الْحَدِيثِ: «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ»([1]).
    والمقصود هنا هو المعنى الأول؛ وهو إمالة الكلام عن جهته الصحيحة.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((تُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّانُ؛ الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِمَنْ لَا يَلْحَنُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ، فَإِنْ أَحَالَ الْمَعْنَى فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، لَمْ يُمْنَعْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ، وَلَا الِائْتِمَامِ بِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَهُ، فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُمَا([2])))اهـ.
    وأما الفأفاء فهو الذي يكرر الفاء. ونحوه؛ كالتمتام وهو الذي يكرر التاء.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَتُكْرَهُ إمَامَةُ التَّمْتَامِ - وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ - وَالْفَأْفَاءِ - وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ - وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِالْحُرُوفِ عَلَى الْكَمَالِ، وَيَزِيدَانِ زِيَادَةً هُمَا مَغْلُوبَانِ عَلَيْهَا، فَعُفِيَ عَنْهَا، وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُهُمَا؛ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ([3])))اهـ.
    قوله: (وَسُنَّ وُقُوفُ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ): أي: إن كانوا اثنين فأكثر؛ ودليل ذلك حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَأُصَلِّيَ لَكُمْ»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ([4]).
    وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ، قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ([5]).
    وجاز للمأمومين الوقوفُ عن جانبي الإمام؛ ودليل ذلك حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ، عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ كُنَّا أَطَلْنَا الْقُعُودَ عَلَى بَابِهِ، فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَاسْتَأْذَنَتْ لَهُمَا، فَأَذِنَ لَهُمَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ([6]).
    ولا يجوز للمأموم الوقوفُ أمام الإمام - إلا لضرورة - لأن ذلك لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي([7])».
    ولقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِه».
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((صَلَاةُ الْمَأْمُومِ قُدَّامَ الْإِمَامِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ:
    أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَصِحُّ مُطْلَقًا - وَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا تُكْرَهُ - وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ.
    وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا؛ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِمَا.
    وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْعُذْرِ دُونَ غَيْرِهِ؛ مِثْلَ مَا إذَا كَانَ زَحْمَةً فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ أَوِ الْجِنَازَةَ إلَّا قُدَّامَ الْإِمَامِ؛ فَتَكُونُ صَلَاتُهُ قُدَّامَ الْإِمَامِ خَيْرًا لَهُ مِنْ تَرْكِهِ لِلصَّلَاةِ.
    وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ؛ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَرْجَحُهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْوَاجِبَاتُ كُلُّهَا تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ؛ فَالْوَاجِبُ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ؛ وَلِهَذَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُصَلِّي مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنَ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَاللِّبَاسِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ([8])))اهـ.
    قوله: (وَالْوَاحِدِ عَنْ يَمِينِهِ وُجُوبًا): أي: لو كان المأموم واحدًا وجب عليه الوقوف عن يمين الإمام؛ فإن وقف عن يساره مع خلوِّ يمينه بطلت صلاته؛ ودليل ذلك حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ([9]).
    وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، المتقدم؛ وفيه: فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ([10]).
    قالوا: وهذا الفعل يدل على الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لمْ يُقرهما وهو في الصلاة؛ فكان بمثابة الأمر.
    فإن قيل: فلماذا لمْ ينسحب الحكم بالوجوب على صلاة الجماعة خلف الإمام، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع جابر وجبَّار مثل ما فعل مع ابن عباس؛ حيث أخذهما فدفعهما خلفه؟
    قلنا: لأن حديث جابر رضي الله عنه قد صُرف عن الوجوب بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه وقف بين علقمة والأسود.
    وفي رواية عن أحمد([11]) – وهو الصحيح، والله أعلم – أن وقوف المأموم عن يسار الإمام ولو مع خلوِّ اليمين سُنَّة مؤكدة ولا تَبطل به الصلاة.
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((وأكثرُ أهلِ العِلْمِ يقولون بصحَّةِ الصَّلاةِ عن يسار الإِمامِ مع خُلُوِّ يمينِهِ، وأنَّ كون المأمومِ الواحدِ عن يمين الإِمامِ إنَّما هو على سبيلِ الأفضليَّةِ، لا على سبيلِ الوجوبِ، واختار هذا القولَ شيخُنا عبدُ الرَّحمن بن سَعدي رحمه الله([12]).
    ودفعوا الاستدلالَ بحديثِ ابنِ عبَّاس: بأنَّ هذا فِعْلٌ مجرَّدٌ، والفِعلُ المجرَّدُ لا يدلُّ على الوجوبِ؛ هذه قاعدةٌ أصوليَّةٌ؛ (أنَّ فِعْلَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم المُجرَّدَ لا يدلُّ على الوجوبِ)؛ لأنَّه لو كان للوجوبِ لقالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ: (لا تَعُدْ لمثلِ هذا)؛كما قال ذلك لأبي بَكْرة حين رَكَعَ قبل أنْ يدخلَ في الصَّفِّ([13])))اهـ.



    [1])) ((معجم مقاييس اللغة)) (5/ 239، 240).

    [2])) ((المغني)) (2/ 146).

    [3])) السابق.

    [4])) متفق عليه: أخرجه البخاري (380)، ومسلم (658).

    [5])) أخرجه مسلم (3010).

    [6])) أخرجه مسلم (534)، وأبو داود (613).

    [7])) متفق عليه: أخرجه البخاري (7246)، ومسلم (674)، واللفظ للبخاري.

    [8])) ((مجموع الفتاوى)) (23/ 404، 405).

    [9])) متفق عليه: أخرجه البخاري (699)، ومسلم (763).

    [10])) أخرجه مسلم (3010).

    [11])) ذكرها برهان الدين ابن مفلح في ((المبدع شرح المقنع)) (2/ 92).

    [12])) انظر: ((المختارات الجلية)) للسعدي (48).

    [13])) ((الشرح الممتع)) (4/ 267).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #155
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    قوله: (وَمَنْ صَلَّى عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ أَوْ فَذًّا رَكْعَةً لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ): فأما صلاة المأموم عن يسار الإمام مع خلوِّ يمينه فقد تقدم الكلام عنها، وأنها تصح.
    وأما صلاة المأموم خلف الإمام أو خلف الصف فَذًّا وحده، فلا تصح؛ ودليل ذلك حديث عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَايَعْنَاهُ، وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّيْنَا وَرَاءَهُ صَلَاةً أُخْرَى، فَقَضَى الصَّلَاةَ، فَرَأَى رَجُلًا فَرْدًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْصَرَفَ، قَالَ: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ؛ فَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ([1])».
    وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ([2]).
    فدلَّ الحديثان على بُطلان صلاة المنفرد خلف الصف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعادة الصلاة، ولأن حديث شيبان فيه نفي لصلاة المنفرد؛ والقاعدة: (أن الأصل في النفي أنه نفي للصحة حتى يأتي صارف) ولا صارف هنا.
    إلا إذا كان الوقوف لعدم وجود مكان في الصف، فيجوز؛ للضرورة.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((قَوْلُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الصَّفِّ بِالْإِعَادَةِ وَقَالَ: ((لَا صَلَاةَ لِفَذِّ خَلْفَ الصَّفِّ))، وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَسَانِيدُهُم َا مِمَّا تَقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ؛ بَلِ الْمُخَالِفُونَ لَهُمَا يَعْتَمِدُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا هُوَ أَضْعَفُ إسْنَادًا مِنْهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ؛ بَلْ مَا فِيهِمَا هُوَ مُقْتَضَى النُّصُوصِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ سُمِّيَتْ جَمَاعَةً لِاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ فِي الْفِعْلِ مَكَانًا وَزَمَانًا؛ فَإِذَا أَخَلُّوا بِالِاجْتِمَاعِ الْمَكَانِيِّ أَوِ الزَّمَانِيِّ مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ تَخَلُّفًا كَثِيرًا لِغَيْرِ عُذْرٍ كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ غَيْرَ مُنْتَظِمِينَ؛ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَلْفَ هَذَا وَهَذَا خَلْفَ هَذَا كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ؛ بَلْ قَدْ أُمِرُوا بِالِاصْطِفَافِ ، بَلْ أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْوِيمِ الصُّفُوفِ وَتَعْدِيلِهَا وَتَرَاصِّ الصُّفُوفِ وَسَدِّ الْخَلَلِ وَسَدِّ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاصْطِفَافُ وَاجِبًا لَجَازَ أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ وَهَلُمَّ جَرَّا؛ وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ عِلْمًا عَامًّا أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ مَرَّةً، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلُوا الصَّفَّ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ؛ مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ هَذَا عَلَى هَذَا وَيَتَأَخَّرَ هَذَا عَنْ هَذَا لَكَانَ ذَلِكَ شَيْئًا قَدْ عُلِمَ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ؛ بَلْ إذَا صَلَّوْا قُدَّامَ الْإِمَامِ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ مِثْلِ هَذَا؛ فَإِذَا كَانَ الْجُمْهُورُ لَا يُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ قُدَّامَ الْإِمَامِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِ الِاصْطِفَافِ؟ فَقِيَاسُ الْأُصُولِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاصْطِفَافِ وَأَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ لَا تَصِحُّ كَمَا جَاءَ بِهِ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ هَذِهِ السُّنَّةُ مِنْ وَجْهٍ يَثِقُ بِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَقَدْ يَكُونُ ظَنَّ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ.
    وَاَلَّذِينَ عَارَضُوهُ احْتَجُّوا بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ مُنْفَرِدَةً كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَنَسًا وَالْيَتِيمَ صُفَّا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصُفَّتْ الْعَجُوزُ خَلْفَهُمَا. وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ وُقُوفِهَا مُنْفَرِدَةً إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَمَاعَةِ امْرَأَةٌ غَيْرَهَا كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
    وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِوُقُوفِ الْإِمَامِ مُنْفَرِدًا.
    وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ لَمَّا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ).
    وَهَذِهِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تُقَاوِمُ حُجَّةَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
    أَحَدُهَا: أَنَّ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ خَلْفَ صَفِّ الرِّجَالِ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا وَلَوْ وَقَفَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ لَكَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يُحَاذِيهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
    وَأَمَّا وُقُوفُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ فَمَكْرُوهٌ وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ بِاتِّفَاقِهِمْ ؛ فَكَيْفَ يُقَاسُ الْمَنْهِيُّ بِالْمَأْمُورِ بِهِ؟
    وَكَذَلِكَ وُقُوفُ الْإِمَامِ أَمَامَ الصَّفِّ هُوَ السُّنَّةُ؛ فَكَيْفَ يُقَاسُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟
    وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ إنَّمَا هُوَ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، أَمَّا قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَى مَنْصُوصٍ يُخَالِفُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ كَقِيَاسِ الرِّبَا عَلَى الْبَيْعِ وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.
    وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ وَقَفَتْ خَلْفَ الصَّفِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ تُصَافُّهُ وَلَمْ يُمْكِنْهَا مُصَافَّةَ الرِّجَالِ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مَعَهَا فِي الصَّلَاةِ امْرَأَةٌ لَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تَقُومَ مَعَهَا وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الرَّجُلِ الْمُنْفَرِدِ عَنْ صَفِّ الرِّجَالِ.
    وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَجِدَ الرَّجُلُ مَوْقِفًا إلَّا خَلْفَ الصَّفِّ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُبْطِلِينَ لِصَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَإِلَّا ظَهَرَ صِحَّةُ صَلَاتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ جَمِيعَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ([3])))اهـ.
    وهذا كلام ثمين للعلامة ابن عثيمين؛ قال رحمه الله: ((الوسطُ هو الرَّاجحُ([4])، وأنَّه إذا كان لعُذرٍ صحَّتِ الصَّلاةُ؛ لأنَّ نَفْيَ صحَّةِ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصَّفِّ يدلُّ على وجوبِ الدُّخولِ في الصَّفِّ؛ لأنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ لا يكون إلا بفعلِ مُحرَّمٍ أو تَرْكِ واجبٍ، فهو دالٌّ على وجوبِ المُصافَّةِ، والقاعدةُ الشرعيةُ: (أنَّه لا واجبَ مع العجزِ)، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فإذا جاء المصلِّي ووَجَدَ الصَّفَّ قد تَمَّ فإنَّه لا مكان له في الصَّفِّ، وحينئذٍ يكون انفرادُه لعُذرٍ فتصِحُّ صلاتُه، وهذا القولُ وسطٌ، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله، وشيخِنا عبد الرحمن بن سَعدي([5]). وهو الصَّوابُ.
    فإن قال قائل: لماذا لا تقولون بأنْ يجذِبَ أحدَ النَّاسِ مِن الصَّفِّ؟([6])
    فالجواب: إنَّنا لا نقولُ بذلك؛ لأنَّ هذا يستلزمُ مَحاذير:
    المحذور الأول: التَّشويش على الرَّجُلِ المَجذوبِ.
    المحذور الثاني: فَتْحُ فُرْجَةٍ في الصَّفِّ، وهذا قَطْعٌ للصَّفِّ، ويُخشى أن يكون هذا مِن بابِ قَطْعِ الصَّفِّ الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَن قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ([7])».
    المحذور الثالث: أنَّ فيه جِنايةً على المَجذوبِ بنَقْلِهِ مِن المكان الفاضلِ إلى المكانِ المفضولِ.
    المحذور الرابع: أنَّ فيه جِنايةً على كلِّ الصَّفِّ؛ لأنَّ جميعَ الصَّفِّ سوف يتحرَّكُ لانفتاح الفُرْجَةِ مِن أجلِ سَدِّهَا.
    فإن قال قائلٌ: أفلا نأمرُه أن يصلِّيَ إلى جَنْبِ الإِمامِ؟
    قلنا: لا نأمرُه أن يصلِّيَ إلى جَنْبِ الإِمامِ؛ لأنَّ في ذلك ثلاثة محاذير:
    المحذور الأول: تخطِّي الرِّقابِ، فإذا قَدَّرنا أنَّ المسجدَ فيه عشرةُ صفوفٍ، فجاءَ الإِنسانُ ولم يجدْ مكانًا، وقلنا: اذهبْ إلى جَنْبِ الإِمامِ فسوف يتخطَّى عشرةَ صفوفٍ؛ بل لو لم يكن إلا صَفٌّ واحدٌ فقد تَخطَّى رقابَهم.
    المحذور الثاني: أنَّه إذا وَقَفَ إلى جَنْبِ الإِمامِ خالفَ السُّنَّة في انفرادِ الإِمامِ في مكانِه؛ لأنَّ الإِمامَ موضعُه التقدُّم على المأمومِ، فإذا شارَكه أحدٌ في هذا الموضعِ زالت الخُصوصيَّة.
    المحذور الثالث: أننا إذا قلنا: تقدَّمْ إلى جَنْبِ الإِمامِ، ثم جاء آخرٌ قلنا له: تقدَّمْ إلى جَنْبِ الإِمام، ثم ثانٍ، وثالث، حتى يكون عند الإِمامِ صفٌّ كاملٌ، لكن لو وَقَفَ هذا خلفَ الصَّفِّ لكان الدَّاخلُ الثاني يصفُّ إلى جَنْبِهِ، فيكونان صفًّا بلا محذور.
    فإن قال قائلٌ: لماذا لا تأمرونه أن يبقى، فإن جاءَ معه أحدٌ، وإلا صَلَّى وحدَه منفردًا؟
    قلنا: في هذا محذوران:
    المحذور الأول: أنَّه ربَّما ينتظِرُ فتفوتُه الرَّكعة، وربَّما تكون هذه الرَّكعةُ هي الأخيرةُ فتفوتُه الجماعةُ.
    المحذور الثاني: أنه إذا بقيَ وفاتتْهُ الجماعةُ فإنَّه حُرِمَ الجماعةَ في المكانِ وفي العملِ، وإذا دَخَلَ مع الإِمامِ وصَلَّى وحدَه منفردًا، فإننا نقول على أقلِّ تقدير: حُرِم المكان فقط، أما العملُ فقد أدركَ الجماعةَ، فأيُّهما خيرٌ أنْ نحرِمه الجماعةَ في العمل والمكان، أو في المكان فقط؟
    الجواب: في المكان فقط، هذا لو قلنا: إنَّه في هذه الحال يكون مرتكبًا لمحذور، مع أنَّ الرَّاجحَ عندي أنَّه إذا تعذَّرَ الوقوفَ في الصَّفِّ، فإنَّه إذا صَفَّ وحدَه لم يرتكب محظورًا([8])))اهـ.
    قوله: (وَإِذَا جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ صَحَّتِ الْقُدْوَةُ مُطْلَقًا؛ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ): وَإِذا جَمعهمَا - أَي: الإِمَام وَالْمَأْمُوم - مَسْجِد صح الِاقْتِدَاءُ مُطلقًا؛ أَي: سَوَاء رأى الإِمَام الْمَأْمُوم أَو مَنْ وَرَاءه، أَو لَمْ يَرَهُ؛ بِشَرْط الْعلم بانتقالات الإِمَام؛ بِسَمَاع تَكْبِيره أو سماع تكبير مبلغ؛ حتى تصح القدوة.



    [1])) أخرجه أحمد (16297)، وابن ماجه (1003)، وغيرهما، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (2/ 329)، وكذا صححه محققو المسند.

    [2])) أخرجه أحمد (18000)، وأبو داود (682)، والترمذي (230)، وقال: ((حديث حسن))، وابن ماجه (1004)، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (541).

    [3])) أي: الوسط بين الأقوال الثلاثة الواردة في المسألة: القول الأول: الجواز مطلقًا. القول الثاني: المنع مطلقًا. القول الثالث: المنع إلا لضرورة.

    [4])) ((مجموع الفتاوى)) (23/ 393- 396).

    [5])) انظر: ((المختارات الجلية)) (48).

    [6])) وقد ورد في هذا حديث عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا دَخَلْتَ فِي الصَّفِّ، أَوْ جَذَبْتَ رَجُلًا صَلَّى مَعَكَ؛ أَعِدِ الصَّلَاةَ.
    أخرجه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (1268)، وهو حديث ضعيف جدًّا، قال الألباني في ((الإرواء)) (2/ 326): ((إسناده واهٍ)).

    [7])) أخرجه أحمد (5724)، وأبو داود (666)، والنسائي (819)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (6590)، وكذا صححه محققو المسند.

    [8])) ((الشرح الممتع)) (4/ 272- 274).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  16. #156
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي

    قوله: «والتراويح عشرون» . «التراويح» مبتدأ، و«عشرون» خبر المبتدأ، والتراويح سُنَّة مؤكَّدة؛ لأنها من قيام رمضان، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِهِ» ،
    وسُمِّيت تراويح؛ لأنَّ مِن عادتهم أنَّهم إذا صَلُّوا أربعَ ركعات جلسوا قليلاً ليستريحوا؛ بناءً على حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي أربعاً فلا تسألْ عن حُسنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثم يُصلِّي أربعاً فلا تسألْ عن حُسنِهِنَّ وطُولِهنَّ ثم يُصلِّي ثلاثاً ، ووَجْهُ ذلك أنَّها قالت: «يُصلِّي أربعاً ثم» و«ثم» تدلُّ على التَّرتيب بمُهْلَة، وأنَّه هناك فاصلاً بين الأربع الأُولى والأربع الثانية والثَّلاث الأخيرة، وهذه الأربع يُسَلِّمُ مِن كلِّ رَكعتين كما جاءَ ذلك مصرَّحاً به في حديث عائشة: أنه كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعة يُسَلِّمُ مِن كُلِّ ركعتين.

    خلافاً لمن تَوهَّم مِن بعض طلبة العِلم أنَّ الأربعَ الأُولى تُجمع بتسليمٍ واحدٍ، والأربعَ الثانية تُجمع كذلك، فإنَّ ذلك وَهْمٌ، سببُه عدم تتبُّعِ طُرقِ الحديث مِن وجه، وعدم النَّظر إلى الحديث العام حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما مِن وجهٍ آخر، وهو أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن صلاة الليل فقال: «مَثْنَى مَثْنَى».

    وعلى هذا؛ فكلُّ حديث مطلق في عدد الرَّكعات في الليل يجب أنْ يُحملَ على هذا الحديث المقيَّد، وهو أنها مَثْنَى مَثْنَى.
    أما ما صُرِّحَ فيه بعدم ذلك كالوِتر بخمس أو سبع أو تسع ، فهذا يكون مُخصِّصاً لعموم هذا الحديث.

    فإن قيل: لماذا قالت عائشة: «يُصلِّي أربعاً، ثم يُصلِّي أربعاً» ؟.
    فالجواب : أن نقول: لأنَّه جَمَعَ الأربع الأُولى في آنٍ واحد، فصَلَّى ركعتين، ثم وَصَلَهُمَا فوراً بالرَّكعتين الأُخريين، ثم جَلَسَ وأمهل، ثم استأنف وصَلَّى ركعتين، ثم أَتبعَهُمَا بركعتين، ثم جَلَسَ فأمهل، ثم صَلَّى ثلاثاً، فأخذ السَّلف مِن هذا أن يُصلُّوا أربع ركعات بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلُّوا أربعاً بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلُّوا ثلاثاً إذا قاموا بإحدى عشرة ركعة.

    وقوله: «عشرون ركعة» فإذا أضفنا إليها أدنى الكمال في الوِتر تكون ثلاثاً وعشرين، فيُصلِّي التَّراويح عشرين رَكعة، ثم يُصلِّي الوِتر ثلاث ركعات، ويكون الجميعُ ثلاثاً وعشرين رَكعة، فهذا قيامُ رمضان.
    والدَّليلُ: ما روى أبو بكر عبد العزيز في «الشَّافي» عن ابن عباس أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي في شهر رمضان عِشرين رَكعة ، لكن هذا الحديث ضعيف لا يصحُّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، والذي صَحَّ عنه ما روته عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها أنه كان لا يزيدُ على إحدى عشرة رَكعةً. فقد سُئلت: كيف كانت صلاةُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيدُ في رمضانَ ولا غيره على إحدى عشرة ركعة . وهذا نصٌّ صريحٌ مِن عائشةَ، وهي مِن أعلم النَّاس به فيما يفعله ليلاً.

    فإنْ قال قائل: قد ذُكر عن عُمرَ أنه أمر أُبيَّ بنَ كعب أنْ يُصلِّي بالنَّاس بثلاث وعشرين ركعة؟ .
    قلنا: هذا أيضا ليس بصحيح، وإنما روى يزيدُ بنُ رومان قال: «كان النَّاسُ يصلُّون في عهد عُمرَ في رمضان ثلاثاً وعِشرين ركعةً» ويزيد بنُ رُومان لم يدركْ عهدَ عُمرَ، فيكون في الحديث انقطاعٌ. ثم الحديث ليس فيه نصٌّ على أنَّ عُمرَ اطَّلعَ على ذلك فأَقرَّه، ولا يَرِدُ على هذا أنَّ ما فُعل في عهد النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُنكرْه فإنه يكون مرفوعاً حكماً؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنْ كان عَلِمَه فقد أقرَّه، وإنْ لم يكن عَلِمَه فقد أقرَّه الله تعالى، ولكن روى مالكٌ في «الموطأ» بإسنادٍ مِن أصحِّ الأسانيد أن عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أَمَرَ تَميماً الدَّاريَّ وأُبيَّ بنَ كعب أنْ يقوما بالنَّاس بإحدى عشرةَ ركعةً . وهذا نصٌّ صريحٌ، وأَمْرٌ مِن عُمرَ رضي الله عنه، وهو اللائقُ به رضي الله عنه، لأنَّه مِن أشدِّ النَّاسِ تمسُّكاً بالسُّنَّةِ، وإذا كان الرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم لم يَزِدْ على إحدى عشرةَ ركعةً، فإنَّنا نعتقد بأن عُمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه سوف يتمسَّك بهذا العدد.
    وعلى هذا؛ فيكون الصحيح في هذه المسألة: أنَّ السُّنَّة في التَّراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يُصلِّي عشراً شَفْعاً، يُسَلِّم مِن كُلِّ ركعتين، ويُوتِر بواحدة.
    والوِترِ كما قال ابنُ القيم: هو الواحدة ليس الرَّكعات التي قَبْله ، فالتي قَبْله مِن صلاة الليل، والوِتر هو الواحدة، وإنْ أوترَ بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاثَ عشرةَ ركعةً فلا بأس، لأن هذا أيضاً صَحَّ مِن حديث عبدِ الله بنِ عباس رضي الله عنهما: «أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى ثلاثَ عَشْرةَ ركعةً».
    فهذه هي السُّنَّةُ، ومع ذلك لو أنَّ أحداً من النَّاس صَلَّى بثلاثَ وعشرين، أو بأكثرَ مِن ذلك فإنه لا يُنكر عليه؛ ولكن لو طالب أهلُ المسجد بأن لا يتجاوز عددَ السُّنَّةِ كانوا أحقَّ منه بالموافقة؛ لأن الدَّليل معهم. ولو سكتوا ورضوا؛ فَصَلَّى بهم أكثر من ذلك فلا مانع.
    ولا فَرْقَ في هذا العدد بين أوَّلِ الشَّهرِ وآخره. وعلى هذا؛ فيكون قيامُ العشرِ الأخيرة كالقيام في أوَّل الشَّهر.
    فإذا قلنا: إنَّ الأفضل إحدى عشرةَ في العشرين الأُولى، قلنا: إنَّ الأفضل إحدى عشرة في العشر الأخيرة ولا فَرْقَ؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها تقول: «ما كان يزيد في رمضان ولا غيره» ولم تَسْتَثْنِ العشرَ الأواخرَ، لكن تختصُّ العشر الأواخر بالإطالة فإن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يقومُ فيها الليلَ كلَّه. وعلى هذا؛ فيطيل.
    لكن لو اختارَ أهلُ المسجد أنْ يقصرَ بهم القراءةَ والرُّكوعَ والسُّجودَ، ويكثِرَ مِن عددِ الرَّكعات، وقالوا له: إنَّ هذا أرفقُ بنا، فلا حرج عليه إذا وافقهم؛ لعموم قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا» وعموم قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «إذا أمَّ أحدُكم الناسَ فَلْيُخَفِّفْ» وما دام الأمرُ غيرَ محظور علينا، فإن تيسيرنا على مَنْ ولاَّنا اللهُ عليه أَولى وأحسنُ، والإِمامُ وَلِيُّ المسجد؛ مُولَّى على المأمومين، ولهذا يُقال: إمام، والإمامُ مَنْ له الإمرة عليهم فيما يتعلَّق بالصَّلاة؛ فيأمرهم باعتدال الصُّفوف، وتسويتها، فإذا طَلَبَ المُولَّى عليهم أنْ يرفقَ بهم بكثرة العدد مع تخفيف الرُّكوع والسُّجود والقِراءة فليس في هذا بأس.

    ...وقوله: «عشرون ركعة» هل بَيَّنَ المؤلِّفُ حكم التَّراويح، أم لا؟
    الجواب : نعم، بَيَّنَ حكمها أولَ البابِ حيث قال: «آكدُها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح» إذاً؛ فالتَّراويحُ سُنَّةٌ.

    (تنبيه) هل الجماعة في التراويح مما سَنَّهُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، أم ممَّا فَعَلَه عُمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه؟

    الجواب : ادَّعى بعضُ النَّاس أنها مِن سُنَنِ عُمرَ بن الخطاب، واستدلَّ لذلك بأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّاب أَمَرَ أُبيَّ بنَ كعب وتميماً الدَّارِيَّ أنْ يقوما للنَّاس بإحدى عشرةَ رَكعةً . وَخَرَجَ ذات ليلة والنَّاسُ يصلُّون، فقال: نِعْمَتِ البِدْعةُ هذه ، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يسبقْ لها مشروعية. وعلى هذا؛ فتكون مِن سُنَنِ عُمرَ لا مِن سُننِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم،
    وحينئذٍ لنا أنْ نعارضَ فنقول: إنها ليست بسُنَّة؛ لأن سببها وُجِدَ في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعله، والقاعدة: أنَّ ما وُجِدَ سبُبُه في عهد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يفعلْه فإنَّه ليس بسُنَّة، لأنه كيف يتركه الرَّسولُ والسببُ موجود؟ والسبب هنا رمضان؛ وهو موجود في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، فلمَّا لم يفعلها لم تكن سُنَّة، وعلى هذا؛ فإذا صَلَّيت الفريضة في رمضان، فاذهبْ إلى بيتك وصَلِّ، ولا تصلِّ مع النَّاس.
    ولكن؛ هذا قولٌ ضعيف، غَفَلَ قائلُه عمَّا ثَبَتَ في «الصَّحيحين» وغيرهما أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قام بأصحابه ثلاثَ ليالٍ، وفي الثالثة أو في الرَّابعة تخلَّف لم يُصَلِّ، وقال: «إنِّي خشيتُ أنْ تُفرضَ عليكم» فثبتتِ التَّراويحُ بسُنَّة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المانعَ مِن الاستمرار فيها، لا مِن مشروعيَّتها، وهو خَوْفُ أنْ تُفرضَ، وهذا الخوف قد زال بوفاة الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه لمَّا مات صلّى الله عليه وسلّم انقطع الوحي فأُمِنَ مِن فرضيتها، فلمَّا زالت العِلَّةُ وهو خَوْفُ الفرضية بانقطاع الوحي ثَبَتَ زوال المعلول، وحينئذٍ تعود السُّنيَّة النبويَّة لها، ويبقى النَّظرُ؛ لماذا لم يفعل هذا أبو بكر؟
    والجواب عن ذلك : أنْ يُقال: إن مُدَّة أبي بكر رضي الله عنه كانت سنتين وأشهراً، وكان مشغولاً بتجهيز الجيوش لقتال المرتدِّين وغيرهم، فكان مِن النَّاس مَن يُصلِّي وحدَه، ومنهم مَن يُصلِّي مع الرَّجُلين، ومنهم مَن يُصلِّي مع الثَّلاثة، فلما كان عُمرُ خرج ذات ليلة فوجدهم يُصلُّون أوزاعاً، فلم يعجبه هذا التَّفرُّق، وأمر تميماً الدَّاريَّ وأُبيَّ بنَ كعب أنْ يقوما للنَّاس جميعاً، ويُصلِّيا بالنَّاس إحدى عشرة ركعة ، وبهذا عرفنا أنَّ فِعْلَ عُمرَ ما هو إلا إعادة لأمرٍ كان مشروعاً.

    فإن قال قائل: ما تقولون في قول عُمرَ: «نِعْمَتِ البِدعةُ» وهذا يدلُّ على أنها مبتدعة؟
    فالجواب : أنَّ هذه البِدعةَ نسبيَّةٌ، فهي بِدعةٌ باعتبار ما سبقها، لا باعتبار أصل المشروعيَّة؛ لأنها بقيت في آخر حياة الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم وفي خلافة أبي بكر لم تُقَمْ، فلما استُؤنِفتْ إقامتُها، صارت كأنَّها ابتداء مِن جديد، ولا يمكن لعُمرَ بنِ الخطَّاب أنْ يُثني على بِدعةٍ شرعيَّةٍ أبداً، وقد قال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «كُلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ».
    والعجبُ أنَّ بعضَ أهل البِدع أخذ مِن قول عُمرَ: «نِعْمتِ البِدعةُ» باباً للبدعة، وصار يبتدع ما شاء ويقول: «نِعْمَت البِدعةُ هذه» ، ولا شَكَّ أن هذا مِن الأخذ بالمتشابه، حتى لو فُرضَ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه ابتدعَ ـ وحاشاه مِن ذلك ـ فإنَّ له سُنَّة مُتَّبعة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الراشدين مِن بعدي» فلستَ مثله، فكيف تقول: أبتدعُ، ونِعْمتِ البِدعةُ! فَعُمَر له سُنَّة متَّبعة.
    مع أنَّنَا لا نعلم أنَّ عُمَرَ ابتدع شريعةً، إنَّما ابتدع سياساتٍ؛ لم تكن في عهد الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم؛ يرى أنَّ فيها مصلحة.
    مثل: إلزامُه بالطلاق الثَّلاث أنْ يكون ثلاثاً .
    ومثل: مَنْعُه مِن بَيْعِ أمهات الأولاد، مع أنَّهُنَّ يُبعنَ في عهد الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام.
    ومثل: زيادة العقوبة في شُرب الخمر من نحو أربعين إلى ثمانين.
    فهذه سياسات يرى أنها تُحقِّقُ المصلحةَ، لكن هل زاد عُمرُ في الصَّلوات وجعلها سِتًّا؟ لا، أو جعل ركعات الظُّهر خمساً؟ لا.

    قوله: «تفعل في جماعةٍ» أي: تُصَلَّى التَّراويح جماعة، فإنْ صلاَّها الإنسانُ منفرداً في بيته لم يدرك السُّنَّة.
    والدَّليل : فِعلُ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، وأَمْرُ عُمرَ رضي الله عنه، وموافقةُ أكثرِ الصَّحابة على ذلك .

    قوله: «مع الوتر» أي: أنهم يُوتِرون معها.
    ودليل ذلك : أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بالصَّحابة في ليلة ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبعٍ وعشرين، في الليلة الأُولى ثُلث الليل، وفي الثانية نصف الليل، وفي الثالثة إلى قريب الفجر، ولمَّا قالوا له: لو نَفَّلْتَنَا بقيةَ ليلتنا قال: «مَنْ قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ كُتب له قيامُ ليلةٍ».
    وهذا يدلُّ على أنَّه يُوتِر، فينبغي أنْ يكون الوِترُ مع التَّراويح جماعة.
    قوله: «بعد العشاء» أي: بعد صلاة العشاء، فلو صَلُّوا التَّراويحَ بين المغرب والعِشاء لم يدركوا السُّنَّة، وكذلك أيضاً ينبغي أن تكون بعد العِشاء وسنّتها، فإذا صَلُّوا العِشاء صَلُّوا السُّنَّة، ثم صَلُّوا التَّراويح، ثم الوِتر.



    الشرح الممتع ( 2 / 48 / 60 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  17. #157
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة


    قوله: «تفعل في جماعةٍ» أي: تُصَلَّى التَّراويح جماعة، فإنْ صلاَّها الإنسانُ منفرداً في بيته لم يدرك السُّنَّة.
    والدَّليل : فِعلُ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، وأَمْرُ عُمرَ رضي الله عنه، وموافقةُ أكثرِ الصَّحابة على ذلك .
    هل تستثنى المرأة ؟
    أليس الأفضل للمرأة أن تصليها في بيتها ؟ وهل تدرك السنة ؟
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  18. #158
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    هل تستثنى المرأة ؟
    أليس الأفضل للمرأة أن تصليها في بيتها ؟ وهل تدرك السنة ؟
    نعم، تُستثنى المرأة لحديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»، أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الألباني
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #159
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا ،،
    هل ذكر من الصحابيات رضي الله عنهن من كانت تصلي التراويح في البيت ؟

  20. #160
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا ،،
    هل ذكر من الصحابيات رضي الله عنهن من كانت تصلي التراويح في البيت ؟
    روى ابن أبي شيبة (6149) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابَ لِلنَّاسِ قَارِئِينَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ أَبِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَابْنُ أَبِي حَثْمَةَ يُصَلِّي بِالنِّسَاءِ».
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •