مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات - الصفحة 6
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 6 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 101 إلى 120 من 185
5اعجابات

الموضوع: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

  1. #101
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فراس السليماني مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيكم
    وفيكم بارك الله أخانا الحبيب أبا فراس
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #102
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا - غَيْرَ التَّحْرِيمَةِ - فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطُلَتْ الْمَتْرُوكُ مِنْهَا، وَصَارَتِ الَّتِي شَرَعَ فِي قِرَائَتِهَا مَكَانَهَا): قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((ومن ترك ركنًا، فإن كان تكبيرة الإِحرام لم تنعقد صلاتُه، سواء تَرَكَها عمدًا أم سهوًا؛ لأن الصلاة لا تنعقد إلا بتكبيرة الإِحرام، فلو فُرِضَ أن شخصًا وقف ليصلِّي فنسيَ التكبير وشرعَ في الاستفتاح وقرأ الفاتحة واستمرَّ، فإننا نقول: إن صلاته لم تنعقد أصلًا، ولو صَلَّى كُلَّ الرَّكعات، وإن كان غير التحريمة فهو الذي ذَكَرَه المؤلِّفُ رحمه الله.
    قوله: «فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها»، بطلت: يعني صارت لغوًا، وليس البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة؛ لأنه لو كان البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة؛ لوجب أن يخرج من الصَّلاة، ولكن المراد بالبطلان هنا: اللغو، فمعنى «بطلت» أي صارت لغوًا، وتقوم التي بعدها مقامها، هذا إذا ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى.
    مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي فلما سَجَدَ السُّجود الأول في الرَّكعة الأُولى، قام إلى الرَّكعة الثانية، وشرع في قراءة الفاتحة، ثم ذَكَرَ أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة؛ فَتَرَكَ جلوسًا وسجدة، أي: ترك رُكنين، فنقول له: يحرم عليك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن مقصود من الرَّكعة التي تليها، فلا يمكن أن تتراجع عنها، لكن تلغي الرَّكعة السَّابقة، وتكون الرَّكعة التي بعدها بدلًا عنها.
    مثال آخر: قام إلى الرَّابعة في الظُّهر، ثم ذَكَرَ أنه نسيَ السَّجدة الثانية من الركعة الثالثة، بعد أن شَرَعَ في القراءة فتُلغَى الثالثة، وتكون الرابعة هي الثالثة؛ لأنه شَرَعَ في قراءتها. وهذا ما قرَّره المؤلِّف.
    والقول الثاني([1]): أنها لا تبطل الركعة التي تركه منها، إلا إذا وَصَلَ إلى محلِّه في الرَّكعة الثانية، وبناء على ذلك يجب عليه الرُّجوعُ ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية.
    ففي المثال الذي ذكرنا، لمَّا قام إلى الثانية؛ وشَرَعَ في قراءة الفاتحة؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الركعة الأُولى، فنقول له: ارجعْ واجلسْ بين السَّجدتين، واسجدْ، ثم أكمل.
    وهذا القول هو الصحيح؛ وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن المتروك فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء، ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه، فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده، فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية، فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائدة؛ لأنه إذا رَجَعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى.
    مثاله: لما قام من السَّجدة الأولى في الرَّكعة الثانية وجَلَسَ؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سجدة واحدة، فلا يرجع إلى الرَّكعة الأولى، ولو رَجَعَ فسيرجع إلى المكان نفسه الذي هو فيه.
    وهذا القول هو القول الرَّاجح: أنه يجب الرُّجوع إلى الرُّكن المتروك ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية، فإنْ وَصَلَ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية صارت الثانية هي الأولى([2])))اهـ.
    قوله: (وَقَبْلَهُ يَعُودُ فَيَأْتِي بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ): أي: إذا ذَكَرَ الرُّكنَ المتروكَ قبل شروعه في قراءة الرَّكعة التي تلي المتروك منها، فإنه يعود إلى الرُّكن المتروك فيأتي به وبما بعده.
    مثال ذلك: رَجُل يُصَلِّي فقام إلى الرَّكعة الثانية، وحين قيامه ذَكَرَ قبل أن يقرأ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سَجْدَة واحدة، فيلزمه الرُّجوع، فيجلس جلسة ما بين السَّجدتين، ثم يسجد ثم يقوم للثانية([3]).
    قوله: (وَبَعْدَ سَلَامٍ فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ): قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((أي: إن عَلِمَ بالرُّكن المتروك بعد أن سَلَّمَ فكتركه رَكعة كاملة، أي: فكأنه سَلَّمَ عن نقص رَكعة، وعلى هذا؛ فيأتي برَكعة كاملة، ثم يتشهَّدُ ويسجد للسَّهو ويُسلِّمُ.
    مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى، ولَمَّا فَرَغَ من الصَّلاة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأخيرة إلا سجدة واحدة، فيأتي بركعةٍ كاملةٍ، هذا ما قرَّره المؤلِّف.
    ووجه ذلك: أنه لما سَلَّمَ امتنع بناءُ الصَّلاة بعضُها على بعضٍ فتبطل الرَّكعة كلُّها، ويأتي بركعة كاملة، ولأن تسليمه بعد التشهُّد يشبه ما إذا شَرَعَ في قراءة الرَّكعة التي تليها، وهو إذا شَرَعَ بقراءة الرَّكعة التي تليها وَجَبَ عليه إلغاء الرَّكعة الأُولى، وأن يأتي برَكعة كاملة.
    والقول الثاني: أنه لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تَرَكَ وبما بعده؛ لأن ما قبل المتروك وَقَعَ في محلِّه صحيحًا، فلا يُلزم الإِنسان مرَّة أخرى، أما ما بعد المتروك، فإنما قلنا بوجوب الإِتيان به من أجل الترتيب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا نقول لهذا الرَّجُل: ارجعْ واجلسْ بين السجدتين، واسجدْ السَّجدة الثانية، ثم اقرأ التشهُّدَ، ثم سَلِّمْ، ثم اسجدْ للسَّهو وسلِّمْ، وهذا القول هو الصَّحيح.
    ووجه صِحَّته: أن ما قبل المتروك وقع مُجْزِأً في محلِّه فلا وَجْهَ لبطلانه، وأما ما بعد المتروك فإنما قلنا بوجوب إعادته مِن أجل مراعاة الترتيب([4])))اهـ.


    [1])) وهو وجه في المذهب، انظر: ((الإنصاف)) (2/ 139).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (3/ 371- 373).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (3/ 373).

    [4])) ((الشرح الممتع)) (3/ 374، 375).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #103
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَإِنْ نَهَضَ عَنْ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ نَاسِيًا، لَزِمَ رُجُوعُهُ): أي: إن تذكر قبل أن ينتصب قائمًا، فيلزمه الجلوس والإتيان به؛ ودليل ذلك حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ([1])».
    قال المرداوي رحمه الله: ولا أعلم فيه خلافًا([2]).
    قوله: (وَكُرِهَ إِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، وَحَرُمَ وَبَطُلَتْ إِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ): أي: وكُره له الجلوس للتشهد، إن استتم قائمًا قبل أن يشرع في القراءة، وأما إذا شَرَع في القراءة، فيحرم عليه الرجوع، وتبطل صلاته.
    وقيل: يحرم عليه الرجوع بمجرد استوائه قائمًا، وإن لَم يشرع في القراءة([3]).
    قلت: وهو الصحيح؛ لحديث المغيرة بن شعبة المتقدم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله([4]).
    قوله: (لَا إِنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ): أي: إن تذكر فجلس بعد أن شرع في القراءة، وكان جلوسه عن سهو أو جهل، فإن صلاته لا تبطل؛ لأن النسيان معفو عنه، والجهل في معناه، ولحديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أنه تكلم في الصلاة جاهلًا، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة([5]).
    قوله: (وَيَتْبَعُ مَأْمُومٌ): أي: ويتبع المأمومُ الإمامَ في قيامه ناسيًا؛ ودليل ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ سَلَّمَ([6]).
    قوله: (وَيَجِبُ السُّجُودُ لِذَلِكَ مُطْلَقًا): أَي: وَيجب السُّجُود لجَمِيع هَذِه الصُّور مُطلقًا؛ أَي: سَوَاء ذكر الرُّكْن الْمَتْرُوك قبل شُرُوعه فِي قِرَاءَة الَّتِي تَلِيهَا أَو بعده، وَسَوَاء كَانَ رُجُوعه قبل أَن يستتم قَائِمًا أَو بعده أَو بمضيه حَيْثُ حَرُمَ رُجُوعه([7]).



    [1])) أخرجه أحمد (18222)، وأبو داود (1036)، وابن ماجه (1208)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (949)، وقال الأرناؤوط: ((صحيح بطرقه)).

    [2])) ((الإنصاف)) (2/ 144).

    [3])) ((المغني)) (2/ 20).

    [4])) انظر: ((الشرح الممتع)) (3/ 377).

    [5])) رواه مسلم في صحيحه (537)، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» ...

    [6])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1224)، ومسلم (570).

    [7])) ((كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات)) (1/ 149).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #104
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ - وَهُوَ الْأَقَلُّ - مَنْ شَكَّ فِي رُكْنٍ أَوْ عَدَدٍ): فالمصلي الذي سها فترك ركنًا في صلاته، إما أن يتيقن أنه ترك ركنًا؛ فهذا يجب عليه الإتيان بالركن الذي تركه، على ما تقدم؛ وإما أن يشك: هل ترك أم لا؟ فهذا يجعل كمن تيقن تركه؛ لأن الأصل عدمه.
    وكذلك إذا شك في عدد الركعات، بنى على اليقين، وهو الأقل؛ لأنه المتيقن.
    واستدلوا على ذلك بحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ...([1])».
    قلت: والصواب أنه إن استطاع أن يتحرى، فإنه يتحري؛ لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاَلَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ([2])».



    [1])) أخرجه مسلم (571).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (401)، ومسلم (572).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #105
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    فَصْلٌ
    آكَدُ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ: كُسُوفٌ، فَاسْتِسْقَاءٌ، فَتَرَاوِيحُ، فَوِتْرٌ؛ وَوَقْتُهُ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ؛ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ بِسَلَامَيْنِ، وَيَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ نَدْبًا؛ فَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ، وَيَجْمَعُ إِمَامٌ الضَّمِيرَ، وَيمْسَحُ الدَّاعِي وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ مُطْلَقًا.
    والتَّرَاوِيحُ عِشْرُونَ رَكْعَةً، بِرَمَضَانَ تُسَنُّ، وَالْوِتْرُ مَعَهَا جَمَاعَةٌ، وَوَقْتُهَا بَيْنَ سُنَّةِ عِشَاءٍ وَوِتْرٌ.
    ثُمَّ الرَّاتِبَةُ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا.
    وَتُسَنُّ صَلَاةُ اللَّيْلِ بِتَأَكُّدٍ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ، وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ لِقَارِئِ وَمُسْتَمِعٍ، وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَكُرِهَ لِإِمَامٍ قرَاءَتُهَا فِي سِرِّيَّةٍ وَسُجُودُهُ لَهَا، وَعَلَى مَأْمُومٍ مُتَابَعَتُهُ فِي غَيْرِهَا. وَسُجُودُ شُكْرٍ عِنْدَ تَجُدُّدِ نِعَمٍ وَانْدِفَاعِ نِقَمٍ، وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاةُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ، وَهُوَ كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ.
    وَأَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ: مِنْ طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَعِنْدَ طُلُوعِهَا إِلَى ارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا حَتَّى يَتِمَّ؛ فَيَحْرُمُ ابْتِدَاءُ نَفْلٍ فِيهَا مُطْلَقًا؛ لَا قَضَاءُ فَرْضٍ، وَفِعْلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ وَسُنَّةِ فَجْرٍ أَدَاءً قَبْلَهَا، وَصَلَاةِ جَنَازَةٍ بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #106
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (آكَدُ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ: كُسُوفٌ، فَاسْتِسْقَاءٌ، فَتَرَاوِيحُ): وعللوا كون هذه الصلوات هي آكد صلوات التطوع بكونها يُسَنُّ لها الجماعة؛ فأشبهت الفرائض([1])، وقدموا صلاة الكسوف على صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها؛ فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَ ا، فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ([2])»، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يُنْقَل عنه أنه ترك صلاة الكسوف عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنه كان يستسقي تارة ويترك أخرى([3]).
    ثم بعد الكسوف والاستسقاء، صلاة التراويح؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يُداوم عليها. والله أعلم.
    قوله: (فَوِتْرٌ): أي: أن صلاة الوتر تلي هذه الصلوات المذكورة في الآكدية.
    والصحيح أن صلاة الوتر مُقدمة على صلاة الاستسقاء وصلاة التراويح؛ وأما صلاة الكسوف فهي واجبة على الصحيح كما سيأتي.
    وأما وجه تقديم صلاة الوتر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها وداوم عليها، فلم يتركها سفرًا ولا حضرًا.
    فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضِي اللَّه عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا([4])».
    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا([5])».
    وفي لفظ: عَنِ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: مَنْ صَلَّى مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ([6]).
    وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ وُتِرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ([7])».
    فدلَّت هذه الأحاديث التي فيها الأمر بصلاة الوتر، مع أحاديث صلاته صلى الله عليه وسلم الوترَ في السفر على بعيره، على أنها أفضل النوافل. والله أعلم.
    قوله: (وَوَقْتُهُ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ): ودليل ذلك حديث أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رضي الله عنه، خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَصْرَةَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ([8])».
    وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - وَهِيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ - إِلَى الْفَجْرِ، إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ([9]).
    قوله: (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ): أي: أقل الوتر ركعة؛ ودليل ذلك حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ([10])».
    وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى([11])».
    قوله: (وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ): وأكثر الوتر إحدى عشرة ركعة؛ ودليل ذلك حديث أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا([12])».
    تنبيه:
    قد اختلف المذهبُ: هل الوتر اسم لجميع صلاة الليل؟ أم هو اسم للركعة الأخيرة وما اتصل بها فحسب؟
    فالذي عليه جماهير الأصحاب، أن الوتر اسم لجميع صلاة الليل([13]).
    وفي رواية عن أحمد أن الوتر اسم للركعة الأخيرة أو ما كان متصلًا بها فقط، وأما ما كان قبله فليس منه([14]).
    قلت: وهو الذي يدل عليه ظاهر الأحاديث.
    فمن ذلك حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى([15])».
    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا([16])».
    وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ وَهِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَهَا، فَأَوْتَرَتْ([17]).
    وفي لفظ لمسلم: فَإِذَا أَوْتَرَ، قَالَ: «قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ».
    فدلت هذه الأحاديث على أن صلاة الليل لا تسمى جميعها وترًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غاير بينهما؛ كما هو مصرح به في الأحاديث.
    فإنْ ترجح هذا القول – أعني أن الوتر لا يُطلق على جميع صلاة الليل – فإنَّ الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بركعة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع؛ ولَمْ يُنقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بأكثر من تسع ركعات.



    [1])) انظر: ((الهداية على مذهب الإمام أحمد)) (88)، و((حاشية الروض المربع)) (2/ 183).

    [2])) أخرجه البخاري (1040).

    [3])) ((الروض المربع)) (112).

    [4])) أخرجه مسلم (754).

    [5])) متفق عليه: أخرجه البخاري (998)، ومسلم (751).

    [6])) متفق عليه: أخرجه البخاري (472)، ومسلم (751).

    [7])) أخرجه أبو داود (1416)، والترمذي (453)، وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وابن ماجه (1169)، وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1831).

    [8])) أخرجه أحمد (23851)، بسند صحيح.

    [9])) أخرجه مسلم (736).

    [10])) أخرجه مسلم (752).

    [11])) متفق عليه: أخرجه البخاري (990)، ومسلم (749).

    [12])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1147)، ومسلم (738).
    وَعند البخاري (1170)، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ((الفتح)) (3/ 21): ((وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا بِلَفْظِ: "كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ" فَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَضَافَتْ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ لِكَوْنِهِ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ مَا كَانَ يَفْتَتِحُ بِهِ صَلَاةَ اللَّيْلِ فَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَفْتَتِحُهَا بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ؛ وَهَذَا أَرْجَحُ فِي نَظَرِي؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي سَلَمَةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى الْحَصْرِ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ جَاءَ فِي صِفَتِهَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلرَّكْعَتَيْن ِ الْخَفِيفَتَيْن ِ وَتَعَرَّضَتْ لَهُمَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ))ا هـ.

    [13])) انظر: ((الإنصاف)) (2/ 167).

    [14])) السابق.

    [15])) متفق عليه: أخرجه البخاري (990)، ومسلم (749).

    [16])) متفق عليه: أخرجه البخاري (998)، ومسلم (751).

    [17])) متفق عليه: أخرجه البخاري (977)، ومسلم (744).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #107
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة
    فَصْلٌ
    وَيُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ لزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَشَكٍّ، لَا فِي عَمْدٍ؛

    ...وسجود السَّهو على تقدير اللام، أي: السُّجود للسهو، أي: الذي سببه السَّهو.
    والسَّهو تارة يتعدَّى بـ«عن» وتارة يتعدَّى بـ«في».
    فإن عُدِّيَ بـ«عن» صار مذموماً؛ لأنه بمعنى الغفلة والتَّرْكِ اختياراً، وإنْ عُدِّي بـ«في» صار معفواً عنه؛ لأنه بمعنى ذهول القلب عن المعلوم بغير قصد،
    فإذا قلت: سها فلان في صلاته، فهذا من باب المعفو عنه، وإذا قلت: سها فلان عن صلاته، صار من باب المذموم، ولهذا قال الله تعالى: {{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ }} أي: غافلون لا يهتمُّون بها ولا يقيمونها، فهم على ذِكْرٍ من فِعْلِهم، بخلاف السَّاهي في صلاته، فليس على ذِكْرٍ من فِعْلِه.
    قال بعض العلماء: الحمد لله الذي قال: (عن صلاتهم ساهون) ولم يقل: (في صلاتهم ساهون).
    والمراد هنا السهو في الصلاة.
    والسَّهو في الصلاة وَقَعَ مِن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه مقتضى الطبيعة البشرية، ولهذا لمَّا سها في صلاته قال: «إنما أنا بَشَرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني» فهو من طبيعة البشر، ولا يقتضي ذلك أن الإِنسان مُعْرِضٌ في الصلاة ؛ لأننا نجزم أن أعظم الناس إقامة للصلاة هو الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومع ذلك وَقَعَ منه السَّهو.
    والسهو الوارد في السُّنَّة أنواع: زيادة، ونقص، وشَكٌّ. وكلُّها وردت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

    قوله: «يُشرع لزيادة ونقص، وشَكٍّ» . «يشرع»: أي: يجب تارة، ويُسَنُّ أخرى.
    «لزيادة»: اللام للتعليل، أي: بسبب زيادة أو نقص أو شَكٍّ، ولكن في الجملة، لا في كُلِّ صورة؛ لأنه سيأتينا أن بعض الزيادات والنقص والشكوك لا يُشرع له السُّجود، فلهذا نقول: يشرع للزيادة، أي: أنَّ سبب مشروعيته الزيادة والنقص والشَّكُّ، ولا يعني ذلك أن كلَّ زيادة أو نقص أو شَكٍّ فيه سجود، بل على حسب التفصيل الآتي.
    فأسباب السجود ثلاثة:
    1 ـ الزيادة.
    2 ـ النقص.
    3 ـ الشَّكُّ.

    قوله: «لا في عَمْدٍ» أي: لا يُشرع في العمد؛ وذلك لأن العمد إن كان بترك واجب أو رُكن فالصَّلاة باطلةٌ؛ لا ينفع فيها سُجود السَّهو، وإن كان بترك سنَّة فالصَّلاة صحيحة، وليس هناك ضرورة إلى جَبْرِها بسجود السهو، لكن ذَكَرَ بعض العلماء: أنَّ مَنْ زاد جاهلاً فإنه يُشرع له سجود السهو.




    الشرح الممتع (3 / 336-338 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  8. #108
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: «في الفرض والنافلة» أي: يُشرع إما وجوباً أو استحباباً في صلاة الفَرْض وفي صلاة النَّفْل، لكن بشرط أن تكون الصلاة ذات ركوع وسجود، احترازاً مِن صلاة الجنازة، فإنَّ صلاة الجنازة لا يُشرع فيها سجود السَّهو؛ لأنها ليست ذات رُكوع وسُجود، فكيف تُجبر بالسجود؟ لكن كلُّ صلاة فيها ركوع وسجود فإنها تُجْبَرُ بسجود السهو، الفريضة والنافلة.


    فإن قال قائل: هل توجبون سجود السَّهو في صلاة النافلة فيما لو ترك واجباً من واجبات الصلاة؟
    فالجواب: نعم؛ نوجبه.
    فإن قال: كيف توجبون شيئاً في صلاة نَفْلٍ، وصلاة النَّفْلِ أصلاً غير واجبة؟
    نقول: إنه لما تلبَّس بها وَجَبَ عليه أن يأتي بها على وَفْقِ الشريعة، وإلا كان مستهزئاً، وإذا كان لا يريد الصلاة فمن الأصل لا يُصلِّي، أما أن يتلاعب فيأتي بالنافلة ناقصة ثم يقول: لا أجبرها، فهذا لا يوافق عليه.

    قوله: «فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة» احترازاً مما لو زاد قولاً، واحترازاً مما لو زاد فِعْلاً مِن غير جنس الصلاة، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك . هذان شرطان: أن يكون فِعْلاً، وأن يكون مِن جنس الصلاة.

    قوله: «قياماً» أي: في محلِّ القعود.
    قوله: «أو قعوداً» أي: في محلِّ القيام.
    قوله: «أو ركوعاً» أي: في غير محلِّه.
    قوله: «أو سجوداً» أي: في غير محلِّه.
    فهل المراد هذه الأنواع الأربعة من الأفعال فقط دون غيرها، أم أن هذا على سبيل التمثيل؟
    الظاهر: أن المراد بالفعل ما ذَكَرَهُ المؤلِّف وبيَّنه بقوله: «قياماً» أو «قعوداً» أو «ركوعاً» أو «سجوداً»؛ لأن كلمة «فعْل» هذه مجملة، وقوله: «قياماً» «قعوداً» «ركوعاً» «سجوداً» هذه مبيِّنة، فالظاهر: أن هذا هو المراد، وأنه لو زَادَ فِعْلاً غير هذه الأفعال الأربعة كرَفْعِ اليدين مثلاً في غير مواضع الرَّفْع، فإنه لا يدخل في عموم كلام المؤلِّف، فلا تبطل الصلاة بعمده، ولا يجب السجود لسهوه.
    ولو رَكَعَ مرَّتين عمداً في غير صلاة الكسوف بطلت صلاتُه، ولو سَجَدَ ثلاث مرَّات عمداً بطلت صلاتُه، ولو قَعَدَ في محلِّ القيام عمداً بطلت صلاتُه، ولو قام في محلِّ القعود عمداً بطلت صلاتُه، قال في «الروض»: «إجماعاً» يعني : ( أن العلماء رحمهم الله أجمعوا على ذلك، ودليل هذا قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ ) .

    قوله: «وسهواً يسجد له» هذه معطوفة على «عمداً» أي: ومتى زاد قياماً، أو قعوداً، أو ركوعاً، أو سجوداً سهواً يسجد له؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر مَنْ زاد في صلاته أن يسجدَ سجدتين ، هذا دليل من القول.
    ودليل من الفعل: أنه صلّى الله عليه وسلّم لما صَلَّى خمساً في حديث عبد الله بن مسعود، وقيل له: صَلَّيت خمساً، ثنى رجليه فَسَجَدَ سجدتين .

    قوله: «وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد» مثاله: رَجُلٌ صَلَّى الظُّهر خمساً، ولم يعلم إلا في التشهُّدِ، فهنا زاد ركعة ولم يعلم حتى فَرَغَ مِن الركعة.
    ويحتمل في قوله: «حتى فرغ منها» أي فرغ من الصلاة فيكون المثال المطابق لهذا الاحتمال: رَجُلٌ لما سَلَّم مِن الصلاة ذَكَرَ أنه صَلَّى خمساً، وعلى هذا فيكون قوله: «سَجَد» أي: بعد السلام. فإذا زاد ركعة ولم يعلم حتى فَرَغَ منها فإنه يسجد للسهو وجوباً، فإن عَلِمَ قبل أن يُسلِّم فهل يسجد قبل السلام، أو يسجد بعده؟
    الجواب: يسجد بعد السلام، فيكمِّل التشهُّد ويُسلِّم، ويسجد سجدتين ويُسلِّم.
    ودليل ذلك:
    1 ـ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما صَلَّى خمساً وأخبروه بعد السلام ثنى رجليه وسجد وسَلَّم، وقال: «إذا شَكَّ أحدكم فليتحرَّ الصوابَ، ثم لِيَبْنِ عليه» ولم يقلْ: متى علم قبل السلام فليسجد قبل السلام، فلما سجد بعد السلام ولم ينبِّه أن محل السجود لهذه الزيادة قبل السلام؛ علم أن السجود للزيادة يكون بعد السلام.

    2 ـ حديث ذي اليدين؛ فإن «النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم سلَّم من ركعتين، ثم ذكَّروه، فأتمَّ الصلاةَ وسلَّم، ثم سَجَدَ سجدتين وسلَّم» وهذا السجود لزيادة السلام في أثناء الصلاة وليس كما يتوهمه بعض الناس سجوده عن نقص حيث سلم قبل إتمام الصلاة لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتى بما بقي.

    3 ـ أن الزيادة زيادة في الصلاة، وسجود السَّهو زيادة أيضاً، فكان من الحكمة أن يؤخِّرَ سجود السهو إلى ما بعد السلام؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان.
    إذاً؛ دلَّ على أن السجود للزيادة بعد السلام النصُّ مِن السُّنَّة، والمعنى مِن الحكمة.


    قوله: «وإن علم فيها» أي: إنْ عَلِمَ بالزيادة في الرَّكعة التي زادها.
    قوله: «جلس في الحال» أي: في حال علمه، ولا يتأخَّر حتى لو ذَكَرَ في أثناء الرُّكوع أن هذه الرَّكعة خامسة يجلس،
    وقد يتوهَّمُ بعضُ طَلَبَةِ العِلم في هذه المسألة أن حكمها حكم من قام عن التشهُّد الأول، فيظن أنه إذا قام إلى الزائدة وشَرَعَ في القراءة حَرُمَ عليه الرجوع، وهذا وهمٌ وخطأ، فالزائد لا يمكن الاستمرار فيه أبداً، متى ذكر وجب أن يرجع ليمنع هذه الزيادة؛ لأنه لو استمر في الزيادة مع عِلْمِهِ بها لزاد في الصلاة شيئاً عمداً، وهذا لا يجوز؛ وتبطل به الصَّلاة.

    قوله: «فَتَشَهَّد إن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ» أي: أنه إذا علم بالزيادة فجلس فإنه يقرأ التشهُّدَ، إلا أن يكون قد تشهَّد قبل أن يقوم للزيادة، وهل يمكن أن يزيد بعد أن يتشهَّد؟
    الجواب: نعم يمكن، وذلك بأن يتشهَّد في الرابعة، ثم ينسى ويظنُّ أنها الثانية، ثم يقوم للثالثة في ظَنِّه، ثم يذكر بعد القيام بأن هذه هي الخامسة وأن التشهد الذي قرأه هو التشهُّد الأخير. فقول المؤلِّف: «يتشهَّد إن لم يكن تشهَّد» له معنًى صحيح.

    قوله: «وسَجَدَ وسَلَّم» ظاهر كلامه ـ رحمه الله ـ أنه يسجد قبل السلام، فإن كان هذا مراده وهو مراده وهو المذهب.
    لأنهم لا يرون السجود بعد السلام؛ إلا فيما إذا سَلَّمَ قبل إتمامها فقط، وأمَّا ما عدا ذلك فهو قبل السَّلام، لكنَّ القول الرَّاجح الذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية أن السجود للزيادة يكون بعد السلام مطلقاً.

    مسألة: إذا قام إلى ثالثة في الفجر ماذا يصنع؟
    الجواب: يرجع ولو بعد القراءة، وكذلك بعد الرُّكوع يرجع ويتشهَّد ويُسلِّم ثم يسجد للسهو ويُسَلِّم، على القول الرَّاجح أن السجود هنا بعد السلام.

    مسألة: إذا قام إلى ثالثة في صلاة مقصورة، أي: رَجُلٌ مسافر قام إلى ثالثة، والثالثة في حَقِّ المسافر زيادة، فهل يلزمه الرُّجوع في هذه الحال، أو له أن يكمل؟
    الجواب: هذا ينبني على القول بالقصر، إن قلنا: إن القصر واجب لزمه الرُّجوع، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظَّاهر ، يرون أن قَصْرَ المسافر للصلاة واجب، وأنَّ مَن أتمَّ في موضع القصر فهو كمن صَلَّى الظُّهر ثمانياً؛ لأنه زاد نصف الصلاة. وعلى القول بأن القصر ليس بواجب نقول: إنه مخيَّر بين الإِتمام وبين الرجوع، لأنك إن أتممت لم تبطل صلاتك، وإنْ رجعت لم تبطل؛ لأنك رجعت خوفاً من الزيادة.
    والصحيح: أنه يرجع؛ لأن هذا الرَّجل دَخَلَ على أنه يريد أن يُصلِّي رَكعتين فليصلِّ ركعتين ولا يزيد، وفي هذه الحال يسجد للسَّهو بعد السلام.

    مسألة: رَجُلٌ يُصلِّي ليلاً وصلاة الليل مثنى مثنى، فقام إلى الثالثة ناسياً فهل يلزمه الرُّجوع؟
    الجواب: يرجع، فإن لم يرجع بطلت صلاته؛ لأنه تعمَّد الزيادة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة الليل مثنى مثنى» ، ولهذا نصَّ الإِمام أحمد على أنه إذا قام في صلاة الليل إلى ثالثة فكرجُلٍ قام إلى ثالثة في صلاة الفجر، أي: إن لم يرجع بطلت صلاته،
    لكن يُستثنى مِن هذا الوِتر، فإن الوِتر يجوز أن يزيد الإِنسان فيه على ركعتين، فلو أوتر بثلاث جاز، وعلى هذا فإذا دَخَلَ الإِنسان بالوتر بنيَّة أنه سيصلِّي ركعتين ثم يُسَلِّم ثم يأتي بالثالثة، لكنه نسي فقام إلى الثالثة بدون سلام، فنقول له: أتمَّ الثالثة؛ لأن الوتر يجوز فيه الزيادة على ركعتين.

    قوله: «وإن سَبَّحَ به ثقتان فأصَرَّ، ولم يَجْزِمْ بصواب نفسه بطلتْ صلاتُهُ» «سَبَّحَ به» أي قال: «سبحان الله» تنبيهاً له؛ لأن المشروع في تنبيه الإِمام إذا زاد أو نقص أن يُسبِّحَ مَنْ وراءه؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا نابكم شيءٌ في صلاتكم فليسبِّحِ الرِّجَال ولتُصفق النساء». فإذا قام إلى الخامسة مثلاً فسبَّح به ثقتان وجب عليه الرُّجوع؛ إلا أن يجزم بصواب نفسه، فإن لم يرجع، وهو لم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته؛ لأنه تَرَكَ الواجب عمداً، وإنْ جزم بصواب نفسه لم يرجع.

    وفُهِمَ مِن كلام المؤلِّف: أنه إذا سَبَّحَ ثقتان فلا يخلو من خمس حالات:
    الأولى: أن يجزم بصواب نفسه، فيأخذ به ولا يرجع إلى قولهما.
    الثانية: أن يجزم بصوابهما.
    الثالثة: أن يغلب على ظَنِّه صوابهما.
    الرابعة: أن يغلب على ظَنِّه خطؤهما.
    الخامسة: أن يتساوى عنده الأمران.
    ففي هذه الأحوال الأربع يأخذ بقولهما على كلام المؤلِّف، والصحيح أنه لا يأخذ بقولهما إذا ظَنَّ خطأهما.

    مسألة: إن نَبَّهَه ثقتان بدون تسبيح، فهل يُعطى ذلك حكم التسبيح، يعني: إذا تنحنحوا له مثلاً؟
    فالجواب: نعم إذا نَبَّهاه بغير التسبيح فكما لو نَبَّهاه بالتسبيح، وعلى هذا فيكون تقييد المؤلِّف ذلك بالتسبيح مِن باب ضَرْبِ المَثَل ، أو مِن باب الغالب، أو مراعاة للفظ الحديث، وقد عَبَّرَ بعض الفقهاء بقوله: «وإن نَبَّهه ثقتان» وهذه العبارة أشمل من عبارة المؤلِّف.
    على كُلٍّ؛ إن نَبَّهَه ثقتان فإنه يلزمه الرجوع إلى قولهما؛ إلا أن يجزم بصواب نفسه، فإن لم يرجع، وهو لم يجزمْ بصواب نفسه بطلت صلاتُهُ؛ لأنه ترك الواجب عمداً، حيث إنه يلزمه إذا سَبَّحَ به ثقتان الرُّجوع.
    ودليل ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما ذكَّرَه ذو اليدين أنه صَلَّى ركعتين لم يرجع إلى قوله حتى سأل الصحابة فقال: «أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟» قالوا: نعم.
    ولو سَبَّحَ به رَجُلٌ واحد فقط فلا يلزمه الرُّجوع، ودليل ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يرجع إلى قول ذي اليدين. لكن إن غلبَ على ظَنِّه صِدْقُهُ أخذ بقوله على القول بجواز البناء على غلبة الظَّنِّ، وهو الصَّحيح.

    مسألة: لو سَبَّحَ رَجُلٌ بما يدلُّ على أن الإِمام زاد، وسَبَّحَ رَجُلٌ آخر بما يدلُّ على أنه لم يزدْ، فبقول أيِّ واحد منهما يأخذ؟
    الجواب: يتساقطان، فلو قال له أحدهما لمَّا قام: «سبحان الله» فلما تهيَّأ للجلوس قال الثاني: «سبحان الله»، إذاً؛ تعارض عنده قولان، فيتساقطان، كلُّ قول يُسقط الآخر، ويرجع إلى ما في نفسه ويبني عليه.

    تنبيه: اشترط المؤلِّف لوجوب الرجوع إلى قول الثقتين ألا يجزم بصواب نفسه، فإن جزم بصواب نفسه حَرُمَ الرُّجوعُ إلى قولهما، يعني: لو قالا: «سبحان الله»، ولكنه يجزم أنه على صواب، وأنهما مخطئان فلا يرجع إلى قولهما، لأنه لو رَجَعَ إلى قولهما لَرَجَعَ وهو يعلم أن قولَهُما خطأ، فتبطل صلاتُهُ.

    مسألة: إذا سبَّحَ به مجهولان؟ فلا يرجع إلى قولهما؛ لأنه لم يثبت كونهما ثقتين، ولكن الحقيقة أن الإِمام يقع في مثل هذا الحرج؛ لأنه يسمع التسبيح مِنْ ورائه ولا يدري مَن المسبِّح، قد يكون ثقة وقد لا يكون ثقة، لكن الغالب أن الإِمام في هذه الحال يكون عنده شَكٌّ، ويترجَّح عنده أن اللذين سَبَّحَا به على صواب. وحينئذ له أن يرجع إلى قولهما؛ لأن القول الراجح أنه يبني على غَلَبة الظَّنِّ.

    مسألة: فلو نَبَّهه امرأتان بالتصفيق، كأن صَلَّى رَجُلٌ بأُمِّه وأخته، وأخطأ، فنبهتاه بالتصفيق، فهل يرجع أم لا؟
    فالجواب: يرجع؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا نَابَكم أَمْرٌ ـ يعني: في الصَّلاة ـ فليسبّح الرِّجَال، ولتصفق النساء»، ولأن هذا خَبَرٌ ديني، فاستوى فيه الذكور والإِناث، ولأنه خَبَرٌ عن عَمَلٍ تُشارِكان فيه العاملَ، فلا يمكن أن تكذبا عليه، لأنه لو أخطأ أخطأتا معه، فلهذا نقول: إن المرأتين كالرَّجُلين.



    الشرح الممتع ( 3 / 338 – 347 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  9. #109
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات


    ... فصارت الشُّروط لإِبطال الصَّلاة بالعمل الذي مِن غير جنسها أربعة:
    1 ـ أنه كثير.
    2 ـ من غير جنس الصَّلاة.
    3 ـ لغير ضرورة.
    4 ـ متوالٍ، أي: غير متفرِّق.


    قوله: «ولا يشرع ليسيره سجود» ، أي: لا يجب ولا يستحبُّ؛ لأن المشروع يشمَل الواجب والمستحب، لأن هذا العمل من غير جنس الصَّلاة، وإنما نصَّ المؤلِّف على أنه لا يُشرع ليسيره سجود؛ لأنَّ في ذلك خلافاً ، وقد جرت عادةُ المؤلِّفين أنهم إذا نفوا شيئاً لا حاجة لِذِكْرِهِ فهو إشارة إلى وجود خلاف فيه ، وهنا لا حاجة أن يقول لا يُشرع ليسيره سجود ؛ لأن عدم ذِكْرِ مشروعية السُّجود يغني عن نفي مشروعية السُّجود ، لكن لما كان في ذلك خِلاف ذَكَرَ ذلك.

    قوله: «لا تبطل» الضَّمير يعود على الصَّلاة فَرْضها ونَفْلها.
    قوله: «بيسير أكل أو شُرب سهواً» مثاله: إنسان سَهَا، وكان معه شيء من طعام، فأخذ يأكل منه لكنه ساهٍ، فلا تبطل الصَّلاة؛ لأنه يسير، لكن لو كان كثيراً، مثل: أن يكون قد اشترى كيلو مِن العنب عَلَّقه في رقبته، ونسي وجعَل يأكل من هذا العنب حتى فَرَغَ منه، فهذا كثير؛ فتبطل به الصَّلاة، ولو كان ساهياً.
    وقيل: لا تبطل إذا كان ساهياً، وهو رواية عن الإِمام أحمد.
    أما إذا كان الأكل أو الشُّرب عمداً، فإن الصَّلاة تبطل به، قليلاً كان أم كثيراً، لكن استثنى المؤلِّفُ يسير الشُّرب في النَّفْلِ كما يفيده.
    قوله: «ولا نفلٌ بيسير شرب عمداً» أي: ولا يبطل النَّفْل كالرَّاتبة، والوتر، وصلاة الليل، وصلاة الضُّحى، وتحيَّة المسجد، بيسير شُرب عمداً.
    فبهذا عرفنا أنه تبطل الصلاة فَرْضها ونَفْلها بالأكل الكثير سهواً أو عَمْداً، ولا تبطل بالأكل اليسير سهواً.
    وأما الشُّرب: فتبطل بالشُّرب الكثير عمداً، أو سهواً، ولا تبطل باليسير سهواً، ولا تبطل أيضاً باليسير عمداً إذا كانت نَفْلاً، وعَلَّلوا ذلك بأثر ونظر:
    أما الأثر: فقالوا: إنَّ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه: كان يطيل النَّفْل وربما عَطِشَ فشرب يسيراً. وهذا فِعْلُ صحابي، وفِعْلُ الصَّحابي إذا لم يعارضه نصٌّ أو فعْلُ صحابي آخر فهو حُجَّة.
    وأما النَّظر: فلأن النَّفْل أخفُّ من الفَرْض، بدليل أن هناك واجبات تسقط في النَّفْل، ولا تسقط في الفَرْض، كالقيام، واستقبال القِبْلة في السفر، فإذا كان النَّفْلُ أخفَّ وكان الإِنسان ربَّما يطيله كثيراً فيحتاج للشُّرب سُمِحَ له بالشُّرب اليسير تشجيعاً له على النَّافلة...

    قوله: «إن أتى» أي: المصلِّي.
    قوله: «بقول مشروع» أي: قد شَرَعَه الشَّارع، سواء كان مشروعاً على سبيل الوجوب كالتسبيح وقراءة الفاتحة، أو على سبيل الاستحباب كقراءة السُّورة بعدها.
    قوله: «في غير موضعه» متعلِّق بـ«أتى»، أي: إنْ أتى في غير موضع القول المشروع بالقول المشروع، وليست متعلِّقة بمشروع؛ لأنه ليس هناك قول مشروع في غير موضعه.
    قوله: «كقراءة في سجود» القراءة في السُّجود غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها، وكذلك القراءة في الرُّكوع غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «ألا وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ راكعاً أو ساجداً، أمَّا الرُّكوع فعظِّموا فيه الربَّ، وأما السُّجود فأكثروا فيه من الدُّعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم».

    قوله: «وتشهد في قيام» التشهُّدُ يُشرع في الجلوس، لكن لو نسيَ فتشهَّدَ وهو قائمٌ فقد أتى بقول مشروع في غير موضعه.
    قوله: «وقراءة سورة في الأخيرتين» هذا أيضاً قول مشروع في غير موضعه، لأن الرَّكعتين الأخيرتين لا تُشرع فيهما القراءة بغير الفاتحة على المشهور من المذهب ، وقد ذكرنا في باب صفة الصَّلاة أنه ينبغي أحياناً أن يقرأ بزائد على السُّورتين.

    تنبيه: قوله: «كقراءة في سجود» ، أي: مع الإِتيان بسبحان رَبِّيَ الأعلى؛ لأنه إنْ قرأ في السُّجود ولم يقل: سبحان ربي الأعلى؛ فقد نقَّص واجباً فيلزمه سجود السَّهو، لكن إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه مع الإِتيان بالقول المشروع في ذلك الموضع فقرأ في الرُّكوع مع قول: «سبحان ربي العظيم»، أو قرأ في السُّجود مع قول: «سبحان ربي الأعلى»، أو قرأ في القعود مع قول: «ربِّ اغفِرْ لي»، أو قرأ في التشهُّد مع إتيانه بالتشهُّد.

    قوله: «لم تبطل» ظاهره: حتى وإنْ قرأ في الرُّكوع، وإنْ قرأ في السُّجود، لأنه قول مشروع في الجُمْلة في الصَّلاة، لكنه في غير هذا الموضع.
    وقال بعض العلماء : بل إذا قرأ في الرُّكوع أو في السُّجود بطلت، وبه قال بعض الظاهرية.
    واستدلُّوا: بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نُهيَ أن يقرأ القرآنَ وهو راكعٌ أو ساجدٌ ، والأصل في النَّهي التحريم، وعلى هذا؛ فتكون قراءة القرآن في الرُّكوع أو السُّجود حراماً، ومعلوم أن الإِنسان إذا فَعَلَ ما يحرم في العبادة فسدت.
    لكن الجمهور قالوا: هذا ليس محرَّماً بعينه، لكنه محرَّم باعتبار موضعه، بخلاف الكلام، فالكلام في الصَّلاة لا شكَّ أنه يبطل الصَّلاة؛ لأنه محرَّم بعينه، أما هذا؛ فالأصل أن القراءة غير محرَّمة في الصَّلاة بل مشروعة في موضعها، لكن النَّهي عن كونها في هذا الموضع فقط، فلم يكن ذلك مبطلاً للصَّلاة، وهذا هو الرَّاجح، أعني: أنها لا تبطل.

    تتمة: ولو فَعَلَ المستحب في غير موضعه؛ بأن رَفَعَ يديه في الانحدار إلى السجود ناسياً؛ فهل يُشرع السُّجود؟
    الجواب: لا يُشرع السُّجود؛ لأنه إذا لم يُشرع السُّجود لتركه وهو نقص في ماهيَّة الصَّلاة؛ فلا يُشرع لفعله مِن باب أَوْلَى، لكنه لا يبطل الصلاة؛ لأنه من جنسها، إلا أنه سيأتي ـ إن شاء الله ـ في باب سجود السَّهو أنه إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه، فإنه يُسنُّ له أن يسجد للسَّهو، كما لو قال: «سبحان رَبِّيَ الأَعلى» في الرُّكوع، ثم ذَكَرَ فقال: «سبحان رَبِّي العظيم» فهنا أتى بقول مشروع وهو «سبحان رَبِّيَ الأَعلى»، لكن «سبحان رَبِّي الأعلى» مشروع في السُّجود، فإذا أتى به في الرُّكوع قلنا: إنك أتيت بقول مشروع في غير موضعه، فالسُّجود في حقِّكَ سُنَّة.
    وهذا هو المذهب ، أعني التفريق بين القول المسنون والفعل المسنون، حيث قالوا: إنْ أتى بقول مشروع في غير موضعه سُنَّ له سجود السَّهو، وإن أتى بفعل مسنون في غير موضعه لم يُسنَّ له السُّجود، وفي هذا التفريق نظر؛ فإن عموم الأدلة في السُّجود للسَّهو يقتضي أنْ لا فَرْقَ.

    قوله: «وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت» ، أي: إذا سَلَّم قبل إتمام الصلاة بقصد الخروج منها عمداً بطلت؛ لأنه على غير ما أمر الله به ورسوله، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» . فالله تعالى قد فَرض صلاة الظُّهر مثلاً أربعاً، فإذا سَلَّمَ من ثلاث أو من ركعتين، فقد أتى بما ليس عليه أَمْرُ الله ورسوله فتبطل.
    وإنْ كان سهواً، أي: أنه ظَنَّ أن الصَّلاة قد تمَّت ثم ذَكَرَ قريباً، أي: في زمن قريب، أتمَّها وسَجَدَ، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ أين يكون موضع السُّجود.



    الشرح الممتع ( 3/ 354- 360 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  10. #110
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    الكلام في هذا الفصل على النَّقْصِ، وكلامه السابق في الباب على الزيادة، وقد سَبَقَ أن الزيادة : زيادة قول، وزيادة فِعْلٍ.
    وزيادة القول إما أن تكون مِن جنس الصَّلاة، أو من غير جنسها، وكذلك الفعل.
    فزيادة القول مِن غير جنس الصلاة تبطل الصَّلاة إنْ كانت عمداً، وكذلك إن كانت سهواً أو جَهْلاً على المذهب؛ لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن هذه الصَّلاة لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس».
    والصَّحيح: أنها لا تبطل الصَّلاة إنْ كانت سهواً أو جهلاً .
    وإن كان القول مِن جنس الصَّلاة، فإن كان مما يخرج به من الصَّلاة وهو السَّلام، فإن كان عمداً بطلت، وإن كان سهواً أتمَّها وسَجَدَ للسَّهو بعد السَّلام، وإن كان مما لا يخرج به من الصَّلاة، كما لو زاد تسبيحاً في غير محلِّه، فهذا يُشرع له السُّجود ولا يجب.
    أما زيادة الأفعال فإن كانت من غير جنس الصَّلاة فقد سَبَقَ أن أقسامها خمسة، وهي الحركة في الصَّلاة.
    وإن كانت من جنس الصَّلاة:
    فإن كانت تغير هيئة الصَّلاة، وهي: الرُّكوع والسُّجود والقيام والقعود، فإنْ كان متعمِّداً بطلت، وإلاَّ؛ لم تبطل، وسَجَدَ للسَّهو.
    وإن كانت لا تغير هيئة الصَّلاة، كما لو رَفَعَ يديه إلى حذو منكبيه في غير موضع الرَّفع، فإن الصَّلاة لا تبطل به، لأن ذلك لا يُغَيِّرُ هيئة الصَّلاة ولكن يُشرع له السُّجود على القول الرَّاجح.


    الشرح الممتع ( 3 / 370 -371 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  11. #111
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: «فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها» بطلت: يعني صارت لغواً، وليس البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة، لأنه لو كان البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة؛ لوجب أن يخرج من الصَّلاة، ولكن المراد بالبطلان هنا: اللغو، فمعنى «بطلت» أي صارت لغواً، وتقوم التي بعدها مقامها، هذا إذا ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى.

    مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي فلما سَجَدَ السُّجود الأول في الرَّكعة الأُولى، قام إلى الرَّكعة الثانية، وشرع في قراءة الفاتحة، ثم ذَكَرَ أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة؛ فَتَرَكَ جلوساً وسجدة، أي: ترك رُكنين، فنقول له: يحرم عليك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن مقصود من الرَّكعة التي تليها، فلا يمكن أن تتراجع عنها، لكن تلغي الرَّكعة السَّابقة، وتكون الرَّكعة التي بعدها بدلاً عنها.
    مثال آخر: قام إلى الرَّابعة في الظُّهر، ثم ذَكَرَ أنه نسيَ السَّجدة الثانية من الركعة الثالثة، بعد أن شَرَعَ في القراءة فتُلغَى الثالثة، وتكون الرابعة هي الثالثة، لأنه شَرَعَ في قراءتها. وهذا ما قرَّره المؤلِّف.

    والقول الثاني: أنها لا تبطل الركعة التي تركه منها، إلا إذا وَصَلَ إلى محلِّه في الرَّكعة الثانية، وبناء على ذلك يجب عليه الرُّجوعُ ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية.
    ففي المثال الذي ذكرنا، لمَّا قام إلى الثانية؛ وشَرَعَ في قراءة الفاتحة؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الركعة الأُولى، فنقول له: ارجعْ واجلسْ بين السَّجدتين، واسجدْ، ثم أكمل.

    وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن المتروك فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء، ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه، فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده، فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية، فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائـدة، لأنـه إذا رَجَـعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى، ويكون له ركعة مُلفَّقَة مِن الأُولى ومِن الثانية.
    مثاله: لما قام من السَّجدة الأولى في الرَّكعة الثانية وجَلَسَ؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سجدة واحدة، فلا يرجع إلى الرَّكعة الأولى، ولو رَجَعَ فسيرجع إلى المكان نفسه الذي هو فيه، وهذا القول هو القول الرَّاجح: أنه يجب الرُّجوع إلى الرُّكن المتروك ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية، فإنْ وَصَلَ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية صارت الثانية هي الأولى.



    قوله: «وقبله يعود وجوباً، فيأتي به وبما بعده» أي: إذا ذَكَرَ الرُّكن المتروك قبل شروعه في قراءة الرَّكعة التي تلي المتروك منها، فإنه يعود إلى الرُّكن المتروك فيأتي به وبما بعده.
    مثال ذلك: رَجُل يُصَلِّي فقام إلى الرَّكعة الثانية، وحين قيامه ذَكَرَ قبل أن يقرأ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سَجْدَة واحدة. فيلزمه الرُّجوع، فيجلس جلسة ما بين السَّجدتين، ثم يسجد ثم يقوم للثانية.



    الشرح الممتع ( 3 / 371-373 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  12. #112
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    ...فصار كلام المؤلِّف في تَرْكِ الرُّكن غير التحريمة له ثلاث حالات:
    ـ أما التَّحريمة فلا تنعقد الصَّلاة بتركها.
    الحال الأولى: أن يذكره قبل الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها، ففي هذه الحال يجب عليه الرُّجوع، فيأتي به وبما بعده، ويستمرُّ في صلاته.
    الحال الثانية: أن لا يعلم به إلا بعد السَّلام فيكون كَتَرْكِ ركعة كاملة.
    الحال الثالثة: أن يعلم به بعد الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها، فتبطُل الرَّكعة التي تَرَكَه منها، وتقوم الثانية مقامها.

    أما على القول الرَّاجح، فإنه إذا تَرَكَ رُكناً فلا يخلو مِن ثلاث حالات:
    الحال الأُولى: إنْ ذَكَرَه قبل أن يصل إلى محلِّه وجب عليه الرُّجوع.
    الحال الثانية: إنْ ذَكَرَه بعد أن وَصَلَ إلى محلِّه فإنه لا يرجع؛ لأنه لو رَجَعَ لم يستفد شيئاً، وتقوم الثَّانية مقام التي قبلها.
    الحال الثالثة: إنْ ذَكَرَه بعد السَّلام فإن كان من رَكعة قبل الأخيرة أتى بركعة كاملة، وإنْ كان من الأخيرة أتى به وبما بعده فقط، ولا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة. هذه أحوال نقص الأركان.


    هذا الكلام عن نقص الأركان، أما الواجبات فقد ذَكَرَها المؤلف بقوله: «وإن نسي التشهد الأول...» خصَّ المؤلِّفُ التشهُّدَ الأول على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، بل نقول: إذا نقَّص واجباً ناسياً كالتشهُّدِ الأول ونَهَضَ، فلا يخلو من ثلاث أحوال:
    الحال الأُولى: أن يذكره بعد أن ينهض، أي: بعد أن تفارق فخذاه ساقيه، وقبل أن يستتمَّ قائماً، ففي هذه الحال يجلس ويتشهَّد، ويتم صلاته، ويسجد للسَّهو.
    الحال الثانية: أن يذكره بعد أن يستتمَّ قائماً، لكن قبل أن يشرع في القراءة، فهنا لا يرجع؛ لأنه انفصل عن التشهُّدِ تماماً، حيث وَصَلَ إلى الرُّكن الذي يليه.
    الحال الثالثة: أن يذكره بعد الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها: فيحرم الرُّجوع، وقد بَيَّنَ المؤلِّفُ هذا التفصيل في قوله: «وإن نسي التشهُّدَ الأول ونَهَضَ لزمه الرُّجوع ما لم ينتصب قائماً، فإن استتمَّ قائماً كره رجوعه، وإنْ لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع».

    قوله: «وعليه السجود للكلِّ» أي: في كلِّ الأحوال الثلاث: إذا نهض ولم يستتمَّ قائماً، إذا استتم قائماً ولم يقرأ، إذا شَرَعَ في القراءة فعليه السجود في الكُلِّ.
    وبقي حال رابعة لم يذكرها؛ لأنها لا توجب سجود السَّهو، وهي: ما إذا ذَكَرَ قبل أن ينهض، أي: تأهَّب للقيام، ولكن قبل أن ينهض وتفارق فخذاه ساقيه، ذَكَرَ أنه لم يتشهَّد فإنه يستقرُّ ولا يجب عليه السُّجود في هذه الحال؛ لعدم الزيادة وعدم النقص، أما عدم النقص فلأنه أتى بالتَّشهُّدِ وأما عدم الزيادة فلأنه لم يأتِ بفعل زائد.
    وعلى هذا؛ فتكون الأحوالُ أربعاً، وصار الرُّجوع: محرماً، ومكروهاً، وواجباً، ومسكوتاً عنه.
    فالمحرم: إذا شَرَعَ في القراءة، ولو رَجَعَ عالماً بطلت صلاتُه؛ لأنه تعمَّد المفسد.
    والمكروه: إذا استتمَّ قائماً ولم يشرع في القراءة، ولو رَجَعَ لم تبطل؛ لأنه لم يفعل حراماً.
    وقال بعض العلماء : يحرم الرُّجوع إذا استتمَّ قائماً، سواءٌ شرعَ في القِراءة أم لم يشرعْ؛ لأنه انفصلَ عن محلِّ التشهُّد تماماً. وهذا أقرب إلى الصَّواب.
    والواجب: إذا لم يستتمَّ قائماً ونهضَ، ولكن في أثناء النهوض ذَكَرَ ثم رَجَع، ففي هذه الأحوال الثلاث يجب عليه سجود السَّهو.
    والمسكوت عنه: أن يذكر قبل أن ينهض. قال بعض العلماء: أي قبل أن تفارق فخذاه ساقيه، وبعضهم قال: قبل أن تفارق ركبتاه الأرضَ، والمعنى متقارب؛ لأنه إذا فارقت ركبتاه الأرضَ فقد نهضَ، وإذا فارقت أليتاه ساقيه فقد نهضَ أيضاً، لكن إذا ذَكَرَ قبل أن ينهض فإنه يستقر، وليس عليه سجود سهو. هذا حكم المسألة على كلام المؤلِّف.

    ويجب أن يُعلم؛ أن ما ذكرناه في التشهُّدِ الأول يجري على مَنْ تَرَكَ واجباً آخر، مثل: التسبيح في الرُّكوع، فلو نسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّي العظيم» ونَهَضَ من الرُّكوع فذكر قبل أن يستتمَّ قائماً، فإنه يلزمه الرُّجوع، وإن استتمَّ قائماً حرم الرُّجوع، وعليه أن يسجد للسَّهو؛ لأنه تَرَكَ واجباً، ويكون قبل السَّلام؛ لأنه عن نقص.
    ولو تَرَكَ قول: «سبحان رَبِّي الأعلى» في السُّجود حتى قام؛ فإنه لا يرجع، وعليه أن يسجد.
    ولو تَرَكَ «ربِّ اغفرْ لي» حتى سَجَدَ؛ فإنه لا يرجع، وعليه السُّجود، وعلى هذا فَقِسْ، فكلُّ مَنْ تَرَكَ واجباً حتى فارق محلَّه إلى الرُّكن الذي يليه فإنه لا يرجع، ولكن عليه السُّجود لهذا النقص، ويكون السُّجود قبل السَّلام.



    الشرح الممتع ( 3 / 375 -378 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  13. #113
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: «ومن شكّ» هذا هو السبب الثالث من أسباب سجود السَّهو. واعلم أن الشكَّ لا بُدَّ فيه من معرفة ثلاث قواعد:

    القاعدة الأولى: إذا كان الشكُّ بعد انتهاء الصَّلاة، فلا عِبْرَة به إلا أن يتيقن النقص، أو الزيادة.
    مثال ذلك: بعد أن سَلَّمَ شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ نقول: لا تلتفت لهذا الشكِّ، فلا تسجد للسَّهو، ولا ترجع لصلاتك، لأن الصلاة تمَّت على وَجْهٍ شرعي، ولم يوجد ما ينقض هذا الوجه الشَّرعي، فالمصلِّي لما سَلَّمَ لا إشكال عنده أن الصَّلاة تامَّة وبرئت بها الذِّمَّةُ، فورود الشكِّ بعد أن برئت الذِّمَّة لا عِبْرَة به...

    القاعدة الثانية: إذا كان الشَّكُّ وهماً، أي: طرأ على الذِّهن ولم يستقر، كما يوجد هذا في الموسوسين، فلا عِبْرَة به أيضاً، فلا يلتفت إليه، والإِنسان لو طاوع التوهم لتعب تعباً عظيماً.

    القاعدة الثالثة: إذا كَثُرت الشُّكوك مع الإِنسان حتى صار لا يفعل فِعْلاً إلا شَكَّ فيه، إنْ توضأ شَكَّ، وإنْ صَلَّى شَكَّ، وإن صام شَكَّ، فهذا أيضاً لا عِبْرَة به؛ لأن هذا مرض وعِلَّة، والكلام مع الإِنسان الصَّحيح السَّليم مِن المرض، والإِنسان الشكّاك هذا يعتبر ذهنه غير مستقر فلا عِبْرَة به.

    بقينا في الشَّكِّ إذا كان خالياً من هذه الأمور الثلاثة؛ فما الحكم؟ بَيَّنَ المؤلِّفُ الحكم فيه: وهو أربعة أقسام: الأول: الشَّكُّ في عدد الرَّكعات.
    وأشار إليه بقوله: «ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل» أي: شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ فيجعلها ثلاثاً، أو هل صَلَّى ثلاثاً أم اثنتين؟ يجعلها اثنتين. أو هل صَلَّى اثنتين أم واحدة؟ يجعلها واحدة.
    والدليل: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاته؛ فلم يَدْرِ كم صَلَّى؛ ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقنَ، ثم يسجدُ سجدتين قبل أنْ يُسلِّمَ».
    والتعليل: لأن الناقص هو المتيقَّن، والزائد مشكوك فيه، والأصل عدمه، والقاعدة: «أن ما شُكَّ في وجوده فالأصل عدمه» فعندنا ثلاث أو أربع، الثلاث متيقَّنة والرابعة مشكوك فيها، هل وُجِدَت أم لم تُوجَد؟ والأصل عدم الوجود.
    وظاهر كلام المؤلِّفِ: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون لديه ترجيح أو لا، فإذا شَكَّ؛ هل هي ثلاث أم أربع ورجَّح الأربع؟ يأخذ بالثلاث. أو شَكَّ هل هي ثلاث أم أربع، ورجَّحَ الثلاث؟ يأخذ بالثلاث. أو شَكَّ هل هي ثلاث أم أربع ولم يترجَّحْ عنده شيء؟ يأخذ بالثلاث. ففي الصُّور الثلاث سواء ترجَّح الناقص، أم الزائد، أم تساوى الأمران، على كلام المؤلِّف يأخذ بالأقل، وهذا هو المذهب.
    القول الثَّاني في المسألة: أنه إذا شَكَّ وترجَّحَ عنده أحد الأمرين أخذ بالمترجِّح، سواء كان هو الزائد أم النَّاقص.
    ودليل هذا القول: حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال فيمن شَكَّ فتردَّدَ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً قال: «... فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمَّ عليه ـ يبني على التحري ـ ثم ليُسَلِّم، ثم يسجد سجدتين».

    وهذا يدلُّ مع الحديث الأول على أن الشَّاكَّ له حالان:

    الأولى: حال يمكن فيها التَّحري، وهي التي يغلب فيها الظَّنُّ بأحد الأمرين.
    الثانية: حال لا يمكن فيها التَّحري، وهي التي يكون فيها الشَّكُّ بدون ترجيح.

    وبناءً على ذلك نقول: إذا شَكَّ في عدد الرَّكعات، فإن غلب على ظَنِّه أحد الاحتمالين عَمِلَ به، وبَنَى عليه، وسَجَدَ سجدتين بعد السَّلام، وإنْ لم يترجَّح عنده أحد الاحتمالين أخذ بالأقل، وبَنَى عليه، وسَجَدَ قبل السَّلام.
    مثال ذلك: رجلٌ صَلَّى وشَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ ولكن ترجَّحَ عنده أنها أربع. نقول: اجعلها أربعاً؛ لأنَّه ترجَّح عندك، ثم سَلِّمْ، ثم اسجدْ سجدتين بعد السَّلام.
    وإذا ترجَّحَ عنده أنها ثلاث، يجعلها ثلاثاً، ويأتي بالباقي، ويسجد سجدتين بعد السَّلام.
    وإذا شَكَّ ولم يترجَّح عنده شيء، يأخذ بالأقل ويسجد سجدتين قبل السَّلام...

    مسألة: لو بَنَى على اليقين، أو على غالب ظَنِّه، ثم تبيَّنَ أنه مصيب فيما فَعَلَ، فهل يلزمه السُّجود؟

    مثاله: رجل شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً بدون ترجيح؟ فجعلها ثلاثاً، وأتى بركعة رابعة، لكنَّه في أثناء هذه الرَّكعة تيقَّن أنها الرابعة.
    فللعلماء في هذا قولان:
    القول الأول: أنه لا يلزمه أن يسجد؛ لأنه تبيَّنَ عدم الزيادة والنقص، والسُّجود إنما يجب جَبْراً لما نَقَصَ، وهنا لم ينقص شيئاً ولم يزد شيئاً، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «فلم يَدْرِ كم صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً» وهذا الرَّجُل يدري كم صَلَّى فلا سُجود عليه.
    القول الثاني: أن عليه السُّجود؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «فلم يدرِ كم صَلَّى» وهذا لأجل أن يبني على ما عنده، وظاهره أنه لو درى فيما بعد فإنه يسجد لقوله: «فإنْ كان صَلَّى خمساً شفعن له صلاته، وإنْ كان صَلَّى إتماماً لأربعٍ، كانتا ترغيماً للشَّيطان».
    ولأنه أدَّى هذه الرَّكعة وهو شاكٌّ، هل هي زائدة أم غير زائدة؟ فيكون أدَّى جزءاً من صلاته متردِّداً في كونه منها فيلزمه السُّجود.
    وهذا القول دليله وتعليله قويٌّ، وفيه أيضاً ترجيح من وجه ثالث، وهو الاحتياط.


    الشرح الممتع ( 3 / 378 -384 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  14. #114
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    القسم الثاني: الشكُّ في تَرْكِ الأركان، وأشار إليه بقوله:
    «وإن شكَّ في تَرْكِ رُكن فكتركه» أي: لو شَكَّ هل فَعَلَ الرُّكن أو تَرَكَه، كان حكمه حكم مَنْ تركه.
    مثاله: قام إلى الرَّكعة الثانية؛ فَشَكَّ هل سَجَدَ مرَّتين أم مرَّة واحدة؟ فإن شرع في القراءة فلا يرجع، وقبل الشُّروع يرجع.
    وعلى القول الرَّاجح: يرجع مطلقاً، ما لم يصل إلى موضعه مِن الرَّكعة التالية، فيرجعْ ويجلسْ، ثم يسجد، ثم يقوم، لأن الشَّكَّ في تَرْكِ الرُّكن كالتَّرك.
    وكان الشَّكُّ في تَرْكِ الرُّكن كالتَّرك؛ لأن الأصل عدمُ فِعْله، فإذا شَكَّ هل فَعَلَه، لكن إذا غلب على ظَنِّه أنه فَعَلَه؛ فعلى القول الرَّاجح وهو العمل بغلبة الظَّنِّ يكون فاعلاً له حكماً ولا يرجع؛ لأننا ذكرنا إذا شَكَّ في عدد الركعات يبني على غالب ظَنِّهِ، ولكن عليه سجود السَّهو بعد السلام.

    القسم الثَّالث: الشَّكُّ في تَرْكِ الواجب، وأشار إليه بقوله:
    «ولا يسجد لشكّه في ترك واجب» أي: لو شَكَّ في تَرْكِ الواجب بعد أن فارق محلَّه، فهل هو كتَرْكه فعليه سجود السَّهو، أو هو كفعله فلا سجود عليه؟
    مثاله: شَكَّ بعد أن رَفَعَ من السُّجود هل قال: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» أم لم يقل؟
    فالجواب: في المسألة قولان:
    القول الأول: أن الشَّكَّ في تَرْكِ الواجب كتركه، وعليه سجود السَّهو؛ لأنه شَكَّ في فعله وعدمه، والأصل عدم الفعل، وإذا كان الأصل عدم الفعل فهذا الرَّجُل لم يتشهَّد التشهُّد الأول، فيجب عليه سجود السَّهو.
    القول الثاني: لا سجود عليه؛ لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود وهو تَرْك التشهُّد، والأصل عدم وجود السبب فينتفي عنه وجوب السُّجود وهذا هو المذهب.
    ولكن التعليل الأول أصحُّ، وهو أن الأصل عدم الفعل، وهذا الأصل سابق على وجوب سجود السَّهو فنأخذ به.
    وإذا أخذنا بالقول الرَّاجح ، وهو اتباع غالب الظَّنِّ فإذا غلب على ظَنِّكَ أنك تشهَّدت فلا سجود عليك، وإن غلب على ظَنِّكَ أنك لم تتشهَّد فعليك السُّجود، والسُّجود هنا يكون قبل السَّلام؛ لأنه عن نقص، وكلُّ سجود عن نقص فإنه يكون قبل السَّلام.


    القسم الرابع: الشكُّ في الزيادة وأشار إليه بقوله:
    «أو زيادة» أي: لو شَكَّ هل زاد في صلاته فيلزمه سجود السَّهو، أو لم يزدْ فلا سجود عليه فإنه لا يسجد، لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود، والأصل عدمه.
    مثاله: شَكَّ في التشهُّدِ الأخير من صلاة الظُّهر هل صَلَّى خمساً أم أربعاً؟ فلا سجود عليه؛ لأنَّ الرَّكعة انتهت على أنها الرابعة بلا تردُّد، وإنما طرأَ عليه الشَّكُّ بعد مفارقة محلِّها، والأصل عدمها.
    فإن تيقَّن أنه صَلَّى خمساً، فهنا يجب عليه السُّجود للسَّهو؛ لأنه تيقَّنَ أنه زاد، فيجب عليه سجود السَّهو.
    الحال الأولى: إذا شَكَّ في الزيادة، ثم تيقَّنها فيجب عليه السُّجود؛ لأجل الزيادة.
    الحال الثانية: إذا شَكَّ في الزيادة حال فِعْلِ الزِّيادة ثم تبيَّن عدمها فيجب عليه السُّجود على المذهب ، لأنه أدَّى هذه الرَّكعة متردِّداً في كونها زائدة أو غير زائدة.
    الحال الثالثة: إذا شَكَّ في الزِّيادة بعد انتهائه فلا سُجود عليه؛ لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود والأصل عدمه.

    فقوله: «أو زيادة» يدخله استثناءان:
    الاستثناء الأول: ما لم يتيقَّن الزيادة، وهذا ربَّما نقول: إنه لا يحتاج إلى استثناء، لأنه ليس بشكٍّ، والمؤلِّف يقول: «لشكِّه في الزيادة».
    الاستثناء الثاني: إذا شَكَّ في الزيادة حين فَعَلَها، وتبيَّن عدمها فإنه يجب عليه السُّجود؛ لأنه أدَّى جزءاً مِن صلاته متردِّداً في كونه منها، فوجب عليه السُّجود لهذا الشَّكِّ.

    قوله: «ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإِمامه» أي: أن المأموم لا يلزمه سجود السَّهو إلا تبعاً لإِمامه.
    فقوله: «لا سجود» عام يشمل السُّجود للشَّكِّ، أو السُّجود للزيادة، أو السُّجود للنقص.
    وذلك لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه» ولأن سجود السَّهو واجب، وليس برُكن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإِمام، وذلك في عدَّة صُور:
    منها: لو قام الإِمامُ عن التشهُّدِ الأول ناسياً سَقَطَ عن المأموم.
    ومنها: لو دخل المأمومُ مع الإِمام في ثاني ركعة في رباعية سَقَطَ عن المأموم التشهُّد الأول؛ لأنَّ التشهُّد الأول يقع لهذا المأموم في الرَّكعة الثالثة للإِمام، ومعلوم أن الإِمام لا يجلس في الرَّكعة الثالثة؛ فيلزم المأموم أن يقوم معه، فيسقط عنه واجب من واجبات الصَّلاة، فإذا كان الواجب يسقط عن المأموم مِن أجل المتابعة، فسجود السَّهو واجب؛ فيسقط عن المأموم من أجل المتابعة، وبناءً على هذا التَّعليل: يشترط أن لا يفوته شيء من الصلاة.
    مثاله: رَجُلٌ نسيَ أن يقول: «سبحان ربِّي العظيم»، ولم يفته شيء من الصَّلاة؛ فيسقط عنه سجود السَّهو.
    فإن فاته شيء مِن الصَّلاة، ولزمه الإِتمام بعد سلام إمامه؛ لزمه سجود السَّهو إنْ سها سهواً يوجب السُّجود، لأنه إذا سَجَدَ لا يحصُل منه مخالفة لإمامه.
    مثال ذلك: رجُلٌ نسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّي العظيم» في الرُّكوع وقد أدرك الإِمام في الرَّكعة الثانية، فهذا النسيان يوجب عليه سُجود السَّهو؛ لأنه تَرَكَ واجباً وقد فاته شيء من الصَّلاة، فإذا قام وأتى بالرَّكعة التي فاتته وجب عليه أن يسجد للسَّهو عن تَرْكِ الواجب؛ لأنه إذا سَجَدَ لا يحصُل منه مخالفة للإِمام؛ لكونه انفرد في قضاء ما فاته من الصَّلاة.

    وقوله: «إلا تبعاً لإِمامه» أي: إلاّ إذا كان سجوده تبعاً لإِمامه فيجب عليه، سواء سها أم لم يسهُ، فإذا سَجَدَ الإِمام وجب على المأموم أن يتابعه؛ لعموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه».
    مثاله: ترك الإِمام قول: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» في السُّجود، والمأموم لا يعلم؛ لأن الإِمام لا يسبِّحُ جهراً، فلما أراد أن يُسلِّم سَجَدَ سجدتين لما تَرَكَ من واجب التسبيح، فالمأموم لم يترك شيئاً من الواجبات والأركان، لكن يجب أن يسجد تبعاً للإِمام، كما يجب أن يجلس في الرَّكعة الأُولى إذا دَخَلَ مع الإِمام في الرَّكعة الثانية مع أن هذا ليس محلَّ جلوس له، لكن يجلس تبعاً للإمام، وهذا فيما إذا كان سجود الإمام قبل السَّلام، لأن الإِمام لم تنقطع صلاته بعد، فإن كان بعد السَّلام فهل يجب متابعته أو لا يجب؟
    ظاهر كلام المؤلِّف: أنها تجب متابعته ولو بعد السَّلام؛ لعموم قوله: «إلا تبعاً لإمامه» فلا فَرْقَ بين أن يسجد الإِمام قبل السَّلام أو بعده، وهذا ظاهر إذا كان المأموم لم يفته شيء من الصَّلاة، فهنا يجب أن يسجد مع الإِمام ولو بعد السَّلام.
    فإن كان المأموم مسبوقاً وَسَجَدَ الإِمام بعد السَّلام فهل يلزم المأموم متابعته في هذا السُّجود؟

    ظاهر كلام المؤلِّف: أنه يلزمه لقوله: «إلا تبعاً لإمامه» وهذا هو المعروف عند الفقهاء حتى قالوا: إذا قام ولم يستتمَّ قائماً لزمه الرُّجوع، كما لو قام عن التشهُّدِ الأول.
    والصَّحيح في هذه المسألة: أن الإِمام إذا سَجَدَ بعد السَّلام لا يلزم المأموم متابعته؛ لأن المتابعة حينئذ متعذِّرة، فإن الإِمام سيُسَلِّم ولو تابعه في السَّلام لبطلت الصَّلاة، لوجود الحائل دونها وهو السَّلام.

    ولكن هل يلزمه إذا أتمَّ صلاته أن يسجدَ بعد السَّلام، كما سجد الإِمام؟.
    الجواب: فيه تفصيل:
    إن كان سهو الإِمام فيما أدركه من الصَّلاة وجب عليه أن يسجد بعد السَّلام.
    وإن كان سهو الإِمام فيما مضى من صلاته قبل أن يدخل معه لم يجب عليه أن يسجد.
    مثال الأول: أن يكون سهو الإِمام زيادة، بأن رَكَعَ مرَّتين في الركعة الثانية، وأنت أدركته في ذلك، فهنا يلزمك أن تسجد إذا أتممت صلاتك، لأنك أدركت الإِمام في سهوه فارتبطتْ صلاتك بصلاته، وصار ما حصل من نقص في صلاته حاصلاً لك.
    مثال الثاني: أن تكون زيادة الركوع في الركعة الأُولى، ولم تدخل معه إلا في الرَّكعة الثانية، فإنه لا يلزمك السُّجود، لأن أصل وجوب السُّجود هنا كان تبعاً للإِمام، والمتابعة هنا متعذِّرة؛ لأنه بعد السَّلام، وأنت لم تدرك الإمام في الرَّكعة التي سها فيها؛ فارتبطت به في صلاة ليس فيها سهو بعد دخولك معه، فلم يلزمك أن تسجد.
    هذا هو الصَّحيح في هذه المسألة، وكلام المؤلِّف يدلُّ على أنك تتابعه في السُّجود بعد السَّلام؛ سواء أدركت معه السَّهو أم لم تدركه.


    مسألة: إذا كان المأموم مسبوقاً وسَهَا في صلاته، والإِمام لم يسهُ فهل عليه سجود؟
    يعني: لو أن مأموماً دَخَلَ مع الإِمام في الرَّكعة الثانية، ونسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّيَ العظيم» في الرّكوع وسَلَّم الإِمام، وقام المأموم يقضي، فهل عليه سجود السَّهو؟
    الجواب: عليه السجود للسَّهو إذا كان سهوه مما يوجب السُّجود؛ لأنه انفصل عن إمامه، ولا تتحقَّق المخالفة في سجوده حينئذ.


    مسألة: لو كان الإِمامُ لا يرى وجوب سجود السَّهو، والمأموم يرى وجوب سجود السَّهو مثل: التشهُّد الأول فإن بعض العلماء يرى أنه سُنَّة كما هو مذهب الشافعي، وليس بواجب، فإذا تَرَكَه الإِمام ولم يسجد للسَّهو بناءً على أنه سُنَّة، وأن السُّنَّة لا يجب لها سجود السَّهو، فهل على المأموم ـ الذي يرى أنَّ سجودَ السَّهو واجبٌ ـ سجودٌ؟
    الجواب: لا؛ لأن إمامه يرى أنه لا سجود عليه، وصلاته مرتبطة بصلاة الإِمام، وهو لم يحصُل منه خلل، فالمأموم يجب أن يتابع الإِمام، وقد قام بما يجب عليه.
    أما لو كان الإِمام يرى وجوب سجود السَّهو وسَبَّح به للسُّجود، ولكنه لم يسجد، فقال الفقهاء رحمهم الله: يسجد المأموم إذا أيسَ من سجود إمامه، لأن صلاته مرتبطة بصلاة الإِمام، والإِمام فَعَلَ ما يوجب السُّجود، وتَرَكَ السُّجود من غير تأويل، فوجب على المأموم أن يجبر هذا النقص ويسجد.
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  15. #115
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات


    قوله: «وسجود السَّهو لما يبطل عمده واجب» هذا الضَّابط فيما يجب سجود السَّهو له، فسجود السَّهو واجب لكل شيء يبطل الصَّلاة عمده.
    مثال ذلك: لو تركت قول: «رَبِّ اغفرْ لي» بين السَّجدتين وَجَبَ عليك سجود السَّهو، لأنك لو تعمَّدت تَرْكَهُ لبطلت صلاتُكَ.
    مثال آخر: لو أن الإِنسان تَرَكَ الفاتحة يجب عليه سجود السَّهو، ولكن يجب عليه شيء آخر غير سجود السَّهو وهو الإِتيان بالرُّكن، وتقدَّم ماذا يصنع في تَرْكِ الرُّكن.
    مثال ثالث: لو تَرَكَ التشهُّدَ الأول نسياناً يجب عليه السُّجود فقط، ولا يجب عليه الإِتيان به؛ لأنه واجب يسقط بالسَّهو.
    مثال رابع: لو تَرَكَ الاستفتاح لا يجب عليه سجود السَّهو، لأنه لو تعمَّد تَرْكه لم تبطل صلاتُه.

    ولكن هل يُسَنُّ؟

    الصَّحيح: أنه إذا تركه نسياناً يُسَنُّ السُّجود، لأنه قول مشروع فيجبره بسجود السَّهو، ولا يكون سجود السَّهو واجباً، لأن الأصل الذي وَجَبَ له السُّجود ليس بواجب، فلا يكون الفرع واجباً، فإذا ترك الإنسان سهواً سُنَّة من عادته أن يأتي بها، فسجود السَّهو لها سُنَّة، أما لو تَرَكَ السُّنَّة عمداً فهنا لا يُشرع له السُّجود؛ لعدم وجود السَّبب، وهو السَّهو.
    وقوله: «لما يبطل عمده» . «ما»: هنا اسم موصول، فيشمل الفعلَ والتَّركَ، فلو زاد ركوعاً سهواً وَجَبَ عليه السُّجود؛ لأنه لو تعمَّد زيادة الرُّكوع بطلت صلاتُه.
    ولو أتى بقول مشروع في غير موضعه؛ كأن يقرأ وهو جالس ناسياً. لا يجب عليه السُّجود؛ لأنه لو تعمَّد أن يقرأ وهو جالس لم تبطل صلاتُه.

    فالقاعدة الآن منضبطة طرداً وعكساً، فسجود السَّهو واجب لكل فِعْلٍ أو تَرْكٍ إذا تعمَّده الإِنسان بطلت صلاتُه، لكن يجب أن تُقيَّد هذه القاعدة بما إذا كان مِن جنس الصَّلاة كالرُّكوع، والسُّجود، والقيام، والقعود، فيخرج كلام الآدميين مثلاً، فإن عمده يبطل الصَّلاة، وسهوه لا يبطلها على الصَّحيح، ولا يوجب سجود السَّهو.

    مسألة: لو قرأ وهو راكعٌ أو ساجدٌ نسياناً فهل يجب أن يسجدَ للسَّهو، أو يُسَنُّ؟

    الجواب: جمهور أهل العلم لا يرون الوجوب؛ لأنَّهم لا يرون بُطلان الصَّلاة بتعمُّد القراءة في الرُّكوع، والسُّجود.
    وقال بعض العلماء وبعض الظَّاهرية: إذا تعمَّد القراءة في الرُّكوع والسُّجود بطلت صلاتُه؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا؛ وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً». فإذا قرأ القرآن وهو راكع أو ساجدٌ فقد أتى بما نهى الشَّارعُ عنه فتبطل الصَّلاة، كما لو تكلَّم، قال زيد بن أرقم: «أُمرنا بالسُّكوت ونُهينا عن الكلام»، وهو دليل قويٌّ لكنه عند التأمل نجد الفَرْق بين «نُهينا عن الكلام» وبين «نُهيتُ أن أقرأ القرآن» أنَّ النهيَ عن قراءة القرآن نهيٌ عن قراءته في هذا المحلِّ؛ لا عن قراءته مطلقاً، فإن القرآن قول مشروع في الصَّلاة، بل رُكن فيها في الجملة، فالفاتحة قراءتها رُكْنٌ؛ بخلاف كلام الآدميين؛ فإنه منهيٌّ عنه لذاته نهياً مطلقاً، فصار القياس غير صحيح، ولكن لا يقرأ في الرُّكوع والسُّجود، لأن القرآن أشرف الكلام؛ فلا يناسب أن يُقال في هيئة فيها الذُّلُّ والخضوع، وإنْ كان في الذُّلِّ لله رِفْعة وعِزَّة، لكن الهيئة لا تتناسب مع القرآن، بل المناسب هو القيام؛ ولهذا كان المناسب في الرُّكوع والسُّجود تنزيه الله ـ عن النقص والذُّلِّ ـ سبحانه وتعالى.

    قوله: «وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط» . «تبطل» أي: الصَّلاة بترك سجود أفضليته قبل السَّلام.
    «فقط» أي: دون الذي أفضليته بعد السَّلام.
    أفاد المؤلِّف رحمه الله هنا مسألتين:

    المسألة الأولى: أن كون السُّجود قبل السَّلام أو بعدَه على سبيل الأفضلية، وليس على سبيل الوجوب، وأنَّ الرَّجُل لو سَجَدَ قبل السَّلام فيما موضعه بعد السَّلام فلا إثم عليه، ولو سَجَدَ بعد السَّلام فيما موضعه قبل السَّلام فلا إثم عليه، والأفضل: أن يسجد قبل السَّلام، إلا إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة، فالأفضل: أن يسجد بعد السَّلام، هذه قاعدة المذهب.
    والدَّليل على أن الأفضل السُّجود بعد السَّلام؛ إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين صَلَّى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إحدى صلاتي العشي، فَسَلَّمَ مِن ركعتين فذكَّروه، فأتمَّ صلاته، ثم سَجَدَ سجدتين، ثم سَلَّمَ، وهذا هو المذهب.
    القول الثاني: أنَّ كون السُّجود قبل السَّلام أو بعدَه على سبيل الوجوب، وأنَّ ما جاءت السُّنة في كونه قبل السَّلام يجب أن يكون قبل السَّلام، وما جاءت السُّنَّة في كونه بعد السَّلام يجب أن يكون بعد السَّلام، وهذا اختيار شيخ الإِسلام، وهو الرَّاجح.
    واستدلَّ لذلك بقول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم وفِعْلِه:
    أما قوله: فإنه يقول: «ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم» فيما قبل السَّلام، ويقول: «ثم ليسلِّم ثم ليَسْجُدْ سجدتين» فيما بعد السلام، والأصل في الأمر الوجوب.
    وأما فِعْل الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم فإنه سَجَدَ للزِّيادة بعد السَّلام ، وسَجَدَ للنَّقص قبل السَّلام . وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي» وهذا يشمَلُ صُلب الصَّلاة وجَبْر الصَّلاة، وسجود السَّهو جَبْر للصَّلاة، وعلى هذا؛ فما كان قبل السَّلام فهو قبل السَّلام وجوباً، وما كان بعده فهو بعد السلام وجوباً. وعليه؛ فيجب على كُلِّ أحد أن يعرف السُّجود الذي قبل السَّلام، والسُّجود الذي بعد السَّلام، لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب.

    وأما الشَّكُّ فالمذهب : أن الشَّكَّ قسم واحد يبني فيه الإِنسان على اليقين، وهو الأقل، ويسجد للسَّهو قبل السَّلام. فليس هناك شيء يُبنى فيه على غلبة الظَّنِّ، حتى لو ترجَّح أحدُ الأمرين فيُبنى على اليقين، والبناءُ على اليقين محلُّ السُّجود فيه قبل السَّلام.

    ولكن الصَّحيح الذي دلَّت عليه السُّنَّة أنَّ الشَّكَ قسمان وهما:
    1 ـ شَكٌّ يترجَّح فيه أحد الطَّرفين، فتعمل بالرَّاجح، وتبني عليه، وتسجد بعد السَّلام.
    2 ـ شَكٌّ لا يترجَّح فيه أحد الطَّرفين، فتبني فيه على اليقين، وتسجد قبل السَّلام، وهذا اختيار شيخ الإسلام.

    المسألة الثانية مما أفادنا المؤلِّف: أن الصَّلاة تبطلُ إذا تَرَكَ السُّجود الذي محلُّه قبل السَّلام، ولا تبطل إذا تَرَكَ السُّجود الذي محلُّه بعد السَّلام، والفَرْق بينهما أن السُّجود الذي محلُّه قبل السَّلام واجب في الصّلاة؛ لأنه قبل الخروج منها، والسُّجود الذي محلُّه بعد السَّلام واجب لها؛ لأنه بعد الخروج منها، والذي تبطل به الصَّلاة إذا تعمَّد تَرْكه هو ما كان واجباً في الصَّلاة؛ لا ما كان واجباً لها، ولهذا لو تَرَكَ التشهُّدَ الأول عمداً بطلت صلاتُه؛ لأنه واجب في الصَّلاة، ولو تَرَكَ إقامة الصَّلاة عمداً لم تبطل صلاتُه؛ لأن الإقامة واجب للصَّلاة، وكذلك على القول الرَّاجح لو تَرَكَ صلاة الجماعة عمداً فإنَّ صلاته لا تبطل، لأن الجماعة واجبة للصَّلاة، لا واجبة فيها.
    وقوله: «فقط» «قط» بمعنى حسب، ومنه ما جاء في الحديث: «لا تزال جهنَّم يُلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رَبُّ العِزَّة فيها قدمَه، (أو عليها رِجْلَه) فَيَنْزوي بعضُها إلى بعضٍ وتقول: قَطْ، قَطْ...» أي: حسبي.
    وخرج بقوله: «فقط» ما أفضليته بعد السَّلام، فلا تبطل الصَّلاة بتركه لكن يأثم بتركه، حيث كان واجباً.

    قوله: «وإن نسيه وسَلَّمَ سجَدَ إن قَرُبَ زمنه» أي: السُّجود الذي قبل السَّلام، وسَلَّم سَجَد إن قَرُبَ زمنُه، فإنْ بَعُدَ زمنُه سقط، وصلاته صحيحة.
    مثاله:
    رَجُلٌ نسيَ التشهُّد الأول؛ فيجب عليه سجود السَّهو، ومحلُّه قبل السَّلام، لكن نسيَ وسَلَّمَ، فإن ذَكَرَ في زمن قريب سَجَدَ، وإنْ طال الفصلُ سَقَطَ. مثل: لو لم يتذكَّر إلا بعد مدَّة طويلة؛ ولهذا قال: «سَجَدَ إن قَرُب زمنُه» فإن خرج من المسجد فإنه لا يرجع إلى المسجد فيسقط عنه، بخلاف ما إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة؛ فإنه يرجع ويكمل، وذلك لأنه في المسألة الثانية تَرَكَ رُكناً فلا بُدَّ أن يأتيَ به، وهذا تَرَكَ واجباً يسقط بالسَّهو.
    وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية : بل يسجدُ، ولو طال الزَّمن؛ لأن هذا جابر للنقص الذي حصل، فمتى ذَكَرَه جَبَرَه.
    ولكن الأقرب: ما قاله المؤلِّف ـ رحمه الله ـ وهو المذهب : أنه إذا طال الفصل فإنه يسقط، وذلك لأنه إما واجب للصَّلاة، وإما واجب فيها، فهو ملتصق بها، وليس صلاة مستقلَّة حتى نقول إن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ نَام عن صلاة أو نسيها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها»، بل تابع لغيره فإن ذَكَرَهُ في وقت قريب سَجَدَ وإلا سقط.


    قوله: «ومن سها مراراً كفاه سجدتان» لأن السَّجدتين تجبران كُلَّ ما فات.
    مثال السَّهو مراراً: تَرَكَ قول: «سُبحان رَبِّيَ العظيم» في الرُّكوع، وَتَرَكَ التشهُّدَ الأول، وقول: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» في السُّجود، فهذه ثلاثة أسباب يُوجب كلُّ واحد منها سجود السَّهو فيكفي سجدتان، لأن الواجب هنا من جنس واحد، فدخل بعضُه في بعضٍ، كما لو أحدث ببول، وغائط، وريح، وأكل لحم إبل، فإنه يكفيه وُضوء واحد، ولا يلزمه أن يتوضَّأ لكلِّ سبب وُضُوءاً، فهنا أسباب السُّجود تعدَّدت، لكن الواجب في هذه الأسباب واحد، وهو وجود السَّهو فتداخلت.
    ولكن إذا اجتمع سببان، أحدهما: يقتضي أن يكون السُّجود قبل السَّلام، والثاني: يقتضي أن يكون السُّجود بعد السلام.
    فقيل: يعتبر ما هو أكثر، مثل: لو سَلَّمَ قبل تمام صلاته وَرَكَعَ في إحدى الرَّكعات رُكوعين، وتَرَكَ التشهُّدَ الأوَّل، فهنا عندنا سببان يقتضيان أن يكون السُّجود بعد السَّلام، وهما زيادة الرُّكوع والسَّلام قبل التمام، وعندنا سببٌ واحدٌ يقتضي السُّجود قبل السَّلام، وهو تَرْك التشهُّد الأول، فيكون السُّجودُ بعد السَّلام.
    مثال آخر: رَجُلٌ رَكَعَ في رَكعَة رُكُوعين، وتَرَكَ قول: «سُبحان رَبِّي العظيم» في الرُّكوع، وقول: «سُبحان رَبِّيَ الأعلى» في السُّجودِ، فهنا اجتمعَ سببان للسُّجودِ قبل السَّلام، وهما: تَرْكُ التَّسبيح في الرُّكوع وفي السُّجود، وسببٌ واحد يقتضي أن يكون السُّجود بعد السَّلام، وهو زيادة الرُّكوع، فالسُّجود قبل السَّلام.
    والمذهب يُغَلِّبُ ما قبلَ السَّلام مطلقاً؛ لأن ما قبل السَّلام جابره واجب، ومحلُّه قبل أن يُسلِّمَ، فكانت المبادرة بجَبْرِ الصَّلاة قبل إتمامها أَولى مِن تأخير الجابر .
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  16. #116
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    تم بحمد الله تعالى الانتهاء من المجلد الثالث لكتاب الشرح الممتع


    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  17. #117
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: «صَلاة التَّطُّوع» مِنْ باب إِضافةِ الشَّيء إلى نوعه؛ لأَنَّ الصَّلاةَ جِنسٌ ذو أنواع، فصلاةُ التَّطوُّع، أي: الصلاة التي تكون تطوُّعاً؛ أي: نافلة.
    والتَّطوُّعُ: يُطلق على فِعْلِ الطَّاعة مطلقاً، فيشمل حتى الواجب، قال الله تعالى: {{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ *}} مع أَنَّ الطَّوافَ بهما رُكنٌ من أركان الحَجِّ والعُمْرة.
    ويُطلق على المعنى الخاص في اصطلاح الفقهاء، فيُراد به كُلُّ طاعةٍ ليست بواجبة. ومِنْ حِكمةِ الله عزّ وجل ورحمتِهِ بعبادِه أَنْ شَرَعَ لكلِّ فَرْضٍ تطوُّعاً من جنسه؛ ليزداد المؤمن إيماناً بفعل هذا التَّطوُّع، ولتكمُلَ به الفرائض يوم القيامة، فإنَّ الفرائضَ يعتريها النَّقصُ، فتكمُلُ بهذه التَّطوُّعاتِ التي مِنْ جنسها، فالوُضُوء: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصَّلاةُ: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصَّدقة: واجبٌ وتطوُّعٌ، والصيام: واجبٌ وتطوُّعٌ، والحَجُّ: واجبٌ وتطوُّعٌ، والجهاد: واجبٌ وتطوُّعٌ، والعِلْمُ: واجبٌ وتطوُّعٌ، وهكذا.

    وصلاة التَّطوُّع أنواع:
    منها ما يُشرع له الجماعةُ، ومنها ما لا يشرعُ له الجَماعةُ.
    ومنها ما هو تابعٌ للفرائض، ومنها ما ليس بتابعٍ.
    ومنها ما هو مُؤقَّتٌ، ومنها ما ليس بمُؤقَّتٍ.
    ومنها ما هو مُقيَّدٌ بسبب، ومنها ما ليس مقيَّداً بسبب.
    وكلُّها يُطلق عليها: صلاةُ تَطوُّعٍ.
    وآكدُ ما يُتطوَّعُ به من العبادات البَدنية: الجِهَاد.
    وقيل: العِلْم.
    والصَّحيح: أنه يختلف باختلاف الفاعل؛ وباختلاف الزَّمن، فقد نقول لشَخصٍ: الأفضلُ في حَقِّك الجِهادُ، والآخرُ: الأفضلُ في حَقِّكِ العِلْم، فإذا كان شُجاعاً قويًّا نشيطاً؛ وليس بذاك الذَّكيِّ؛ فالأفضلُ له الجِهاد؛ لأنه أَليقُ به. وإذا كان ذكيًّا حافظاً قويَّ الحُجَّة؛ فالأفضلُ له العِلْم، وهذا باعتبار الفاعل.
    وأما باعتبار الزَّمن؛ فإننا إذا كُنَّا في زمن تَفَشَّى فيه الجهلُ والبِدعُ، وكَثُرَ مَنْ يُفتي بلا عِلم؛ فالعِلمُ أفضلُ من الجهاد، وإنْ كُنَّا في زمن كَثُرَ فيه العُلماءُ؛ واحتاجتِ الثُّغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية؛ فهنا الأفضل الجهاد. فإنْ لم يكن مرجِّحٌ، لا لهذا ولا لهذا؛ فالأفضلُ العِلم...


    قوله: «آكدها كسوف» أي: أن آكدَ صلاة التَّطوُّع صلاةُ الكسوف؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بها ، وخَرَجَ إليها فَزِعاً ، وصَلَّى صلاةً غريبةً، وعُرِضت عليه في صلاتِهِ هذه الجنَّةُ والنَّارُ، وخَطَب بعدها خُطبةً بليغةً عظيمةً ، وشَرعَ لها الجماعةَ، فأَمَرَ مناديًا أن يُنادي «الصلاةُ جامعةً»، فهي آكدُ صَلاةِ التطوُّع.
    وفُهِمَ من كلام المؤلِّف : أَنَّ صلاة الكُسُوفِ نافلةٌ من باب التطوُّعِ، وفيها خِلاف بين أهل العلم.
    والصحيح : أَنَّ صلاة الكُسُوف فرضٌ واجب، إِمَّا على الأعيان؛ وإِمَّا على الكفاية، وأَنَّه لا يمكن للمسلمين أن يَرَوا إنذارَ الله بكسُوف الشمسِ والقمرِ، ثم يَدَعوا الصَّلاةَ؛ مع أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بها، وأَمَرَ بالصدقة والتكبير والاستغفار والعتق والفزع إلى الصلاة، وحصل منه شيءٌ لم يكن مألوفاً مِنْ قبلُ، فكيف تقترنُ بها هذه الأحوالُ مع الأمر بها، ثم نقول: هي سُنةٌ؛ لو تركها المسلمون لم يأثموا. فأقلُّ ما نقول فيها: إنها فرضُ كفاية.


    قوله: «ثم استسقاء» . يعني: أنَّ صلاة الاستسقاء تلي صلاةَ الكسوفِ في الآكدية، وعَلَّل الأصحاب ذلك بأنها تُشرع لها صلاةُ الجماعة، فجعلوا مناطَ الأفضلية الاجتماعَ على الصَّلاة، فما شُرع له الاجتماعُ فهو أفضلُ مما لم يُشرع له الاجتماعُ، فالاستسقاء عندهم أفضل من الوِتر مثلاً؛ لأن صلاة الاستسقاء تُشرع لها الجماعةُ بخلاف الوِتر، وما شُرعت له الجماعةُ فهو آكد من غيره.
    ولكن؛ في هذا نَظَرٌ.

    والصواب : أَنَّ الوِترَ أوكدُ مِن الاستسقاء؛ لأن الوِترَ داومَ عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأَمَرَ به فقال: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ باللَّيلِ وِتْراً» وقال: «إِذا خَشِيَ أحدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى ركعةً واحدةً، تُوتِرُ له ما قد صَلَّى» وقال: «يا أهلَ القُرآن، أوتِرُوا...».

    وأما صلاةُ الاستسقاء؛ فإنه لم يَرِدِ الأمرُ بها، ولكنها ثَبتتْ مِنْ فِعْل الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكن يقتصرُ في الاستسقاء على الصَّلاة، فقد كان يستسقي بالدُّعاء في خُطبةِ الجُمُعةِ وفي غيرها.
    والاستسقاء هو : أَنَّ النَّاسَ إذا أجدبتِ الأرضُ، وقَحِطَ المطرُ، وتضرَّروا بذلك؛ خرجوا إلى مُصَلَّى العيدِ؛ فصَلُّوا كصلاة العيدِ، ثم دعوا الله عزّ وجل. وستأتي مفصَّلة في بابٍ مستقلٍّ إن شاء الله.

    قوله: «ثم تراويح، ثم وتر» أي: أَنَّ التراويحَ تلي الاستسقاءَ في الآكدية، فهي في المرتبة الثالثة، فقدَّمَ التراويحَ على الوِتر بناءً على أنَّ مَنَاطَ الأفضليَّة هو الجماعة، والتراويحُ تُشرعُ لها الجماعةُ بفعل الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم، فإنه عليه الصَّلاة والسَّلام صَلَّى بالناس في رمضان ثلاث ليال، ثم تخلَّفَ في الثالثة أو في الرابعة، وقال: «إِنِّي خَشيتُ أَن تُفْرَضَ عليكم» فبقيت الأُمَّةُ الإسلاميةُ لا تُقَام فيها صلاةُ التراويح جماعةً، حتى جمعهم أميرُ المؤمنين عُمرُ بنُ الخطاب على تَمِيمٍ الدَّاريِّ وأُبيِّ بنِ كعب ، فالمؤلِّفُ يرى أن التراويحَ مقدَّمةٌ على الوِتر.

    والصَّحيحُ: أَنَّ الوِترَ مقدَّمٌ عليها، وعلى الاستسقاء؛ لأنَّ الوِتر أَمَرَ به وداوم عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، حتى قال بعضُ أهلِ العِلمِ: إنَّ الوِترَ واجبٌ.
    وقال بعضُ العُلماء: إنَّهُ واجبٌ على مَنْ له وِرْدٌ مِن اللَّيل. يعني: على مَنْ يقومُ اللَّيل.
    وقال آخرون: إنه سُنَّةٌ مطلقة.
    وصلاةٌ هذا شأنها في السُّنَّةِ، وعند أهل العِلم، كيف تُجعل التراويحُ التي اختُلِفَ في استحباب الجماعة لها أفضلُ منها؟

    إذاً؛ فترتيب صَلاة التطوُّع: الكسوف، ثم الوِتر، ثم الاستسقاء، ثم التراويح، هذا هو القول الراجح؛ لأن الاستسقاء صلاة يقصد بها رَفْع الضرر، فالناس في حاجة إليها أكثر من التراويح.

    والتراويح: هو قيامُ اللَّيلِ في رمضان، وسُمِّيَ تروايحُ؛ لأن النَّاسَ كانوا يُطيلون القيامَ فيه والرُّكوعَ والسُّجودَ، فإذا صَلُّوا أربعاً استراحوا، ثم استأنفوا الصَّلاةَ أربعاً، ثم استراحوا، ثم صَلُّوا ثلاثاً، على حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لا يزيدُ في رمضانَ ولا غيره على إحدى عَشْرَة رَكْعةً، يُصلِّي أربعاً؛ فلا تسألْ عن حُسْنهنَّ وطُولِهنَّ، ثم يُصلِّي أربعاً؛ فلا تسألْ عن حُسْنهنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصلِّي ثلاثاً» ، وهذه الأربع التي كان يُصلِّيها أولاً؛ ثم ثانياً؛ يُسلِّمُ فيها من ركعتين؛ كما جاء ذلك مفسَّراً عنها رضي الله عنها قالت: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي في الليل إِحدى عَشْرَة رَكْعة، يُسلِّمُ من كُلِّ رَكعتين» ، وبه نعرف أنَّ القائِلَ بأنّ هذه الإحدى عَشْرة، تُجمعُ الأربعُ فيها في سَلامٍ واحدٍ، والأربعُ في سَلامٍ واحدٍ لم يُصِبْ، ولعلَّه لم يَطَّلعْ على الحديث الذي صَرَّحتْ فيه بأنَّه يُسلِّمُ من كُلِّ رَكعتينِ.

    وعلى فَرَضِ أَنَّ عائشةَ لم تُفصِّلْ؛ فإنَّ قولَ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى» يَحْكم على هذه الأربع بأنَّهُ يُسلَّم فيها مِن كُلِّ رَكعتين؛ لأنَّ فِعْلَ الرَّسولِ المُجْمَلَ يفسِّرُه قولُهُ المفصَّلُ.
    أما الوِتر؛ فإنَّه سيأتينا ـ إنْ شاء الله ـ أَنَّ أقلَّهُ رَكْعة، وأكثره إحدى عَشْرة رَكعة، ويأتي بيان صِفته أيضاً.
    والوِترُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، وهو ـ عند القائلين بأنه سُنَّةٌ ـ مِن السُّنَنِ المؤكَّدةِ جداً، حتى إنَّ الإمامَ أحمدَ رحمه الله قال: «مَنْ تَرَكَ الوِترَ فهو رَجُلُ سُوءٍ لا ينبغي أن تُقبل له شَهادة» ـ فَوَصَفَه بأنه رَجُلُ سُوءٍ، وحَكَم عليه بأنه غيرُ مَقبول الشَّهادة، وهذا يدلُّ على تأكُّدِ صَلاة الوِتْرِ.


    قوله: «يفعل بين صلاة العشاء والفجر» ، هذا وقته بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صَلَّى العشاء في وقتها، أو صلاها مجموعة إلى المغرب تقديماً، فإن وقت الوِتر يدخل من حين أن يصلي العشاء لما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنَّ اللهَ أَمَدَّكُم بصلاةٍ هيَ خيرٌ لكم مِنْ حُمْرِ النَّـعَـمِ، صلاة الوِتْرِ، ما بين صلاةِ العِشَاء إلى أَنْ يَطْلُع الفَجْرُ». والسُّنة الصحيحة تشهد له، ولأن صلاة الوِتر تُختم بها صلاة الليل، وإذا انتهت صلاة العشاء فقد انتهت صلاة الليل المفروضة، ولم يبق إلا صلاة التطوع، فللإنسان أن يوتر من بعد صلاة العشاء مباشرة، ولو كانت مجموعة إلى المغرب تقديماً.
    قوله: «والفجر» يعني: طلوع الفجر؛ لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فإذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى واحدةً، تُوتِرُ له ما قد صَلَّى» فإذا طَلَعَ الفجرُ فلا وِتْرَ، وأما ما يُروى عن بعضِ السَّلفِ؛ أَنَّه كان يُوتِرُ بين أذانِ الفَجرِ، وإقامةِ الفَجرِ فإنَّه عَمَلٌ مُخالفٌ لما تقتضيه السُّنَّة، ولا حُجَّةَ في قولِ أحدٍ بعد رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.
    فالوِتْرُ ينتهي بطُلوعِ الفَجرِ، فإذا طَلَعَ الفجرُ وأنت لم تُوتِرْ؛ فلا تُوتِر، لكن ماذا تصنعُ؟
    الجواب : تُصلِّي في الضُّحى وِتراً مشفوعاً بركعة، فإذا كان مِن عادتك أن توتر بثلاث صلَّيتَ أربعاً، وإذا كان مِن عادتك أن توتر بخمس فصل ستاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «كان إذا غَلَبَهُ نومٌ أَو وَجَعٌ عن قيامِ اللَّيلِ؛ صَلَّى من النَّهارِ ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعةً».
    ولم يتكلم المؤلِّفُ ـ رحمه الله ـ هل الأفضل تقديمه في أول الوقت أو تأخيره؟ ولكن دلَّت السُّنَّةُ على أن مَنْ طَمِعَ أن يقوم من آخر الليل فالأفضل تأخيره؛ لأن صلاة آخر الليل أفضل وهي مشهودةً، ومن خاف أن لا يقوم أوتر قبل أن ينام.


    قوله: «وأقله ركعة» يعني: أقل الوتر ركعة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الوِتْرُ رَكْعَةٌ من آخرِ اللَّيلِ» أخرجه مسلم ، وقوله : «صَلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإِذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى ركعةً واحدةً تُوتِرُ له ما قد صَلَّى» وهو في «الصحيحين» فقوله: «صَلَّى ركعةً واحدةً» يدلُّ على أن أقل الوتر ركعة واحدة، فإذا اقتصر الإنسان عليها فقد أتى بالسُّنَّةِ.

    قوله: «مثنى مثنى» أي: يصليها اثنتين اثنتين.
    قوله: «ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم» لقول عائشة: «كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي باللَّيلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكعةً، يُوتِرُ منها بواحدةٍ» وفي لفظ: «يُسلِّمُ بين كُلِّ رَكعتين، ويوتِرُ بواحدةٍ».
    فيجوزُ الوِترُ بثلاثٍ، ويجوزُ بخمسٍ، ويجوزُ بسبعٍ، ويجوزُ بتسعٍ، فإنْ أوترَ بثلاثٍ فله صِفتان كِلتاهُما مشروعة:
    الصفة الأولى : أنْ يَسْرُدَ الثَّلاثَ بِتَشهدٍ واحدٍ.
    الصفة الثانية : أنْ يُسلِّمَ مِن رَكعتين، ثم يُوتِرَ بواحدة.
    كلُّ هذا جَاءت به السُّنةُ، فإذا فَعَلَ هذا مرَّةً، وهذا مرَّةً فَحَسَنٌ...



    الشرح الممتع ( 4 / 5 – 15 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  18. #118
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    ساذكر إن شاء الله تعالى ملخص أحكام سجود السهو ، للعلامة ابن عثيمين رحمه الله نقلا من رسائل وفتاوى في الصلاة إعداد دار ابن خزيمة للنشر ، فإن كان هناك بعض التنبيهات أو تفصيل نرجو بيانه .
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  19. #119
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات


    1
    المسألة

    في السلام قبل تمام الصلاة:
    إذا سلم المصلي قبل تمام الصلاة ناسياً .
    حالــــتهـا

    إن ذكر بعد مضي زمن طويل استأنف الصلاة من جديد. وإن ذكر بعد زمن قليل كخمس دقائق فإنه يكمل صلاته ويسلم منها .
    موضع السجود

    يسجد بعد السلام للسهو سجدتين ويسلم مره ثانية .


    2


    في الزيادة في الصلاة : إذا زاد المصلي في صلاته قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً .

    إن ذكر بعد الفراغ من الزيادة فليس عليه إلا السجود للسهو وإن ذكر في أثناء الزيادة وجب عليه الرجوع عن الزيادة .


    يسجد للسهو بعد السلام ويسلم ثانية .


    3


    في ترك الأركان : إذا ترك ركن من أركان الصلاة غير تكبيرة الإحرام ناسياً

    فإن وصل إلى مكانه من الركعة التي تليها لغت الركعة التي تركه منها وقامت التي تليها مقامها . وإن لم يصل إلى مكانه من الركعة التي تليها وجب عليه الرجوع إلى محل الركن المتروك وأتى به وبما بعده


    في كلتا الحالتين يجب عليه سجود السهو ومحله بعد السلام


    4
    في الشك في الصلاة : إذا شك في عدد الركعات هل صلى ركعتين أو ثلاثاً فلا يخلو من حالتين
    الحالة الأولى : أن يترجح عنده أحد الأمرين فيعمل بالراجح ويتم عليه صلاته ثم يسلم
    الحالة الثانية: ألا يترجح عنده أحد الأمرين فإنه يبني على اليقين وهو الأقل ثم يتم عليه
    يسجد للسهو بعد السلام في الحالة الأولى .
    يسجد للسهو قبل السلام في الحالة الثانية


    5
    في ترك التشهد الأول : إذا ترك التشهد الأول ناسياً وحكم الواجبات حكم التشهد الأول .
    1- إن لم يذكر إلا بعد أن استتم قائما فإنه يستمر في صلاته ولا يرجع للتشهد .

    2- إن ذكر بعد نهوضه وقبل أن يستتم قائما فإنه يرجع ويجلس ويتشهد ويكمل صلاته .

    3- إن ذكر قبل أن ينهض فخذيه عن ساقيه فإنه يستقر جالسا ويتشهد ثم يكمل صلاته ولا يسجد للسهو لأنه لم يحصل منه زيادة ولا نقص .
    يسجد للسهو قبل السلام
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  20. #120
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    مختصر مفيد
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •