مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات - الصفحة 4
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 4 من 10 الأولىالأولى 12345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 185
5اعجابات

الموضوع: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: «فإن قطعها بذِكْرٍ، أو سكوت غير مشروعين، وطَالَ» أي: قَطَعَ الفاتحةَ فلم يواصلْ قراءتها، يعني: لما قال: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} جعل يُثني على الله سبحانه وتعالى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وقام يدعو بدعاء، ثم قال: {{الرحمن الرَّحِيمِ}}. نقول: هذا غيرُ مشروع، فإذا طال الفصلُ وَجَبَ عليك الإِعادة، كذلك لو قَطَعَها بسكوت، قال: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} ثم سَمِعَ ضَوضاءَ فسكت يستمعُ ماذا يقول النَّاسُ، وطال الفصلُ، فإنه يعيدها مِن جديد؛ لأنه لا بُدَّ فيها من التَّوالي،
    لكن اشترط المؤلِّفُ فقال: «غير مشروعين» أي: الذِّكْر والسُّكوت، فإن كانا مشروعين كما لو قَطَعَها ليسأل الله أن يكون مِن الذين أنعمَ اللَّهُ عليهم، مثل لما مرَّ {{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} قال: اللَّهُمَّ اجْعلنِي منهم، وألحقني بالصَّالحين. فهذا يسير، ثم هو مشروعٌ في صلاةِ الليل. كذلك إذا سكتَ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكان يعلم أن إمامَه يسكتُ قبل الرُّكوعِ سكوتاً يتمكَّن معه أن يكملها، فسكتَ استماعاً لقراءة إمامِه، ثم أتمَّها حين سكتَ الإِمامُ قبل الرُّكوعِ، فإن هذا السُّكوتَ مشروعٌ، فلا يضرُّ ولو طال.

    قوله: «أو ترك منها تشديدة» أي: لو تَرَكَ تشديدة حرف منها فقرأه بالتَّخفيف، مثل تخفيف الباء من قوله: {رب العالمين} لم تصحَّ، وإنما لم تَصحَّ؛ لأن الحرف المشدّد عبارة عن حرفين، فإذا تَرَكَ التشديدَ أنقصَ حرفاً.
    قوله: «أو حرفاً» أي: تَرَكَ حرفاً مِن إحدى كلماتها، مثل: أن يترك (أل) في {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}} وهذا يقعُ كثيراً مِن الذين يُدغمون بسبب إسراعهم في القراءة، فلا تصحُّ.
    قوله: «أو ترتيباً» يعني: إذا أخلَّ بترتيب آياتِها أو كلماتِها فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}{الرحمن الرَّحِيمِ} أو قال: الرحيم الرحمن، مالك يوم الدين. فإنها لا تصحُّ؛ لأنه أخلَّ بالترتيب، وترتيب الآيات والكلمات توقيفي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وليس اجتهادياً، ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ضعوا هذه الآية في السُّورة التي يُذكر فيها كذا» ، ولو لم يكن بالنسبة للفاتحة إلا قراءةُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم إيَّاها على هذا الترتيب الذي أجمعَ عليه المسلمون.

    قوله: «لزم غير مأموم إعادتها» «غير» بالنصب على أنها مفعول مقدَّم للزم، و«إعادة» فاعل مؤخَّر، يعني: لزمت إعادتُها على غير مأموم؛ لأن قراءة الفاتحة في حقِّ المأموم ـ على المشهور من المذهب ـ ليست بواجبة، فلو تَرَكَها المأمومُ عمداً لم يلزمه إعادة الصَّلاةِ، ولكن مع ذلك يحرم عليه أن ينكِّس الآيات، أو أن يُنكِّس الكلمات، إنما من حيث وجوبُ إعادة الفاتحة لا يجبُ على المأموم إذا فَعَلَ ذلك؛ لأنها لا تجب عليه، ولكن هل تبطل صلاته من أجل مخالفة التَّرتيب في الكلمات أو الآيات؛ لأنه مُحرَّمٌ عليه؟ هذا محلُّ نَظَر.

    وقوله: «لزم غير مأموم إعادتها» ظاهر كلامه: أنه يعيدُها من أولها، فلو أسقطَ «أل» مِن قوله: {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}} فظاهرُ كلامِه أنه يلزمه إعادة الفاتحة كلها؛ وليس هذا بوجيه، وقد لا يكون هذا مراده، بل يلزمه إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه؛ لأن ما قبلَه وَقَعَ صحيحاً، والمدَّة ليست طويلة حتى يُقال: إنه لو أعاد مِن حيث أخلَّ لَزِمَ طول الفصل بين الجزء الصَّحيح الأول والجزء الصَّحيح الثاني؛ لأن كلَّ الفاتحة لا تستوعب زمناً طويلاً، وعلى هذا؛ فإذا أخلَّ بشيءٍ مِن آخرِها، فإنه لا يلزمه إلاَّ إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه، مراعاةً للترتيب، فإن كان في أول آية مثل: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} بتخفيف الباء لزمتُه الإِعادة مِن الأول.

    مسألة: كيف يقرأُ هذه السُّورة؟.
    نقول: يقرؤها معربةً مرتَّبةً متواليةً، وينبغي أن يفصِلَ بين آياتِها، ويقفَ عند كلِّ آية، فيقف سبعَ مرَّات، {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} ـ فيقف ـ {{الرحمن الرَّحِيمِ}} ـ فيقف ـ {{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}} ـ فيقف ـ {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} ـ فيقف ـ {{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} ـ فيقف ـ {{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} ـ فيقف ـ {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} ـ فيقف. لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُقطِّعُ قراءَتَهُ، فيَقِفُ عند كلِّ آية ، وإن لم يقفْ فلا حرجَ؛ لأنَّ وقوفه عند كلِّ آيةٍ على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الوجوبِ؛ لأنَّه مِن فِعْلِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم دون أمْرِه، وما فَعَلَه النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دون أَمْرٍ به مما يُتعبَّد به فهو مِن قبيل المستحبِّ، كما ذُكر ذلك في أصول الفقه: أنَّ الفعلَ المجرَّدَ مما يُتعبَّدُ به يفيد الاستحباب، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا عَلَّمَ المسيءَ في صلاتِه أمره أن يقرأ ما تيسَّر مِن القرآن ، ولم يقل: ورتِّل، أو: قِفْ عند كلِّ آية.

    فإنْ قال قائل: ذكرتم أنه إذا أبدل حرفاً بحرف فإنَّها لا تصحُّ، فما تقولون فيمَن أبدَل الضَّادَ في قوله: {{وَلاَ الضَّالِّينَ}} بالظاء؟
    قلنا: في ذلك وجهان لفقهاء الحنابلة:
    الوجه الأول: لا تصحُّ؛ لأنه أبدلَ حَرْفاً بحرف.
    الوجه الثاني: تصحُّ، وهو المشهور مِن المذهب، وعلَّلوا ذلك بتقارب المخرجين، وبصعوبة التفريق بينهما، وهذا الوجه هو الصَّحيح، وعلى هذا فمَن قال: {{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} بالظاء فصلاته صحيحة، ولا يكاد أحدٌ من العامة يُفرِّق بين الضَّاد والظاء.

    قوله: «ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة» أي: المنفرد، والمأموم، والإِمام بالجهرية.
    أما الإِمام فواضح أنه يجهر بآمين؛ لأن ذلك ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا» فعلَّق تأميننا بتأمين الإِمام، ولولا أننا نسمعُهُ لم يكن بتعْليقِهِ بتأمين الإِمامِ فائدة، بل لكان حَرَجاً على الأمة، ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يجهرُ بآمين حتى يَمُدَّ بها صوتَه. وكذلك المأمومون يجهرون بها، كما كان الصَّحابةُ رضي الله عنهم يجهرون بذلك خلفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ حتى يرتجَّ المسجدُ بهم وهذه السُّنَّةُ صحيحةٌ ثابتة.
    لكن المنفرد إن جَهَرَ بقراءته؛ جَهَرَ بآمين، وإن أسرَّ؛ أسرَّ بآمين، ودليل ذلك: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في صلاة السِرِّ كالظُّهر والعصر لا يجهر بآمين، وهذا يقتضي أنك إذا لم تجهر بالقراءة لم تجهر بآمين.
    والمنفرد الذي يقوم الليل مثلاً، وأحياناً يرى أن حضورَ قلبِه وقوَّة يقظته وطرد النوم عنه بالجهر، فيجهر كما فَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين صَلَّى بحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما.
    فإذا جَهَرَ بالقراءة جَهَرَ بالتأمين، وأحياناً يرى أن الإِسرار أفضل له وأخشع، وأبعد عن الرِّياء، أو أن هناك مانعاً يمنعه من الجَهْر لكون مَن حولَه نياماً، وما أشبه ذلك، فإذا أسرَّ بالقراءة فإنه يُسِرُّ بالتأمين، ولا يجهر به.

    وقوله: «بآمين» :
    معناها: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، وعلى هذا؛ فهي اسمُ فِعْلِ دعاء، واسمُ الفعل ما كان فيه معنى الفعل دون حروفه...
    قال الفقهاء: فإن شدَّدَ الميمَ في «آمين» بطلت الصَّلاةُ؛ لأنَّ معناها حينئذٍ «قاصدين»؛ ولهذا قالوا: يحرم أن يُشدِّد الميم، وتبطل الصَّلاةُ؛ لأنه أتى بكلامٍ مِن جنسِ كلام المخلوقين.

    فإن قيل: متى يقول آمين؟
    فالجواب: أما الإِمامُ فإذا انتهى من قوله: {{وَلاَ الضَّالِّينَ}} وكذلك المنفرد.
    وأمَّا المأموم فقال بعضُ العلماءِ : يقول: «آمين» إذا فَرَغَ الإِمامُ مِن قول آمين.
    واستدلُّوا بظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا» قالوا: وهذا كقوله: «إذا كبَّر فكبِّروا» ومعلومٌ أنك لا تكبِّر حتى يفرغ الإِمامُ مِن التكبير فيكون معنى قوله «إذا أمَّنَ» أي: إذا فَرَغَ مِن التأمين. ولكن هذا القول ضعيف؛ لأنه مصرَّحٌ به في لفظٍ آخر: «إذا قال الإِمام: ولا الضَّالين، فقولوا: آمين».
    وعلى هذا؛ فيكون المعنى: إذا أمَّن، أي: إذا بَلَغَ ما يُؤمَّنُ عليه وهو {{وَلاَ الضَّالِّينَ}}، أو إذا شَرَعَ في التَّأمين فأمِّنوا؛ لتكونوا معه، لكن نسمع بعض الأحيان بعض الجماعة يتعجَّل؛ لا يكاد يصل الإِمام النون من {{وَلاَ الضَّالِّينَ}} إلا وقد قال: «آمين» وهذا خِلافُ السُّنَّةِ، وهذا نوعٌ مِن مسابقة الإِمام؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَصلْ إلى الحدِّ الذي يُؤمَّنُ عليه وهو فراغه من قوله: {{وَلاَ الضَّالِّينَ}}...



    الشرح الممتع (3/ 62-69)
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَإِذَا فَرَغَ قَالَ: "آمِينَ"، يَجْهَرُ بِهَا إِماَمٌ وَمَأْمُومٌ مَعًا فِي جَهْرِيَّةٍ): أي: إذا فرغ من قراءة الفاتحة، قال الإمام "آمين" وقال المأموم معه آمين، ويجهر بها الإمام والمأمون.
    ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ([1])».
    وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ «وَلَا الضَّالِّينَ»، قَالَ: «آمِينَ»، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ([2]).
    وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ الْأَئِمَّةَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَعْدَهُ، يَقُولُونَ: "آمِينَ"، وَمَنْ خَلْفَهُمْ: "آمِينَ" حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً([3]).
    قوله: (وَغَيْرُهُمَا فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ): أي: غير الإمام والمأموم، وهو المنفرد، فيجهر بـ"آمين" عند صلاته قيام الليل مثلًا، وأراد الجهر بالقراءة، فيجهر بـ"آمين".
    قوله: (وَيُسَنُّ جَهْرُ إِمَامٍ بِقِرَاءَةِ صُبْحٍ، وَجُمُعَةٍ، وَعِيدٍ، وَكُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ، وَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ): وقد أجمع المسلمون على الجهر بالقراءة في صلاة الصبح والجمعة والمغرب والعشاء.
    قال الإمام النووي رحمه الله: ((فَالسُّنَّةُ الْجَهْرُ فِي رَكْعَتِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْإِسْرَارُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنَ الْعِشَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَة ِ عَلَى ذَلِكَ([4])))اهـ.
    قلت: ومن الأحاديث الواردة في ذلك:
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 2]، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ} [الجن: 1] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ([5]).
    وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي العِشَاءِ: "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ" فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ([6]).
    وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ([7]).
    وَعَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ، فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: "إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ "، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ([8]).
    وأما صلاة العيد، فدليل الجهر بالقراءة فيها: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ([9]).
    والحديث وإن كان ضعيفًا إلا أن الإجماع منعقد عليه.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وصلاة العيد ركعتان، يقرأ في كل ركعة منهما بالحمد لله وسورة، ويجهر بالقراءة، بلا خلاف([10])))اهـ.
    ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة في صلاة العيد، ذكرُ الصحابة للسور التي كان يقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد؛ مما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم جهر بها، فسمعها الصحابة رضوان الله عليهم.
    وأما صلاة الكسوف، فدليل الجهر بالقراءة فيها: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ([11]).
    وأما دليل الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ([12]).
    قوله: (وَيُكْرَهُ لِمَأْمُومٍ): أي: ويكره للمأموم الجهر بالقراءة؛ ودليل ذلك حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بِـ"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى"، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ» - أَوْ «أَيُّكُمُ الْقَارِئُ» - فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، فَقَالَ: «قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا([13])».
    وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ صَلَاةً، نَظُنُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ، فَقَالَ: «هَلْ قَرَأَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ «إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ القِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِالقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([14]).
    قوله: (وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ وَنَحْوُهُ): أي: يُخَيَّرُ المنفرد ونحوه؛ كقائم لقضاء ما فاته بعد تسليم الإمام، بين الجهر والإسرار.
    قال حرب الكرماني: سمعت أحمد بن حنبل يقول في رجلٍ فاتته صلاة يجهر فيها بالقراءة في جماعةٍ فصلى وحده؟ قال: إن شاء لم يجهر؛ لأن الجهر هو في الجماعة([15]).
    قوله: (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً): قال ابن قدامة رحمه الله: ((قِرَاءَةُ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، مَسْنُونَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا([16]))).
    قوله: (فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَالْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَالْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ): ودليل ذلك حديث سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ([17]).
    قال السيوطي رحمه الله: ((لِلْمُفَصَّلِ طِوَالٌ وَأَوْسَاطٌ وَقِصَارٌ، قَالَ ابْنُ مَعْنٍ: "فَطِوَالُهُ إِلَى عَمَّ، وَأَوْسَاطُهُ مِنْهَا إِلَى الضُّحَى، وَمِنْهَا إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ قِصَارُهُ"، هَذَا أَقْرَبُ مَا قِيلَ فِيهِ([18])))اهـ.
    قال ابن حجر رحمه الله: ((وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ سُوَرِهِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ([19])))اهـ.
    قوله: (ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رَافِعًا يَدَيْهِ): ودليل ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ»، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ([20]).
    قوله: (ثُمَّ يَضَعُهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ): ودليل ذلك حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي، وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ، فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَبِ([21]).
    قوله: (مُفَرَّجَتَيِ الْأَصَابِعِ): ودليل ذلك حديث عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ أَصَابِعَهُ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ([22]).
    قوله: (وَيُسَوِّي ظَهْرَهُ): ودليل ذلك حديث وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَكَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ، حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ([23]).
    قوله: (وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ" ثَلَاثًا): أي: يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ثلاث مرات؛ ودليل ذلك حديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، وَفِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى([24])».
    وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثًا، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثًا([25]).
    قوله: (وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ): أي: أدنى الكمال أن يقول: "سبحان ربي العظيم" ثلاث مرات؛ واستدلوا على ذلك بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ([26])».
    ولكن الحديث ضعيف؛ لا يُحتج به.

    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (780)، ومسلم (410).

    [2])) أخرجه أحمد (18842)، والنرمذي (248)، وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، والنسائي (879)، وفي ((الكبرى)) (955)، وابن ماجه (855)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (4/ 90).

    [3])) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (2640)، والبيهقي في ((الكبير)) (2454)، وهو عند البخاري (1/ 156)، معلقًا.

    [4])) ((المجموع)) (3/ 389).

    [5])) متفق عليه: أخرجه البخاري (773)، ومسلم (449).

    [6])) متفق عليه: أخرجه البخاري (7546)، ومسلم (464).

    [7])) متفق عليه: أخرجه البخاري (765)، ومسلم (463).

    [8])) أخرجه مسلم (877).

    [9])) أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (1803)، وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (643).

    [10])) ((الكافي)) (1/ 341). وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله في ((المغني)) (2/ 281)، خلافًا عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا قرأ في العيدين أسمع من يليه، ولم يجهر ذلك الجهر.

    [11])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1065)، ومسلم (901).

    [12])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1024)، ومسلم (894).

    [13])) أخرجه مسلم (398).

    [14])) أخرجه أحمد (7270)، وأبو داود (827)، والترمذي (312)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ»، والنسائي (919)، وابن ماجه (848)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (3/ 409).

    [15])) ((مسائل حرب الكرماني)) (113).

    [16])) ((المغني)) (1/ 409).

    [17])) أخرجه أحمد (7991)، والنسائي (982)، وفي ((الكبرى)) (1057)، وحسنه الألباني في ((المشكاة)) (853).

    [18])) ((الإتقان في علوم القرآن)) (1/ 222).

    [19])) ((فتح الباري)) (2/ 259).

    [20])) متفق عليه: أخرجه البخاري (735)، ومسلم (390).

    [21])) متفق عليه: أخرجه البخاري (790)، ومسلم (535).

    [22])) أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (594)، وابن حبان (1920)، والدارقطني في ((سننه)) (1283)، والبيهقي في ((الكبير)) (2695)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (809).

    [23])) أخرجه ابن ماجه (872)، وصححه الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (2/ 638) بشواهده.

    [24])) أخرجه مسلم (772)، مطولًا، وأخرجه أحمد (23240)، وأبو داود (871)، والترمذي (262)، وابن ماحه (888)، باللفظ المذكور مختصرًا.

    [25])) أخرجه أبو داود (870)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (4734).

    [26])) أخرجه أبو داود (886)، وَقَالَ: «هَذَا مُرْسَلٌ، عَوْنٌ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ»، والترمذي (261)، وقال: «لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ»، وابن ماجه (890)، وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (155).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة

    قوله: (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً): قال ابن قدامة رحمه الله: ((قِرَاءَةُ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، مَسْنُونَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا([16]))).
    وقوله: «ثم يقرأ بعدها» . أي: بعدَ الفاتحة، وأفاد قوله: «بعدَها» أنه لا تُشرع القراءةُ قبل الفاتحة، فلو نسيَ وقرأ السُّورةَ قبل الفاتحةِ أعادها بعد الفاتحة؛ لأنه ذِكْرٌ قالَه في غير موضعه فلم يجزئ.


    وقوله: «سورة» السُّورةُ جملةٌ من القرآن مُحَوَّطَةٌ بالبسملة قبلَها لها، وبعدَها للسُّورة التي بعدها. سُمِّيت بذلك لأن البسملتين كانتا كالسُّورِ لها.



    وقراءةُ السُّورة على قول جمهور أهل العلم سُنَّةٌ ، وليست بواجبةٍ؛ لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة.


    وأفادنا المؤلِّف بقوله: «سُورة» إلى أنَّ الذي ينبغي للإِنسانِ أن يقرأَهُ سورةً كاملةً، لا بعضَ السُّورة، ولا آيات من أثناء السُّورة؛ لأن ذلك لم يَرِدْ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأطلقه ابن القيم في «زاد المعاد» حيث قال: «وأمَّا قراءة أواخر السُّورِ وأواسطها فلم يُحفظ عنه». ولكن ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ في سُنَّةِ الفجر آيات من السُّور، فكان أحياناً يقرأ في الرَّكعة الأُولى: {{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ}} الآية، وفي الثانية: {{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}} ، الآية، والأصل: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض؛ إلا بدليل.

    ويدلُّ لهذا الأصل: أن الصَّحابة رضي الله عنهم لما حَكَوا أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يُوتِرُ على راحلته قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبةَ. فلما حَكَوا أنه يوتر، ثم قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة ، دَلَّ ذلك على أنَّ المعلومَ أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفل ثبتَ في الفرض.



    ولأنهما عبادتان من جنس واحد، والأصل اتفاقهما في الأحكام.



    على كُلٍّ؛ نرى أنه لا بأس أن يقرأ الإِنسانُ آيةً من سورةٍ في الفريضة وفي النافلة. وربما يُستدل له أيضاً بعموم قوله تعالى: {{فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}} لكن السُّنَّة والأفضل أن يقرأَ سورةً، والأفضلُ أن تكون كاملةً في كلِّ ركعة، فإن شَقَّ فلا حَرَجَ عليه أن يقسم السُّورة بين الركعتين؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ ذات يوم سورة {{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *}} فلما وصل إلى قصة موسى وهارون أخذته سَعْلةٌ فَرَكَعَ. فدلَّ هذا على جواز قَسْمِ السُّورة؛ ولا سيَّما عند الحَاجة.


    وقوله: «سُورة» يلزم من قراءة السُّورة أن يقرأَ قبلها: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وعلى هذا؛ فتكون البسملةُ مكرَّرة مرَّتين: مرَّة للفاتحة، ومرَّة للسُّورة. أما إنْ قرأ مِن أثناء السُّورة فإنه لا يُبسمل؛ لأن الله لم يأمر عند قراءة القرآن إلا بالاستعاذةِ، والبسملة لا تُقرأ في أواسط السُّور، لا في الصلاة ولا خارجها.



    الشرح الممتع (3 / 72 -74 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة

    قوله: (فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَالْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَالْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ): ودليل ذلك حديث سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ([17]).
    قال السيوطي رحمه الله: ((لِلْمُفَصَّلِ طِوَالٌ وَأَوْسَاطٌ وَقِصَارٌ، قَالَ ابْنُ مَعْنٍ: "فَطِوَالُهُ إِلَى عَمَّ، وَأَوْسَاطُهُ مِنْهَا إِلَى الضُّحَى، وَمِنْهَا إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ قِصَارُهُ"، هَذَا أَقْرَبُ مَا قِيلَ فِيهِ([18])))اهـ.
    قال ابن حجر رحمه الله: ((وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ سُوَرِهِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ([19])))اهـ.
    قوله: «تكون في الصبح من طِوال المفصل» أي: تكون السُّورة في صلاة الصُّبح من طِوال المُفصَّلِ بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل، وأما طِوال بالكسر فهي جمع طويلة، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل.


    والمُفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط.



    فمِن {ق} إلى {عَمَّ} هذا هو الطِوال.
    ومِن {عَمَّ} إلى {الضُّحَى} أوساط.
    ومُن {الضُّحَى} إلى آخره قِصار.
    وسُمِّيَ مُفصَّلاً لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ.



    فمن {{ق}} إلى {{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *}} أربعة أجزاء وشيء، يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعاً مِن النساء، ويزيد شيئاً قليلاً، وإنما شُرع أن تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لأن الله عزَّ وجلَّ نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: {{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *}} [الإسراء] فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِباً لأكثرها، وهو كذلك، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء زِيدت.



    قوله: «وفي المغرب من قصاره» ، أي: من قِصار المفصَّل، يعني: من الضُّحى إلى آخره.


    قوله: «وفي الباقي من أوساطه» أي: من {{عَمَّ}} إلى {الضحى} ودليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فإن الغالب مِن فِعْلِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هذا .


    لكنه أحياناً يقرأ في الفجر مِن القِصَار، وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـ {{إِذَا زُلْزِلَتِ}} قرأها في الرَّكعتين، ومرَّة قرأ في المغرب بسُورة {{الأَعْرَافِ}}، وقرأ بسورة {{الْطُّورَ}}، وقرأ {بالمرسلات}، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالباً على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر.



    وقوله: «وفي الباقي من أوساطه» الدليل على ذلك: أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ{{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *}}، {{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *}}، و{{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *}}ونحوها فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل.



    وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟


    الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه قرأ: {{إِذَا زُلْزِلَتِ}} في الرَّكعتين جميعاً كرَّرها .

    لكن؛ قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة.


    والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن احتمال التشريع ـ أي: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كرَّرها تشريعاً للأمة ليبيِّن أن ذلك جائز ـ يُرجَّح على احتمالِ النسيان؛ لأنَّ الأصلَ في فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ التشريعُ، وأنه لو كان ناسياً لَنُبِّهَ عليه، وهذا الأخيرُ ـ أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع ـ أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ.




    الشرح الممتع ( 3 / 74 - 77 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة

    قوله: (ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رَافِعًا يَدَيْهِ): ودليل ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ»، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ([20]).
    قوله: (ثُمَّ يَضَعُهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ): ودليل ذلك حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي، وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ، فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَبِ([21]).
    قوله: (مُفَرَّجَتَيِ الْأَصَابِعِ): ودليل ذلك حديث عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ أَصَابِعَهُ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ([22]).
    قوله: (وَيُسَوِّي ظَهْرَهُ): ودليل ذلك حديث وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَكَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ، حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ([23]).
    قوله: (وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ" ثَلَاثًا): أي: يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ثلاث مرات؛ ودليل ذلك حديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، وَفِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى([24])».
    وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثًا، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثًا([25]).
    قوله: (وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ): أي: أدنى الكمال أن يقول: "سبحان ربي العظيم" ثلاث مرات؛ واستدلوا على ذلك بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ([26])».
    ولكن الحديث ضعيف؛ لا يُحتج به.
    قوله: «ثم يركع مكبِّراً» . أي: بعد القراءة يركع مكبِّراً، وقوله: «ثم يركع» نقول فيها مثل ما قلنا في «ثم يقرأ بعد الفاتحة» أنها للترتيب والتراخي، فينبغي قبل أن يركع أن يسكت سكوتاً؛ لكنه ليس سكوتاً طويلاً، بل بقَدْرِ ما يرتدُّ إليه نَفَسُه، فإن ذلك قد جاء في حديث سَمُرَة بن جُندب رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يسكتُ سكتتين: إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ، وإذا فَرَغَ مِن قراءة فاتحةِ الكتابِ وسورة عند الرُّكوعِ. فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين! فكتبوا إلى أُبَيٍّ في ذلك إلى المدينة. قال: فَصَدَقَ سَمُرة.

    وقوله: «يركع» الركوع: هو الانحناء، والانحناء في الظَّهْرِ، وهذا الرُّكوع المقصودُ به تعظيم الله عزّ وجل، فإنَّ هذه الهيئة مِن هيئات التَّعظيم؛ ولذلك كان النَّاسُ يفعلونها أمام الملوك والكبراء والسَّادة ينحنون لهم ورُبَّما يركعون، ورُبَّما يسجدون والعياذ بالله، فالرُّكوعُ هيئةٌ تدلُّ على تعظيم الرَّاكعِ بين يدي مَنْ رَكَعَ له، ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «أما الرُّكوع فَعَظِّموا فيه الربَّ عزّ وجل» ليجتمع فيه التعظيم القولي والتعظيم الفِعلي.

    وقوله: «مكبِّراً» حال من فاعل «يركع» حال مقارنة، يعني: في حال هويه إلى الرُّكوعِ يكبِّرُ فلا يبدأ قبل، ولا يؤخِّره حتى يَصِل إلى الرُّكوعِ، أي: يجب أن يكون التَّكبيرُ فيما بين الانتقالِ والانتهاءِ، حتى قال الفقهاءُ رحمهم الله: «لو بدأ بالتَّكبير قبل أن يهويَ، أو أتمَّهُ بعد أن يَصِلَ إلى الرُّكوع؛ فإنه لا يجزئه». لأنهم يقولون: إنَّ هذا تكبيرٌ في الانتقال فمحلُّه ما بين الرُّكنين، فإنْ أدخلَه في الرُّكن الأول لم يصحَّ، وإن أدخله في الرُّكن الثاني لم يصحَّ؛ لأنه مكان لا يُشرع فيه هذا الذِّكرُ، فالقيامُ لا يُشرع فيه التَّكبيرُ، والرُّكوع لا يُشرع فيه التكبيرُ، إنما التكبيرُ بين القيام وبين الرُّكوعِ.
    ولا شَكَّ أن هذا القولَ له وجهة مِن النَّظر؛ لأن التَّكبيرَ علامةٌ على الانتقالِ؛ فينبغي أن يكون في حالِ الانتقال.

    ولكن؛ القول بأنه إن كمَّلَه بعد وصول الرُّكوع، أو بدأ به قبل الانحناء يُبطلُ الصَّلاةَ فيه مشقَّةٌ على النَّاس، لأنك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت كثيراً مِن النَّاسِ لا يعملون بهذا، فمنهم من يكبِّرُ قبل أن يتحرَّك بالهوي، ومنهم مَن يَصِلُ إلى الرُّكوعِ قبل أن يُكمل...
    ... إذاً؛ نقول: كَبِّرْ مِن حين أن تهويَ، واحرصْ على أن ينتهي قبل أن تَصِلَ إلى الرُّكوع، ولكن لو وصلت إلى الرُّكوع قبل أن تنتهي فلا حرجَ عليك، والقولُ بأن الصَّلاةَ تفسدُ بذلك حَرَج، ولا يمكن أن يُعملَ به إلا بمشقَّةٍ.
    فالصوابُ: أنه إذا ابتدأ التَّكبيرَ قبل الهوي إِلى الرُّكوعِ، وأتمَّه بعدَه فلا حرج، ولو ابتدأه حين الهوي، وأتمَّه بعد وصولِهِ إلى الرُّكوعِ فلا حَرَجَ، لكن الأفضل أن يكون فيما بين الرُّكنين بحسب الإمكان. وهكذا يُقال في: «سمعَ الله لمن حمده» وجميعِ تكبيرات الانتقال. أمَّا لو لم يبتدئ إلا بعد الوصول إلى الرُّكن الذي يليه، فإنه لا يعتدُّ به.

    قوله: «رافعاً يديه» أي: إلى حَذوِ مَنكبيه، أو إلى فُروع أُذنيه كما سبق عند تكبيرة الإِحرام. ويرفع يديه إذا أراد أن يركع، ثم يضعهما على رُكبتيه، ودليل ذلك: حديث ابن عُمر أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يرفعُ يديه إذا كَبَّرَ للرُّكوعِ» والحديث ثابت في «الصحيحين» وغيرهما.

    قوله: «ويضعهما على رُكبتيه» «ويضعهما» أي: اليدين، والمراد باليدين هنا: الكَفَّان؛ لأنه سبق لنا بيان قاعدة: أنَّ اليدَ إذا أُطلقت فهي الكَفُّ. ودليل هذه القاعدة: أنَّ الله لما أراد ما زَادَ عن الكَفِّ بَيَّنه في قوله تعالى: {{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}} الآية.
    ولهذا يُقطع السارق مِن مفصل الكَفِّ؛ لقوله تعالى: {{فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا}} الآية ولا يُقطع من المِرفق؛ لأن الله لو أرادَ ذلك لقيَّده...

    ...وعلى هذا؛ فيضعُ الكفَّين على الرُّكبتين معتمداً عليهما؛ وليس مجرد لَمْسٍ.

    قوله: «مفرَّجتي الأصابع» يعني: لا مضمومة بل مفرَّجة؛ كأنه قابض رُكبتيه، كما جاءت بذلك السُّنَّة.

    قوله: «مستوياً ظهره» . الاستواء: يشمل استواء الظهر في المَدِّ، واستواءه في العلوِّ والنزول، يعني لا يقوِّس ظهره، ولا يهصره حتى ينزل وسطه، ولا ينزل مقدم ظهره، بل يكون ظهره مستوياً، وقد جاء ذلك عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه ولم يُصَوِّبْهُ» لم يُشْخِصْه يعني: لم يرفعه، ولم يُصوِّبْه: لم ينزله، ولكن بين ذلك.
    وجاء فيما رواه الإِمام أحمد أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يسوِّي ظهره» وجاء عنه أيضاً: «أنه كان يُسوِّيه، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرَّ» وهذا يدلُّ على كمالِ التَّسوية، فيكون الظَّهرُ والرأسُ سواء، ويكون الظَّهرُ ممدوداً مستوياً.

    وينبغي كذلك أن يفرِّج يديه عن جنبيه، ولكنه مشروط بما إذا لم يكن فيه أذيَّة، فإنْ كان فيه أذيَّة لِمَن كان إلى جنبه؛ فإنه لا ينبغي للإِنسان أن يفعل سُنَّة يؤذي بها غيره؛ لأن الأذية فيها تشويش على المصلِّي إلى جنبه وتلبيس عليه، ثم إنه يُخشى أن يكون ذلك داخلاً في قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً *}} فإنَّ هذا يشمَل الأذى القولي والفِعلي.

    والواجبُ مِن الرُّكوع: أن ينحني بحيث يكون إلى الرُّكوع التَّامِّ أقربَ منه إلى الوقوفِ التَّامِّ، يعني: بحيث يعرف مَن يراه أنَّ هذا الرَّجُلَ راكعٌ. هكذا قال بعض العلماء.
    والمشهور من المذهب: أنه ينحني بحيث يمكن أن يَمَسَّ رُكبتيه بيديه إذا كان وسطاً، يعني: إذا كانت يداه ليستا طويلتين ولا قصيرتين، لكن القول الأول أظهر.


    قوله: «ويقول: سبحان رَبِّيَ العظيم» أي: يقول في ركوعه: «سبحان رَبِّي العظيم ) ... إذاً؛ أنت تُنزِّه الله سبحانه وتعالى، وتصفه بعد تنزيهه بأمرين كماليين كاملين وهما: الربوبية والعظمة، فيجتمع مِن هذا الذِّكرِ: التَّنزيه والتَّعظيم.
    والتَّنزيه والتَّعظيم باللسان تعظيم قوليٌّ، وبالرُّكوع تعظيم فعليٌّ، فيكون الراكع جامعاً بين التعظيمين: القوليّ والفعليّ.
    ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «ألا وإنِّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرَّب».
    ولما كان القرآنُ أشرفَ الذِّكْرِ؛ لم يُناسبْ أن يقرأه الإِنسانُ وهو في هذا الانحناء، بل يُقرأ في حال القيام.


    ... قوله: «ثم يرفع رأسه» مراده: يرفعُ رأسَه وظهرَه، لأنَّ المؤلِّفَ قال: «ثم يركع» والرُّكوع هو انحناء الظَّهر.

    قوله: «ويديه» أي: ويرفع يديه، والمراد إلى حذو منكبيه، كما سَبَقَ في رفعهما عند تكبيرة الإحرام.
    ورفعهما هنا سُنَّة ثَبَتَت في حديث ابنِ عُمر رضي الله عنهما الثابت في «الصحيحين» وغيرهما أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «كان يرفعُ يديه إذا كَبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رَفَعَ مِن الرُّكوعِ».



    الشرح الممتع ملخصا (3 / 86 - 95 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ مَعًا، قَائِلًا: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"): ودليل ذلك حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ»، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ([1]).
    قوله: وَبَعْدَ انْتِصَابِهِ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ"): ودليل ذلك حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ([2])».
    وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ: اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ([3])».
    قوله: (وَمَأْمُومٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَقَطْ): أي: ويقتصر المأموم على قول: " ربنا ولك الحمد" ولا يقول: "سمع الله لمن حمده"، وكذلك لا يقول:"مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"؛ بل يقتصر على: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"([4])؛ واستدلوا على ذلك بحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ...([5])».
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ...([6])».
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ([7])».
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((ولا يستحب للمأموم الزيادة على «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» نص عليه؛ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ولَمْ يأْمُرْهُ بغيره([8])))اهـ.
    قلت: والصواب – والله أعلم – هو ما رجحه العلامة الألباني رحمه الله؛ أن هذه الأحاديث لا تمنع المأموم من قول: "سمع الله لمن حمده" كما لا تمنعه من الزيادة على قول" ربنا ولك الحمد".
    قال الألباني رحمه الله: ((هذا الحديث لا يدل على أن المؤتم لا يشارك الإمام في قوله: "سمع الله لمن حمده"؛ كما لا يدل على أن الإمام لا يشارك المؤتم في قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ إذ إن الحديث لَمْ يُسَقْ لبيان ما يقوله الإمام والمؤتم في هذا الركن؛ بل لبيان أن تحميد المؤتم إنما يكون بعد تسميع الإمام؛ ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول التحميد وهو إمام([9])؛ وكذلك عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» يقتضي أن يقول المؤتم ما يقوله الإمام كالتسميع وغيره([10])))اهـ.
    وفي رواية أخرى عن أحمد جواز الزيادة على التحميد.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وعنه: ما يدل على استحباب قول: «ملء السماء» وهو اختيار أبي الخطاب؛ لأنه ذكر مشروع للإمام، فشرع للمأموم كالتكبير([11])))اهـ.


    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (735)، ومسلم (390).

    [2])) أخرجه مسلم (476).

    [3])) أخرجه مسلم (477).

    [4])) جاء عن الإمام أحمد في ((مسائل ابنه صالح)) (390): ((وَالَّذِي نَخْتَار أَن يَقُول: "رَبنَا وَلَك الْحَمد ملْء السَّمَاوَات وملء الأَرْض وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد" وَإِذا كَانَ خلف الإِمَام قَالَ: "رَبنَا وَلَك الْحَمد" فَقَط لَا يزِيد))اهـ.

    [5])) متفق عليه: أخرجه البخاري (689)، ومسلم (411).

    [6])) متفق عليه: أخرجه البخاري (722)، ومسلم (414).

    [7])) متفق عليه: أخرجه البخاري (796)، ومسلم (409).

    [8])) ((الكافي)) (1/ 251).

    [9])) أخرج مسلم، عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ».
    وفي ((الصحيحين))، واللفظ للبخاري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
    والمقصود: أن تحميد الإمام ليس مذكورًا فيما استدلوا به على عدم جواز زيادة المأموم على التحميد؛ ومع ذلك فإن الإمام يحمد؛ وكذلك تسميع المأموم ليس مذكورًا في الحديث؛ ومع ذلك فإن المأموم يسمع.

    [10])) ((صفة صلاة النبي)) (135، 136)، طـ المعارف، هامش.

    [11])) ((الكافي)) (1/ 251).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ): لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ - وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْ نِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ([1])».
    قوله: (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ): أي: أثناء خروره للسجود؛ يبدأ بركبتيه فيضعهما على الأرض، ثم يضع يديه، ثم جبهته وأنفه؛ واستدلوا على ذلك بحديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ([2]).
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْفَحْلِ([3])».
    قلت: والحديثان ضعيفان جدًّا، ولا يرقيان للحجة.
    وفي رواية أخرى عن أحمد رحمه الله أنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه([4]).
    واستدلوا على ذلك بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ([5])».
    ولا شك أن هذا الحديث أقوى من سابقيه.
    فإن قيل كما قال ابن القيم رحمه الله: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُخَالِفُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فَقَدْ بَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ؛ فَإِنَّ الْبَعِيرَ إِنَّمَا يَضَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا([6]).
    قلنا: قد أجاب الإمام الطحاوي عن هذا.
    قال الإمام الطحاوي رحمه الله - بعد ما روى حديث أبي هريرة رضي الله عنه – في ((شرح مشكل الآثار)) (1/ 168): ((فَقَالَ قَائِلٌ: "هَذَا كَلَامٌ مُسْتَحِيلٌ; لِأَنَّهُ نَهَاهُ إذَا سَجَدَ أَنْ يَبْرُكَ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ؛ وَالْبَعِيرُ إنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى يَدَيْهِ, ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: "وَلَكِنْ لِيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ"؛ فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فِي أَوَّلِهِ قَدْ أَمَرَهُ بِهِ فِي آخِرِهِ".
    فَتَأَمَّلْنَا مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ مُحَالًا وَوَجَدْنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَقِيمًا لَا إِحَالَةَ فِيهِ, وَذَلِكَ أَنَّ الْبَعِيرَ رُكْبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ, وَكَذَلِكَ كُلُّ ذِي أَرْبَعٍ مِنَ الْحَيَوَانِ؛ وَبَنُو آدَمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ; لِأَنَّ رُكَبَهُمْ فِي أَرْجُلِهِمْ لَا فِي أَيْدِيهِمْ؛ فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَخِرَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ اللَّتَيْنِ فِي رِجْلَيْهِ كَمَا يَخِرُّ الْبَعِيرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ اللَّتَيْنِ فِي يَدَيْهِ, وَلَكِنْ يَخِرُّ لِسُجُودِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَيَخِرُّ عَلَى يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا رُكْبَتَاهُ، بِخِلَافِ مَا يَخِرُّ الْبَعِيرُ عَلَى يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا رُكْبَتَاهُ.
    فَبَانَ - بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ - أَنَّ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامٌ صَحِيحٌ لَا تَضَادَّ فِيهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ))اه ـ.
    وقد أنكر ابن القيم رحمه الله ما قرره الطحاوي وغيره من العلماء، من أن ركبتي البعير في يديه؛ حيث قال رحمه الله: ((قَوْلُهُمْ: "رُكْبَتَا الْبَعِيرِ فِي يَدَيْهِ" كَلَامٌ لَا يُعْقَلُ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ؛ وَإِنَّمَا الرُّكْبَةُ فِي الرِّجْلَيْنِ([7])))اهـ.
    قلت: بل أثبت أهل اللغة ما نفاه ابن القيم رحمه الله.
    فقد قال الخليل بن أحمد رحمه الله: ((ورُكبةُ البعيرِ فِي يدِهِ؛ ورُكْبَتا يَدَيِ الْبَعِيرِ: المَفْصِلانِ اللَّذانِ يَليانِ البَطْنَ إِذا بَرَكَ؛ وأَما المَفْصِلانِ الناتِئَانِ مِنْ خَلْفُ فَهُمَا العُرْقُوبانِ([8]))).
    ومما يدل على ذلك أيضًا: قول سُراقة بن مالك رضي الله عنه – في حديث لحوقه بالنبي صلى الله عليه وسلم عند هجرته – قال: حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ([9]).


    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (812)، ومسلم (490).

    [2])) أخرجه أبو داود (838)، والترمذي (268)، والنسائي (1089)، وابن ماجه (882)، والدارقطني في ((سننه)) (1307)، ومدار الحديث على شريك بن عبد الله القاضي، وهو ضعيف سيئ الحفظ، وقد تفرد به عن عاصم بن كليب، قال الدارقطني في ((السنن)) (2/ 150): «تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ عَنْ شَرِيكٍ, وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ غَيْرُ شَرِيكٍ؛ وَشَرِيكٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيمَا يَتَفَرَّدُ بِهِ»اهـ، وقال الترمذي: «قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: وَلَمْ يَرْوِ شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، إِلَّا هَذَا الحَدِيثَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ شَرِيكٍ»اهـ. وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (357)، وفي ((أصل صفة الصلاة)) (2/ 715)، وقال هناك: «وشريك سيئ الحفظ عند جمهور علماء الحديث، وبعضهم صرح بأنه كان قد اختلط؛ فلذلك لا يحتج به إذا تفرد، ولا سيما إذا خالف غيره من الثقات الحفاظ؛ فقد روى جمع منهم عن عاصم بإسناده هذا عن وائل صفة صلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس فيها ما ذكره شريك»اهـ.

    [3])) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (2702)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (6540)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1517)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (3503)، وقال الألباني في ((الإرواء)) (2/ 79): «حديث باطل»، وقال في ((أصل صفة الصلاة)) (2/ 277): «قال الحافظ (2/ 231) - تبعًا للبيهقي -: "إسناده ضعيف".
    وأقول: بل هو ضعيف جدًّا، وعلته عبد الله بن سعيد هذا، وهو المقبري، وهو متروك - كما سبق في الحديث الذي قبل هذا -، وقد اتهمه بعضهم بالكذب. ولعله تعمد، فقلب هذا الحديث؛ فغَيَّر بذلك المعنى»اهـ.

    [4])) (المغني)) (1/ 370).

    [5])) أخرجه أحمد (8955)، وأبو داود (840)، والنسائي في ((المجتبى)) (1091)، وفي ((الكبرى)) (682)، وقال الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (2/ 720- 722): ((وهذا سند صحيح. رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير محمد بن عبد الله بن الحسن، وهو المعروف بالنفس الزكية العَلَوي، وهو ثقة، كما قال النسائي وغيره، وتبعهم الحافظ في "التقريب".
    ولذلك قال النووي في "المجموع" (3/ 421)، والزُّرْقاني في "شرح المواهب" (7/ 320): "إسناده جيد". ونقل ذلك المُناوي عن بعضهم، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير". وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" (54/1 )، وقال في كتاب "التهجد" (56/1): "إنه أحسن إسنادًا من الذي قبله". يعني: حديث وائل المعارض له.
    وقد أعله بعضهم بثلاث علل:
    الأولى: تفرد الدراوردي به عن محمد بن عبد الله.
    والثانية: تفرد محمد هذا عن أبي الزناد.
    والثالثة: قول البخاري: "لا أدري أَسَمِعَ محمد بن عبد الله بن حسن من أبي الزناد أم لا".
    وهذه العلل ليست بشيء:
    أما الأولى والثانية؛ فلأن الدراوردي وشيخه محمدًا هذا ثقتان - كما تقدم -؛ فلا يضر تفردهما بهذا الحديث، وليس من شرط الحديث الصحيح أن لا ينفرد بعض رواته به، وإلا؛ لما سلم لنا كثير من الأحاديث الصحيحة، حتى التي في "صحيح البخاري" نفسه؛ كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" - وهو أول حديثٍ فيه -؛ فإنه تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر رضي الله عنه.
    وأما الثالثة؛ فهي علة عند البخاري على أصله؛ وهو اشتراط معرفة اللقاء؛ ولكن الجمهور من أئمة الحديث لا يشترطون ذلك، بل يكتفون بمجرد إمكان اللقاء؛ بأن يكونا في زمن واحد مع أمن التدليس.
    وهذا كله متحقق هنا؛ فإن محمد بن عبد الله هذا لم يعرف بتدليس، وهو مدني مات سنة (145)، وله من العمر (53) سنة. وشيخه: أبو الزناد مات سنة (130) بالمدينة. وعليه فقد أدركه زمنًا طويلًا.
    فالحديث صحيح.
    على أن الدراوردي لم يتفرد به، بل تُوبع عليه في الجملة.
    فقد أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي أيضًا (2/ 57- 58) من طريق عبد الله ابن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن به مختصرًا بلفظ: "يعمد أحدكم؛ فيبرك في صلاته برك الجمل؟!".
    فهذه متابعة قوية؛ عبد الله بن نافع ثقة أيضًا من رجال مسلم، كالدراوردي))اهـ.

    [6])) ((زاد المعاد)) (1/ 217).

    [7])) السابق (1/ 218).

    [8])) ((العين)) (5/ 362)، وانظر: ((تهذيب اللغة)) (10/ 123)، و((لسان العرب)) (1/ 433).

    [9])) أخرجه البخاري (3906).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَسُنَّ كَوْنُهُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ): لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ - وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْ نِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ([1])».
    وفي حديث أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه، في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم – وقد تقدم -: فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ([2]).
    قوله: (وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ): ودليل ذلك حديث أَحْمَرَ بْنِ جَزْءٍ رضي لله عنه، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا سَجَدَ، جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ([3]).
    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ([4]).
    وَعَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ([5]) أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ([6]).
    وفي لفظ لمسلم أيضًا: عَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ جَافَى حَتَّى يَرَى مَنْ خَلْفَهُ وَضَحَ إِبْطَيْهِ. قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي بَيَاضَهُمَا.
    وفي لفظ لمسلم أيضًا: قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ - يَعْنِي جَنَّحَ - حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ.
    قوله: (وَبَطْنِهِ عَنْ فَخِذَيْهِ): أي: ويجافي بَطْنَهُ عن فخِذَيْه حال سجوده؛ ودليل ذلك حديث أَبِي حُمَيْدٍ رضي الله عنه، وفيه: وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ([7]).
    وحديثُ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ([8])».
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: ((«اعتدلوا في السُّجود» أي: اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تهصرون فينزل البطنُ على الفخذ، والفخذ على السَّاق، ولا تمتدُّون أيضًا؛ كما يفعل بعضُ الناس إذا سجد يمتدُّ حتى يَقْرُبَ من الانبطاح، فهذا لا شَكَّ أنه من البدع، وليس بسُنَّة([9])))اهـ.
    قوله: (وَتَفْرِقَةُ رُكْبَتَيْهِ): ودليل ذلك حديث أَبِي حُمَيْدٍ رضي الله عنه، وفيه: وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ([10]).
    قوله: (وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى" ثَلَاثًا): أي: يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ثلاث مرات؛ ودليل ذلك حديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رضي الله عنهما، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، وَفِي سُجُودِهِ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى([11])».
    وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثًا، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ» ثَلَاثًا([12]).
    قوله: (وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ): أي: أدنى الكمال أن يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ثلاث مرات؛ واستدلوا على ذلك بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ([13])».
    وقد تقدم أن هذا الحديث ضعيف؛ لا يُحتج به.



    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (812)، ومسلم (490).

    [2])) أخرجه البخاري (828).

    [3])) أخرجه أحمد (19012)، وأبو داود (900)، وابن ماجه (886)، وحسن إسناده الألباني في ((صفة الصلاة)) (144).

    [4])) متفق عليه: أخرجه البخاري (390)، ومسلم (495).

    [5])) (الْبَهْمَةُ): وَلَدُ الشَّاةِ أَوَّلُ مَا تَضَعُهُ أُمُّهُ.

    [6])) أخرجه مسلم (496).

    [7])) أخرجه أبو داود (735)، وقال الألباني في ((الإرواء)) (2/ 80): ((وهذا إسناد ضعيف؛ علته عتبة هذا، وهو ابن أبي حكيم الهمداني؛ قال في "التقريب": "صدوق يخطئ كثيرًا".
    ثم وجدت الحافظ ابن حجر قد ذكر في "الفتح" (2/ 254): أن رواية عتبة أخرجها ابن حبان, وأن هذا القدر منها ورد في رواية عيسى يعني ابن عبد الله بن مالك, وكان قد عزى هذه الرواية قبل صفحة لأبى داود وغيره, وهي عند أبى داود (733)، لكن ليس فيها القدر الذي رواه عتبة. فالظاهر إنها عند غير أبى داود، فإذا ثبت ذلك فالحديث حسن على أقل الأحوال, والله أعلم))اهـ.

    [8])) متفق عليه: أخرجه البخاري (532)، ومسلم (493).

    [9])) ((الشرح الممتع)) (3/ 121).

    [10])) تقدم.

    [11])) أخرجه مسلم (772)، مطولًا، وأخرجه أحمد (23240)، وأبو داود (871)، والترمذي (262)، وابن ماحه (888)، باللفظ المذكور مختصرًا.

    [12])) أخرجه أبو داود (870)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (4734).

    [13])) أخرجه أبو داود (886)، وَقَالَ: «هَذَا مُرْسَلٌ؛ عَوْنٌ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ»، والترمذي (261)، وقال: «لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ؛ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ»، وابن ماجه (890)، وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (155).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (ثُمَّ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا): أي: يرفع من السجود مكبرًا؛ ودليل ذلك حديث مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ، أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([1]).
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ" ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ([2]).
    وفي حديث المسيء صلاته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ([3])».
    قوله: (وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا): وهو أن يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى؛ ودليل ذلك حديث أبي حميد الساعدي المتقدم؛ وفيه: فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى([4]).
    وَعَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ - يَعْنِي جَنَّحَ - حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى([5]).
    وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ، بِـ"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ([6]).
    قوله: (وَيَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي" ثَلَاثًا): ودليل ذلك حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمَ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ : «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي([7])».
    قوله: (وَهُوَ أَكْمَلُهُ): أي: أن يقول: "رب اغفر لي" ثلاث مرات؛ هذا هو الأكمل؛ ولو قالها مرة أو مرتين، جاز.
    ولكن يقال: إن المذكور في الحديث مرتين فقط، وليس ثلاثًا.



    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (786)، ومسلم (393).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (789)، ومسلم (392).

    [3])) أخرجه أبو داود (857)، وصححه الألباني في ((صفة الصلاة)) (151).

    [4])) أخرجه البخاري (828).

    [5])) أخرجه مسلم (497).

    [6])) أخرجه مسلم (498).

    [7])) أخرجه أحمد (23375)، وأبو داود (874)، والنسائي (1145)، وابن ماجه (897)، وصححه الألباني في ((صفة الصلاة)) (153).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَيسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ): أي: ويفعل في السجدة الثانية مثل ما فعل في الأولى.
    قوله: (ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا): ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه – المتقدم – وفيه: ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ([1]).
    قوله: (مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ): واستدلوا على ذلك بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ([2]).
    واستدلوا على ذلك - أيضًا – بحديث وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ([3]).
    والحديثان ضعيفان لا يرقيان للحجة.
    والصحيح أنه يقوم معتمدًا على يديه؛ ودليل ذلك حديث أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ، فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ: وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ - قَالَ أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ([4]).
    قوله: (فَإِنْ شَقَّ فَبِالْأَرْضِ): أي: إن شق عليه القيام من السجدة الثانية معتمدًا بيديه على ركبتيه، فليعتمد بيديه على الأرض.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((إذَا شَقَّ عَلَيْهِ النُّهُوضُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَلَا بَأْسَ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ؛ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا"؛ وَمَشَقَّةُ ذَلِكَ تَكُونُ لِكِبَرٍ، أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ سِمَنٍ، وَنَحْوِهِ([5])))اهـ.
    قلت: والصحيح أن السنة الاعتماد على الأرض مطلقًا؛ في حالة المشقة وغيرها؛ لأن حديث مالك بن الحويرث مطلق، ولا مخصص له صحيح.
    قوله: (فَيَأْتِي بِمِثْلِهَا): قال ابن قدامة رحمه الله: ((يَعْنِي يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى مَا وُصِفَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا([6])»، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ([7])))اهـ.
    قوله: (غَيْرَ النِّيَّةِ وَالتَّحْرِيمَة ِ وَالِاسْتِفْتَا حِ وَالتَّعَوُّذِ، إِنْ كَانَ تَعَوَّذَ): أي: لا يأتي بهذه الأشياء؛ لأنه أتى بها في الركعة الأولى، وهي ليست مشروعة في غيرها؛ لأن ذلك يُراد لافتتاح الصلاة.
    ويُستثنى من ذلك الاستعاذةُ؛ ففيها روايتان:
    الأولى: لا يستعيذ إلا في الركعة الأولى فقط؛ إلا أن يكون نسيها في الركعة الأولى، فيأتي بها في الركعة الثانية، وهذه الرواية هي التي اختارها صاحب المتن هنا.
    واستدلوا على ذلك بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِـ"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَلَمْ يَسْكُتْ([8]).
    قالوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ([9]).
    واستدلوا أيضًا بحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»، ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا» ثَلَاثًا، «أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ»، ثُمَّ يَقْرَأُ([10]).
    ففي هذا الحديث ذِكْرُ الاستعاذة عند القيام في الركعة الأولى فقط؛ ولو كانت مشروعة في غيرها لنُقِلَت.
    والرواية الثانية: أنه يستعيذ في كل ركعة([11]).
    واستدلوا على ذلك بِعموم قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98].
    ولكن القول الأول أرجح؛ لقوة أدلته، ولأن هذه الأحاديث كالمخصصة لعموم الآية، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم مُبيِّن للقرآن.


    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (789)، ومسلم (392).

    [2])) ضعيف: أخرجه الترمذي (288)، وقال: «خَالِدُ بْنُ إِيَاسٍ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ»، وفيه أيضًا: صالح مولى التوأمة؛ وهو ضعيف؛ لاختلاطه، إلا فيما رواه القدماء عنه كابن أبى ذئب، انظر: ((الإرواء)) (362).

    [3])) ضعيف: وقد تقدم تخريجه والكلام عنه.

    [4])) أخرجه البخاري (824).
    قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله في ((الأم)) (1/ 139) – بعد ما ذكر حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه -: «وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنَأْمُرُ مَنْ قَامَ مِنْ سُجُودٍ، أَوْ جُلُوسٍ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ مَعًا؛ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَشْبَهُ لِلتَّوَاضُعِ وَأَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَنْقَلِبَ، وَأَيُّ قِيَامٍ قَامَهُ سِوَى هَذَا كَرِهْته»اهـ.

    [5])) ((المغني)) (1/ 381).

    [6])) متفق عليه: أخرجه البخاري (6667)، ومسلم (397).

    [7])) ((المغني)) (1/ 381).

    [8])) أخرجه مسلم (599).

    [9])) ((المغني)) (1/ 381).

    [10])) أخرجه أحمد (11473)، وأبو داود (775)، والترمذي (242)، وقد تقدم.

    [11])) ((المغني)) (1/ 382).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا): أي: في الجلوس للتشهد في الركعة الثانية؛ ودليل ذلك حديث أبي حميد الساعدي المتقدم؛ وفيه: فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى([1]).
    وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة المسيء صلاته - قَالَ: «إِذَا أَنْتَ قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ، فَكَبِّرِ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِذَا جَلَسْتَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَاطْمَئِنَّ، وَافْتَرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرَى ثُمَّ تَشَهَّدْ([2])».
    قوله: (وَسُنَّ وَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَبْضُ الْخِنْصِرِ وَالْبِنْصِرِ مِنْ يُمْنَاهُ، وَتَحْلِيقُ إِبْهَامَهَا مَعَ الْوُسْطَى، وَإِشَارَتُهُ بِسَبَّابَتِهَا فِي تَشَهُّدٍ وَدُعَاءٍ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ مُطْلَقًا، وَبَسْطُ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ): قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ: وَضْعُ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِ الْيُسْرَى، مَبْسُوطَةً مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلًا بِجَمِيعِ أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ ؛ وَهِيَ الْإِصْبَعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ([3])))اهـ.
    ودليل ذلك حديث بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يُصَلِّي، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ، بِيَمِينِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا، مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ، فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً. وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ: هَكَذَا: وَحَلَّقَ بِشْرٌ الْإِبْهَامَ وَالْوُسْطَى وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ([4]).
    وروى مسلم عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى إِصْبَعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ([5]).
    وفي لفظ لمسلم أيضًا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ...
    وَعند مسلم أيضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطَهَا عَلَيْهَا([6]).
    وفي لفظ لمسلم أيضًا: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى.
    وأما قوله: (وَإِشَارَتُهُ بِسَبَّابَتِهَا فِي تَشَهُّدٍ وَدُعَاءٍ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ مُطْلَقًا)؛ أي: يشير بالسبابة عِنْد ذكر لفظ الله تَعَالَى تَنْبِيها على التَّوْحِيد (مُطلقًا) أَي: فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا؛ وهذا مما لا دليل عليه.
    قوله: (فَيَقُولُ: "التَّحِيَّات للهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ؛ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؛ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ([7])».
    وكلام المؤلف يدل على أنه يُقْتَصَرُ على التشهد في الجلسة الأولى، دون السلام على النبي صلى الله عليه وسلم - وهو المذهب - واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ([8]).
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَالرَّضْفُ: هِيَ "الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ"؛ يَعْنِي لِمَا يُخَفِّفُهُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُطَوِّلْهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّشَهُّدِ شَيْئًا([9])))اهـ.
    والصحيح، أنه لا يقتصر على التشهد فقط في الجلسة الأولى؛ وإنما يأتي بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا؛ ودليل ذلك عموم الأدلة.
    فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رضي الله عنه، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «فَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ([10])».
    وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُولُوا اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ([11])».
    فهذه أحاديث عامة؛ تشمل التشهد الأول والثاني؛ ولا مخصص لها؛ وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه، "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ"، فهو حديث ضعيف لا يُحتج به؛ للانقطاع بين أبي عبيدة وبين أبيه عبد الله بن مسعود؛ ثم لو صح فلا حجة فيه أيضًا.
    قال الشوكاني رحمه الله:
    ((وَغَايَةُ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى تَخْصِيصِ الْأَخِيرِ بِهَا حَدِيثُ: «إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْلِسُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ كَمَا يَجْلِسُ عَلَى الرَّضْفِ»؛ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا مَشْرُوعِيَّةُ التَّخْفِيفِ؛ وَهُوَ يَحْصُلُ بِجَعْلِهِ أَخَفَّ مِنْ مُقَابِلِهِ - أَعْنِي التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ - وَأَمَّا إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِه ِ فِيهِ فَلَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ التَّشَهُّدَاتِ وَعَلَى أَخْصَرِ أَلْفَاظِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُسَارِعًا غَايَةَ الْمُسَارَعَةِ؛ بِاعْتِبَارِ مَا يَقَعُ مِنْ تَطْوِيلِ الْأَخِيرِ بِالتَّعَوُّذِ مِنَ الْأَرْبَعِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْمُورِ بِمُطْلَقِهَا وَمُقَيَّدِهَا فِيهِ([12])))اهـ.
    واستدلوا أيضًا على عدم مشروعية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأوسط بأنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أَنه كَانَ يفعل ذَلِك فِيهِ وَلَا علمه للْأمة([13]).
    وقد أجاب العلامة الألباني رحمه الله تعالى على هذا الاستدلال بقوله: ((وأما الجواب عن قولهم: إنه لم يثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يفعل ذلك فيه؛ فهو
    المعارَضَةُ بأن يقال: كذلك لم يثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يفعل ذلك في التشهد الأخير؛ أفيدل ذلك على عدم المشروعية؟ كلا.
    وتوضيح ذلك: أن الأمور الشرعية تثبت إما بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو بفعله، أو بتقريره، وليس من الضروري أن تجتمع هذه الأمور الثلاثة في إثبات أمر واحد اتفاقًا([14])))اهـ.


    [1])) أخرجه البخاري (828).

    [2])) أخرجه أبو داود (860)، وحسن إسناده الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (832).

    [3])) ((المغني)) (1/ 383).

    [4])) أخرجه أحمد (18876)، وأبو داود (726)، والنسائي (1265)، وصحح إسناده الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (829).

    [5])) أخرجه مسلم (579).

    [6])) أخرجه مسلم (580).

    [7])) متفق عليه: أخرجه البخاري (831)، ومسلم (402).

    [8])) أخرجه أحمد (3656)، وأبو داود (995)، والترمذي (366)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ»، والنسائي في ((المجتبى)) (1176)، وفي ((الكبرى)) (766)، وأعله النووي في ((المجموع)) (3/ 460)، وابن حجر في ((التلخيص)) (3/ 506)، بالانقطاع، وقال الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (3/ 909): «ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ لأنه من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه»اهـ.

    [9])) ((المغني)) (1/ 385).

    [10])) متفق عليه: أخرجه البخاري (6357)، ومسلم (406).

    [11])) أخرجه مسلم (405).

    [12])) ((نيل الأوطار)) (2/ 333).

    [13])) ذكره ابن القيم رحمه الله في كتابه ((جِلاء الأفهام)) (360)، عند عرضه لأدلة هذا القول.

    [14])) ((أصل صفة الصلاة)) (3/ 911).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (ثُمَّ يَنْهَضُ فِي مَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ مُكَبِّرًا): ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه – وقد تقدم – وفيه: وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ([1]).
    وكان يرفع يديه مع هذا التكبير؛ ودليل ذلك حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنه كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([2]).
    قوله: (وَيُصَلِّي الْبَاقِي كَذَلِكَ): وَالباقي هُوَ رَكْعَة من مغرب وثنتان من ربَاعِية (كَذَلِك) أَي: كالركعة الثَّانِيَة.
    قوله: (سِرًّا): قال الإمام النووي رحمه الله: ((فَالسُّنَّةُ الْجَهْرُ فِي رَكْعَتِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْإِسْرَارُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ، وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنَ الْعِشَاءِ؛ وَهَذَا كُلُّهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَة ِ عَلَى ذَلِكَ([3])))اهـ.
    قوله: (مُقْتَصِرًا عَلَى الْفَاتِحَةِ): أي: فيما تبقى بعد الركعتين الأوليين؛ ودليل ذلك حديث أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ([4]).
    وهذا مجمع عليه.
    قوله: (ثُمَّ يَجْلِسُ مُتَوَرِّكًا): ودليل ذلك حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه – وقد تقدم – وفيه: فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ([5]).
    وفي لفظ: حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ([6]).
    وَعَنْ الزُّبَيْرِ بن العوام رضي الله عنه، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ، جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى([7])، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ([8]).
    قوله: (فَيَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ): أي: يأتي في الجلسة الأخيرة بالتشهد الذي قاله في الجلسة الأولى.
    قوله: (ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"): عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ رضي الله عنه، فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «فَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ([9])».
    وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُولُوا اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ([10])».
    قوله: (وَسُنَّ أَنْ يَتَعَوَّذَ، فَيَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ"): ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ([11])».
    وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ([12])».
    وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ قُولُوا: «اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ: "أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَعِدْ صَلَاتَكَ"؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ([13]).



    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (789)، ومسلم (392).

    [2])) أخرجه البخاري (739).

    [3])) ((المجموع)) (3/ 389).

    [4])) متفق عليه: أخرجه البخاري (776)، ومسلم (451).

    [5])) أخرجه البخاري (828).

    [6])) أخرجه أحمد (23599)، وأبو داود (730)، وابن ماجه (1061)، وصححه الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (3/ 981).

    [7])) هنا (وفرش قدمه اليمنى)، وفي حديث أبي حميد المتقدم: (ونصب اليمنى)؛ فدل على أنه كان أحيانًا ينصب رجله اليمنى في التورك، وأحيانًا كان يفرشها، وهذا أروح لها. انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (5/ 80)، و((زاد المعاد)) (1/ 236)، و((أصل صفة الصلاة)) (3/ 988، 989).

    [8])) أخرجه مسلم (579)، وأبو داود (988).
    ولفظ مسلم: (جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَسَاقِهِ)؛ قال العلامة الألباني رحمه الله في ((أصل صفة السلاة)) (3/ 982): ((وقال أبو داود وأبو عوانة: (تحت) بدل: (بين)؛ ولعله أوضح في المعنى، والمراد أنه كان يجعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه اليمنى))اهـ.

    [9])) متفق عليه: أخرجه البخاري (6357)، ومسلم (406).

    [10])) أخرجه مسلم (405).

    [11])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1377)، ومسلم (588).

    [12])) متفق عليه: أخرجه البخاري (832)، ومسلم (589).

    [13])) أخرجه مسلم (590).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَتَبْطُلُ بِدُعَاءٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا): أي: لو دعى المصلي بأمر من أمور الدنيا في صلاته – سواء في السجود، أو بعد التشهد قبل اسلام - فإن صلاته تبطل؛ وإنما عليه أن يلتزم بالأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ وقد أخذوه مما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله؛ قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَحْمَدَ: بِمَاذَا أَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ؟ قَالَ: بِمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ، قُلْتُ لَهُ: أَوَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ([1])»؟ قَالَ: يَتَخَيَّرُ مِمَّا جَاءَ فِي الْخَبَرِ. فَعَاوَدْتُهُ فَقَالَ: مَا فِي الْخَبَرِ([2]).
    والراجح – والله أعلم – أن له أن يدعو بخيري الدنيا والآخرة؛ ولا يلزمه أن يتقيد بما ورد في السنة فقط؛ وذلك لأن الأحاديث الواردة في الباب عامة، ولا مخصص لها.
    وهو ما رجحه العلامة ابن عثيمين رحمه الله؛ حيث قال رحمه الله: ((والصحيح، أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلَّق بأمور الدُّنيا؛ وذلك لأن الدُّعاء نفسه عبادة؛ ولو كان بأمور الدنيا، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم يقول: «أقربُ ما يكون العبدُ مِن ربِّه وهو ساجد([3])»، ويقول: «أمَّا السُّجودُ فأكثروا فيه مِن الدُّعاء فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم([4])»، ويقول في حديث ابن مسعود لما ذَكَرَ التَّشهُّدَ: «ثم ليتخيَّر مِن الدُّعاء ما شاء»، والإنسان لا يجد نفسه مقبلًا تمام الإقبال على الله إلا وهو يُصلِّي، فكيف نقول: لا تسأل الله وأنت تُصلِّي شيئًا تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا([5])))اهـ.
    ثم لو قلنا: بأنه لا يُشرع الدعاء إلا بما ورد في السنة، ففرق بين عدم الجواز وبين الإبطال؛ لأننا لو قلنا: بأن قوله صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ»، أن المقصود به الدعاء الوارد في السنة، نقول: ولكن ليس فيه دليل على إبطال صلاة من دعا بما لم يرد في السنة.
    وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ قال رحمه الله: ((وَمِنَ الدُّعَاءِ مَا يَكُونُ مَكْرُوهًا وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَمِنْهُ مَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ فَالدُّعَاءُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الَّذِي يُشْرَع هُوَ الْوَاجِبُ وَالْمُسْتَحَبّ ُ. وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَالْمَكْرُوهُ يُكْرَهُ وَلَا يُبْطِلُهَا كَالِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَكَمَا لَوْ تَشَهَّدَ فِي الْقِيَامِ أَوْ قَرَأَ فِي الْقُعُودِ. وَالْمُحَرَّمُ يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْكَلَامِ.
    وَهَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُبْطِلِ الصَّلَاةَ بِالدُّعَاءِ غَيْرِ الْمَأْثُورِ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَحِبَّهُ؛ إذْ لَا يُسْتَحَبُّ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ؛ وَبَيَّنَ أَنَّ التَّخْيِيرَ عَادَ إلَى الْمَشْرُوعِ، وَالْمَشْرُوعُ يَكُونُ بِلَفْظِ النَّصِّ وَبِمَعْنَاهُ؛ إذْ لَمْ يُقَيِّدِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءَ بِلَفْظِ وَاحِدٍ كَالْقِرَاءَةِ([6])))اهـ.


    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (835)، ومسلم (402)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ وفي لفظ للبخاري: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو»، وفي لفظ له أيضًا: «ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الكَلاَمِ مَا شَاءَ».

    [2])) ذكره ابن تيمية رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)) (22/ 474)، وقال: هذا معنى كلام أحمد.

    [3])) أخرجه مسلم (482).

    [4])) أخرجه مسلم (479).

    [5])) ((الشرح الممتع)) (3/ 206).

    [6])) ((مجموع الفتاوى)) (22/ 476).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (ثُمَّ يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ"، مُرَتَّبًا مُعَرَّفًا وُجُوبًا): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ([1]).
    وَعَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ([2]).
    ولا بد أن يأتي بالسلام على الترتيب الوارد في السنة، معرَّفًا بالألف واللام، وذلك على الوجوب.
    قوله: (وَامْرَأَةٌ كَرَجُلٍ): أي: في جميع أحكام الصلاة المذكورة؛ إذ ليس هناك دليل يفرق بين الرجل والمرأة في تلك الأحكام.
    قوله: (لَكِنْ تَجْمَعُ نَفْسَهَا وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً أَوْ مُسْدِلَةً رِجْلَيْهَا عَنْ يَمِينِهَا، وَهُوَ أَفْضَلُ): أي: على المرأة أن تفعل هذا في الصلاة؛ إذا جلست جلست متربعة أو جاعلة رجليها في جانب يمينها – وهو الإسدال – واستدلوا على ذلك بما رواه ابن أبي شيبة عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كُنَّ نِسَاءُ ابْنِ عُمَرَ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ([3]).
    قلت: وهذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن عمر العمري؛ وهو ضعيف؛ فالصحيح أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في الجلوس.


    [1])) أخرجه أحمد (3699)، وأبو داود (996)، والنسائي (1142)، وابن ماجه (914)، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (326).

    [2])) أخرجه مسلم (582).

    [3])) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (2789)، قال الألباني رحمه الله في ((أصل صفة الصلاة)) (3/ 1040): ((وأما ما رواه الإمام أحمد في "مسائل ابنه عبد الله عنه" (ص 71) عن ابن عمر: أنه كان يأمر نساءه يتربعن في الصلاة. فلا يصح إسناده؛ لأن فيه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. وروى البخاري في "التاريخ الصغير" (ص 95) بسند صحيح عن أم الدرداء: "أنها كانت تجلس في صلاتها جِلْسَةَ الرجل". وكانت فقيهة))اهـ.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَكُرِهَ فِيهَا: الْتِفَاتٌ وَنَحْوُهُ بِلَا حَاجَةٍ): شَرَعَ المؤلف في ذكر مكروهات الصلاة؛ والمكروه هو: "ما نهى عن الشارع لا على سبيل الحتم والإلزام" وحكمه هنا: أنه لا يبطل الصلاة، ولكن يُلام فاعله؛ لأنه خالف السُّنَّة.
    فذكر المكروه الأول؛ وهو الالتفات بلا حاجة؛ ودليل ذلك حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ([1])».
    أما إذا كان الالتفات لحاجة فلا يكره؛ ودليل ذلك حديث جَابِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا([2]).
    قوله: (وَإِقْعاءٌ): ومن مكروهات الصلاة أيضًا الإقعاءُ؛ ودليل ذلك حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ([3]).
    وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ([4]). وعُقبة الشيطان هو الإقعاء.
    وَالإِقْعاءُ قد فسره علماء اللغة والفقه بأَنْ يُلْصِقَ الرجُلُ ألْيَتَيه بِالْأَرْضِ، ويَنْصِب ساقَيه وفَخِذَيه، ويَضَع يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا يُقْعِي الكلْب([5]).
    وهذه الصفة قد اتفق العلماء على كراهتها وعدم جوازها.
    قال ابن عبد البر رحمه الله: ((إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ قَالَ: "الْإِقْعَاءُ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتِهِ نَاصِبًا فَخْذَيْهِ مِثْلَ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالسَّبُعِ"؛ وَهَذَا إِقْعَاءٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ؛ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ([6])))اهـ.
    وقال النووي رحمه الله: "عُقْبَةُ الشَّيْطَانِ" فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ([7]) وَغَيْرُهُ بِالْإِقْعَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وَهُوَ أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا يَفْرِشُ الْكَلْبُ وَغَيْرُهُ مِنَ السِّبَاعِ ... وَهُوَ مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ([8]).
    وهناك صفة أخرى للإقعاء؛ وهي: نصب القدمين ووضع الأليتين على العقبين.
    وهذه الصفة قد اختلف فيها أهل العلم؛ فكرهها بعضهم واستحبها بعضهم؛ والصحيح أنها مستحبة وأنَّ فعلها بين السجدتين – أحيانًا - من السُّنَّة؛ ودليل ذلك ما رواه طَاوُسٌ، قال: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ؛ فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([9]).
    وفي رواية للبيهقي؛ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَنِ انْتِصَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إِذَا صَلَّى: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَذْكُرُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ وَاللهِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ هَذَا جَفَاءً مِمَّنْ صَنَعَهُ، قَالَ: فَقَالَ: إِنَّهَا لَسُنَّةٌ([10]).
    ففي هذه الرواية توضيح لصفةِ الإقعاء المستحب.
    وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا سَجَدَ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْأُولَى يَقْعُدُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ([11]).
    قال النووي رحمه الله: ((وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْإِقْعَاءِ وَفِي تَفْسِيرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ؛ وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاءَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ؛ هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَصَاحِبُهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما بِقَوْلِهِ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([12])))اهـ.
    إذًا؛ هناك صفتان للإقعاء؛ صفة قد اتُّفِق على كراهتها؛ وهي المذكرة أولًا؛ وصفة اختُلف فيها؛ والصواب استحبابها بين السجدتين –أحيانًا -؛ للأدلة المذكورة.
    قال ابن خزيمة رحمه الله: ((بَابُ إِبَاحَةِ الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ اخْتِلَافِ الْمُبَاحِ؛ فَجَائِزٌ أَنْ يُقْعِيَ الْمُصَلِّي عَلَى الْقَدَمَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَفْتَرِشَ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى([13])))اهـ.
    قوله: (وَافْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا): ويكره للمصلي أن يفترش ذراعية في السجود؛ أي: يمدهما على الأرض ملصقًا لهما بها؛ ودليل ذلك حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ([14])».
    وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَجَدْتَ، فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ([15])».
    قوله: (وَعَبَثٌ): ويُكره العبث في الصلاة؛ باتفاق أهل العلم([16])؛ لأنه ينافي الخشوع؛ وقد قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:1].
    وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ([17]).
    فترك النبي صلى الله عليه وسلم مسح جبهته في الصلاة من أثر الطين؛ لأنه عبث.
    قال ابن رجب رحمه الله: ((وقد اتفقوا على أن تركه – أي: مسح الجبهة - في الصلاة أفضل؛ فإنه يشبه العبث([18])))اهـ.
    وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً([19])».
    قال النووي رحمه الله: ((وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ فِيهِ كَرَاهَتُهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي التَّوَاضُعَ وَلِأَنَّهُ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي([20])))اهـ.
    قوله: (وَتَخَصُّرٌ): ويكره التخصر في الصلاة؛ وهو وضع اليدين على الخاصرة؛ وهي المستَرقُّ من البطن فوق الوركين.
    ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا([21]).
    قوله: (وَفَرْقَعَةُ أَصَابِعٍ): ويُكره فرقعة الأصابع في الصلاة؛ لأنه من العبث؛ ودليل ذلك حديث شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفَقَعْتُ أَصَابِعِي، فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، تُقَعْقِعُ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ([22]).
    قوله: (وَتَشْبِيكُهَا) : ويُكره تشبيك الأصابع في الصلاة؛ ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَا يَقُلْ هَكَذَا»، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ([23]).
    وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: سَأَلْتُ نَافِعًا، عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ يَدَيْهِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ([24]).
    (وَكَونُهُ حَاقِنًا، وَنَحْوُهُ): وتُكره صلاة الحاقن؛ وهو الذي يُدافعه الأخبثان – وهما البول والعائط -؛ ودليل ذلك حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ([25])».
    ونحو الحاقن؛ كمحتبس الريح؛ أيضًا تكره صلاته؛ لأنه في معنى الحاقن؛ لأن العلة هي شغل النفس عن الخشوع في الصلاة؛ ومحتبس الريح في ذلك كالحاقن.
    قوله: (وَتَائِقًا لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ): ودليل ذلك حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – المتقدم - قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» .
    وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَحَضَرَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ([26])».
    وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ([27])».
    ونحو التائق للطعام؛ كالطائق للشراب والجماع؛ أيضًا تُكره صلاته؛ لأنه في معناه؛ لأن العلة هي شغل النفس عن الصلاة؛ والتائق للشراب والجماع كالتائق للطعام في ذلك.

    [1])) أخرجه البخاري (751).

    [2])) أخرجه مسلم (413).

    [3])) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (6957)، وفي ((الأوسط)) (4468)، والحاكم في ((المستدرك)) (1005)، والبيهقي في ((الكبير)) (2739)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (6864).

    [4])) أخرجه مسلم (498).

    [5])) انظر: ((غريب الحديث)) لأبي عبيد القاسم بن سلام (1/ 210)، و((النهاية في غريب الحديث)) (4/ 89)، و((المغني)) (1/ 376).

    [6])) ((الاستذكار)) (1/ 481).

    [7])) هو معمر بن المثنى، شيخ أبي عبيد القاسم بن سلام، وقد نقل كلامه هذا أبو عبيد في كتابه ((غريب الحديث)) (1/ 210).

    [8])) ((شرح مسلم)) (4/ 214، 215).

    [9])) أخرجه مسلم (536).

    [10])) البيهقي في ((الكبرى))، وقال الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (2/ 802): إسناده جيد.

    [11])) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (8752)، والبيهقي في ((الكبير)) (2735)، وحسن إسناده الألباني في ((أصل صفة الصلاة)) (2/ 803).

    [12])) ((شرح مسلم)) (5/ 19).

    [13])) ((صحيح ابن خزيمة)) (1/ 338).

    [14])) متفق عليه: أخرجه البخاري (822)، ومسلم (493).

    [15])) أخرجه مسلم (494).

    [16])) ((المغني)) (2/ 9).

    [17])) متفق عليه: أخرجه البخاري (836)، ومسلم (1167).

    [18])) ((فتح الباري)) له (7/ 357).

    [19])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1207)، ومسلم (546).

    [20])) ((شرح مسلم)) (5/ 37).

    [21])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1220)، ومسلم (545).

    [22])) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (7280)، وحسن إسناده الألباني في ((الإرواء)) (2/ 99).

    [23])) أخرجه الدارمي (1446)، وابن خزيمة (447)، والحاكم في ((المستدرك)) (744)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في ((الثمر المستطاب)) (2/ 647):«وهو كما قالا».

    [24])) أخرجه أبو داود (993)، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (380).

    [25])) أخرجه مسلم (560).

    [26])) أخرجه البخاري (671)، وفي ((الصحيحين)) بمثله عن أنس رضي الله عنه.

    [27])) متفق عليه: أخرجه البخاري (673)، ومسلم (559).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    قوله: (وَإِذَا نَابهُ شَيْءٌ، سَبَّحَ رَجُلٌ، وَصَفَّقَتِ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفَّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى): وإذا ناب المأموم شيئًا في الصلاة؛ كأن يسهو الإمام فيزيد أو يُنقص، سبح الرجل وصفقت المرأة؛ لتنبيه الإمام؛ ودليل ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ([1])».
    وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلَالٌ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَأْمُرُهُ: أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَرَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ، أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ؛ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّا التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([2]).
    قوله: (وَيُزِيلُ بُصَاقًا وَنَحْوَهُ بِثَوْبِهِ): وإذا وجد في المسجد بصاقًا أو نحوه كمخاط أو نخامة، فليزلْها بثوبه أو بحصاة أو بأي شيء يزيلها؛ ودليل ذلك حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ، عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى([3])».
    قوله: (وَيُبَاحُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَيُكْرَهُ أَمَامَهُ وَيَمِينَهُ): أي: يباح أن يبصق وهو يصلي في غير المسجد عن يساره، ويُكره أن يبصق أمامه أو عن يمينه؛ ودليل ذلك حديث أبي سعيد المتقدم؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ، عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.
    هذا، إن كان يصلي في غير المسجد؛ فله أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى؛ وأما إن كان يصلي في المسجد، فلا يبصق إلا في ثوبه؛ وليس له أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى؛ ودليل ذلك حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا([4])».
    وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ؛ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ [وفي لفظ للبخاري: وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى] ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا([5])».
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَإِذَا بَدَرَهُ الْبُصَاقُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ وَيَحُكُّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ([6])))اهـ.
    وقال النووي رحمه الله: ((وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلْيَبْزُقْ تَحْتَ قَدَمِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ»؛ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَمَّا الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَبْزُقْ إِلَّا فِي ثَوْبِهِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ»؛ فَكَيْفَ يَأْذَنُ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْبُصَاقِ عَنِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهَا ... وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ احْتَاجَ إِلَى الْبُزَاقِ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ؛ بَلْ يَبْزُقُ فِي ثَوْبِهِ، فَإِنْ بَزَقَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدِ ارْتَكَبَ الْخَطِيئَةَ؛ وَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ هَذِهِ الْخَطِيئَةَ بِدَفْنِ الْبُزَاقِ؛ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّ الْبُزَاقَ خَطِيئَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ([7])))اهـ.
    وقال ابن حجر رحمه الله: ((وَلَوْ كَانَ تَحْتَ رِجْلِهِ مَثَلًا شَيْءٌ مَبْسُوطٌ أَوْ نَحْوُهُ، تَعَيَّنَ الثَّوْبُ، وَلَوْ فَقَدَ الثَّوْبَ مَثَلًا فَلَعَلَّ بَلْعَهُ أَوْلَى مِنَ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ([8])))اهـ.



    [1])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1203)، ومسلم (422).

    [2])) متفق عليه: أخرجه البخاري (1234)، ومسلم (421).

    [3])) متفق عليه: أخرجه البخاري (408)، ومسلم (548).

    [4])) متفق عليه: أخرجه البخاري (415)، ومسلم (552).

    [5])) متفق عليه: أخرجه البخاري (405)، ومسلم (551).

    [6])) ((المغني)) (2/ 11).

    [7])) ((شرح مسلم)) (5/ 39- 41).

    [8])) ((فتح الباري)) (1/ 511).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #77
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,849

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    فَصْلٌ
    وَجُمْلَةُ أَرْكَانِهَا أَرْبَعَةُ عَشَرَ:
    الْقِيَامُ، وَالتَّحْرِيمَة ُ، وَالْفَاتِحَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالسُّجُودُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَالطُّمَأْنِين َةُ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَجِلْسَتُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّسْلِيمَت َانِ، وَالتَّرْتِيبُ.
    وَوَاجِبَاتُهَا ثَمَانِيَةٌ:
    التَّكْبِيرُ غَيْرُ التَّحْرِيمَةِ، وَالتَّسْمِيعُ، وَالتَّحْمِيدُ، وَتَسْبِيحُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَقَولُ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي)) مَرَّةً مَرَّةً، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَجِلْسَتُهُ.
    وَمَا عَدَا ذَلِكَ وَالشُّرُوطَ: سُنَّةٌ.
    فَالرُّكْنُ وَالشَّرْطُ لَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا وَجَهْلًا؛ وَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِهِمَا.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #78
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة

    قال الألباني رحمه الله: ((هذا الحديث لا يدل على أن المؤتم لا يشارك الإمام في قوله: "سمع الله لمن حمده"؛ كما لا يدل على أن الإمام لا يشارك المؤتم في قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ إذ إن الحديث لَمْ يُسَقْ لبيان ما يقوله الإمام والمؤتم في هذا الركن؛ بل لبيان أن تحميد المؤتم إنما يكون بعد تسميع الإمام؛ ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول التحميد وهو إمام([9])؛ وكذلك عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» يقتضي أن يقول المؤتم ما يقوله الإمام كالتسميع وغيره([10])))اهـ.
    وفي رواية أخرى عن أحمد جواز الزيادة على التحميد.
    قال ابن قدامة رحمه الله: ((وعنه: ما يدل على استحباب قول: «ملء السماء» وهو اختيار أبي الخطاب؛ لأنه ذكر مشروع للإمام، فشرع للمأموم كالتكبير([11])))اهـ.
    قوله: «ومأموم في رفعه» ، أي: أنَّ المأمومَ يقول في حال الرَّفْعِ: «رَبَّنا ولك الحمدُ» أما الإِمامُ والمنفردُ فيقول في رَفْعِهِ: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه».

    قوله: «فقط» بمعنى: فحسب، يعني: لا يزيد على ذلك، فيقتصر على ذلك ويقفُ ساكتاً، والدَّليلُ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قال الإِمامُ: سَمِعَ اللهُ لمن حِمِدَه؛ فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ». ولكن عند التأمل نجد أنَّ هذا القولَ ضعيفٌ، وأنَّ الحديثَ لا يدلُّ عليه، وأنَّ المأموم ينبغي أن يقول كما يقول الإِمامُ والمنفردُ، يعني: يقول بعد رَفْعِهِ: «مِلءَ السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» وذلك لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قال الإِمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ» فَجَعَلَ قولَ المأموم: «رَبَّنا ولك الحمدُ» معادلاً لقول الإمام: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه»، والإِمام يقول: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه» في حال الرَّفْعِ، فيكون المأموم في حال الرَّفْعِ يقول: «رَبَّنا ولك الحمدُ»، أما بعد القيام فيقول: «مِلءَ السماوات...» إلخ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» وهذا هو القول الرَّاجح في هذه المسألة.

    وعُلِمَ مِن كلام المؤلِّف: أنَّ المأمومَ لا يقول: «سَمِعَ اللهِ لمَن حَمِدَه» وهو كذلك.
    فإذا قال قائل: ما الجوابُ عن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي»، وقد كان يقول: «سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه» فيقتضي أنَّ المأمومَ يقول ذلك؟.
    فالجوابُ على هذا سهلٌ: وهو أن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» عامٌ، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه»، فقولوا: «رَبَّنا ولك الحمدُ» فهذا خاصٌّ، والخاصُّ يقضي على العامِّ، فيكون المأموم مُستثنى مِن هذا العموم بالنسبة لقول: «سَمِعَ الله لمَن حَمِدَه» فإنه يقول: رَبَّنا ولك الحمدُ.

    وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنَّه لا يزيدُ على هذا الذِّكر بعد القيام مِن الرُّكوع، ولكن الصَّحيح أنه يزيد ما جاءت به السُّنَّةُ مثل: «أهلَ الثناءِ والمَجْدِ، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عَبدٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعطِيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ».

    وعلى هذا، فالظَّاهرُ: أنَّ المؤلِّف حذفَ هذه الجملةَ اقتصاراً أو اختصاراً، إن كان اختصاراً فالمعنى: أن المؤلِّف اقتصر على بعض الذِّكر الوارد، وإذا كان اقتصاراً فالمعنى: أن المؤلِّفَ يرى ألا يقول سواها، بل يقتصر على هذا. ولكن الذي يظهر أنه حذفها اقتصاراً؛ لأن المقام مقام ذِكْرٍ، والذِّكرُ ينبغي أن يُذكر كلُّ ما فيه؛ إلا أن يدَّعي مُدَّعٍ أن المؤلِّف رأى أنَّ هذا الكتابَ مختصرٌ فاختصرَ.

    تتمة: لم يذكر المؤلِّفُ رحمه الله ماذا يصنع بيديه بعد الرَّفع من الرُّكوع، هل يعيدهما على ما كانتا عليه قبل الرُّكوعِ؛ فيضعُ يدَه اليُمنى على ذراعه اليُسرى، أو يرسلهما؟
    والمنصوص عن الإِمام أحمد رحمه الله: أن الإِنسان يُخيَّر بين إرسالهما، وبين وَضْعِ اليد اليُمنى على اليُسرى. وكأن الإِمام أحمد رحمه الله رأى ذلك؛ لأنه ليس في السُّنَّة ما هو صريح في هذا، فرأى أنَّ الإِنسان مخيَّرٌ. وهذا كما يقول بعض العلماء في مثل هذه المسألة: الأمرُ في ذلك واسع. ولكن الذي يظهر أن السُّنَّة وَضْعُ اليد اليُمنى على ذراع اليُسرى؛ لعموم حديث سهل بن سعد الثابت في «صحيح البخاري»: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» فإنك إذا نظرتَ لعموم هذا الحديث: «في الصَّلاة» ولم يقل في القيام تبيَّن لك أن القيام بعد الرُّكوع يُشرع فيه الوضع، لأن الصَّلاةَ اليدان فيها حال الركوع: تكونان على الرُّكبتين، وفي حال السُّجودِ: على الأرض، وفي حال الجلوس: على الفخذين، وفي حال القيام ـ ويشمل ما قبل الرُّكوعِ وما بعدَ الرُّكوعِ ـ يَضَعَ الإِنسانُ يدَه اليُمنى على ذراعِهِ اليُسرى، وهذا هو الصحيح.



    الشرح الممتع (3/ 101 - 104 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  19. #79
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    (الصور منقوله ) - فإن كان هناك ملاحظات ارجو التنبيه على ذلك - : ارجو أن يكون الشرح المصور( للتورك - الافتراش - الإقعاء ) واضحا :





    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


  20. #80
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,269

    افتراضي رد: مدارسة كتاب الصلاة من أخصر المختصرات

    ...وقوله: «ثم يَخِرُّ مكبِّراً ساجداً» . «مكبراً» حال من فاعل «يَخِرُّ» والحال الأصل فيها أنها مقارنة للفعل، فإذا قلت مثلاً: جاء زيدٌ راكباً، فركوبُه حين مجيئه، فيكون التَّكبير إذاً حالَ الخُرور من القيام إلى السُّجودِ، وكذلك جميع تكبيرات الانتقال، محلُّها ما بين الرُّكنِ الذي انتقلتَ منه، والرُّكن الذي انتقلتَ إليه، وقد سبق لنا البحث في هذا.

    ولم يذكر المؤلِّفُ رحمه الله رَفْعَ اليدين، فهل هذا مِن باب الاختصار، أو الاقتصار، أو العمد؟
    الجواب: الثالث من باب العَمْد؛ لأن رَفْعَ اليدين عند السُّجودِ ليس بسُنَّة، فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما ـ وهو مِن أشدِّ النَّاسِ حِرصاً على السُّنَّةِ، وأضبط النَّاسِ لها ـ أنه ذكر «أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان يرفع يديه إذا كَبَّرَ للإِحرام، وإذا كَبَّرَ للرُّكوع، وإذا رَفَعَ من الرُّكوع قال: وكان لا يفعل ذلك في السُّجودِ» يعني: لا إذا سَجَدَ، ولا إذا قام من السُّجودِ. والرَّجُلُ قد ضَبَطَ وفَصَّلَ وبَيَّنَ، وليس هذا من باب النفي المجرَّد، هذا نفيٌ يدلُّ على إثبات تَرْكِ الفعل؛ لأن الرَّجُلَ قد تحرَّى الصَّلاةَ وضَبَطَ تكبيرَه ورَفْعَه عند الدُّخول في الصَّلاةِ، وعند الرُّكوع، وعند الرَّفع منه، فأثبت التَّكبيرَ والرَّفْعَ في ثلاثة مواضع، ونَفَى الرَّفعَ في السُّجود وعند القيام من السُّجود. وعلى هذا؛ فليس من السُّنَّة أن يرفعَ يديه إذا سَجَدَ.
    وقد رُويَ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه كان يرفع يديه في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ.
    ولكن الحافظ ابن القيم رحمه الله ذكر أن هذا وَهْمٌ، وأن صواب الحديث: «كان يكبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ» ووَجْهُ الوَهْمِ فيه حديثُ ابن عُمر؛ فإنه صريحٌ بعدم الرَّفْعِ عند السُّجودِ، وعند الرَّفْعِ من السُّجودِ، وليس هذا من باب تعارض مثبت ومنفي؛ حتى نقول بالقاعدة المشهورة: إن المثبتَ مقدَّم على النَّافي؛ لأنَّ النفي هنا في قوة الإِثبات، فإنه رَجُلٌ يحكي عن عَمَلٍ واحد فَصَّلَه، قال: هذا فيه كذا وأثبته، وهذا ليس فيه كذا ونَفَاه، وفَرْقُ بين النَّفْي المطلق وبين النَّفْي المقرون بالتفصيل، فإن النَّفْيِ المقرون بالتفصيل دليلٌ على أن صاحبَه قد ضَبَطَ حتى وصل إلى هذه الحال، عرف ما ثبت فيه الرَّفْعُ وما لم يثبت فيه الرَّفْعُ، وعلى هذا فنقول: إن حديث ابن عُمرَ الثابتَ في «الصحيحين» مقدَّمٌ على ذلك الحديث الضَّعيف، والوهم فيه قريب.

    فإذا قال قائل: ما الفَرْقُ بين الهوي للرُّكوعِ والهوي للسُّجودِ، أليس كلٌّ منهما انتقالاً من أعلى إلى أسفل؟
    فالجواب: بلى، ولكن العبادات مبنيَّة على التوقيف، فلا قياس فيها، ولو دخل القياس في صفات العبادات، وما أشبهها لضاع انضباطُ النَّاسِ، ولصار كلُّ إنسان يقيس على ما يريد، أو على ما يظنُّ أن القياسَ فيه تامُّ الأركان، ويضيع الاتفاق بين الأمة في عبادتهم التي يتقرَّبون بها إلى الله عزّ وجل.

    وقوله: «ساجداً» . حال من فاعل «يَخِرُّ» ولكنها حالٌ لاحقة؛ لأن هذه الحال ـ أعني: السجود ـ لا تكون في حال الخُرور، ولكنها تكون بعد انتهاء الخُرور، فهي حالٌ لاحقة، والسُّجود بحيث تتساوى أطرافه العليا والسُّفلى، فلو فُرض أنه سَجَدَ على شيء مرتفع منزلق، وصار إلى القعود أقرب منه إلى السجود، فإن ذلك لا يُعَدُّ سجوداً، فلا بُدَّ من تساوي الأعالي والأسافل، أو على الأقل أن يكون إلى السُّجودِ التام أقربَ منه إلى الجلوس التام؛ فيما لو كانت الأرض متصاعدة.

    قوله: «على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه» .
    قال: «سبعة أعضاء» وبيَّنها قال: رجليه، ثم ركبتيه، ـ أربعة.
    ثم يديه ـ ستة.
    ثم جبهته مع أنفه ـ سبعة.
    والواقع أن الجبهة والأنف ليسا شيئاً واحداً، لكن الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ألحق الأنفَ بالجبهة إلحاقاً، والدَّليل على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أُمِرْتُ أن أسجُدَ على سَبْعَة أعظُم: على الجبهة ـ وأشار بيده على أنفه ـ، واليدين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين، ولا نَكْفِتَ الثِّيابَ والشَّعْرَ» وهنا لو كان الأنفُ من الجبهة حكماً وحقيقةً ما أشار إليه، ولو كان عضواً مستقلاً لنصَّ عليه، وجَعَله مستقلاً، فكانت الأعضاءُ ثمانية. إذاً فهو تابع، فهو من الجبهة حُكماً لا حقيقة، ولهذا أشار إليه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إشارة...

    ... وقوله: «ثم جبهته مع أنفه» لم يقل: جبهته وأنفه، أو ثم أنفه، بل قال: «مع» إشارة إلى أنَّ الأنفَ تابعٌ مصاحبٌ وهو كذلك.

    وبقي علينا نَظَرٌ آخر في هذه العبارة، فقوله: «على سبعة أعضاء،... رجليه» أليس هو قائماً على رجليه مِن الأصل؟
    الجواب: أنه رُبَّما يرفعهما إذا سَجَدَ، ولهذا نصَّ عليهما حتى لا يرفعهما...

    ... قوله: «ولو مع حائلٍ ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ» أي: يَسجُد على الأرض؛ ولو مع حائل ليس مِن أعضاء السُّجودِ. والحائل: يشمَلُ الثوبَ، والغُترةَ، والمشلحَ، وما كان مِن جنس الأرضِ، وما كان من غير جنسها فهو عامٌّ، لكن لا بُدَّ أن يكون طاهراً؛ لأنه لا يمكن السُّجود على النَّجِسِ؛ إذ إن مِن شرط الصَّلاةِ كما سَبَقَ اجتنابُ النجاسة.

    قوله: «ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ» أي: لا يجوز أن يسجد على حائلٍ من أعضاء السُّجود: بأن يضع جبهته على كفَّيه مثلاً، أو يضع يديه بعضهما على بعض، أو يضع رجليه بعضهما على بعض، لأنه إذا فَعَلَ ذلك فكأنما سَجَدَ على عضوٍ واحدٍ.

    وقوله رحمه الله: «ولو مع حائلٍ ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ» : لم يبيِّن حُكمَ السُّجودِ على حائلٍ إذا كان مِن غير أعضاء السُّجودِ، إنما بَيَّنَ أنَّ السجودَ يجزئُ مع الحائل، فما حُكم وَضْعِ الحائل؟
    قال أهلُ العلم: إن الحائل ينقسم إلى قسمين:
    القسم الأول: أن يكون متَّصلاً بالمصلِّي، فهذا يُكره أن يسجدَ عليه إلا مِنْ حَاجةٍ مثل: الثَّوب الملبوس، والمشلح الملبوس، والغترة، وما أشبهها، ودليل ذلك:
    حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في شِدَّة الحَرِّ، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّنَ جبهتَه مِن الأرض؛ بَسَطَ ثوبَه فَسَجَدَ عليه».
    فقوله: «إذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّنَ» دَلَّ على أنَّهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة، ثم التعبير بـ«إذا لم يستطع»؛ يدلُّ على أنه مكروه، لا يُفعل إلا عند الحاجة.

    القسم الثاني: أن يكون منفصلاً، فهذا لا بأس به ولا كراهة فيه؛ لأنه ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه صَلَّى على الخُمْرَة .
    والخُمْرة: عبارة عن خَصيف مِن النَّخْلِ، يسعُ جبهةَ المصلِّي وكفِّيه فقط، وعلى هذا فتكون الحوائل ثلاثة أقسام:
    1 ـ قسم مِن أعضاء السُّجود، فهذا السُّجودُ عليه حرام، ولا يجزئ السُّجود.
    2 ـ قسم من غير أعضاء السجود؛ لكنه متَّصل بالمصلِّي، فهذا مكروه، ولو فُعِلَ لأجزأ السُّجود؛ لكن مع الكراهة.
    3 ـ قسم منفصل، فهذا لا بأس به، ولكن قال أهل العِلم: يُكره أن يخصَّ جبهته فقط بما يسجد عليه.
    وعلَّلوا ذلك: بأن هذا يشابه فِعْلَ الرافضة في صلاتِهم، فإن الرافضة يتَّخذون هذا تديناً يُصلُّون على قطعة من المَدَر كالفخَّار يصنعونها مما يسمونه «النَّجف الأشرف»، يضعون الجبهة عليه فقط، ولهذا تَجِدُ عند أبواب مساجدهم «دواليب» ممتلئة من هذه الحجارة، فإذا أراد الإنسان أن يدخل المسجد أخذ حجارة ليسجد عليها، ومنهم من يفعل ذلك؛ لأنه يرى أنه لا يجوز السجود إلا على شيء من جنس الأرض، فلا يجوز السجود على الفراش ولو من خصيف النخل، مع أنه ثبت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سجد على خصيف النخل، كما في حديث أنس حينما غَسَل للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الحصير الذي اسْوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ وصَلَّى عليه صلّى الله عليه وسلّم.

    والسُّجود على هذه الأعضاء السَّبعة واجب في كل حال السُّجود، بمعنى أنه لا يجوز أن يرفع عضواً من أعضائه حال سجوده، لا يداً، ولا رِجْلاً، ولا أنفاً، ولا جبهة، ولا شيئاً من هذه الأعضاء السبعة. فإن فَعَلَ؛ فإن كان في جميع حال السجود فلا شَكَّ أن سجوده لا يصحُّ؛ لأنه نقص عضواً من الأعضاء التي يجب أن يسجد عليها.
    وأمَّا إن كان في أثناء السجود؛ بمعنى أن رَجُلاً حَكَّته رِجْلُهُ مثلاً فَحَكَّها بالرِّجْلِ الأخرى فهذا محلُّ نظر، قد يُقال: إنها لا تصحُّ صلاته لأنه تَرَكَ هذا الرُّكن في بعض السجود.
    وقد يُقال: إنه يجزئه لأن العبرة بالأَعمِّ والأكثر، فإذا كان الأعمُّ والأكثر أنه ساجد على الأعضاء السبعة أجزأه، وعلى هذا فيكون الاحتياط: ألا يرفع شيئاً وليصبر حتى لو أصابته حِكة في يده مثلاً، أو في فخذه، أو في رِجْلِهِ فليصبر حتى يقومَ من السُّجود.


    ...والحكمة مِن السُّجودِ: أنه مِن كمال التعبُّد لله والذُّلِّ له، فإن الإنسان يضع أشرف ما فيه وهو وجهه؛ بحذاء أسفل ما فيه وهو قدمه.
    وأيضاً: يضعه على موطء الأقدام، يفعل كلَّ هذا تعبُّداً لله تعالى وتقرُّباً إليه.
    ومِن أجل هذا التَّطامن والنزول الذي فَعَلَهُ لله تعالى صار أقرب ما يكون الإنسان من رَبِّه وهو ساجد، مع أنه لو قام لكان أعلى وأقرب، لكن لنزوله لله عزَّ وجلَّ صار أقرب إلى الله، «فما تواضعَ أحدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللَّهُ».
    هذه هي الحكمة والسِّرُّ في هذا السجود العظيم، ولهذا ينبغي لنا أن تسجد قلوبُنا قبل أن تسجدَ جوارحنا؛ بأن يشعر الإنسان بهذا الذُّلِّ والتَّطامن والتواضع لله عزَّ وجلَّ، حتى يدرك لذَّةَ السُّجود وحلاوته، ويعرف أنَّه أقرب ما يكون إلى الله.
    وهذا المعنى قد يغفل عنه أصحابُ الظَّواهر الذين يريدون أن يُجمِّلُوا الطاعات بظاهرها، وهم يُحمدون على هذا، ولا شَكَّ أنَّنا مأمورون أن نُجَمِّلَ الطاعات بظواهرها، بتمام الاتِّباعِ وكماله، لكن هناك شيءٌ آخر يَغْفُلُ عنه كثيرٌ من الناس؛ ويعتني به أربابُ السُّلوكِ، وهو تكميل الباطن؛ بحيث يركعُ القلبُ قبل رُكوع البدن، ويسجد قبل سجودِ البدن، ولكن قد يُقصِّر أربابُ السُّلوكِ الذين يعتنون بالبواطن في إصلاح الظواهر؛ فتجدهم يُخِلُّون كثيراً في إصلاح الظواهر، والكمال هو إصلاح الأمرين جميعاً؛ والعنايةُ بكمالهما جميعاً؛ بكمال البواطن وكمال الظواهر.

    وإنِّي والله، وأشهد الله، أننا لو أقمنا الصَّلاةَ كما ينبغي؛ لكُنَّا كُلَّما خرجنا من صلاة؛ نخرج بإيمان جديد قوي؛ لأن الله يقول: {{اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}} الآية .

    لكن؛ نسألُ اللهَ أن يعاملنا بعفوه؛ ندخل فيها بقلب ونخرج بقلب، هو القلب الأول؛ لأننا لا نأتي بما ينبغي أن نأتيَ به مِن خضوع القلب وحضوره؛ وشعوره بهذه التنقُّلات؛ التي هي رياض متنوِّعة وأفعال مختلفة، وأقوال هي ما بين قراءة كلام الله عزَّ وجلَّ، وذكره وتعظيمه، وتكبيره ودعائه، والثناء عليه، ووصفه بأكمل الصفات «التحيات لله والصلوات... إلخ»، فهي رياض عظيمة، لكن فينا قصور مِن جهة مراعاة هذه الأسرار.
    وقد وَرَدَ في الحديث: «إن الله حَرَّمَ على النَّار أن تأكل أثَرَ السُّجود» فيمن يدخل النارَ من العُصاة؛ لأن عُصاةَ المؤمنين إذا لم يَتُبِ الله عليهم، ولم يكن لهم حسنات ترجح على سيئاتهم، فإنهم يُعذَّبون بالنار بقَدْرِ ذنوبهم؛ لكن أعضاء السُّجود محترمة لا تأكلها النار، ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم:
    يا ربِّ أعضاءَ السُّجودِ أعتقتَها
    مِن فَضْلِكَ الوافي وأنت الباقي
    والعتقُ يسري في الغني يا ذا الغنى
    فامْنُنْ على الفاني بعتق الباقي
    فتوسَّلَ إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يعتق جميعَ البَدَنِ لسريان العتق إليه.


    الشرح الممتع ملخصا ( 3 / 106 -120 )
    اللهمَّ اجعلْ ابني عمر لنا سلَفًا وفَرَطًا وأجرًا، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •