علاقة التنصير بالتصوف وبعده على الجزائر المستقلة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: علاقة التنصير بالتصوف وبعده على الجزائر المستقلة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    12

    افتراضي علاقة التنصير بالتصوف وبعده على الجزائر المستقلة

    علاقة التنصير بالتصوفو بعده على الجزائر المستقلةالأستاذ : عبد الكريم بحوصيباحث بالمدرسة العليا للأساتذة الجزائر بداية أبين في مستهل هذا الحديث أن كلامي موجه إلى الطرق الصوفية الضالة المنحرفة عن المنهج الإسلامي الصحيح القويم وليس يعني أبدا الزوايا العلمية الفاعلة،[1] التي كان لها دور بارز في مقاومة الاستعمار الفرنسي و حركة التنصير على حد سواء، بل وكان لها الدور في تخريج علماء و إطارات ذات مكانة مرموقة داخل الوطن وخارجه.رى الكثير من الباحثين، أن الزوايا و الطرق الصوفية لعبت دوراً بارزاً جداً في مقاومة الحملات التنصيرية في الفترة الاستعمارية، و لازالت تلعب هذا الدور، بدليل أن معظم " الزوايا" قادت مقاومات شعبية ضد الاستعمار الفرنسي، و حثت على طرد العدو الكافر وإجلائه من الأرض الطاهرة المسلمة، غير أن الكثير يخلط بين الزاوية كمؤسسة تعليمية مستقلة والطرق الصوفية التي دأبت على الشعوذة و الدروشة و نشر البدع والخرافات.و لا يمكننا أن ننفي الدور البارز لهذه الشريحة في مقاومة الاحتلال بشكل أو بآخر، حتى يمكن أن نعتبر محافظة بعض الزوايا على تعليم اللغة العربية، و تحفيظ القرآن هو جزء من المقاومة بغض النظر عن المعطيات المثبتة حول الدور الجهادي لبعض الزوايا من جهة، و المعطيات المثبتة أيضاً عن الدور التعاوني مع المحتل من جهة ثانية، غير أن هناك إشكالية تطرح في هذا المقام، تدعو إلى التأمل، و تبعث على التحقيق، في علاقة محتملة بين التنصير والتصوف المنحرف بشكل ما، جعل هناك نوع من الغايات المشتركة الغير مباشرة بين الطرفين.و إذا أردنا أن نحدد نوع التنصير الذي ساد في الجزائر، فإن الخلاصة ستصل بنا إلى القول بأنه تنصير يهدف إلى إخراج الجزائريين من دينهم الإسلام، و ليس بالضرورة إدخالهم في النصرانية،[2]و لعل هذا ما دفع السلطة الاستعمارية لاستغلال كل ما من شأنه أن يخدم هذه الغاية، و لا يستبعد أن تكون بعض الطرق الصوفية الضالة المنحرفة قد استُخدمت في هذه الغاية لوجود قرائن دالة على ذلك، منها ما يذكره الدكتور سعد الله في قوله " و الذي يلاحظ هو أن المرابطين و رجال الزوايا قد ازدادوا جمودا و بعدا عن واقع الشعب و معاناته اليومية، فأصبحوا عن وعي أو غير وعي أداة في يد السلطة الفرنسية لإبقاء الجماهير خامدة جامدة، سهلة الاستغلال و السيطرة الاستعمارية "[3].و انطلاقاً من أن أغلب أو كل الثورات الشعبية التي كانت بقيادة زعامات صوفية، كان مآلها الفشل، هذا ليس للإنقاص من دورها أبدا و لكن مدعاة للتدبر في أمر آخر، هو أن الثورة التحريرية التي حققت الاستقلال، لم يكن لهذه الطرق الصوفية دور كبير في قيادتها، و لا ينبغي أن يحمل هذا الكلام على أن الزوايا لم تدعم الثورة، أو لم تشارك في الثورة، بل لم يكن للصوفية كمنهج أهمية تذكر في الثورة و لا نجانب الصواب إذا قلنا أن الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام عبد الحميد ابن باديس ( 1889- 1940) القائد الروحي للثورة التحريرية،[4] و الذي كان له موقف صريح من المناهج الصوفية ومن ورائه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، موقف يعلمه الجميع، كان لها الفضل في نجاح الثورة، من خلال محاربة البدع والخرافات والشعوذة التي كانت تهيمن على عقول كثير من الجزائريين بسبها وقد كتب الإمام البشير الإبراهيمي قائلا: " إن المرابطية هي الاستعمار في معناه الحديث المكشوف، و هي الاستعباد في صوره الفظيعة لأنها هي سبب الفساد والأمراض و الانحراف الديني والجهل و الإهمال في الحياة و الإلحاد بين الشباب"[5] والظاهر أن هذه المقاومة من طرف علماء الجزائر للخرافات والشعوذة وعدد آخر من الأمراض الاجتماعية قد أثار ضدها رجال الطرقية،[6] و في نفس الوقت المنصرين لأنها تدعوا إلى الإصلاح واليقظة الشعبية و تهاجم التبشير و تربط بينه و بين الاستعمار.[7]و لعل أهم ما نود الإشارة إليه في هذه المداخلة، هو المقاربة العجيبة التي حدثت بين التنصير و التصوف في الجزائر، إذ نلاحظ أن كلا هما استهدف نفس المناطق، و لا أدل على ذلك مثل منطقة القبائل و بعض المناطق الداخلية،[8] إذ نجد بعض الطرق الصوفية جعلت من هذه المناطق مراكز لانطلاق دعوتها في الجزائر، في حين كانت الإرساليات التبشيرية، و لا تزال تستهدف هذه المناطق أيضاً !! ما يجعلنا نستفسر عن سبب استهداف التنصير لهذه المناطق و البحث عن ما يبرر ذلك؟ إن الجواب على هذا التساؤل يدفعنا للغوص عميقا في البحث وبالضبط إلى القاعدة العقيدية التي يقوم عليها كليهما، فإذا عدنا إلى القاعدة العقيدية عند النصارى القائلة بالاتحاد والحلول،[9] فيرى النصارى أن بعض النصوص المقدسة تفيد حلولاً إلهياً في عيسى - عليه السلام -، منها قوله: "لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ، وأنا فيه" (يوحنا 10/38)، وفي موضع آخر " الذي رآني فقد رأى الآب...الآب الحال فيّ " (يوحنا 14/9-10)، ويبقى أقوى أدلة النصارى على ألوهية المسيح قوله: "أنا والآب واحد" (يوحنا 10/30)، وقال تعالى في القرآن الكريم: " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) " سورة المائدة، الآية 73، -فهذه النصوص أفادت - حسب قول النصارى - أن المسيح هو الله، أو أن حلولاً إلهياً حقيقياً لله فيه،[10] و هذه الفكرة هي أهم ما تقوم عليه دعوى النصارى في مجال العقيدة. و لا غرابة أن نجد ما يطابق هذه الفكرة لدى الصوفية المنحرفة فأشهر القائلين بالحلول الحلاّج،[11] وقد شرح عقيدة الحلول بقوله:"مَنْ هذَّبَ نفسه في الطاعة، وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقرّبين ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظّ حلَّ فيه روح الإله الذي حلَّ في عيسى ابن مريم ولم يُرِدْ حينئذ شيئًا إلاّ كان كما أراد، وكان جميع فعله فعل الله تعالى"[12]وقول الحلاج أيضاً: أنا من أهوى من أهوى أنا...نحن روحان حللنا بدنا[13] و كذلك في أقوال كثيرين غيره على غرار قول ابن فارض شاعر الصوفية في تائيته المشهورة: فارق ضلال الفرق فالجمع منتج ...هدى فرقة بالاتحاد تحدت. وهناك أقول كثيرة تدل على اعتقاد الصوفية ضمنيا لفكرة الحلول الباطلة.[14] ولذا فلا يمكن أن نستبعد بأي شكل من الأشكال دور القاعدة التي هيئها التصوف المنحرف لتقبل الفكر التنصيري في الجزائر. أما تأثير التراث النصراني في التصوف، فهو أيضا أمر ثابت من دون شك.[15] فَكُتب الصوفية المتقدمة منها والمتأخرة تضمنت أخبارا وأفكارا كثيرة منقولة من التراث النصراني تتعلق بالمسيح-عليه السلام- والحواريين والرهبان. من ذلك مثلا تأثر الصوفية بالرهبان في لبس الصوف، وبما أنه وجد من المسلمين من أنكر على أوائل الصوفية لباسهم للصوف لأنه تشبه بلباس رهبان النصارى دلّ هذا على أن تميز الصوفية بلباس الصوف كان بتأثير من النصارى وليس من الشرع. بدليل الشواهد الآتية: منها ما رواه الشعراني[16] أن الصوفي أبا العالية- من أوائل الصوفية- أنه كان " يكره للرجل زي الرهبان من الصوف، ويقول : زينة المسلمين التجمل بلباسهم"[17]. وروى البخاري "عن أبي خلدة قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوفٍ، فقال أبو العالية: "إنما هذه ثياب الرهبان، إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا"[18]. وروى الصوفي أبو نعيم الأصبهاني بإسناده أن حماد بن أبي سليمان قدم إلى البصرة فجاءه فرقد السبخي وعليه ثوب صوف فقال له حماد: " ضع عنك نصرانيتك هذه" [19]. وأنكر سفيان الثوري على صوفي كان لابسا الصوف بقوله: " لباسك هذا بدعة" [20]. ومن ذلك أيضا أن الصوفية رووا أن إبراهيم بن أدهم- أحد مؤسسي التصوف- تأثر ببعض رهبان النصارى، فأخذ عنه المعرفة الصوفية، وما يتعلق بها من جوع وعزلة. فروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده عن بقية بن الوليد أنه قال : " سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلمت المعرفة من راهب يقال له أبا سمعان دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا أبا سمعان منذ كم أنت في صومعتك هذه، قال: منذ سبعين سنة ،قلت: فما طعامك؟ قال: يا حنيفي فما دعاك إلى هذا؟ قلت؟ أحببت أن أعلم، قال: في كل ليلة حمصة، قلت: فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيه هذا الحمصة ؟، قال: ترى الدير بحذائك ؟، قلت: نعم، قال: إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حواليها ويعظموني بذلك فكلما، تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة ،وأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد، فوقر في قلبي المعرفة .فقال: حسبك أو أزيدك، قلت: بلى قال: انزل عن الصومعة، فنزلت فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي: ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك ،فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى فقالوا: يا حنيفي ما الذي أدلى اليك الشيخ؟ قلت: من قوته، قالوا:وما تصنع به نحن أحق به؟، قالوا : ساوم قلت عشرين دينارا فأعطوني عشرين دينارا، فرجعت إلى الشيخ فقال: يا حنيفي ما الذي صنعت قلت: بعته قال: بكم ؟ قلت: بعشرين دينارا ،قال: أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك ،هذا عز من لا يعبده ،فانظر كيف يكون عز من يعبده يا حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب والجيئة "[21] وفي رواية أن ابراهيم بن أدهم قال : " مررت براهب في صومعته والصومعة على عمود والعمود على قمة جبل كلما عصفت الريح تمايلت الصومعة ، فناديته قلت: يا راهب، فلم يجبني ،ثم ناديته فلم يجبني ،فقلت: في الثالثة بالذي حبسك في صومعتك إلا أجبتني فأخرج رأسه من صومعته فقال: لِم تنوح، سميتني باسم لم أكن له بأهل، قلتَ: يا راهب،ولستُ براهب إنما الراهب من رهب من ربه. قلتُ فما أنت؟ قال : سجان سجنت سبعا من السباع ، قلت: ما هو ؟، قال: لساني سبع ضار، إن سيبته مزق الناس يا حنيفي، إن لله عبادا صما سمعا وبكما نطقا وعميا بصرا، سلكوا خلال دار الظالمين واستوحشوا مؤانسة الجاهلين ،وشابوا ثمرة العلم بنور الاخلاص، وقلعوا بريح اليقين حتى أرسوا بشط نور الإخلاص، هم والله عباد كحلوا أعينهم بسهر الليل فلو رأيتهم في ليلهم وقد نامت عيون الخلق وهم قيام على أطواقهم يناجون من لا تأخذه سنة ولا نوم . يا حنيفي: عليك بطريقهم قلت: على الإسلام أنت؟ قال: ما أعرف غير الإسلام دينا ولكن عهد إلينا المسيح -عليه السلام- ووصف لنا آخر زمانكم فخليت الدنيا وإن دينك جديد وإن خلق. قال بقية: فما أتى على إبراهيم شهر حتى هرب من الناس "[22]. وهذا التعمق والتشدد في العبادات مع ترك المباحات لم يعهد عند السلف رضوان الله عليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل اللحم ويحب الحلوى ويستعذب له الماء البارد،[23] ولم يأمر صلى الله عليه وسلم أحداً من أصحابه بالخروج عن ماله، والتشدد في الدين كدوام الصيام والقيام هو داء رهبان اليهود والنصارى[24] وترك التزوج وإدامة الجوع فيه شبه بالتبتل الذي رده الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه، وبسبب هذه الرياضات فقد ابن عطاء الأدمي البغدادي عقله ثمانية عشر عاماً، وقال الذهبي معلقاً على ذلك: " ثبت الله علينا عقولنا فمن تسبب في زوال عقله بجوع ورياضة صعبة فقد عصى وأثم "[25].وأما السياحة في البراري فهي من السياحة المنهي عنها، وهي من الرهبانية المبتدعة وكأنهم لم يسمعوا بالحديث الذي رواه أبو داود عن أبي أمامة أن رجلاً قال : يا رسول الله أئذن لي في السياحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله"[26].و ما سبق نستنتج أن التأثير النصراني في نشأة التصوف وارد رغم وجود من ينفي ذلك، و هذا التأثير مستمر إلى اليوم، و هذا واضح بالدليل و البرهان القاطع، و من مصادر الصوفية أنفسهم وحتى لو فرضنا أن لكل منهم هدف مستقل إلا أن الحقيقة هي أن هناك اشتراك في الأساس. و من جهة أخرى فإن أبرز أوجه التشابه بين الصوفية المنحرفة و النصرانية هو الوساطة بين الله و الخلق، فقد اتخذ النصارى ( و من قبلهم اليهود) أربابا من دون الله وسألوهم الغفران للذنوب، و الهداية للقلوب، و لعل هذا ما اتخذه الصوفية حين قالوا أنه لابد من واسطة بيننا و بين الله فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك.[27] و في هذا السياق قال أبو علي الدقاق [28]: " الشجرة إذا نبتت بنفسها من غير غراس فإنها تورق، ولكن لا تُثمر؛ كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يأخذ منه طريقته نفساً نفساً فهو عابد هواه، لا يجد نفاذاً"[29]. و هذا ظاهر للعيان من غير حاجة إلى دليل. و مما لا شك فيه أن التنصير في الجزائر اتخذ جملة من الوسائل و الآليات على رأسها مدارس الإرساليات التبشيرية، التي كانت تقدم تعليما يخدم مناهجها ويهدف في الوقت نفسه إلى كسب عناصر تضمها إلى صفوفها [30] وهذا المنهج سارت عليه أغلب حركات التنصير في الجزائر، و الملفت للانتباه أن هذه الوسيلة كانت كذلك من أبرز وسائل الصوفية المنحرفة، استطاعت من خلالها تجنيد العديد من المريدين، و التابعين، و ذلك بتقديم تعليم يتماشى مع الفكر الصوفي (المنحرف)، و لا أدل على ذلك من الكتب المقررة في مناهجهم حول التصوف[31] و التي لا يتسنى لكل من يدرس في الزاوية الاطلاع عليها، و الإلمام بمضمونها، إلا بعد التأكد من خضوعه الفكري، و استسلامه الروحي كما يزعمون.لقد كان لتجربة التنصير في الفترة الاستعمارية دور كبير في إعادة بعث هذه الحركة في الجزائر المستقلة، مستفيدة في ذلك من شتى التجارب التي جسدتها حينها و مستعينة في ذلك بكل ما يخدم منهجها و أهدافها والواضح أن قطاع الدعوة الإسلامية في الجزائر يعتمد بشكل أساسي على خريجي الزوايا و المعاهد الصوفية، هناك حيث يتلقى الأئمة تلقيناً للقرآن الكريم و للغة العربية، و بعض الأحكام الفقهية فضلا عن حفظ بعض القصص و النوادر لشد انتباه المستمع من العامة، و لا نكاد نجد مقررات في التوحيد تخلوا من البعد العقدي الذي ذكرناه سابقا، وهذا ما جعل المستوى الدعوي عند بعض الأئمة في الجزائر تتهاوى قيمته كثيراً و أصبح عاجزاً عن تحصين الفرد المسلم ضد الحملات المغرضة، و إن هذه النماذج من الدعاة تخرج الناس عن وعيهم وتمهد الطريق أمام دعاة التنصير ليبلغوا أغراضهم. [32]لا نستطيع أن نعمم الحكم على كل الزوايا في ربوع الوطن فمنها التي أخلصت في عملها، و تدريسها، و قدمت لنا علماءً في المستوى العالمي، على غرار الزاوية القاسمية بالهامل، و الرحمانية والسنوسة و غيرها من الزوايا العلمية التي ذكرنا آنفاً، لكن في المقابل لابد أن نبين بكل موضوعية أن الزوايا التي غلب عليها الجانب العاطفي (الدروشة و الشعوذة و الزردات) على العلمي ( و هي كثيرة) آثرت الشهوات على العقل، و غلفت مبتغياتها بأغلفة أوجدت لها تأويلات فاسدة من الشرع، و استمر لبسها إلى أعقل عامة الناس وخاصتهم، و جعل خاصة الشباب منهم، عرضة لتقبل الأفكار المبنية على المداخل العقدية الفاسدة والمستغلة لدافع الشهوة ( المال، الشهرة المنصب ...) لعامل التنصير و نذكر دائما أن التنصير ليس بالضرورة إدخال الأخر في المسيحية، بل هو إبعاده عن الإسلام وهذا ما خدمته بعض الطرق الصوفية المنحرفة بشكل غير مباشر.و مما سبق نلاحظ أن المؤسسات التنصيرية سعت جاهدة إلى استغلال هذا الفراغ الديني الذي تركته الطرق الصوفية المنحرفة التي يمكن اعتبارها إلى حد بعيد المؤسسة الوحيدة التي كانت تمثل الدين الإسلامي في العهد الاستعماري، و لا تزال، و لعل أبرز دليل على التقارب الصوفي التنصيري ترحيب أسقف الجزائر" بدر غالب"[33]بالزيارة التي نظمتها أتباع الطريقة الصوفية العلوية بالمدية إلى كنيسة تبحرين لإحياء الذكرى المئوية الأولى لتأسيس طريقتهم على يد الشيخ العلوي سنة 1909.[34] و السؤال المطروح لماذا يحتفل أتباع الطريقة بالذكرى المئوية في الكنيسة؟ و ما هي العلاقة الموجودة؟ و للإشارة فإن هذا الاحتفال حضره السفير الفرنسي بالجزائر "غزافي ديونكور" و عدد من الكهنة و الرهبان النشطين بالجزائر.[35] و هذا ما لا يمكن تفسيره إلا على كونه استغلال من هؤلاء المنصرين للزوايا و الطرق الصوفية المنحرفة للترويج لأفكارها من جهة، و دلالة على سعي فرنسا إلى مباركة هذه العلاقة و تفعيلها بما يخدم مصالحها. [2]. خالدي فروخ : التبشير و الاستعمار في البلاد الإسلامية، المكتبة العصرية، بيروت، 1986، ص 49.[3] .أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج 3، ص 95.[4] . محمود قاسم: عبد الحميد ابن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية، دار المعارف، القاهرة، 1968، ص 93.[5] . أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية، ج 2، ص 403.[6] . سعد الله، ج 3، 95[7] . نفسه، ص 95[8] . نذكر مثلا: إقليم توات في الجنوب الجزائري، الأبيض سيدي الشيخ في ولاية البيض، و غيرها.[9] . الاتحاد في اللغة: أن يصبح الواحد متعدداً، مصدر من اتَّحَد يَتَّحِد، يُقال: اتحد الشيئان أو الأشياء، أي صارت شيئاً واحداً، أنظر مادة (وحد) في: القاموس المحيط(1/343)، ولسان العرب(3/446)، والمعجم الوسيط(2/1016)الاتحاد اصطلاحاً:عرَّفه الصوفية بأنه: تصيير الذاتين واحدة، وذلك بامتزاج الشيئين واختلاطهما حتى يصيرا شيئاً واحداً،أنظر: التعريفات للجرجاني ص(22)، ومعجم مصطلحات الصوفية ص(9)، ومعجم اصطلاحات الصوفية ص(49).و الحلول في اللغة: النزول، مصدر حلَّ يحُلُّ: إذا نزل بالمكان، أنظر مادة(حلل) في: القاموس المحيط(3/359)، ولسان العرب(11/163)، والمصباح المنير(147)، والمعجم الوسيط(1/193).الحلول في الاصطلاح: نزول الذات الإلهية في الذات البشرية، ودخولها فيها،فيكون المخلوق ظرفاً للخالق بزعمهم أنظر:التعريفات للجرجاني ص(6)، ومجموع فتاوى ابن تيمية(2/286).أغلب الصوفية ينفون فكرة الحلول و الاتحاد، غير انهم يذهبون إلى أخطر من ذلك بالقول بعقيدة وحدة الوجود، لكن هناك الكثير من أقوال كبرائهم من يدلل على وجود الحلول كمفهوم ضمن عقيدتهم، و هذا ما نشير إليه.[10] . أنظر: الملل والنحل- محمد بن عبد الكريم الشهرستاني-ت: محمد رشيد كيلاني-دار المعرفة-بيروت-(1/222)[11] . هو الحسين بن منصور( 858- 922 م/ 244- 309 هـ ) ويكنى أبا مغيث، كان جده مجوسيا اسمه محمي من أهل البيضاء بفارس، نظر ترجمته في : - تاريخ الأمم والملوك للطبري، 11 / 79 وما بعدها، المنتظم لابن الجوزي ، 6 / 160 وما بعدها . - البداية والنهاية، 11 / 132 وما بعدها . - سير أعلام النبلاء، 14 / 313 وما بعدها.[12] . محمد فريد وجدي:دائرة معارف القرن العشرين، دار الفكر، بيروت، (10/ 355).[13] . ديوان الحلاج،نشرة لويس ماسنيون، باريس 1931، ص 26.[14] .أحمد ابن عبد العزيز القصير: عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية، مكتبة الرشد، الرياض، 2003، ص 52.[15] . خالد كبير علال: نقد الأفكار و الروايات المؤسسة للتصوف، ص 59.[16] . عبد الوهاب الشعراني (898- 973 ه/ 1493- 1565 م) عبد الوهاب بن احمد بن علي بن احمد بن محمد بن موسى الشعراني، الانصاري، الشافعي، الشاذلي، المصري (أبو المواهب، أبو عبد الرحمن) فقيه، اصولي، محدث، صوفي، مشارك في انواع من العلوم، انظر: الزركلي: الأعلام، ج 4، ص 230.[17] الشعراني : الطبقات الكبرى ، ص: 49 . [18] البخاري: صحيح الأدب المفرد، ج 1 ص: 144 . [19] أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء ، دار الكتاب العربي، بيروت ، ج 4 ص: 222. [20] نفسه، ج 7 ص: 33 .[21] أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء، ج 8 ص: 29 . [22] نفسه، ص 30 . [23] . ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الكتاب العربي، بيروت، 1985، ص 151.[24] . شاه ولي الدهلوي: حجة الله البالغة، دار الجيل، بيروت، 2005، ص 120.[25] . الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 14، 151.[26] . أبو داود: السنن، دار الرسالة العالمية، 2009، ج 3، ص 5.[27] . صابر طعيمة: الصوفية معتقداُ و مسلكاً، دون بيانات، 1985، ص 371.[28] . أبو علي الدقاق:الحسن بن علي بن محمد أبو علي الأستاذ الدقاق الزاهد النيسابوري، شيخ الصوفية وشيخ أبي القاسم القشيري. توفي في ذي الحجة سنة ست وأربعمائة. وقيل سنة اثنتي عشرة وأربعمائة والله أعلم. أنظر: الصلاح الصدفي: الوافي بالوفيات، ج 4، ص 179. [29] [29] القشيري : الرسالة القشيرية، حققه عبد الحليم محمود، و محمود بن الشريف ص: 181 . [30] . مولود قاسم نايت بلقاسم: الإسلام نظام شامل و النقص فينا، مجلة الأصالة، العدد 20، ص 191.[31] . حلوش عبد القادر : سياسة فرنسا التعليمية في الجزائر، دار الأمة، 1999، ص 135.[32] . محمد الغزالي: صيحة التحذير من دعاة التنصير، دار النهضة، مصر، ط 3، 2005، ص 99.[33] . بدر غالب أسقف الجزائر، ولد يوم 22 جويلية 1951 بالأردن، مسيحي كاثوليكي، و يشغل منصب أسقف الجزائر منذ 24 ماي 2008. [34] . انظر : جريدة الشروق اليومي بتاريخ الاثنين 22 جوان 2009.[35] . نفسه.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    الجزائر العميقة ولاية الجلفة
    المشاركات
    503

    افتراضي رد: علاقة التنصير بالتصوف وبعده على الجزائر المستقلة

    بارك الله فيك أخي على كشف حقيقة التصوف في بلدنا وسر وجود الزوايا وتمويلها بمبالغ ضخمة لا لشيء إلا لوجود تقارب في الدعوة والمصالح بين التنصير والتصوف جزاك الله خير الجزاء أخي

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •