القواعد المستخلصة من الشرح الممتع - الصفحة 7
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 7 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة
النتائج 121 إلى 140 من 154
11اعجابات

الموضوع: القواعد المستخلصة من الشرح الممتع

  1. #121
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الخامسة والتسعون:
    ((إذا كان النهي عاماً في العبادة وغيرها، فإنه لا يبطلها))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((إذا كان النهي عامًا في العبادة وغيرها، فإنه لا يبطلها.
    مثاله: الغيبة للصائم حرام، لكن لا تبطل الصيام؛ لأن التحريم عام.
    وكذا لو صلى في أرض مغصوبة، فالصلاة صحيحة؛ لأنه لم يرد النهي عن الصلاة فيها، فلو قال: لا تصلوا في أرض مغصوبة فصلى، قلنا لا تصح؛ لأنه نهي عن الصلاة بذاتها.
    وكذلك لو توضأ بماء مغصوب، فالوضوء صحيح؛ لأن التحريم عام، فاستعمال الماء المغصوب في الطهارة، وفي غسل الثوب، وفي الشرب، وفي أي شيء حرام.
    ولو صلى وهو محدث لا تصح الصلاة؛ لأن هذا تَرْكُ واجبٍ، ووقوع في المنهي عنه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بغير طهور».
    وإذا صلى في المقبرة لا تصح صلاته؛ لأن فيها نهيًا خاصًّا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام».
    وإذا صلى إلى قبر أي: جعل القبر قبلته لم تصح صلاته؛ لأن النهي عن نفس الصلاة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا تصلوا إلى القبور))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ رحمه الله: (6/ 527).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (6/ 527، 528).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #122
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة السادسة والتسعون:
    ((كل مدفوع لأذاه فلا حرمة له))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((ولا يحرم على المحرم قتل الصائل أي: لو صال عليك غزال وخفت على نفسك ودافعته، وأبى أن ينصرف فقتلته فلا شيء عليك؛ لأنك دفعته لأذاه، وكل مدفوع لأذاه فلا حرمة له، وكل ما أبيح إتلافه لصوله فإنه يدافع بالأسهل فالأسهل، فإذا أمكن دفعه بغير القتل دفع، وإلا قتل.
    ومن فروع هذه القاعدة: لو نزلت شعرة بعينه، أي: نبتت في الجفن من الداخل وصارت تؤذي عينه وأزالها بالمنقاش، وقلنا: بأن تحريم إزالة الشعر على المحرم عام لجميع البدن، فإن ذلك لا شيء فيه، وكذا لو انكسر ظفره وصار يؤذيه كلما مسه شيء آلمه، فقص المنكسر، فلا شيء عليه؛ لأنه دفعه لأذاه))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (7/ 146).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (7/ 146، 147).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #123
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة السابعة والتسعون:
    ((من قبض الشيء لحظ نفسه لم يُقبل قوله في الرد، ومن قبضه لحظ مالكه قُبل قوله في الرد، ومن قبضه لحظهما جميعاً لم يقبل قوله في الرد))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((يُقبل قول الراهن في رد الرهن، يعني لو ادعى المرتهن أنه رد الرهن إلى الراهن، وقال الراهن: لم ترده، فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الرد، ولأننا اتفقنا على أنه في يدك واختلفنا في انتقاله عن يدك، والأصل بقاء ما كان على ما كان، والرهن الآن بيد المرتهن.
    فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن المودَع إذا ادعى رد الوديعة إلى المودِع قُبِل قوله، فلماذا لا تقبلون قول المرتهن في رد الرهن؟ أي: إنسانٌ أعطى شخصًا وديعة وقال: خذ هذه الساعة أمانة عندك، وبعد مدة جاء صاحب الساعة يطلبها، فقال المودَع: إني قد أعطيتكها، فيقبل قول المودَع، وهذا المرتهن لا نقبل قوله؛ لأن المودَع محسن، والله تعالى يقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91]، وكثيرًا ما تحصل مثل هذه الأمور بدون إشهاد، فلو أعطاني ماله، وقال: خذ هذا وديعة عندك، فجاء يطلبه فقلت له: لا أعطيك إياه إلا بشهود، فسيقول أنا أعطيتك إياه بلا شهود، فكيف لا تعطيني إياه إلا بشهود؟! فلما كان العرف يقتضي عدم الإشهاد وكان هذا الرجل محسنًا، لم يكن عليه من سبيل، ولدينا قاعدة: أن من قبض الشيء لحظ نفسه كالمستعير لم يُقبل قوله في الرد، ومن قبضه لحظ مالكه كالمودَع قُبل قوله في الرد، ومن قبضه لحظهما جميعًا مثل الرهن والعين المؤجرة لم يقبل قوله في الرد، كمن قبض الشيء لحظ نفسه؛ تغليبًا لجانب الحماية، وعلى هذا فلا يُقبل قول المستأجر في رد العين المؤجرة إلا ببينة.
    أما في التلف فكل من كانت بيده العين بإذن من مالكها أو من الشرع فقوله في التلف مقبول، إلا إذا ادعى التلف بسبب ظاهر، فإنه يلزم بإقامة البينة على هذا الظاهر، ثم يقبل قوله في أن هذا المال تلف من جملة ما تلف، وعليه يقبل قولهما ـ أي: المرتهن والمودع جميعًا ـ يعني لو ادعى المرتهن أن الرهن تلف قبل قوله؛ لأنه أمين، وفي نظم القواعد: كل أمين يَدَّعِي الردَّ قُبِل.
    وعلى هذا فنقول: إذا ادعى المرتهن أنه رد الرهن إلى الراهن فإننا لا نقبل قوله، فالقول قول الراهن.
    وليعلم أن من كان القول قوله فلا بد من اليمين؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اليمين على من أنكر»اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (9/ 168).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (9/ 67- 69).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #124
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الثامنة والتسعون:
    ((الظاهر إذا قَوِي غُلِّب على الأصل))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((قوله: «ويقبل قول الراهن في قدر الدين»؛ يعني لما حل الدين أتى الراهن بألف ريال، وقال للمرتهن: هذا دينك أعطني الرهن، فقال: الدين ليس بألف ريال، الدين خمسة آلاف ريال، فقال الراهن: بل هو ألف ريال، يقول المؤلف: «يقبل قول الراهن»، وهذا مقيد بما إذا لم يكن للمرتهن بينة، أما إذا كان للمرتهن بينة، فالقول قول من شهدت له البينة، وهي شهدت للمرتهن فيلزمه في المثال خمسة آلاف.
    كذلك ـ أيضًا ـ يقبل قول الراهن مع يمينه، فلا بد أن يحلف؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، ونحن الآن عندنا طرفان، الطرف الأول الراهن ينكر أن يلزمه خمسة آلاف.
    والطرف الثاني المرتهن يدعي أن له خمسة آلاف.
    نطبق على الحديث: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، فنقول: القول قول الراهن بيمينه، وأما المرتهن فلا نقبل قوله إلا بالبينة.
    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا فرق بين أن يكون الدَّيْن الذي ادعاه الراهن قريبًا من قيمة الرهن أو بعيدًا.
    فلو رهنه سيارة بدَين، ولما حل الدين جاء الراهن إلى المرتهن بمئة ريال، فقال المرتهن: الدين خمسة آلاف ريال، فقال: لا، بل مئة ريال، فهنا عندنا أصل وعندنا ظاهر.
    فالأصل عدم ثبوت ما ادعاه المرتهن؛ لأن الراهن ينكره، فيقول: أبدًا لا يلزمني إلا مئة ريال.
    والظاهر ثبوت ما ادعاه المرتهن في هذه الصورة؛ إذ لم تجر العادة أن شخصًا يرهن سيارة تساوي خمسين الفًا بمئة ريال، فإذا كان هناك ظاهر وأصل، فكلام المؤلف ظاهره ما ذكرناه من أنه لا فرق بين أن يكون الدين الذي ادعاه الراهن قريبًا من قيمة الرهن أو بعيدًا، لكن إذا أردنا أن نطبقها على قواعد الشريعة، فإننا نقدم الأقوى من الظاهر أو الأصل، ولهذا لو ثبت ببينة أخذنا بما قالت البينة، ولو كان الراهن قد ادعى أقل.
    وعلى هذا نقول: إن الظاهر يكذب قول الراهن، فيكون الأصل مع المرتهن.
    وفي المسألة قول ثالث: أن القول قول المرتهن مطلقًا لكنه ضعيف، فالقول بأن القول قول الراهن مطلقًا ضعيف، والقول بأنه قول المرتهن مطلقًا ـ أيضًا ـ ضعيف، والصواب في ذلك التفصيل وأن القول قول من يشهد العرف له؛ لأن الظاهر إذا قوي غُلِّب على الأصل، فإذا وجدت قرينة قوية تدل على رجحان من ادعى الظاهر غلب على الأصل كما سبق.
    ولكن يبقى النظر إذا ادعى المرتهن أن الدين خمسون ألفًا بناءً على أن قيمة السيارة تساوي خمسين ألفًا، ولكن لما رأى أنه غير مقبول قال: إذًا الدَّين أربعون ألفًا، فهل في هذه الحال نقول: إن رهن سيارة قيمتها خمسون ألفًا، قريب من أن يكون الدين أربعين ألفًا، فنقبل قوله لما رجع، أو نقول: إن هذا الرجل كاذب فلا يقبل قوله؟
    الجواب: الظاهر الثاني هو الأولى، وعليه فنقول: يكون الدين ما ادعاه الراهن.
    وعلى هذا فالقاعدة: متى ادعى أحدهما ما يخالف الظاهر مخالفة بينة فإننا لا نقبله))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (9/ 166).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (9/ 164- 166).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #125
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة التاسعة والتسعون:
    ((كل عقد محرم فإنه لا يترتب عليه آثاره))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((لو استأجر امرأة ليزني بها فالإجارة باطلة وغير صحيحة وحرام؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مهر البغي خبيث»، فلا تبيح الإجارة الزنا، وليست شبهة ـ أيضًا ـ في إسقاط الحد كما زعمه بعض العلماء، فبعض العلماء قال: إذا أراد أن يزني بامرأة وخاف أن يقام عليه الحد فليستأجرها، لكن لا شك أن هذا القول من أبطل الأقوال، ولا تحل المرأة بذلك، وهنا قاعدة يجب أن تعلم وهي: «كل عقد محرم فإنه لا يترتب عليه آثاره»؛ فمثلًا البيع الفاسد لا يملك المشتري السلعةَ ولا البائعُ الثمنَ، وكذلك لو استأجر امرأة يزني بها فإنه لا يستبيح بذلك فرجها؛ لأن الإجارة فاسدة، ولأن الزنا محرم بالنص والإجماع))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (10/ 17).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (10/ 16، 17).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #126
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة المئة:
    ((كل عقد يكون متردداً بين الغنم والغرم فهو باطل))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((قوله: «فلا تصح إجارة الآبق»؛ يعني: العبد الآبق، وهو الذي هرب من سيده، ولا يدري عنه سيده شيئًا، فهذا لا تصح إجارته؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وحينئذٍ إما أن يستطيع المستأجر استلامه وإما أن لا يستطيع، فإن استطاع أن يتسلمه صار غانمًا وإن لم يستطع صار غارمًا؛ لأن العبد الآبق لا يمكن أن تكون أجرته كأجرة العبد الحاضر؛ فسوف تنزل أجرته ويعتبر المستأجر نفسه مخاطرًا، فإذا قدرنا أن هذا العبد يؤجر في اليوم بخمسين ريالًا لو كان حاضرًا، فإذا كان آبقًا سيؤجر في اليوم بخمسة ريالات أو عشرة ريالات، وحينئذٍ إن وجده فهو غانم ـ أي: المستأجر ـ وإن لم يجده فهو غارم، والقاعدة الشرعية: أن كل عقد يكون متردداً بين الغنم والغرم فهو باطل؛ لأنه ميسر، ويدخل ـ أيضًا ـ في ضمن نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر.
    قوله: «والشارد»؛ يعني الجمل الشارد، مثل إنسان له جمل شارد هارب، فجاء شخص يستأجره منه، فقال: أنا أريد أن أستأجر منك الجمل شهرًا بكذا وكذا ابتداؤه من اليوم، إما أن أجده اليوم وإما أن لا أجده إلا بعد عشرة أيام وإما أن لا أجده أبدًا، نقول: هذه إجارة فاسدة باطلة؛ وذلك لعدم القدرة على التسليم، والعجز عن التسليم يقتضي أن يكون المستأجر غانمًا أو غارمًا))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (10/ 34).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (10/ 33، 34).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #127
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الحادية بعد المئة:
    ((لا بد من ذكر كل ما يختلف به القصد واستيفاء المنفعة))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((وإن استأجرها لعمل، كدابة لركوب إلى موضع معين؛ أو بقر لحرث، أو دياس زرع، أو من يدله على طريق، اشتُرط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف.
    قوله: «وإن استأجرها»؛ أي: «العين».
    قوله: «لعملٍ كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث أو دياس زرع، أو من يدله على طريق اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف»؛ أفادنا المؤلف بهذا أنه يجوز أن تستأجر العين لعمل، يعني يستأجر عينا ليعمل بها، كسيارة ليسافر بها إلى مكة، وكـ «مُوَلِّد» لتوليد كهرباء لمدة معينة، وكـ «محرك» لاستخراج الماء لمدة معينة، وما أشبه ذلك، كل هذا جائز؛ لأنه ليس فيه احتكار على الناس، لكن يقول المؤلف: لا بد على من استأجر الدابة لركوب أن يكون إلى موضع معين معلوم، فإن قال: استأجرت منك هذه الدابة لأطلب عليها ضالتي التي ضاعت مني فالإجارة لا تصح؛ لأنها مجهولة؛ لأننا لا ندري أيجدها قريبًا أم بعيدًا، فلا بد أن يكون إلى موضع معين، إذا قال: استأجرت منك هذا البعير إلى بلد ما، فلا يصح للجهالة، أو استأجرت منك هذا البعير إلى بلد معين لكن صاحب البعير لا يدري أين هذا البلد فلا يصح أيضًا؛ لأنه لا بد من علم المؤجر والمستأجر.
    وهل يشترط أن يعلم الطريق أَسَهْلٌ هو أم وَعِرٌ، آمن أم خائف؟ نعم؛ لأنه يختلف به القصد؛ فمثلًا إذا استأجر بعيرًا إلى بلد والطريق آمن ميسر، فليس كما لو استأجرها إلى بلد طريقه خائف وغير ميسر، فبينهما فرق عظيم، فالمهم أنه لا بد أن يعرف كل ما تختلف به الأجرة.
    إذا استأجرها لحمل ليس لركوب فلا بد أن يعين المحمول؛ لأنه يختلف؛ مثلًا: هناك فرق بين أن يكون الحمل من القطن أو من الإسفنج وبين أن يكون من الرصاص فأيهما أشد؟ كل منهما أشد من الآخر فالإسفنج يكون كبيرًا فيتعب البعير؛ لأنه سوف يستقبل الهواء، والهواء يعوق البعير ويتعبه، لكنه بالنسبة إلى ظهر البعير أيسر، والرصاص بالنسبة للهواء لا يضره، لكن بالنسبة لثقله على الظهر، ربما يجرحه؛ لذلك لا بد أن يعين نوع المحمول؛ لأن ذلك يختلف.
    فصار لا بد أن يعين نوع المحمول والبلد وأن يعرف الطريق، ولو قال: استأجرت منك البعير لركوب رجل عليها إلى المدينة؛ فإنه يحتاج أن يعين الرجل؛ لأن من الركاب من هو خفيف على الدابة، لو تحرك عليها اشتدت به وصارت هملاجة، ومن الناس من لا تهتم به البعير، ثم يوجعها ضربًا وهي لا تمشي، ولهذا فالركاب الذين يعرفون الركوب سواء على الإبل أو على الخيل، يختلفون اختلافًا عظيمًا، وسوف يأتي ـ إن شاء الله ـ في المسابقة أنه لا بد من تعيين الراكب؛ لأن الناس يختلفون.
    ثم هناك فرق بين أن يكون الراكب كبير الجسم أو صغير الجسم، إذًا لا بد من تعيين الراكب، والقاعدة: أنه لا بد من ذكر كل ما يختلف به القصد واستيفاء المنفعة؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع الغرر، والإجارة بيع منافع، وعلى هذا فلا بد أن لا يكون في هذه المنفعة شيء من الغرر.
    وقوله: «أو بقر لحرث»؛ فيما سبق الحرث يكون على البقر؛ تجتمع عدة بقرات وتسير سيرًا واحدًا، ثم ترجع باتجاه آخر حتى تلين الأرض.
    فإذا استأجر البقر للحرث، فلا بد أن تعرف الأرض؛ لاختلافها في الشدة والليونة، وفي الرطوبة واليبوسة، ولا بد أن تعرف المساحة طولًا وعرضًا، حتى يمكن استيفاء المنفعة على وجه معلوم لا نزاع فيه.
    وقوله: «أو دياس زرع»؛ الزرع الآن يداس بالآليات، آلات تخلص الحب من جرابه ومن ساقه، لكن فيما سبق يجمع الحب بجرابه وساقه ثم تأتي البقر وتدوسه حتى ينقى الحب، فإذا استأجرها لدياس فلا بد من معرفة القدر أو معرفة الزمن؛ فإن معرفة الزمن تكفي عن معرفة القدر؛ لأن الزمن محدد بالساعات والدياس لا يختلف، غاية ما هنالك أن البقر تدور حتى تدق السنبلة.
    لو استأجر بقرًا لسقي، يعني لتغرف الماء من البئر وتسقي به الزرع، فإنه يجوز، لكن لا بد من معرفة الغرب الذي يسقى به؛ لأن الغرب الكبير يشق عليها أكثر، فلا بد من معرفته حتى لا يحصل خلاف.
    وقوله: «أو من يدله على طريق»؛ يعني لو استأجر من يدله على طريق فلا بد من معرفة هذا الطريق، ولهذا قال: «اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف».
    فالطرق فيما سبق غير معبدة ويضل الناس فيها كثيرًا ويهلكون كثيرًا فيحتاجون إلى أدلاء، فإذا استأجر من يدله على الطريق كان ذلك جائزًا، وقد وقع هذا للنبي صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة، حيث استأجر رجلا يقال له: عبد الله بن أريقط وكان جيدًا في الدلالة ماهرًا خِرِّيتًا، وكان مشركا فدلهم على الطريق، فيجوز أن أستأجر شخصًا يدلني على الطريق لكن لا بد من ضبطه بما لا يختلف، فإذا كان البلد له طريقان فلا بد أن أقول: تدلني مع الطريق الفلاني، أُعَيِّنُه؛ لأنه قد يكون الإنسان له غرض في الطريق البعيد ليزور ما فيه من القرى أو ما أشبه ذلك))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (10/ 49).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (10/ 48- 51).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #128
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الثانية بعد المئة:
    ((كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعدياً من القرب صح عقد الإجارة عليه))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((قوله: «ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة»؛ هذه العبارة تداولها العلماء رحمهم الله وتلقوها ناشئًا عن سابق، ومعنى هذه العبارة أن كل عمل لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يؤخذ عليه أجرة؛ ووجه ذلك أن ما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يجوز للإنسان أن يعتاض عن ثواب الآخرة شيئًا من ثواب الدنيا، قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [هود: 15، 16] فحذَّر الله عز وجل أن يريد الإنسان بعبادته شيئًا من الدنيا، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ *} [الشورى: 20]؛ فما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن تؤخذ الأجرة عليه.
    مثال ذلك: الصلاة، لو قال رجل لابنه: صلِّ يا بُنيَّ، فقال الابن: لا أصلي إلا كل فرض بعشرة ريالات، ليستحق كل يوم خمسين ريالًا، فاستأجره، على أن يعطيه كل فرض عشرة ريالات فالأجرة هذه لا تصح؛ لأن الصلاة لا تقع إلا قربة.
    وكذلك الأذان: لو أن إنسانًا قيل له: أذِّن، فقال: ليس عندي مانع ولكن كل أذان بخمسة ريالات، فإنه لا يصح، ولو قيل لشخص: اقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت، فقال: لا بأس، لكن لا أقرأ إلا الجزء بعشرة ريالات، فهذا لا يصح.
    فكل شيء لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يقع عليه عقد الإجارة؛ والتعليل: لأن هذا عمل يُقصد به ثواب الآخرة ولا ينبغي أن يكون عمل الآخرة يراد به عمل الدنيا، ولهذا قال شيخ الإسلام فيمن حج ليأخذ: ((ليس له في الآخرة من خلاق)) أي: ليس له نصيب، وأما من أخذ ليحج فقال: لا بأس به؛ لأنه استعان بالمال على طاعة الله، والاستعانة بالمال على طاعة الله أمر جائز ولا بأس به.
    سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل قيل له: أقم بنا في رمضان، يعني صَلِّ بنا القيام، فقال: لا أصلي بكم إلا بكذا وكذا، فقال الإمام أحمد رحمه الله: نعوذ بالله ومن يصلي خلف هذا؟! وهذا من الإمام أحمد يدل على أنه أبطل عبادته وبناءً على بطلان عبادته لا تصح الصلاة خلفه، وقد استعاذ الإمام أحمد رحمه الله من هذا الشرط، ولكن ما يقع قربة بالقصد وينتفع به الغير فلا بأس أن يأخذ الإنسان عليه أجرة من أجل نفع الغير، كالتعليم، إنسان قال لآخر: أريد أن تعلمني باب شروط الصلاة، فقال: ليس عندي مانع، لكن بشرط أن تعطيني أجرة، فنقول: هذا لا بأس به؛ لأن العوض هنا ليس عن التعبد بالعمل ولكن عن انتفاع الغير به.
    لو أن شخصًا طُلب منه أن يعلم آخر سورة البقرة فقال: لا أعلمه إلا بأجرة فإنه يجوز؛ لأن هذا للتعليم لا للتلاوة، وفرق بين أن يكون للتعليم الذي يتعدى نفعه للغير وبين التلاوة.
    ولو أن إنسانًا قال لمريض: أنا لا أرقيك إلا بأجرة، وهو يريد أن يرقيه بالقرآن، فهذا يجوز؛ ولهذا لما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم سرية، فنزلوا على قوم ضيوفًا، فأبى القوم أن يضيفوهم، بعث الله على سيدهم عقربًا فلدغته ـ وكانت والله أعلم شديدة ـ فطلبوا من يعالجه، قالوا: لعل هؤلاء القوم فيهم من يرقي، يعنون بذلك الصحابة رضي الله عنهم الذين تنحوا عنهم لمَّا لم يضيفوهم، فجاؤوا إلى الصحابة رضي الله عنهم وقالوا: إن سيدهم قد لُدغ، فهل منكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، منا من يرقيه، ولكن لا نرقيه إلا بطائفة من الغنم؛ لأنكم ما أكرمتمونا، ولا ضيفتمونا، فقالوا: لا بأس، فقرأ عليه القارئ، فقام كأنما نشط من عقال بإذن الله، ولم يقرأ عليه إلا سورة الفاتحة فقط، التي يقرأها بعض الناس اليوم ألف مرة ولا يستفيد المريض، فقرأ عليه سورة الفاتحة وبرأ بإذن الله، فأعطوهم الطائفة من الغنم ولكن أشكل عليهم الأمر، فقالوا: لا نأكل حتى نسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فلما قدموا المدينة وأخبروا الرسول صلّى الله عليه وسلّم بهذا قال: «نعم: كلوا واضربوا لي معكم بسهم»، فأفتاهم بالقول وبالفعل من أجل أن تطمئن قلوبهم، وإلا فالفتوى القولية تكفي، وهو صلّى الله عليه وسلّم لا يسأل أحدًا؛ لكنه سأل هذا لمصلحتهم لا لمصلحته هو، فهو ليس بحاجة ولا ضرورة إلى لحمهم، لكنه فعل ذلك لمصلحتهم لتطيب قلوبهم قال: «خذوا واضربوا لي معكم بسهم؛ فإن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»؛ فدل هذا على أنه لا بأس إذا كانت العبادة ذات نفع متعدٍّ، وأراد الإنسان النفع المتعدي فلا بأس أن يأخذ عليه أجرًا، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة؛ لأن هذا القارئ ما قصد التعبد لله بالقراءة بل قصد نفع الغير، إما التعليم أو الاستشفاء أو غير ذلك فهذا لا بأس به.
    أشكل على بعض الإخوة المستقيمين ما يأخذه بعض الناس على الأذان والإقامة والتدريس والدعوة، وقالوا: إن هذا نقص وخلل في التوحيد؛ لأن هذا الذي يأخذ المكافأة لا شك أنه يجنح إليها، يعني ليس أخذها وعدمه عنده سواء، وأكثر الناس على هذا، بل ربما بعض الناس يصرِّح يقول: أنا أريد أن أكون إمامًا لأني أريد أن أتزوج، أو لأني تزوجت وأحتاج إلى نفقة.
    فيقول بعض الناس: إن هذا شرك؛ لأنه أراد بهذا العمل الصالح الدنيا، فيقال لهؤلاء: هذا الذي تأخذونه ليس أجرة، ولكنه حق تستحقونه من بيت المال، وغاية ما عند الحكومة أن توزع بيت المال على المستحقين؛ فمثلًا: هذا مدرس فله ما يليق بعمله، وهذا مؤذن فله ما يليق بعمله، وهذا إمام فله ما يليق بعمله، وهذا داعية فله ما يليق بعمله، وهكذا، يعني ليس من الحكومة في هذا إلا التوزيع والتنظيم، أما أنت فلك حق، وكل من عمل عملًا متعديًا في المسلمين فله حق من بيت المال على حسب نتيجة هذا العمل وثمرته، وحتى من لم يعمل له حق من بيت المال، كالفقراء واليتامى ومن أشبههم، على كل حال هذه المسألة اشتبهت على بعض المستقيمين ولهذا يسألون عنها كثيرًا، حتى إن بعضهم يكون أهلًا للإمامة تمامًا، قارئًا وفقيهًا ولا يرغب؛ لأنه سوف يعطى مكافأة من بيت المال، فنقول: الحمد الله، أنت الآن لست مستأجرًا ولكنك مستحق لهذا العمل الصالح ونفع المسلمين، فليس عليك أي بأس، فينبغي إذا أورد أحد هذا الإشكال أن يبيَّن له.
    بقي علينا الحج، هل يجوز الاستئجار على الحج، مثل أن يستأجر شخصًا ليحج عنه أو لا؟
    نقول: أولًا: إذا كان الحج فريضة والمستأجر قادر، فالإجارة لا تصح؛ لأن هذا يجب عليه أن يؤدي الفرض بنفسه؛ لأنه قادر بدنيًا وماليًا، وإذا كان عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله وحجه فريضة، قد سبق لنا في الوكالة أنه يجوز أن ينيب عنه، واستدللنا لذلك بحديث الخثعمية التي قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة،أفأحج عنه؟ فأذن لها، فهل تجوز الأجرة على ذلك أو نقول: اتفق مع الذي أراد أن ينيبك، ولا تبحث عن المقدار سواء أعطاك عشرة أو ألفًا؟
    أما إذا كان الحج نفلًا فقد سبق لنا في الوكالة ـ أيضًا ـ أنه إن كان مريضًا مرضًا لا يُرجى برؤه، فإنه يمكن أن يقال بالجواز قياسًا على الفريضة، وإن كان صحيح البدن قويًّا، فالذي نرى أنه لا يصح؛ لأن العبادات مطلوب من الإنسان أن يشعر بأنه عابد لله ذليل، لا أن يعطي دراهم لشخص ويحج عنه، هل قال الذي أنابه: لبيك اللهم لبيك؟! لم يقل، هل طاف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة؟! هل وقف بعرفة؟! فأين الحج؟! كيف نقول: إن هذا حاج؟! وكيف نقول: إن له أجر الحج؟!
    ولهذا قلنا: إن مثل هذا ينبغي أن يُعِينَ من يؤدي الحج عن نفسه أفضل له من أن يقول: حج عني، على كل حال، في الحال التي يجوز فيها أن يستنيب أحدًا في الحج، هل يجوز أن يعقد عقد إجارة على هذه النيابة أو لا؟ المذهب لا يجوِّزون هذا ويقولون: الإجارة على الحج حرام؛ لأن الحج عبادة بدنية لا تقع إلا قربة، ليس كتعليم الفقه والحديث وما أشبه ذلك، فلا يجوز، وفيه وجه أنه يجوز عقد الإجارة على الحج، وعمل الناس الآن على الثاني ولا يسع الناس إلا هذا، يعني لو قلنا: بأن الإجارة حرام وسددنا باب النيابة نهائيًا، من يُوفَّق فيقول: أنا أريد أن أقضي حاجة أخي وأقوم عنه بالحج وما أعطاني فأنا راضٍ به؟! هذا نادر أن يكون.
    وقال بعض العلماء: إن ذلك جائز للحاجة فقط، وأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجعل المدار على حاجة المستَأجَر ـ الذي أجر نفسه ـ إن كان محتاجًا جاز أخذ الأجرة، وإلا فلا.
    وهل يجوز إعطاء الجائزة عليه؟ نعم يجوز، ولهذا يجوز أن تعطي من يحفظ عشرة أجزاء من القرآن ـ مثلًا ـ كذا وكذا ولا مانع.
    والقاعدة: أن كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعديًا من القرب صح عقد الإجارة عليه، بشرط أن يكون العاقد لا يريد التعبد لله تعالى بهذه القربة، وإنما يريد نفع الغير الذي استأجره لاستيفاء هذه المنفعة))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (10/ 53)، (10/ 58).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (10/ 52- 58).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #129
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الثالثة بعد المئة:
    ((كل ما أمر الشارع بقتله، أو نهى عن قتله، حرام أكله))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((وهنا قاعدة للحية، والفأرة، وشبهها، ينبغي أن نجعلها بدل قاعدة المؤلف: «الاستخباث»، وهي: أن كل ما أمر الشارع بقتله، أو نهى عن قتله، فهو حرام.
    أما ما نهى عن قتله فالأمر فيه ظاهر أنه حرام؛ لأنك لو قتلته وقعت فيما نهى عنه الشارع، وأمَّا ما أمر بقتله فلأنه مؤذٍ معتدٍ.
    فالذي أمر بقتله مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «خمس من الدواب كلهن فواسق، يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور»، والحية أيضًا أمر بقتلها، والوزغ أمر بقتله.
    والذي نهي عن قتله أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد، والصرد طائر صغير مثل العصفور، له مِنْقَارٌ أحمر، قال بعضهم: إنه ما يُعرَف عند العامة بالصبري))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (15/ 26).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (15/ 25، 26).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #130
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الرابعة بعد المئة:
    ((الإيثار بالواجب حرام، والإيثار بالمستحب مكروه، والإيثار بالمباح مطلوب، والإيثار بالمحرم حرام))([1])

    قال الشيخ رحمه الله: ((وما دمنا في الإيثار فإنه ينبغي أن نتكلم عليه فنقول: الإيثار أقسام هي:
    1 ـ الإيثار بالواجب: حرام.
    2 ـ الإيثار بالمستحب: مكروه.
    3 ـ الإيثار بالمباح: مطلوب.
    4 ـ الإيثار بالمحرم: حرام على المؤثِر والمؤثَر.
    مثال الإيثار بالواجب: رجل عنده ماء لا يكفي إلا لوضوء رجل واحد، وهو يحتاج إلى وضوء، وصاحبه يحتاج إلى وضوء، فهنا لا يجوز أن يؤثره بالماء ويتيمم هو؛ لأن استعمال الماء واجب عليه وهو قادر، ولا يمكن أن يسقط عن نفسه الواجب من أجل أن يؤثر غيره به.
    مثال آخر: لو كان شخص في مفازة، ومعه صاحب له، وأتاهما العدو وسلب ثيابهما ولم يبق إلا ثوب واحد، فهنا لا يجوز أن يؤثر صاحبه به، لكن هذه المسألة ليست كالأولى؛ لأنه من الممكن أن يصلي به أولًا، ثم يعطيه صاحبه.
    ومثال الإيثار بالمستحب: الإيثار بالمكان الفاضل كما لو آثر غيره بالصف الأول فهذا غايته أن نقول: إنه مكروه، أو خلاف الأولى.
    ومثال الإيثار بالمباح: أن يؤثر شخصًا بطعام يشتهيه وليس مضطرًا إليه، وهذا محمود؛ لأن الله مدح الأنصار رضي الله عنهم بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ))اهـ([2]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((إذا اضطر إلى مال الغير، فإن صاحب المال إن كان مضطرًا إليه فهو أحق به.
    مثاله: رجل معه خبزة وهو جائع وصاحبه جائع، وليس معه خبز، فالصاحب محتاج إلى عين مال الغير، لكن الغير ـ أيضًا ـ محتاج إليه، ففي هذه الحال لا يحل للصاحب أن يأخذ مال الغير؛ لأن صاحبه أحق به منه، ولكن هل يجوز لصاحبه أن يؤثره أو لا؟
    الجواب: المذهب أن الإيثار في هذه الحال لا يجوز، وقد سبق لنا قاعدة في ذلك، وهي أن الإيثار بالواجب غير جائز، ومن أمثلتها في باب التيمم إذا كان الإنسان ليس معه من الماء إلا ما يكفي لطهارته، ومعه آخر يحتاج إلى ماءٍ فلا يعطيه إياه والثاني يتيمَّم؛ لأن هذا إيثار بالواجب، والإيثار بالواجب حرام.
    وعلى هذا فإذا كان صاحب الطعام محتاجًا إليه، يعني مضطرًا إليه كضرورة الصاحب فإنه لا يجوز أن يؤثر به الصاحب؛ لأن هذا يجب عليه أن ينقذ نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك»، فلا يجوز أن يؤثر غيره؛ لوجوب إنقاذ نفسه من الهلكة قبل إنقاذ غيره، هذا هو المشهور من المذهب.
    وذهب ابن القيم رحمه الله إلى أنه يجوز في هذه الحال أن يؤثر غيره بماله، ولكن المذهب في هذا أصح، وأنه لا يجوز، اللهم إلا إذا اقتضت المصلحة العامة للمسلمين أن يؤثره، فقد نقول: إن هذا لا بأس به، مثل لو كان هذا الصاحب المحتاج رجلًا يُنتفع به في الجهاد في سبيل الله، أو رجلًا عالمًا ينفع الناس بعلمه، وصاحب الماء المالك له، أو صاحب الطعام رجل من عامة المسلمين، فهنا قد نقول: إنه في هذه الحال مراعاة للمصلحة العامة له أن يؤثره، وأما مع عدم المصلحة العامة فلا شك أنه يجب على الإنسان أن يختص بهذا الطعام الذي لا يمكن أن ينقذ به نفسه، وصاحبه.
    وإذا كان طعام الإنسان كثيرًا وَوَجَدَ مضطرًا إليه فإنه يجب أن يبذله له وجوبًا.
    فالخلاصة: أنه إذا اضطر إلى عين مال الغير، فإن كان الغير مضطرًا إليه فهو أحق به، ولا يؤثر غيره به، وإذا كان غير مضطر إليه وجب أن يبذله لهذا المضطر وجوبًا))اهـ([3]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (5/ 100).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (5/ 100، 101).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (15/ 40، 41).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #131
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الخامسة بعد المئة:
    ((لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((قوله: «ويُكْرَهُ دُخولُهُ بشيء فيه ذِكْرُ الله تعالى»؛ الضمير في قوله: «دُخولُه» يعود إلى «قاضي الحاجة»، ويُحتمل أن يعود إلى «الخلاء».
    والمُراد بذكر الله هنا «اسم الله» لا الذِّكر المعروف؛ لأنهم استدلُّوا بحديث أنس رضي الله عنه أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا دخل الخلاء وضع خَاتَمه؛ لأنه كان منقوشًا فيه: «محمَّدٌ رسولُ الله»، وهذه ليست من الذِّكر المعروف، فيقتضي أن كُلَّ ما فيه اسمُ الله يُكرَه دُخولُ الخلاء به.
    والحديث معلول، وفيه مقال كثير؛ ومن صحَّح الحديث أو حسَّنه قال بالكراهة، ومن قال: إِنه لا يصحُّ؛ قال بعدم الكراهة، لكن الأفضل أن لا يدخُلَ.
    وفرق بين قولنا: الأفضل، والقول: إِنه مكروه، لأنَّه لا يلزم من ترك الأفضل الوقوع في المكروه))اهـ([2]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((وقوله: «سُنَّ له قصر رباعية»؛ أفادنا المؤلف أن القصر سُنَّة، وهذا موضع خلاف، فعلى ما قال المؤلف إن القصر سُنَّة لو أتم لم يأثم، ولا يوصف بأن عمله مكروه؛ لأنه لا يلزم من ترك السُّنَّة الوقوع في المكروه؛ ولهذا لو أن الإِنسان لم يرفع يديه في الصلاة عند الركوع لم يفعل مكروهًا.
    وهذه قاعدة: أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.
    وقال بعض أهل العلم: إن الإِتمام مكروه؛ لأن ذلك خلاف هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم المستمر الدائم فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما أتم أبدًا في سفر وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وهذا القول اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو قول قوي، بل لعله أقوى الأقوال))اهـ([3]).
    وقال الشيخ رحمه الله في معرض كلامه عن مسألة الجمع بين الأموات في قبر واحد: ((وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة دفن أكثر من اثنين كراهة تنزيه.
    وعللوا: بأن مجرد الفعل لا يدل على التحريم: أي: مجرد كون المسلمين يدفنون كل جنازة وحدها لا يدل على تحريم دفن أكثر من واحدة، وإنما يدل على كراهة مخالفة عمل المسلمين.
    وذهب آخرون: إلى أن إفراد كل ميت في قبره أفضل، والجمع ليس بمكروه ولا محرم.
    ولا يلزم من ترك السُّنَّة والأفضل أن يقع الإنسان في المكروه؛ لأن المكروه منهي عنه حقيقة، وترك الأفضل ليس بمنهي عنه.
    ولهذا لو أن الإنسان ترك راتبة الظهر مثلًا لا نقول: إنه فعل مكروهًا، ولو أنه لم يرفع يديه عند الركوع لا نقول: إنه فعل مكروهًا.
    والراجح عندي ـ والله أعلم ـ القول الوسط، وهو الكراهة كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إلا إذا كان الأول قد دفن واستقر في قبره، فإنه أحق به، وحينئذٍ فلا يُدخل عليه ثان، اللهم إلا للضرورة القصوى))اهـ([4]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((قوله: «وأن يوجهه إلى غير القبلة»؛ يعني يوجه الحيوان إلى غير القبلة، ولكن لو فعل فلا بأس، والذبيحة حلال، ولم يذكر الفقهاء رحمهم الله دليلًا على ذلك، وغاية ما فيه ما ذُكِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين وجَّه أضحيته، قال: «بسم الله والله أكبر»، فقوله: «حين وجه أضحيته»؛ يعني وجَّهها إلى القبلة، وهذا يدل على أن التوجيه سُنَّة، ولا يلزم من ترك السُّنَّة الكراهة كما ذكره أهل العلم؛ لأنه لو لزم من ترك السنة الكراهة، لكان كل إنسان يترك مسنونًا يكون قد فعل مكروهًا، وليس كذلك، وإنما الكراهة حكم إيجابي لا بد له من دليل.
    ثم إنه قد يقول قائل: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وجَّه أضحيته؛ لأنه ذبح عبادة، وليس ذبح عادة، ومعلوم أن العبادة لها من الخصائص ما ليس للعادة، فلو أن أحدًا قال: أنا أطالبكم بالدليل على استحباب توجيه الذبيحة إلى القبلة إذا لم تكن من الذبائح المشروعة، مثل الأضحية، والهدي، والعقيقة، والنذر لكان له وجه.
    لكن نقول: هذا فعل واحد، فمن فرق فيه بين العبادة والعادة فعليه الدليل، وإذا ثبت أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وجَّهها فليكن هذا هو المشروع، إنما القول بالكراهة يحتاج إلى دليل، ولا أعلم للفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة دليلًا))اهـ([5]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (1/ 114)، (4/ 358)، (5/ 368)، (15/ 94).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (1/ 113، 114).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (4/ 358).

    [4])) ((الشرح الممتع)) (5/ 368، 369).

    [5])) ((الشرح الممتع)) (15/ 94، 95).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  12. #132
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة السادسة بعد المئة:
    ((التخيير إذا كان المقصود به التيسير على المكلف فهو تخيير إرادة وتشهٍّ، وإذا كان المقصود به مراعاة المصلحة فهو تخيير مصلحة))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة.
    قوله: «يخير»؛ أي: يفعل ما يشاء، أو خير الأمرين، وهل هو تخيير إرادة وتشهٍّ، أو هو تخيير مصلحة؟ فيه تفصيل: إذا كان المقصود به التيسير على المكلف فهو تخيير إرادة وتشه، وإذا كان المقصود به مراعاة المصلحة فهو تخيير مصلحة.
    خَيَّر الله عز وجل الحانث في يمينه بين أمور، فهل هو للمصلحة أو للتيسير والتسهيل؟
    الجواب: للتيسير والتسهيل؛ بدليل قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام} الآية، فإذا كان للتيسير والتسهيل فأنا أفعل ما هو أسهل وأيسر لي.
    وقال تعالى في فدية الأذى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196]، فهذا تخيير تشه وإرادة، حتى لو كانت المصلحة في ذبح الشاة فلا يلزمه ذلك، والأمر موكول إليه.
    وقوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33]؛ فهذا التخيير تخيير مصلحة على القول بأن الآية للتخيير، وبعض العلماء يقول: الآية للتنويع، لكن على القول بأنها للتخيير، فهو تخيير مصلحة، يعني يتبع في ذلك ما هو أصلح وأردع.
    وإذا قيل لولي اليتيم: أنت بالخيار بين أن تقرض ماله، أو تدفعه مضاربة، أو تحفظه عندك، فالتخيير هنا مصلحة، والدليل قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152]؛ فالقاعدة أنه إذا خير الإنسان بين شيئين، أو أشياء، فإن كان المقصود بالتخيير التيسير فالتخيير تشه وإرادة، وإذا كان المقصود المصلحة فهو تخيير مصلحة، بناء على قاعدة أن كل من خير بين شيئين وهو متصرف لغيره، فتخييره مصلحة، وليس تخيير تشهٍّ))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (15/ 156).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (15/ 156، 157).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #133
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة السابعة بعد المئة:
    ((اليمين تكون في جانب أقوى المُدَّعيين))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((فإذا لم يكن لك بينة وأنكر المدعى عليه نقول: إن لك اليمين على خصمك على صفة جوابه، لا على ما ادعيت؛ فمثلًا إذا قال: أدعي بمئة، وقال الخصم: إنه لا يستحق عليَّ إلا خمسين فكيف يحلف؟ يقول: والله لا يستحق عليَّ إلا خمسين، ولا حاجة إلى أن يقول: والله لا يطلبني مئةً؛ لأنه ما يُلزم باليمين إلا على صفة ما أجاب به، فيُحلَّف على صفة ما أجاب به، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، والتعليل أن اليمين في الخصومات تكون في جانب أقوى المتداعيين، وهنا لدينا مدعٍ ومدعى عليه، وجانب المدعى عليه أقوى؛ لأن الأصل معه، فالأصل عدم ثبوت ما ادعى به المدعي، إذًا ترجح جانب المدعى عليه لكون الأصل معه، فكانت اليمين في حقه لا في حق المدعي.
    وهذه القاعدة لها فروع تؤيدها، فمثلًا: إذا ادعى شخص بشيء على آخر، وأتى بشاهد وحلف مع الشاهد، حُكم له بذلك؛ لأن الشاهد الواحد لا يكفي لكن يقوى جانبه به، فتشرع اليمين في حقه، فإذا حلف حُكم له.
    في باب القسامة جانب المدعي أقوى من جانب المدعى عليه.
    كذلك ـ أيضًا ـ لو ادعت المرأة بعد أن فارقها زوجها أن الثياب التي في الغرفة لها، وهي ثياب امرأة، وقال الزوج: بل هي لي، فهنا جانب المرأة أقوى، فتأخذ ذلك بيمينها.
    ومثله ـ أيضًا ـ رجل أصلع، يركض وراء رجل هارب، وعليه غترة وبيده غترة، والأصلع يقول: هذه غترتي، فالأصلع مدعٍ، فتكون الغترة له بيمينه؛ لأن جانبه أقوى))اهـ([2]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((قوله: «رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي»؛ ثلاثة أنواع من البَيِّنَاتِ: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، والدليل قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُو شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، أما رجل ويمين المدعي فلحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشاهد ويمين المدعي، وحكم الرسول صلّى الله عليه وسلّم حكم ودليل؛ لأنه مشرِّع صلّى الله عليه وسلّم.
    وهل يُقدَّم الشاهد أو تُقدَّم اليمين؟ يقدم الشاهد فنقول للمدعي: أحضر الشاهد، فإذا شهد نقول: احلف، فلو حلف قبل إحضار الشاهد لم يجزئ، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه إذا أتى بشاهد فنصاب الشهادة لم يتم، لكن ترجح جانب المدعي بإحضار هذا الشاهد، ولما ترجح جانبه صارت اليمين في جانبه؛ لأن اليمين إنما تشرع في جانب أقوى المتداعيين، ولهذا سبق في القسامة أن اليمين تكون في جانب المدعي؛ لأن معه قرينة ظاهرة تدل على صدقه، فهذه ثلاثة أنواع من البينات كلها تثبت الدعوى في المال.
    ولننظر أمثلة المؤلف:
    البيع: ادعى شخص أن فلانًا باع عليه سيارته وأنكر فلان أنه باع، نقول للمدعي: هات البينة، وهي رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، فإن أتى برجلين يشهدان على وقوع البيع يحكم له بذلك، أو أتى برجل وامرأتين يحكم له بذلك.
    فإذا قال قائل: كيف تشهد المرأتان؟ كيف تتكلم المرأة عند القاضي؟ فالجواب: تتكلم عند القاضي؛ لأن صوتها ليس بعورة.
    فإذا لم يأتِ لا برجلين، ولا برجل وامرأتين، لكن أتى برجل واحد، وقال: ما عندي غير هذا الرجل، نقول: يحتاج هذا الرجل إلى تقوية وهي اليمين، دعه يشهد وأنت تقوي شهادته بيمينك؛ لأن اليمين ـ كما قررنا سابقًا ـ تكون في جانب أقوى المتداعيين، والمدعي الآن جانبه صار أقوى من المنكر؛ لأن المنكر ليس معه إلا الأصل وهو عدم البيع، لكن المدعي صار معه شاهد، والشاهد أقوى من الأصل، فلما قوي جانبه بالشاهد قلنا له: احلف، ولهذا لو حلف قبل إقامة الشاهد ما نفع، فلا بد أن يأتي أولًا بالشاهد ويشهد ثم يحلف.
    وسبق لنا منها أمثلة: كرجل هارب بيده غترة وعلى رأسه غترة، وآخر يلحقه يرفع صوته وليس على رأسه شيء، يقول: أعطني غترتي، فهنا الظاهر مع المدعي فيحلف مع القرينة الظاهرة، أو تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت، فقال الرجل: الدلال لي، وقالت المرأة: بل هي لي، فالظاهر مع الرجل، فهو صاحب الدلال، لكن لو تنازع في أمر يحتمل أن يكون مما تأتي به النساء، ومما يأتي به الرجال، كالفرش فأحيانًا يحضرها الرجل، وأحيانًا تحضرها المرأة، تحب أن يكون مجلسها أمام النساء جيدًا وطيبًا، فإذا تنازع الرجل والمرأة فيها، فهنا إذا كان يغلب على الظن أنها للمرأة تحلف وتأخذه))اهـ([3]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (14/ 389)، (15/ 319)، (15/ 451).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (15/ 318، 319).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (15/ 451- 454).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #134
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الثامنة بعد المئة:
    ((تصرف الوكيل مبني على إذن الموكل))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((وقوله: «ووكيله كهو»؛ عُلِم منه أنه يصح التوكيل في الطلاق وهو كذلك؛ لأن ما جاز أن يصح التوكيل في عقده جاز أن يصح التوكيل في فسخه، ولأنه تصرف لا يتعلق بالشخص نفسه، فليس عملًا بدنيًا لا بد أن يقوم به الشخص نفسه، فيجوز للزوج أن يوكل شخصًا في طلاق زوجته، فيقول له: وكلتك أن تطلق زوجتي، ولكن لا بد أن يعيِّنَها إذا كان له أكثر من زوجة.
    ويشترط في الفرع ما يشترط في الأصل؛ فمثلًا لا يملك الوكيل أن يطلق الزوجة وهي حائض، حتى لو علمنا أن زوجها لم يأتها لمدة سنوات؛ لأن الوكيل فرع عن الزوج، والزوج لا يجوز أن يطلق امرأته وهي حائض فكذلك الوكيل، ولهذا قال: «ووكيله كهو»، لكن يختلف عن الزوج في أنه محدد.
    (ويُطَلِّقُ وَاحِدَةً وَمَتَى شَاءَ، إِلاَّ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ وَقْتًا وَعَدَدًا).
    قوله: «ويطلق واحدة»؛ يعني أنه يتقيد بما قيده به، فإن أطلق فما له إلا واحدة فقط، فلا يُطلِّق أكثر.
    مثال ذلك: قال زيد لعمرو: وكلتك في طلاق زوجتي، فذهب الوكيل وقال لها: أنت طالق ثلاثًا فما تطلق؛ لأنه تصرف تصرفًا غير مأذون فيه، ولأنه لم يقل له: طلق ثلاثًا، والوكالة مطلقة، فلا يملك إلا أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهو واحدة.
    قوله: «ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتًا وعددًا»؛ أي: يطلق متى شاء، اليوم أو غدًا، أو بعد غدٍ أو بعد شهر، أو بعد شهرين، لكن بشرط ألا يكون في حيض أو في طهر جامع فيه الزوج؛ وذلك لأن الزوج لا يملك ذلك وهو الأصل، فالفرع كذلك لا يملك، فيطلق متى شاء إلا إذا قال: لا تطلقها إلا في هذا الشهر، أو أنت وكيلي في طلاق امرأتي في هذا الشهر، فإنه لا يطلق إذا خرج الوقت.
    فلو قال: أنت وكيلي في طلاق زوجتي في عشر ذي الحجة، فطَلَّقَها في آخر ذي القعدة، فما يقع؛ لأنه حدد له الوقت، ولو قال: أنت وكيلي في طلاق امرأتي في شهر محرم، فطلقها في شهر ربيع، فما يقع؛ وذلك لأن تصرف الوكيل مبني على إذن الموكل، وإذا كان مبنيًّا على إذن الموكل تقيد بما أذن له فيه؛ وهذه قاعدة مهمة في كل الوكالات، سواء في الطلاق أو النكاح أو البيع أو الشراء أو التأجير أو غير ذلك))اهـ([2]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (13/ 32).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (13/ 31، 32).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #135
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة التاسعة بعد المئة:
    ((الأصل بقاء ما كان على ما كان))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((يُقبل قول الراهن في رد الرهن؛ يعني لو ادعى المرتهن أنه رد الرهن إلى الراهن، وقال الراهن: لم ترده، فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الرد، ولأننا اتفقنا على أنه في يدك واختلفنا في انتقاله عن يدك، والأصل بقاء ما كان على ما كان، والرهن الآن بيد المرتهن))اهـ([2]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((والشك في الطلاق لا عبرة به؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحًا»؛ فالأصل بقاء طهارته إلا بدليل؛ لأنه كان في الأول متيقنًا للطهارة ثم شك في الحدث، والشك لا يزيل اليقين، وهذا الدليل هو الأصل في هذا الباب.
    أما التعليل: فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وعدم التغير، وأن الأمور باقية على ما هي عليه، ولهذا قال الله عزّ وجل: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 6]؛ لأنك لو لم تشهد لزمك المال؛ لأن الأصل بقاؤه عندك وعدم دفعه، فعندنا أصل من السنة، وقاعدتان فقهيَّتان، وهما: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، فما دام النكاح موجودًا فالأصل بقاؤه، والثانية: «أن اليقين لا يزول إلا بيقين».
    بناء على هذا يقول المؤلف: «من شك في طلاق أو شرطه لم يلزمه»؛ شك في طلاق، يعني قال: ما أدري، هل طلقت زوجتي أو لا؟ فلا يلزمه الطلاق، والدليل ما سبق))اهـ([3]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (9/ 167)، (9/ 169)، (9/ 170)، (13/ 354)، (15/ 465)، (15/ 466).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (9/ 167).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (13/ 170، 171).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  16. #136
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة العاشرة بعد المئة:
    ((لا تتم الأشياء إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها))([1])
    قال الشيخ رحمه الله: ((المؤلف رحمه الله لما ذكر شروط صحة البيع ذكر بعد ذلك موانع البيع، وإنما صنع ذلك؛ لأن الأشياء لا تتم إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع؛ لأنه إذا تمت الشروط ولم تنتف الموانع لم تصح العبادة ولا المعاملة، وكذلك لو عدمت الموانع ولم تتم الشروط لا تصح، أرأيت الرجل يكون أبًا للإنسان أو ابنًا له فإنه يرث؛ ولكن إذا وجد فيه مانع من موانع الإرث لم يرث؛ لأنه لا يتم الشيء إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه، وهذه القاعدة نافعة في باب الأحكام وفي باب الأخبار))اهـ([2]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((وتصح الحوالة بتمام الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن كل شيء من عبادة أو معاملة لا يصح إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه))اهـ([3]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((واعلم أن من حكمة الشرع أن جميع العبادات والمعاملات لا بد فيها من شروط؛ لأجل أن تتحد الأمور وتنضبط وتتضح، ولولا هذه الشروط لكانت هذه الأمور فوضى، كُلٌّ يتزوج على ما شاء، وكُلٌّ يبيع على ما شاء، وكُلٌّ يصلي كيف شاء، لكن هذه الشروط التي جعلها الله تعالى في العبادات، وفي المعاملات هي من الحكمة العظيمة البالغة؛ لأجل ضبط الشريعة وضبط العقود، كما أنه لا بد من انتفاء الموانع، ولذلك من القواعد المشهورة: أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه))اهـ([4]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (6/ 14)، (6/ 252)، (8/ 185)، (9/ 216)، (12/ 48).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (8/ 185).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (9/ 215، 216).

    [4])) ((الشرح الممتع)) (12/ 48).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #137
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الحادية عشرة بعد المئة:
    ((المنطوق مقدم على المفهوم))([1])
    قال الشيخ رحمه الله ((وأما حديث القُلَّتين فقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه؛ فمن قال: إِنه ضعيف فلا معارضة بينه وبين حديث: «إن الماء طَهُور لا ينجِّسه شيء»؛ لأن الضَّعيف لا تقوم به حُجَّة.
    وعلى القول بأنه صحيح فيقال: إِن له منطوقًا ومفهومًا؛ فمنطوقه: إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس، وليس هذا على عمومه؛ لأنه يُستثنى منه إِذا تغير بالنَّجاسة فإِنه يكون نجسًا بالإِجماع.
    ومفهومه أن ما دون القُلّتين ينجس، فيقال: ينجس إِذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ لأن منطوق حديث: «إن الماء طهور لا يُنَجِّسُه شيء» مقدَّم على هذا المفهوم، إِذ إِنَّ المفهوم يصدق بصورة واحدة، وهي هنا صادقة فيما إِذا تغيَّر))اهـ([2]).
    وقال الشيخ رحمه الله وهو يتكلم عن شروط التحريم من الرضاع: ((أن يكون الرضاع خمس رضعات فأكثر، هذا هو القول الراجح، لحديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم، «أنه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات»، فإذا نقص عن خمس فلا أثر له، ولا تقل: ما الفرق بين الرابعة والسادسة مثلًا، أو الخامسة؟ لأن هذا حكم الله عز وجل، فيجب التسليم له، كما أننا لا نقول: لماذا كانت الظهر أربعًا، ولم تكن خمسًا أو ستًّا؟ فهذه مسائل توقيفية.
    وقيل: إنه يثبت التحريم بالثلاث لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان»، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ولا المصَّة ولا المصَّتان».
    فنقول: إن دلالة حديث عائشة بالمنطوق أن الثلاث لا تحرم، ونحن نقول به؛ لأننا إذا قلنا: إن الأربع لا تحرم، فالثلاث من باب أولى، لكن مفهوم هذا الحديث أن الثلاث تحرم، إلا أن هناك منطوقًا، وهو أن المحرِّم خمس رضعات، والقاعدة عند أهل العلم أن المنطوق مقدم على المفهوم))اهـ([3]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((وقال بعض العلماء: المحرم ثلاث رضعات، واستدلوا بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان»، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان»، قالوا: فمنطوق الحديث أن الثِّنْتَيْنِ لا تؤثر، ومفهوم العدد أن ما زاد عليهما محرِّم، ونحن نرى أن الشارع اعتبر العدد الثلاث في مواضع كثيرة مثل الطلاق، والوضوء ثلاث، وصيام ثلاث من كل شهر، والاستئذان، وغيره، بخلاف الخمس فليس لها أصل.
    ولكن الجواب عن هذا أن يقال: دلالة تأثير الثلاث بالمفهوم، ودلالة أن لا يؤثر إلا الخمس بالمنطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم))اهـ([4]).



    [1])) ذكرها الشيخ: (1/ 42)، (6/ 100)، (12/ 113)، (13/ 430).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (1/ 42).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (12/ 112، 113).

    [4])) ((الشرح الممتع)) (13/ 429، 430).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #138
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,925

    افتراضي

    القاعدة الثانية عشرة بعد المئة:
    ((الدفع أهون من الرفع))([1])
    قال الشيخ رحمه الله ((قوله: «ومتى عَلِمَتِ العيبَ أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ»؛ الولي يمنع من عقد النكاح، ولا يمنع من استدامته؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، يعني له أن يمنعها من أن تتزوج بالمجنون، والمجذوم، والأبرص ابتداءً، لكن لو لم يعلم إلا بعد العقد فليس له أن يرفعه، فلا يجبرها على الفسخ، وهذا فرد من أفراد قاعدة مرت علينا أن الدفع أهون من الرفع، وكذلك لو لم تعلم بالعيب إلا بعد العقد، ووجدت أن الزوج أبرص بعدما تم العقد فإن وليها لا يجبرها على الفسخ، لكن لها الفسخ، وكذلك إذا حدث العيب بعد العقد ـ مثلًا ـ حصل له جَبٌّ، أو جنون، أو جذام، فإن وليها لا يجبرها على الفسخ؛ لأن الحق محض لها، ولأن العقد قد تم ولا يرفع إلا بسبب شرعي، وهذا عندهم، ليس من الأسباب الشرعية))اهـ([2]).
    وقال الشيخ رحمه الله: ((قوله: «إذا شرطت طلاق ضَرَّتِها»؛ «إذا» شرطية، والجواب في قوله: «صح» فإذا شرطت طلاق ضرتها فإن الشرط صحيح والعقد صحيح.
    مثال ذلك: خطب رجل من شخص ابنته، فقال: لا بأس لكن بشرط أن تطلق زوجتك، نقول: هذا الشرط صحيح؛ لأن الزوجة التي شرطت أن يطلق ضرتها لها مقصود في ذلك، وهو أن تنفرد به، وهذا مقصود للنساء بلا شك، وكل يعرف أن النساء يحببن أن ينفرد الزوج بهن، فيكون هذا مقصودًا صحيحًا.
    لكن هذا القول ضعيف؛ لأن هذا القياس في مقابلة النص، والنظر في مقابلة الأثر عمًى وليس بنظر؛ لأن كل شيء يخالف النص فهو باطل، يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسأل المرأة طلاق أختها» فأتى بالإخوة التي تستوجب عدم الاعتداء على حقها، ثم علل فقال: «لتكفأ ما في صحفتها»؛ يعني فإن هذا الشرط موجب لقطع رزقها من هذا الزوج الذي ينفق عليها، وهذا أدنى ما يوجبه، وإلا فالرسول صلّى الله عليه وسلّم ذكر الأدنى ليُستدل به على الأعلى، ففراق زوجها لها فراق العشرة، وإن كانت ذات أولاد ففراق أولاد، وتشتتهم، وهذا أعظم، فالرسول صلى الله عليه وسلم نبه بأدنى المفاسد على أعلاها.
    فإذا قلنا بجوازه، فمعنى ذلك أننا خالفنا النص، وأبحنا للمرأة أن تشترطه، إذًا هذا الشرط يدخل في الشروط الفاسدة لا في الشروط الصحيحة؛ لمخالفته للنص.
    وقولهم: إن لها في ذلك غرضًا مقصودًا، نقول: صحيح لكن فيه اعتداء على غيرها ممن هي أمكن منها بزوجها، فيكون هذا النظر الذي قالوه مقابَلًا بأثر ونظر، فلو تزوجها على هذا الشرط، ثم دخل بها وأمسك الأولى فليس لها أن تطالبه بطلاقها؛ لأن الشرط الفاسد كأن لم يكن.
    قوله: «أو أن لا يتسرى أو لا يتزوج عليها»؛ الفرق بين التسري والتزوج، أن التسري الوطء بملك اليمين، والتزوج عقد النكاح، فإذا اشترطت امرأة أن لا يتسرى عليها زوجها، فقبل فإن هذا يجوز؛ لأن حق الأمة لم يوجد بعد، فلم تعتدِ على أحد، أو اشترطت أن لا يتزوج عليها فإن هذا يجوز.
    وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز؛ لأنه حجر على الزوج فيما أباح الله له، فهو مخالف للقرآن: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، فيقال في الجواب على ذلك: هي لها غرض في عدم زواجه، ولم تعتدِ على أحد، والزوج هو الذي أسقط حقه، فإذا كان له الحق في أن يتزوج أكثر من واحدة وأسقطه، فما المانع من صحة هذا الشرط؟! ولهذا فالصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله من أن ذلك شرط صحيح.
    فإذا قيل: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى؟
    فالجواب: أن الفرق بينهما ظاهر؛ لأنه في الأول الرجل متزوج، وهنا لم يتزوج، فليس في هذه المسألة الأخيرة عدوان على أحد؛ ولهذا يقال: إن الدفع أهون من الرفع، وهي قاعدة معروفة من قواعد الفقه، والاستدامة أقوى من الابتداء، ثم إن الوفاء به ـ أيضًا ـ هو الموافق للمروءة والأخلاق؛ لأنه ليس من كريم الخلق أن تتزوج امرأة على أنك لا تتزوج عليها، ثم إذا أزلت بكارتها وصارت كاسدة بين الناس تذهب وتتزوج عليها!!))اهـ([3]).
    وقال السيوطي رحمه الله: ((ولهذا الماء المستعمل إذا بلغ قلتين في عَوْده طهورًا، وجهان.
    ولو استعمل القلتين ابتداء لم يصر مستعملًا، بلا خلاف.
    والفرق أن الكثرة في الابتداء دافعة، وفي الأثناء رافعة؛ والدفع أقوى من الرفع.
    ومن ذلك: للزوج منع زوجته من حج الفرض، ولو شرعت فيه بغير إذنه، ففي جواز تحليلها قولان.
    ووجود الماء قبل الصلاة للمتيمم، يمنع الدخول فيها، وفي أثنائها لا يبطلها؛ حيث تسقط به.
    واختلاف الدين المانع من النكاح يدفعه ابتداء، ولا يرفعه في الأثناء، بل يوقف على انقضاء العدة.
    والفسق يمنع انعقاد الإمامة ابتداء، ولو عرض في الأثناء لم ينعزل))اهـ([4]).


    [1])) ذكرها الشيخ: (12/ 167)، (12/ 234).

    [2])) ((الشرح الممتع)) (12/ 234، 235).

    [3])) ((الشرح الممتع)) (12/ 165- 167).

    [4])) ((الأشباه والنظائر)) (138).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #139
    تاريخ التسجيل
    Jul 2016
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    16

    افتراضي

    هل بالامكان جمعها في ملف pdf بارك الله فيك ؟
    لكي نطبعها و نستفيد منها باذن الله

  20. #140
    تاريخ التسجيل
    May 2016
    المشاركات
    74

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة
    القاعدة الثالثة: ((كُلُّ حلال طاهر([1])))
    قال الشيخ رحمه الله: ((السَّمك وغيره من حيوان البحر بدون استثناء، فإن ميتته طاهرة حلال لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96]([2])))اهـ.


    [1])) (1/ 94).

    [2])) (1/ 94).
    بارك الله فيكم أبا يوسف وهل يدخل فيه البرمائيات ؟

صفحة 7 من 8 الأولىالأولى 12345678 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •