الاضطرار في الفقه المعاصر.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الاضطرار في الفقه المعاصر.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,722

    Exclamation الاضطرار في الفقه المعاصر.

    17-01-2014 | د. تامر بكر
    هناك طائفة من النصوص يرتبط تطبيقها بواقع الاستخلاف والقوة، وطائفة أخرى يرتبط تطبيقها بواقع الاستضعاف والغربة. ومثال ذلك الآيات الواردة في باب الصفح والمغفرة والمداراة وتأليف المخالف، فما ورد في هذا المقام من آيات أو أحاديث فإنما يرتبط بواقع الاستضعاف والغربة، وما يُلحق به من واقع زمن المُدافعة. وأما ما وَرَدَ من نصوص في باب الهجر والزجر والغلظة فإنما يرتبط بواقع التمكين والقوة.



    لأحكام النصوص الشرعية مَنَاط(1) يجب مراعاته عند التعامل معها، وخاصة في تلك المرحلة الزمنية في عالمنا الإسلامي المعاصر، لأننا أحيانا قد نجد نوعا من الخلط في التعامل مع النصوص الشرعية بين مناط الحكم في مرحلةالاستخلاف والتمكين لحكم شرع الله في الأرض، وبين مناطه في مرحلة الاستضعاف؛ والتي هي بدورها عبارة عن مرحلتين:
    أولهما: مرحلة الاستكانة وعدم الاصطدام بالباطل وأهله، مع الثبات والصبر والصمود على مبدأ الحق.
    وثانيهما: مرحلة مدافعة الباطل وأهله، مع الصبر والثبات في محاولة مقاومته.
    فهناك طائفة من النصوص يرتبط تطبيقها بواقع الاستخلاف والقوة، وطائفة أخرى يرتبط تطبيقها بواقع الاستضعاف والغربة.
    ومثال ذلك الآيات الواردة في باب الصفح والمغفرة والمداراة وتأليف المخالف، فما ورد في هذا المقام من آيات أو أحاديث فإنما يرتبط بواقع الاستضعاف والغربة، وما يُلحق به من واقع زمن المُدافعة.
    وأما ما وَرَدَ من نصوص في باب الهجر والزجر والغلظة فإنما يرتبط بواقع التمكين والقوة.
    فإذا ما حدث خلط بين مناط الأحكام فنزلت النصوص التي ترتبط بواقع الاستضعاف على واقع القوة أو العكس؛ أو حدث خلط حتى بين مرحلتي الاستضعاف؛ فتحولت –مثلا- الاستكانة والصبر إلى خنوع وخضوع؛ فإنه يحدث نتيجة ذلك كله أخطاء عملية في المواقف(السياسي أو الاجتماعية) المُتخَذه والمُختارة، ويحدث نتيجة ذلك تشويشا على الفكرة الإصلاحية الإسلامية ذاتها!
    ومن باب قراءة الواقع الإسلامي المعاصر لبعض الممارسات السياسية والاجتماعية من بعض الاتجاهات الإصلاحية الإسلامية في عالمنا الإسلامي المعاصر، من هذا الباب أحببتُ أن أبيّن الفرق بين التُقْية عند أهل السنة والجماعة أو المُدَارَاة(وال ي هي بخلاف التقية عند الشيعة) وبين المداهنة والنفاق من جانب آخر؛ لأن تبيان الحكم الشرعي لذلك قد يكون معينا واقعيا لتلك التيارات الإصلاحية لضبط بعض التصرفات والاختيارات السياسية والاجتماعية بطريقة شرعية ليست محصورة في الأخذ بالعزيمة، وليست مهملة استخدام الرخص، طريقة يراعون فيها منهج الإسلام في التوازن بين المطالب المتعددة، والقيام بالحق الممكن، والتوسل به إلى الحق المطلوب؛ بإقامة الحقوق التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في إطار المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان في علاقاته مع عناصر هذا المجتمع - دولة و مؤسسات و أفرادا -.
    إن (التقية) في اللغة: اسم مصدر من الاتقاء، بمعنى استقبل الشيء و توقاه.
    والتقية، والتقاة، كلها بمعنى واحد.(2)
    أما في الاصطلاح، فالتقية عند أهل السنة والجماعة عندما تطلق غالباً فيراد منها وقاية الناس بعضهم من بعض لسبب ما(3)، وأصل هذا آيتيّ سورة آل عمران، وقد نقلتهما آنفا.
    إننا لكي نتكلم عن التقية عند أهل السنة والجماعة؛ فلابد أن نرجعها إلى أصلها في القرآن الكريم، وهو قول الله تبارك تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ* قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران 28، 29)
    يقول الألوسي عند تفسيره للآيتين السابقتين وفي معرض رده على عقيدة التقية عند الشيعة: " نعم لو أرادوا بالتقية المداراة التي أشرنا إليها لكان لنسبتها إلى الأنبياء والأئمة وجه "(4)
    ويقول الجصاص: " إعطاء التقية رخصة، وأن الأفضل ترك إظهارها، وكذلك قالوا أصحابنا: في كل أمر كان فيه إعزاز الدين فالإقدام عليه حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة في العدول عنه، ألا ترى أن من بذل نفسه لجهاد العدو فقتل كان أفضل ممن انحاز"(5)
    ويقول أيضا: " وفي هذه الآية(6) دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه لأن اللّه نهى المؤمنين عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله وكذلك قال أصحابنا: إنه لو قال لرجل لأقتلنّ ولدك أو لتكفرنّ؛ إنه لا يسعه إظهار الكفر "(7)
    وقد عرّف ابن القيم التقية؛ فقال: " التقية أن يقول العبد خلاف ما يعتقده لاتقاء مكروه يقع به لو لم يتكلم بالتقية "(8)، وعرّفها السرخسي بقوله: " والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه "(9)، أما الحافظ ابن حجر فقال في تعريفها: هي " الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره "(10).
    " والفرق بين ما تقدم من تعاريف العلماء للتقية أن الاختلاف قد وقع فيها فيما يخص الفعل والقول ، إذ ذهب السرخسي إلى أن التقية تشمل القول والفعل ، في حين اقتصر ابن القيم وابن حجر في تعريفها على القول دون الفعل "(11)
    وقال مجاهد عن (التقية): " هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا "(12)، ونقل السرخسي عن الحسن البصري قوله: " التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية، وبه نأخذ "(13), وهذا القول الأخير أولى, لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان.(14)
    وفي الأثر عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: " ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان "([15]) وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحَّاك والربيع بن أنس، ويؤيِّد ما قالوه قولُ الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106((16)
    يقول الرازيُّ: " فيُداريهم باللِّسان؛ وذلك بأن لا يُظهر العداوة باللِّسان، بل يجوز أيضًا أن يظهر الكلام الموهم للمحبَّة والموالاة، ولكن بشرط أن يُضْمِر خلافه، وأن يُعرِّض في كلِّ ما يقول، فإنَّ التقيَّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب "(17)
    المُدارَاة وليست التُقْية(الشيعي ة)، أو الميكافيليّة النفعيّة:
    إن مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة التقية، هو أنه لا يجوز اللجوء إليها إلا عند الضرورة القصوى عند الجمهور، وفضل بعض العلماء الأخذ بالعزيمة والثبات على الأخذ بها، كما أن فقهاء أهل السنة عدوها من فروع الدين وليس من أصوله؛ فبحثوها في كتب الفقه والتفسير، وليس في كتب أصول الدين والعقيدة، مثلما فعل الشيعة!(18)
    وَهناك مَنْ فَرّقَ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَبَيْنَ التَّقِيَّةِ عند أهل السنة والجماعة: فرأى أَنَّ التَّقِيَّةَ غَالِبًا ما تكون لِدَفْعِ الضَّرَرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا الْمُدَارَاةُ فَهِيَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَجَلْبِ النَّفْعِ معا(19)، ومنهج جلب المنفعة في الإسلام قائم على فقه المصالح والمفاسد والذي يطبق بدوره قاعدة تغليب المصالح على المفاسد، وهو منهج يختلف تماما عن المنهج البراجماتى الميكافيلي النفعى، عند اليساريين وغيرهم.(20)
    يقول سيّد العفاني: " الشريعة عند أصحاب اليسار جاءت لتحقيق بعض المقاصد العامة والمقاصد العليا التي جاءت الشريعة لتحقيقها في نظرهم خمسة، هي: الإنسانية، والعدل الاجتماعي، والحرية السياسية، المبدئية، التقدم المستمر نحو الأفضل، لكن ما الوسائل المعتمدة في تحقيق هذه المقاصد، هل يحددها الوحي أم يختارها الإنسان؟
    لدى اليسار أن المصلحة أصل مستقل في التشريع، وأنه لا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه، لقد أصبح الواقع هو المُجدِّد للاختيارات والقوانين، أما دور الشرع فثانويّ!؛ لأن اختياراتنا هي التي تحدد طبيعة القوانين، وذلك يعني أن القوانين و الأحكام المنزلة في القرآن، والواردة في السنة قابلة للتأويل والتعطيل! "(21)
    إن الفرق بين النفعية (الميكافيلية) وبين تحقيق المنفعة عن طريق (فقه المصالح والمفاسد): " يتحددُ من ثلاثِ جهاتٍ:
    الأولى: أنَّه ليس للأفعالِ أحكامٌ ذاتيةٌ في(مبدأِ الغايةِ تبررُ الوسيلةَ)، بل يحكمُ على الفعلِ بحسبِ غايتِه، بينما في الأصلِ(مبدأ تغليب المصلحة بارتكاب المفسدة الأخف طلباً للمصلحة الأعلى) نقررُ عدمَ مشـروعيةِ الوسيلةِ، ولا يتغيرُ حكمُها الذاتيُّ، ونشترطُ مشروعيةَ الغايةِ، على عكسِ المبدأِ المذكورِ الذي يبني قصدَ الغايةِ على منفعتِها بالنسبةِ لطالبِها لا على مشروعيتِها.
    الثانيةُ: أنَّ المبدأَ (الميكافلي) لا يشترطُ لا تعينَ الوسيلةِ وعدم استطاعة بلوغ المقصد إلا بها، ولا انغمارَ مفسدتِها في مصلحةِ المقصدِ.
    الثالثةُ: أنَّ المبدأَ (الميكافلي) لا ينبنِي على المصالحِ الشرعيةِ ومراعاتِها، بل مبناهُ على المصالحِ الوضعيةِ للأفرادِ أو الجماعاتِ من غيرِ مراعاةٍ لوحي ولا شرعٍ.
    فخلاصةُ الأمرِ :أنَّ (مبدأَ الغايةِ تبررُ الوسيلةَ) لا يطابقُ (قاعدةَ تغليب المصالح) , بل هناك شروط ثلاث لتغليب المصلحة :
    - الشرطُ الأولُ: بناءُ اعتبارِ أحكامِ الوسيلةِ والغايةِ على الشـرعِ وإثباتُ هذه الأحكامِ الذاتيةِ لهما.
    - الشرطُ الثاني: مشروعيةُ الغايةِ.
    - الشرطُ الثالثُ: أنْ يكونَ ضررُ الوسيلةِ المحرمةِ التي توصلُ للغايةِ المشروعةِ أقلَّ من مصلحةِ الغايةِ، مع تعينِ هذه الوسيلةِ وفقدِ أي طريقٍ آخرَ للغايةِ.
    وبَيِّنٌ جدًّا أنَّ المبدأَ المذكورَ لا يراعي أيًّا من ذلك؛ فالاعتراضُ به على القاعدةِ المذكورةِ ومساواتِها به محضُ توهُّمٍ وغلطٍ "([22])
    إن خطورة خلط تحقيق المنفعة عن طريق(الميكافيلي )، وليس عن طريق (فقه المصالح والمفاسد) تكمن في أن فاعل ذلك الخلط سواء كان فردا أو مؤسسة، إنما يمارس دور مَنْ يسمى المُحلِّل!!، والذي هو في حقيقته مُتحايل على الشرع ومقاصده؛ ليُحلّ ما حرمه الله!
    وعلى كل حال، فإن الذي يظهر لي من خلال النظر في استخدام المُتقدِّمين لمصطلحي(التُقْي ة، والمُدَارَاة)، يظهر لي أنهما إذا اجتمعا معا في نص واحد افترقا في المعنى على النحو الذي نقلته قبل قليل، وإذا افترقا عن بعضهما، اتحدا في المعنى، وجاز تبادل استخدامهما.
    ولعل اعتقاد الشيعة الإمامية في التقية وتطويرها - على نحو يمكن معرفته من الكتب المتخصصة في هذا الموضوع – لعل ذلك كان سببا في إعراض أهل السنة والجماعة عن استخدام لفظ (التقية) واستخدام لفظ (المداراة) بدلا منه.(23)
    وَالْمُدَارَاةُ : أَصْلُهَا (الْمُدَارَأَةُ) بِالْهَمْزِ، مِنَ (الدَّرْءِ)، وَهُوَ: الدَّفْعُ.
    وهي: "مُلاَيَنَةُ النَّاسِ وَمُعَاشَرَتُهُ مْ بِالْحُسْنَى مِنْ غَيْرِ ثَلَمٍ فِي الدِّينِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ(24) وَالإْغْضَاءُ عَنْ مُخَالَفَتِهِمْ فِي بَعْضِ الأْحْيَانِ، ...وَذَلِكَ لأنَّ وِدَادَ النَّاسِ لاَ يُسْتَجْلَبُ إِلاَّ بِمُسَاعَدَتِهِ مْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. وَالْبَشَرُ قَدْ رُكِّبَ فِيهِمْ أَهْوَاءٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَطِبَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ تَرْكُ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ إِلَى صَفْوِ وِدَادِهِمْ سَبِيلٌ إِلاَّ بِمُعَاشَرَتِهِ مْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِرَأْيِكَ وَهَوَاكَ "(25)
    فالمداراة هي "درء الشر المفسد بالقول وربما بالفعل- على خلاف في ذلك - اللين وترك الغلظة، وهي الإعراض عن المفسدين عند مخافة الشر، أو حصول ضرر أكبر مما هم متلبسون به.
    ولقد شُرِعَت المداراة؛ لأنها دفع للشر وردّ له، أو تخفيف له، وربما جلب المنفعة، ولأن في استعمالها بُعْدًا عن الفحش والتفحش، ولأنها من باب ارتكاب أخف الضررين، وأدنى المفسدتين، وفعل أعلى المصلحتين "(26)، وفي الحديث: (شَرُّكُمْ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ خَشْيَةَ فُحْشِهِ )(27)

    وعن عائشة -رضي الله عنها- أنه: استأذن على النبي –صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ هُوَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم - أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتَ فِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قُلْتَ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ)( 28)
    وروى البخاري بسنده عن أبي الدرداء –رضي الله عنه- قال: (إنا لنكشر في وجوه أقوم وإن قلوبنا تلعنهم)(29)
    المُدارَاة وليست المُدَاهنة:
    إن المداراة خلاف الأصل؛ فإذا كثرت في قوم حتى قاربت أن تكون هي الأصل، دخلت في المداهنة، وضاع الحق، وانتشر المنكر، ويوشك أن تغرق بسبب ذلك سفينة الحق؛ فالمداراة عند أهل السنة والجماعة لها محوران:
    المحور الأول: هي ضرورة دعوية وهي من باب التلطف في أساليب الدعوة مع المسلمين وغيرهم و فيه عدة كتب منها كتاب (مفهوم الحكمة في الدعوة) للشيخ صالح بن عبد الله بن حميد، ويمكن الرجوع إليه في هذا المحور.
    المحور الثاني: هي ضرورة اضطرارية لأسباب محددة.
    أما المداهنة: فهي التي جاءت في قَوْله تَعَالَى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (القلم 9)، وقد فَسَّرَهُ الْفَرَّاءُ، كَمَا فِي اللِّسَانِ بِقَوْلِهِ: "وَدُّوا لَوْ تَلِينَ فِي دِينِكَ فَيَلِينُونَ . وَقَال أَبُو الْهَيْثَمِ: أَيْ: وَدُّوا لَوْ تُصَانِعُهُمْ فِي الدِّينِ فَيُصَانِعُوكَ "(30)، والمداهنة هي ترك ما يجب لله من الغيرة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لغرض دنيوي وهو نفساني، والاستئناس بأهل المعاصي ومعاشرتهم، ومؤاكلتهم ومشاربتهم ومجالستهم، وعدم الإنكار عليهم مع القدرة على الإنكار؛ استجلابًا لمودتهم ومحبتهم، وإرضاءً لهم، ومسالمةً لهم وعدم التمييز بين طبقاتهم، لأنهم رأوا أن السلوك مع الناس، وحسن الخلق ونيل المعيشة، لا يحصل إلا بذلك.
    والمداهنة مخالفة للرسل وأتباعهم، وخروج عن سبيلهم ومنهاجهم، إذ هي إيثار للحظوظ النفسانية والدِّعة ومُسالمة الناس، وترك المُعاداة في الله، وتحمل الأذى في ذاته، وهذا في الحقيقة هو الهلكة؛ لأنه ما ذاق طعم الإيمان من لم يوالِ في الله ويعادي فيه، بل الإيمان يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه، وأي خير يبقى في قلب فقد الحياة والغَيْرة والتعظيم، وعدم الغضب لله؟! وسوَّى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته؟! " (31).
    وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالمداراة: أَنَّ المداراة لاَ تَحِل إِلاَّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وجلب المنفعة، أَمَّا الْمُدَاهَنَةُ فَلاَ تَحِل أَصْلاً، لأِنَّهَا اللِّينُ فِي الدِّينِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا.
    المُدارَاة وليس النفاق:
    إن النفاق هو أن يُظهر المرء الإيمان ويستر الكفر, كما أن النفاق قد يطلق على الرياء أيضا، أما المداراة فهي إبطان الإيمان أو الطاعة وإظهار خلاف ذلك عند الضرورة، مَعَ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، وَاطْمِئْنَانِه ِ بِالإْيمَانِ والطاعة.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " أساس النفاق الذي بني عليه هو الكذب, وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه, كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم "(32)، فالصِّلَةُ بين النِّفَاقِ وَالتَّقِيَّةِ – عند الشيعة - أَنَّ كُلًّا مِنَهما هو إِظْهَارُ المرء خِلاَفِ مَا يُبْطِنُ.
    والخلاصة:
    يمكن للمستضعفين من الأفراد والمؤسسات من غير أصحاب الريادة والإمامة العلمية أو الاجتماعية في أوقات استضعاف الأمة واضمحلالها أن يلجؤوا إذا ما دعتهم الحاجة – التي تقدّر بقدرها – إلى استعمال المُدَارَاة في مواجهة أعدائهم أو المتسلطين عليهم، القاهرين لهم، المعادين للشرع، وذلك استثناء من الأصل - الذي هو الجهر، والإعلان، والوضوح، وإقامة الحجة -، وذلك بغرض قيام المستضعفين بالحق الممكن، والتوسل به إلى الحق المطلوب.
    وذلك شريطة ألا تتحول تلك المدارة – ولو بحسن النية – إلى نوع من الميكافيلية النفعية التي تعتمد على مبدأ(الغاية تبرر الوسيلة)!، كما يجب أيضا ألا تتحول تلك المدارة إلى نوع من المداهنة أو النفاق!
    وكذلك شريطة أن يكون ذلك مؤقتا ومقدرا بقدره , وغير دائم , ومرتبطا بالموقف والحالة التي تنطبق فيها الشروط السابقة.


    ([1])المَنَاطُ في اللغة: موضع التَّعْليق . ويقال: هو منِّي مَنَاطَ الثُّرَيّا: أي: شديدُ البُعْد .
    وفلانٌ مَنَاط الثُّرَيّا: شريف ٌ عالي المنزلة .
    و(مَناطُ الحكم) عند الأُصوليين والأَخلاقيين: عِلَّتُه) سببه)؛ فيقال: مناطُ الحكم بتحريم الخمر هو: الإِسكار. (المعجم الوسيط )
    و(تخريج المناط): استنباط العلة من الحكم الثابت.
    و(تحقيق المناط): التحقق من وجود العلة الثابتة بنص أو إجماع أو استنباط في الصور التي ينتظمها الحكم.
    و(تنقيح المناط): إبعاد الأوصاف التي لا دخل لها في الاعتبار عن العلة.
    [انظر: د. محمود عبد الرحمن عبد المنعم (معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية) بدون طبعة، وبدون سنة الطبع]
    ([2])انظر: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري(لسان العرب) دار صادر، بيروت، ط1/ 1968م (15/ 401: 405) مادة (وقى).
    [3])) د. مجيد الخليفة، مقال (التقية بين السنة والشيعة الإمامية) موقعه الشخصي، بتاريخ 13/11/ 2013م، بتصرف، على الرابط التالي: http://www.dr-majeed.com/subjects/resch%206.html
    [4])) شهاب الدين محمود بن عبد الله الآلوسي (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني)، تحقيق: على عبد البارى عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ (ج2/ ص121)
    [5])) أحمد بن عليّ، المُكنّي بأبي بكر الرازي الجصاص الحنفيّ(أحكام القرآن) دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: محمد الصادق قمحاوى، ط1/ 1405هـ ( 2/290 )
    ([6])يعني قول الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} (المتحنة: 1 )
    ([7])الجصاص، مرجع سابق (5/ 326)
    [8])) محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (أحكام أهل الذمة)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، ط2/ 1423 هـ - 2002م (3/ 97)
    [9])) شمس الدين أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي(المبسوط ) دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1/ 1421هـ، 2000م، (24/82 )
    [10])) أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي(فتح الباري شرح صحيح البخاري) دار المعرفة، بيروت، 1379هـ ( 12/314)
    [11])) د. مجيد الخليفة، مصدر سابق.
    [12])) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، دار السلاسل بالكويت، ط2/ 1404هـ (13/ 191)
    [13])) السرخسي(المبسوط ) مرجع سابق (24/82 )/ وانظر: ابن أبي شيبة (المصنف) دار القبلة، مؤسسة علوم القرآن، تحقيق: محمد عوامة، ط1/ 1427هـ، 2006م، حديث رقم (33713)، وانظر أيضا: ابن حجر العسقلاني (تغليق التعليق على صحيح البخاري) المكتب الإسلامي ببيروت, دار عمار، عمَّان، الأردن، ط1/ 1405هـ (5/261)
    [14])) فخر الدين الرازي(مفاتيح الغيب) دار الكتب العلمية، بيروت، ط1/ 1421هـ، 2000م ( 8 / 12)
    ([15])قال الشيخ علوي بن عبد القادر السَّقَّاف: (ضعيف بهذا اللفظ). [علوي السقاف (تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن)، دار الهجرة للنشر والتوزيع، ط2/ 1416 هـ - 1995م، حديث رقم (135)، (ص73)]
    [16])) أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي(تفسير القرآن العظيم) دار طيبة للنشر والتوزيع، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ط2/ 1420هـ، 1999م (2/30)
    [17])) تفسير الرازي(مفاتيح الغيب) مرجع سابق ( 4 / 170)
    [18])) للمزيد من التفاصيل، انظر: د. باسم عامر، مقال (الفرق بين التقية الشرعية والتقية الشيعيّة) بتاريخ 16/11/ 2013م، على الرابط التالي:http://www.saaid.net/bahoth/152.htm
    [19])) الموسوعة الفقهية الكويتية، مصدر سابق (13/ 186 ) بتصرف.
    [20])) البراجماتية: إحدى مدارس الفلسفة الأخلاقية نشأت في أميركا في يناير سنة 1878م، على يد (تشارلز ساندر بيرس) وقد راجت فكرتها هناك ‎ زمن الستينات من القرن الميلادي الماضي.
    وخلاصة هذه فلسفة هي: أن الخير هو ما يلبي ‏الحاجات!، وهي كمبدأ غالبا ما يتم اقترانها عند التنفيذ بمبدأ الميكافيلية النفعية (الغاية تبرر الوسيلة)!
    [ انظر: مختار العربي، مقال (ماهي البراجماتية؟) مجلة الحوار المتمدن، العدد (1277)، بتاريخ 5/8/ 2005م، على الرابط التالي: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=42496]
    ([21])د. سيد بن حسين العفاني (أعلام و أقزام في ميزان الإسلام) دار ماجد عسيري بجدة، ط1/ 1424هـ، 2004م (1/ 640، 641)
    ([22])أحمد سالم، مقال (تلون أم اجتهاد) المركز العربي للدراسات، بتاريخ 13/5/2012م، بتصرف، من على الرابط: http://www.arabicenter.net/ar/news.p...n=view&id=1738
    ([23])أما ما هو دائر على الألسنة من قول: (داروا سفهاءكم) فقد ذكره العلامة محمد الأمير المالكي(المتوفي1 228هـ) في (النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية)المكتب الإسلامي ببيروت، ط1/ 1409هـ، 1988م (ج1/ ص59)، وقد ذكره المُلَّا علي القاري في (الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة)،المكت الإسلامي ببيروت،ط2/ 1986م، حديث رقم(199)، وذكر أن ابن حجر العسقلاني، قد سُئِلَ عنه؛ فلم يتكلم عليه .
    ([24])ابن حبان (روضة العقلاء) مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة 1374هـ،(ص 56) .
    ([25])الموسوعة الفقهية الكويتية، مصدر سابق (13/ 185، 186)
    ([26])عبد العزيز بن عبد الله الراجحي (القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) موقع الإسلام ، بتاريخ 24/ 5/ 2008م، بتصرف، من على الرابط التالي:
    http://www.islamhouse.com/p/144918
    ([27]) صحيح البخاري، الأدب (5707), صحيح مسلم، البر والصلة والآداب (2591), الترمذي، البر والصلة (1996), أبو داود، الأدب (4791), أحمد (6/158).
    ([28]) البخاري: الأدب (6054), ورواه أبو داود (4791, 4792) بإسناده بلفظ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ)، ورواه أحمد عن أسامة بن زيد بلفظ: (إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ وَالْمُتَفَحِّش َ)، انظر: الخفاء (جـ1/ ص281) [من رسالة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، انظر: الدرر السنية (جـ7 / ص 35)]
    [29])) صحيح البخاري (5/2271)
    [30])) ابن منظور (لسان العرب) مرجع سابق، مادة (دهن).
    ([31]) (القول البيّن الأظهر) مرجع سابق.
    [32])) أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني(منهاج السنة النبوية) مؤسسة قرطبة، ط1/ 1406هـ، (2/25)

    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,220

    افتراضي رد: الاضطرار في الفقه المعاصر.

    جزاكم الله خيرا .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    الجزائر العميقة ولاية الجلفة
    المشاركات
    499

    افتراضي رد: الاضطرار في الفقه المعاصر.

    كلام طيب ونافع بارك الله فيك أخي

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •