ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 9 من 9
1اعجابات
  • 1 Post By ابن محمود

الموضوع: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    64

    افتراضي ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
    فغالب من رأيت من إخواني طلبة العلم ظنه بالأشاعرة أنهم لا يفارقون أهل السنة إلا في مسألة الصفات ، وهو على غير الواقع من حالهم ، فكانت هذه الكلمات ملخصا لما علمته في هذا الباب ، وقد استفدتها من مقالات وأبحاث عدة منتشرة على الشبكة ، ،وبعضها بطولها على الموقع ذاته ، وإنما قمت بنوع اختصار لها فحسب ، فمن أراد التوسع له أن يرجع لها.

    الأول مصدر التلقي :
    مصدر التلقي عند الأشاعرة هو العقل، وقد صرح الجويني والرازي والبغدادي والغزالي والآمدي والإيجي وابن فورك والسنوسي وشراح الجوهرة وسائر أئمتهم بتقديم العقل على النقل عند التعارض، وعلى هذا جرى المعاصرون منهم، ومن هؤلاء السابقين من صرح بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الكفر وبعضهم خففها فقال: هو أصل الضلالة!!
    - صرح متكلموهم " أن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة، ولا تفيد اليقين إلا إذا سلمت من عشرة عوارض.
    منها: الإضمار والتخصيص والنقل والاشتراك والمجاز... إلخ، وسلمت بعد هذا من المعارض العقلي، بل قالوا: من احتمال المعارض العقلي.
    ج- موقفهم من السنة خاصة أنه لا يثبت بها عقيدة، بل المتواتر منها يجب تأويله وآحادها لا يجب الاشتغال بها حتى على سبيل التأويل، حتى إن إمامهم الرازي قطع بأن رواية الصحابة كلهم مظنونة بالنسبة لعدالتهم وحفظهم سواء، وأنه في الصحيحين أحاديث وضعها الزنادقة.. إلى آخر مالا أستجيز نقله لغير المختصين، وهو في كتابه أساس التقديس والأربعين .

    الثاني إثبات وجود الله:
    معلوم أن مذهب السلف هو أن وجوده تعالى أمر فطري معلوم بالضرورة، والأدلة عليه في الكون والنفس والآثار والآفاق والوحي أجل من الحصر، ففي كل شيء له آية وعليه دليل.
    أما الأشاعرة فعندهم دليل يتيم هو دليل: الحدوث والقدم.

    الثالث التوحيد
    التوحيد عند أهل السنة والجماعة معروف بأقسامه الثلاثة، وهو عندهم أول واجب على المكلف.
    أما الأشاعرة -قدماؤهم ومعاصروهم- فالتوحيد عندهم هو نفي التثنية أو التعدد، ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة.
    الرابع الإيمان
    الأشاعرة في الإيمان مرجئة جهمية وتجد في أغلب كتبهم أن الإيمان هو التصديق القلبي.

    الخامس القرآن
    فمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل وسمعه موسى عليه السلام ويسمعه الخلائق يوم القيامة.
    ومذهب المعتزلة أنه مخلوق.
    أما مذهب الأشاعرة فمن منطلق التوفيقية -التي لم يحالفها التوفيق- فرقوا بين المعنى واللفظ.
    فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هو معنى أزلي أبدي قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء.

    السادس القدر

    أراد الأشاعرة هنا أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية فجاءوا بنظرية الكسب وهي في مآلها جبرية خالصة لأنها تنفي أيَّ قدرة للعبد أو تأثير.
    أما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عن فهمها فضلاً عن إفهامها لغيرهم ولهذا قيل:
    مما يقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنو إلى الأفهام
    الكسب عند الأشعري والحال عند البـ هشمي وطفرة النظام.

    السابع السببية وأفعال المخلوقات

    ينكر الأشاعرة الربط العادي بإطلاق، وأن يكون شيءٌ يؤثر في شيء، وأنكروا كل "باء سببية" في القرآن، وكفروا وبدعوا من خالفهم.
    ومأخذهم فيها هو مأخذهم في القدر، فمثلاً عندهم من قال: إن النار تحرق بطبعها أو هي علة الإحراق فهو كافر مشرك؛ لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقاً، حتى إن أحد نحاة الأندلس من دولة الموحدين التومرتية الأشعرية هدم [نظرية العامل] عند النحاة مدعياً أن الفاعل هو الله!!
    الثامن: الحكمة والغائية
    ينفي الأشاعرة أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علة مشتملة على حكمة تقضي إيجاد ذلك الفعل أو عدمه، وهذا نص كلامهم تقريباً، وهو رد فعل لقول المعتزلة بالوجوب على الله؛ حتى أنكر الأشاعرة كل لام تعليل في القرآن، وقالوا: إن كونه يفعل شيئاً لعلة ينافي كونه مختاراً مريداً.
    وجوزوا بذلك أن يدخل الملائكة والنبيين النار ، وأن يدخل إبليس والمجرمين الجنة ، وهذا لازم قولهم ، إلا من التزمه منهم.

    التاسع : التحسين والتقبيح
    ينكر الأشاعرة أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح، ويقولون: مرد ذلك إلى الشرع وحده، وهذا رد فعل مغال لقول البراهمة والمعتزلة : إن العقل يوجب حسن الحسن وقبح القبيح، وهو مع منافاته للنصوص مكابرة للعقول، ومما يترتب من الأصول الفاسدة على قولهم: أن الشرع قد يأتي بما هو قبيح في العقل، فإلغاء دور العقل بالمرة أسلم من نسبة القبح إلى الشرع!
    ويكفي في الرد عليهم قوله تعالى : (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) .
    بل الصواب : أن العقل قد يدرك حسن او قبح الشيء قبل ورود الشرع ، وإنما ترتب الثواب والعقاب فهو مرده للشرع.
    العاشر: التأويل
    وهو أصل منهجي من أصول الأشاعرة ، وليس هو خاصاً بمبحث الصفات بل يشمل أكثر نصوص الإيمان خاصة ما يتعلق بإثبات زيادته ونقصانه وتسمية بعض شعبه إيماناً ونحوها، وكذا بعض نصوص الوعد والوعيد وقصص الأنبياء خصوصاً موضوع العصمة، وبعض الأوامر التكليفية أيضاً.

    الحادي عشر: السمعيات
    يقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام:
    ا- قسم مصدره العقل وحده وهو معظم الأبواب ومنه باب الصفات ولهذا
    يسمون الصفات السبع "عقلية" وهذا القسم هو "ما يحكم العقل بوجوبه"، دون توقف على الوحي عندهم.
    2- قسم مصدره العقل والنقل معاً كالرؤية -على خلاف بينهم فيها- وهذا القسم هو" ما يحكم العقل بجوازه " استقلالاً أو بمعاضدة الوحي.
    3- قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيات أي المغيبات من أمور الآخرة كعذاب القبر والصراط والميزان وهو عندهم: ما لا يحكم العقل باستحالته لكن لو لم يرد به الوحي لم يستطع العقل إدراكه منفرداً، ويدخلون فيه التحسين والتقبيح والتحليل والتحريم.
    والحاصل أنهم في صفات الله جعلوا العقل حاكماً، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلاً وفي الرؤية جعلوه مساوياً.

    الثاني عشر: الصفات
    والحديث عنها يطول، وتناقضهم وتحكمهم فيها أشهر وأكثر، وكل مذهبهم في الصفات مركب من بدع سابقة، وأضافوا إليه بدعاً أحدثوها فأصبح غاية للتلفيق المتنافر.

    للمزيد:
    الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم.
    موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود.
    صفحتي على الفيس:
    https://goo.gl/mjRGsL
    قناتي على التليجرام :
    https://goo.gl/UURTqj



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2019
    المشاركات
    203

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    فاتك قول بعضهم بالصرفة في اعجاز القران

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,167

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابن محمود مشاهدة المشاركة
    فاتك قول بعضهم بالصرفة في اعجاز القران
    بارك الله فيك
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح (5/428):

    (وكون القرآن أنه معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم على معارضته فقط، بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة: من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك.
    ومن جهة معانيه، التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقال تعالى:ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا [الكهف: 54] . وقال: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون - قرءانا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون [الزمر: 27 - 28] .
    وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن، هو حجة على إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له.
    ومن أضعف الأقوال قول من يقول من أهل الكلام: إنه معجز بصرف الدواعي - مع تمام الموجب لها - أو بسلب القدرة التامة، أو بسلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبا عاما، مثل قوله تعالى لزكريا: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا [مريم: 10] .
    وهو أن الله صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضي التام. فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله، فامتناعهم - جميعهم - عن هذه المعارضة، مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة، من أبلغ الآيات الخارقة للعادات، بمنزلة من يقول: إني آخذ أموال جميع أهل هذا البلد العظيم، وأضربهم جميعهم، وأجوعهم، وهم قادرون على أن يشكوا إلى الله، أو إلى ولي الأمر، وليس فيهم - مع ذلك - من يشتكي، فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة.
    ولو قدر أن واحدا صنف كتابا يقدر أمثاله على تصنيف مثله، أو قال شعرا، يقدر أمثاله أن يقولوا مثله، وتحداهم كلهم، فقال: عارضوني، وإن لم تعارضوني فأنتم كفار، مأواكم النار، ودماؤكم لي حلال، امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد. فإذا لم يعارضوه كان هذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة.
    والذي جاء بالقرآن قال للخلق كلهم: أنا رسول الله إليكم جميعا، ومن آمن بي دخل الجنة، ومن لم يؤمن بي دخل النار، وقد أبيح لي قتل رجالهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، ووجب عليهم كلهم طاعتي، ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق، ومن آياتي هذا القرآن، فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله، وأنا أخبركم أن أحدا لا يأتي بمثله.
    فيقال: لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين.
    فإن كانوا قادرين، ولم يعارضوه، بل صرف الله دواعي قلوبهم، ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم، أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه، فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل:
    معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ولا على الأكل والشرب، فإن المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد - فهذا من أبلغ الخوارق.
    وإن كانوا عاجزين، ثبت أنه خارق للعادة، فثبت كونه خارقا على تقدير النقيضين ; النفي والإثبات. فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر.
    فهذا غاية التنزل، وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك، ولا يقدر محمد - نفسه - من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكل من له أدنى تدبر، كما قد أخبر الله به في قوله.
    قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: 88] .
    وأيضا فالناس يجدون دواعيهم إلى المعارضة حاصلة، لكنهم يحسون من أنفسهم العجز عن المعارضة، ولو كانوا قادرين لعارضوه. وقد انتدب غير واحد لمعارضته، لكن جاء بكلام فضح به نفسه، وظهر به تحقيق ما أخبر به القرآن من عجز الخلق عن الإتيان بمثله، مثل قرآن مسيلمة الكذاب، كقوله: (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء، وذنبك في الطين) .
    وكذلك - أيضا - يعرفون أنه لم يختلف حال قدرتهم قبل سماعه وبعد سماعه، فلا يجدون أنفسهم عاجزين عما كانوا قادرين عليه كما وجد زكريا عجزه عن الكلام بعد قدرته عليه.
    وأيضا فلا نزاع بين العقلاء المؤمنين بمحمد والمكذبين له، إنه كان قصده أن يصدقه الناس ولا يكذبوه، وكان - مع ذلك - من أعقل الناس وأخبرهم وأعرفهم بما جاء به، ينال مقصوده، سواء قيل: إنه صادق أو كاذب. فإن من دعا الناس إلى مثل هذا الأمر العظيم، ولم يزل حتى استجابوا له طوعا وكرها، وظهرت دعوته وانتشرت ملته هذا الانتشار، هو من عظماء الرجال على أي حال كان. فإقدامه - مع هذا القصد - في أول الأمر وهو بمكة، وأتباعه قليل، على أن يقول خبرا، يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، لا في ذلك العصر، ولا في سائر الأعصار المتأخرة، لا يكون إلا مع جزمه بذلك، وتيقنه له، وإلا فمع الشك والظن لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فيفتضح فيرجع الناس عن تصديقه.
    وإذا كان جازما بذلك - متيقنا له - لم يكن ذلك إلا عن إعلام الله له بذلك. وليس في العلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر. والعلم بهذا يستلزم كونه معجزا، فإنا نعلم ذلك وإن لم يكن علمنا بذلك خارقا للعادة، ولكن يلزم من العلم ثبوت المعلوم، وإلا كان العلم جهلا، فثبت أنه على كل تقدير يستلزم كونه خارقا للعادة.
    وأما التفصيل، فيقال: نفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأت أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشعر ولا الرجز ولا الخطابة ولا الرسائل، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة، ليس له نظير في كلام جميع الخلق، وبسط هذا وتفصيله طويل، يعرفه من له نظر وتدبر.
    ونفس ما أخبر به القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته، أمر عجيب خارق للعادة، لم يوجد مثل ذلك في كلام بشر، لا نبي ولا غير نبي.
    وكذلك ما أخبر به عن الملائكة والعرش والكرسي والجن وخلق آدم، وغير ذلك، ونفس ما أمر به القرآن من الدين، والشرائع كذلك، ونفس ما أخبر به من الأمثال، وبينه من الدلائل هو - أيضا - كذلك.
    ومن تدبر ما صنفه جميع العقلاء في العلوم الإلهية والخلقية والسياسية وجد بينه وبين ما جاء في الكتب الإلهية - التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء - وجد بين ذلك وبين القرآن من التفاوت أعظم مما بين لفظه ونظمه، وبين سائر ألفاظ العرب ونظمهم.
    فالإعجاز في معناه أعظم وأكثر من الإعجاز في لفظه، وجميع عقلاء الأمم عاجزون عن الإتيان بمثل معانيه أعظم من عجز العرب عن الإتيان بمثل لفظه. وما في التوراة والإنجيل: ولو قدر أنه مثل القرآن، لا يقدح في المقصود، فإن تلك كتب الله - أيضا - ولا يمتنع أن يأتي نبي بنظير آية نبي، كما أتى المسيح بإحياء الموتى، وقد وقع إحياء الموتى على يد غيره؛ فكيف وليس ما في التوراة والإنجيل مماثلا لمعاني القرآن؛ لا في الحقيقة ولا في الكيفية ولا الكمية، بل يظهر التفاوت لكل من تدبر القرآن وتدبر الكتب.
    وهذه الأمور من ظهرت له من أهل العلم والمعرفة، ظهر له إعجازه من هذا الوجه، ومن لم يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدي النبي، وإخباره بعجزهم، فإن هذا أمر ظاهر لكل أحد.
    ودلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر البين لكل أحد ; كالحوادث المشهودة ; مثل خلق الحيوان والنبات والسحاب وإنزال المطر، وغير ذلك، وفيها ما يختص به من عرفه مثل دقائق التشريح ومقادير الكواكب وحركاتها، وغير ذلك، فإن الخلق كلهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق والإقرار برسله، وما اشتدت الحاجة إليه في الدين والدنيا فإن الله يجود به على عباده جودا عاما ميسرا.
    فلما كانت حاجتهم إلى النفس أكثر من حاجتهم إلى الماء، وحاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى الأكل، كان سبحانه قد جاء بالهواء جودا عاما في كل مكان وزمان لضرورة الحيوان إليه، ثم
    الماء دونه، ولكنه يوجد أكثر مما يوجد القوت وأيسر؛ لأن الحاجة إليه أشد.
    فكذلك دلائل الربوبية، حاجة الخلق إليها في دينهم أشد الحاجات، ثم دلائل النبوة ; فلهذا يسرها الله وسهلها أكثر مما لا يحتاج إليه العامة، مثل تماثل الأجسام واختلافها، وبقاء الأعراض أو فنائها، وثبوت الجوهر الفرد أو انتفائه، ومثل مسائل المستحاضة، وفوات الحج وفساده، ونحو ذلك مما يتكلم فيه بعض العلماء).

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,167

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره:

    (ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير [هود: 1] ، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [الأنعام: 115] أي: صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.
    وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا وكلما تكرر حلا وعلا لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة: 17] وقال: وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون [الزخرف: 71] ،
    وقال في الترهيب: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر [الإسراء: 68] ، أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [الملك: 16، 17] وقال في الزجر: فكلا أخذنا بذنبه [العنكبوت: 40] ، وقال في الوعظ: أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون [الشعراء: 205 -207] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة،
    وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن -- يا أيها الذين آمنوا فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه. ولهذا قال تعالى: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم الآية [الأعراف: 157] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم.
    ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة : أن رسول الله ، قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله.
    إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" لفظ مسلم. وقوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيا" أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة [عند كثير من العلماء] والله أعلم. وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته، وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر، ولله الحمد والمنة.)

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,167

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    قال السفارينى رحمه الله
    ولما بين الناظم أن القرآن العظيم الذي أنزله الله تعالى مع جبريل - عليه السلام - إلى النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وأثبت أنه كلام الله ، أعقب ذلك ببعض نعوت هذا الكلام المنزل على النبي المرسل .

    فقال ( ( أعيا ) ) أي أعجز ( ( الورى ) ) أي جميع الخلق من الإنس والجن ، قال في القاموس : الورى كفتى : الخلق ( ( بالنص ) ) القرآني والتنزيل الرحماني ( ( يا عليم ) ) أي يا عالم ( ( يعني ) ) المبالغ في العلم ، فإن العليم صفة مبالغة كما هو معروف قال تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

    فتحدى الخلق بالإتيان بمثله ، وقال تعالى أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين .

    فلما عجزوا عن الإتيان بمثله تحداهم بعشر سور فقال جل شأنه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات .

    فلما عجزوا تحداهم بالإتيان بسورة واحدة ، فقال تعالى قل فأتونا بسورة من مثله أي من مثل القرآن العظيم فعجزوا ، وفي قوله تعالى أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين غاية التحدي والتبكيت والرد عليهم والتنكيت أي إن كانوا صادقين في زعمهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول القرآن العظيم ، فليأتوا بحديث مثله .

    فإنه إذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - قادرا على أن يتقوله كما يقدر الإنسان أن يتكلم بما يتكلم به من نظم ونثر كان هذا ممكنا للناس الذين هم من جنسه ، فيمكن للناس أن يأتوا بمثله ، ولما تحداهم الله تعالى بسورة واحدة في قوله قل فأتوا بسورة من مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بعد أن تحداهم بالإتيان بعشر [ ص: 171 ] سور هم ومن استطاعوا ، قال جل شأنه فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا إنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون كما قال لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا أي هو سبحانه يعلم أنه مفترى .

    كما قال وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله أي ما كان لأن يفترى ، يقول ما كان ليفعل هذا فلم ينف مجرد فعله بل نفى احتمال فعله ، وأخبر بأن مثل هذا لا يقع بل يمتنع وقوعه فيكون المعنى لا يمكن ، ولا يحتمل ، ولا يجوز أن يفترى هذا القرآن من دون الله ، فإن الذي يفتريه من دون الله مخلوق .


    ( ( وليس في طوق ) )
    أي ليس في وسع ( ( الورى ) ) من جميع الخلق وطاقتهم فالطوق الوسع والطاقة ، كما في القاموس ، وفي حديث أبي قتادة - رضى الله عنه - ومراجعته النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصوم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " وددت أني طوقت ذلك " أي ليته جعل داخلا في طاقتي وقدرتي ، ولم يكن عاجزا عن ذلك غير قادر عليه لضعف فيه ، ولكن يحتمل أنه خاف العجز عنه للحقوق التي تلزمه لنسائه ، فإن إدامة الصوم تخل بحظوظهن منه ، كما في النهاية .

    ومنه حديث عامر بن فهيرة - رضى الله عنه - : كل امرئ مجاهد بطوقه . أي أقصى غايته ، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه ، فالمعنى ليس في قدرة الخلق ولا طاقتهم ، ولو بذلوا جهدهم بغاية ما يمكنهم ولو مع تمام المشقة الحاصلة لهم ( ( من أصله ) ) أي الورى يعني الخلق أي من أولهم إلى آخرهم .

    ويحتمل المراد أنه ليس في طوق الخلق من الأصل ( ( أن يستطيعوا ) ) الإتيان بأقصر ( ( سورة ) ) من القرآن فليس في طوق جميع الخلق من أصل خلقتهم وجبلتهم وقدرتهم واستطاعتهم ، من غير أن يسلبهم الله تعالى ذلك الإتيان بأقصر سورة .

    ( ( من مثله ) ) أي القرآن كما تحدى الديان أهل الفصاحة والبلاغة واللسن وذوي الرزانة والدراية والفطن ، فاعترفوا بالعجز عن الإتيان بمثل أقصر سورة في القرآن . قال الإمام الحافظ ابن الجوزي - رحمة الله تعالى - : لما تحيروا عند سماع القرآن ، وأدهشهم أسلوبه نودي عليهم بالعجز عن مماثلته بقوله فأتوا بسورة من مثله انتهى . هذا وهم مصاقيع الكلام ، وبلغاء النثر ، والنظام [ ص: 172 ] فعدلوا عن مصاقعة اللسان إلى مقارعة السنان .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب - الجواب الصحيح - : وهذا التحدي كان بمكة ، فإن سورة يونس وهود والطور من المكي ، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة ، فقال : في سورة البقرة ، وهي مدنية وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ثم قال فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين .

    فذكر أمرين ، ( أحدهما ) : قوله فإن لم تفعلوا فاتقوا النار ، يقول : إذا لم تفعلوا فقد علمتم أنه حق ، فخافوا الله أن تكذبوه فيحيق بكم العذاب الذي وعدته المكذبين ، وهذا دعاء إلى سبيل ربه بالموعظة الحسنة ، بعد أن دعاهم بالحكمة ، وهو جدالهم بالتي هي أحسن .

    ( الثاني ) قوله : ولن تفعلوا ، ولن لنفي المستقبل ، فثبت أنهم في المستقبل من الزمان لا يأتون بسورة من مثله ، كما أخبر قبل ذلك ، وأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول في سورة ( سبحان ) - وهي مكية افتتحها بذكر الإسراء ، وهو كان بمكة بنص القرآن والخبر المتواتر - قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

    فعم بأمره له أن يخبر بالخبر جميع الخلق معجزا لهم قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم لا يأتون بمثل هذا القرآن ، ولو تظاهروا ، وتعاونوا على ذلك ، وهذا التحدي لجميع الخلق ، وقد سمعه كل من سمع القرآن ، وعرفه الخاص والعام ، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه ، ولا أتوا بسورة من مثله ، ومن حين بعث - صلى الله عليه وسلم - وإلى اليوم الأمر على ذلك مع ما علم من أن الخلق كانوا كلهم كفارا قبل أن يبعث ولما بعث إنما تبعه قليل .

    وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله مجتهدين بكل طريق يمكن ، تارة يذهبون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمور من الغيب حتى يسألوه عنها ، كما سألوه عن قصة يوسف ، وأهل الكهف ، وذي القرنين ، ويجتمعون في مجمع بعد مجمع على ما يقولونه فيه ، وصاروا يضربون له الأمثال ، فيشبهونه بمن ليس بمثله لمجرد شبه ما مع ظهور الفرق ، فتارة يقولون مجنون ، وتارة ساحر ، وكاهن ، وشاعر ، وإلى أمثال ذلك من الأقوال التي يعلمون هم وغيرهم من كل عاقل يسمعها أنها [ ص: 173 ] افتراء عليه ، فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة وهي تبطل دعواهم ، فمعلوم أنهم لو كانوا قادرين عليها لفعلوها ، فإنه مع وجود هذا الداعي التام المؤكد إذا كانت القدرة حاصلة وجب وجود المقدور .

    ثم هكذا القول في سائر الأرض فهذا يوجب علما بينا لكل أحد يعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلة وبغير حيلة ، وهذا أبلغ من الآيات التي تكرر جنسها كإحياء الموتى ، فإن هذا لم يأت أحد بنظيره ، فإقدامه - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر على هذا التحدي وهو بمكة ، وأتباعه قليل ، على أن يقول خبرا يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله في ذلك العصر ، وفي سائر الأعصار المتأخرة ، لا يكون إلا مع جزمه بذلك وتيقنه له ، وإلا فمع الشك والظن لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فيفتضح ؛ فيرجع الناس عن تصديقه ، وإذا كان جازما بذلك متيقنا له ، ولم يكن ذلك إلا عن إعلام الله تعالى له بذلك ، وليس في العلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر ، والعلم بهذا يستلزم كونه معجزا .

    قال شيخ الإسلام رحمه الملك العلام : ونفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة ، ولم يأت أحد بنظير هذا الأسلوب فإنه ليس من جنس الشعر والرجز ولا الرسائل والخطابة ، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس ، عربهم وعجمهم ، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته عجيب خارق للعادة وليس له نظير في كلام جميع الخلق - يعني من لدن آدم وإلى الآن وهذا نهاية الإعجاز ، وبالله التوفيق .
    ...............

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,167

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    فوائد

    ( الأولى ) التحدي المعارضة ، والمتحدي هو الذي يتحدى الناس أي يدعوهم ، ويبعثهم إلى أن يعارضوه ، فيقال فيه حداني على هذا الأمر أي بعثني عليه ، ومنه سمي حادي العيس لأنه بحدائه يبعثها على السير .

    قال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح : وقد يريد بعض الناس بالتحدي دعوة النبوة ، ولكن أصله الأول انتهى . وفي القاموس : احدى تعمد شيئا كتحداه ، والحديا بالضم وفتح الدال المهملة : المنازعة والمباراة

    ( الثانية ) : ما قد أشرت إليه في قولي "
    وليس في طوق الورى من أصله
    إلخ . . . " أي ليس في وسع البشر ، ولا سائر الخلق ، ولا في أصل خلقتهم وجبلتهم القدرة على أن يأتوا بمثل أقصر سورة من القرآن العظيم ، والذكر الحكيم ، فإنه معجزة في نفسه فليس في وسع الخلق ولا قدرتهم على مضاهاته .

    وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الوفاء : وكان المرتضى العلوي يقول بالصرفة - يعني أن الله تعالى صرف العرب على الإتيان بمثله لا أنهم عجزوا .

    قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل : الصرف على الإتيان بمثله دال على أن لهم القدرة حاصلة ، قال " وإن كان في الصرف نوع إعجاز إلا أن كون القرآن في نفسه ممتنعا عن الإتيان بمثله لمعنى يعود عليه ، آكد في الدلالة ، وأعظم لفضيلة القرآن .

    قال : " وما قول من قال بالصرفة إلا بمثابة من قال بأن عيون الناظرين إلى عصا موسى - عليه السلام - خيل لهم أنها حية وثعبان ، لا أنها في نفسها انقلبت . قال : فالتحدي للمصرف عن الشيء لا يحسن كما لا يتحدى العجم بالعربية " قال الحافظ بن الجوزي " : وأنا أقول إنما يصرفون عن الشيء بتغير طباعهم عند نزولهم أن يقدروا على مثله ، فهل وجد لأحد منهم قبل الصرفة منذ وجدت العرب كلاما يقاربه مع اعتمادهم على الفصاحة ؟ فالقول بالصرفة ليس بشيء .

    وقال شيخ الإسلام في ( الجواب الصحيح ) : " كل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن - حجة على إعجازه ، ولا تناقص في ذلك ، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له ، ثم قال " ومن أضعف الأقوال من يقول من أهل الكلام إنه معجز بصرف الدواعي مع قيام الموجب لها ، أو بسلب القدرة الجازمة ، وهو أن الله تعالى صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضى التام ، أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبا عاما مثل قوله لزكريا آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ، فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل ، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله ، فامتناعهم جميعهم عن هذه المعارضة - مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة - من أبلغ الآيات الخارقة للعادة بمنزلة من يقول إني آخذ جميع أموال أهل هذه البلد العظيم وأضربهم جميعهم وأجوعهم ، وهم قادرون على أن يشتكوا إلى الله وإلى ولي الأمر ، وليس فيهم مع ذلك من يشتكي فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة ، ولو قدر أن أحدا صنف كتابا يقدر أمثاله على تصنيف مثله ، أو قال شعرا يقدر أمثاله على أن يقولوا مثله ، وتحداهم كلهم ، فقال : عارضوني ، وإن لم تعارضوني ، فأنتم كفار ، مأواكم النار ، ودماؤكم حلال - امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد ، فإذا لم يعارضوه كان هذا من العجائب الخارقة للعادة ، والذي جاء بالقرآن - صلى الله عليه وسلم - قال للخلق كلهم أنا رسول الله إليكم جميعا ، ومن آمن بي دخل الجنة ، ومن لم يؤمن بي دخل النار ، وقد أبيح لي قتل رجالهم ، وسبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم ، ووجب عليهم كلهم طاعتي ، ومن لم يعطني كان من أشقى الخلق ، ومن آياتي هذا القرآن فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله ، وأنا أخبركم أن أحدا لا يأتي بمثله .

    فإنه لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين فإن كانوا قادرين ولم يعارضوه ، بل صرف الله دواعي قلوبهم ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه ، فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ، ولا على الأكل والشرب ، فإن المنع من المعتاد ، كإحداث غير المعتاد ، فهذا من أبلغ الخوارق ، وإن كانوا عاجزين ثبت أنه خارق للعادة فثبت كونه خارقا للعادة على تقدير النقيضين النفي والإثبات ، فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر . "

    قال شيخ الإسلام - قدس الله سره - : فهذا غايته غاية التنزيل ، قال : وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته لا يقدرون على ذلك .

    قال : بل ولا يقدر محمد نفسه - صلى الله عليه وسلم - من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن ، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكل من له أدنى تدبر ، كما أخبر به تعالى في قوله قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

    قلت : وفي شفاء أبي الفضل القاضي عياض بعض ميل للقول بالصرفة ؛ فإنه قال : وذهب الشيخ أبو الحسن - يعني الأشعري - إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ، ولا يكون فمنعهم الله هذا ، وعجزهم عنه . قال : وقال به جماعة من أصحابه .

    قال : وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر ، وتحداهم بأن يأتوا بمثله قاطع .

    قال : وهو أبلغ في التعجب ، وأحرى بالتقريع ، والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم ، وهو أبهر آية ، وأقمع دلالة ، وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال ، بل صبروا على الجلاء والقتل ، وتجرعوا كاسات الصغار والذل ، وكانوا من شموخ الأنف ، وإباء الضيم بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا ، ولا يرضونه إلا اضطرارا ، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم لأسرعوا بالحجج ، وقطع العذر ، وإفحام الخصم لديهم ، هذا وهم ممن لهم قدرة على الكلام ، وقدوة بالمعرفة به لجميع الأنام ، وما منهم إلا من جهد جهده ، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره ، وإطفاء نوره ، فما حلوا في ذلك بحبة من بنات شفاهم ولا أتوا بنقطة من معين مياههم مع طول الأمد ، وكثرة العدد ، وتظاهر الوالد وما ولد ، بل أبلسوا فما نبسوا ، ومنعوا فانقطعوا ، انتهى كلامه

    وذكر الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتابه " الوفاء " عن الإمام ابن عقيل أنه ، قال : حكى لي أبو محمد بن مسلم النحوي ، قال كنا نتذاكر إعجاز القرآن ، وكان ثم شيخ كثير الفضل ، فقال : ما فيه ما يعجز الفضلاء عنه ، ثم ارتقى إلى غرفة ، ومعه صحيفة ومحبرة ، ووعد أنه يبادئهم بعد ثلاثة أيام بما يعمله مما يضاهي القرآن فلما انقضت الأيام الثلاثة صعد واحد فوجده مستندا يابسا ، وقد جفت يده على القلم .

    قلت : وبمثل هذه يحتج القائلون بالصرفة ، وليس بحجة لعدم حصر الهلاك فيها ، بل لما عجز أهلكه الله كمدا ، ولتجرئه على ما ليس في وسعه وقدرته ، والله الموفق .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,167

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    ( الثالثة ) : كون القرآن معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط ، أو نظمه وأسلوبه ، أو إخباره بالغيب والمغيبات ، ولا من صرف الدواعي والمعارضات ، بل هو آية ومعجزة ظاهرة ، ودلالة باهرة وحجة قاهرة من وجوه متعددة ، من جهة اللفظ ومن جهة النظم ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى ، ومن جهة معانيه التي أمر بها ، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك ، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي ، والغيب المستقبل ، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد ، ومن جهة [ ص: 177 ] ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة كما في قوله تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا . وفي فأبى أكثر الناس إلا كفورا ، و لعلهم يتذكرون ، قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون فكل ما ذكره الناس من وجوه الإعجاز في القرآن فهو حجة على إعجازه ، ولا تناقض في ذلك بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له كما في كلام شيخ الإسلام .
    ( الرابعة ) : القرآن العظيم كلام الله القديم ، ونوره المبين ، وحبله المتين ، وفيه الحجة والدعوة ، فله بذلك اختصاص على غيره كما ثبت عنه في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح يعني أن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل علي وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح ، قال : وليس المراد حصر معجزاته فيه ، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه بل المراد المعجزة العظمى والآية الكبرى التي اختص بها دون غيره - صلى الله عليه وسلم - من الأنبياء عليهم السلام . انتهى .

    ولا يخفى أن كون دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي شريعته المنعوت بها ، فيها معجزته التي تحدى الخلق بها من أعظم الآيات ، وأبهر المعجزات ، وأظهر الدلالات . ولهذا استمرت معجزته العظمى باستمرار شريعته الغراء ، وفيه إشارة وتنبيه وإيماء وتنويه إلى أن هذا النبي الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين ، فشريعته دائمة ما دام الملوان ، ومعجزته باقية ما كر الجديدان ، وبالله التوفيق
    ( الخامسة ) : كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأتون بالمعجزات الباهرة ، والآيات الظاهرة ، لأقوامهم الكافرة ، وأممهم الفاجرة ، فكان كل نبي تقع معجزته مناسبة لحال قومه ، كما كان السحر فاشيا عند فرعون ، فجاء موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة ، لكنها تلقفت ما صنعوا فبسوا وانصدعوا ، واحتاروا وانقمعوا ، وعلموا أن ما جاء به موسى هو الحق اليقين ( فألقي [ ص: 178 ] السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) .

    ولم يقع ذلك بعينه لغير موسى من الأنبياء - عليهم السلام - . ولما كان الزمن الذي بعث فيه عيسى - عليه السلام - قد فشا الأطباء والحكماء بين الأنام ، وكان أمرهم في غاية الظهور ، والاعتناء بصناعتهم ظاهرا مشهورا ، جاء سيدنا المسيح بإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص من الداء العضال القبيح ، وخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله ، فطاشت قلوب الحكماء ، وأذعنوا أنه من عند الله .

    ولما كانت العرب أرباب البلاغة ، وجراثيم الفصاحة ، ورأس البيان ، وأرومة الوضاحة وفرسان الكلام ، وأرباب النظام ، قد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يختص به غيرهم من سائر الأمم ، قد أوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت مثله إنسان .

    ومن فصل الخطاب ما قد يقيد الألباب ، جعل الله تعالى لهم ذلك طبعا وسليقة وفيهم غريزة وحقيقة ، يأتون منه على البديهة بالعجب العجاب ، ويدلون به إلى كل سبب من الأسباب ، فيخطبون بهدية في المقامات الشديدة الخطب ويرتجزون به في قساطل الحرب بين الطعن والضرب ، ويمدحون ويقدحون ، ويتوسلون ويتوصلون ، ويبتدون ويتنصلون ، ويرفعون ويضعون ، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ، ويطوقون من أوصافهم ما هو أجمل من سمط اللآل ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الأحن ، ويهيجون الدمن ، ويجرئون الجنان ، ويبسطون من يد الجعد البنان ، ويصيرون الناقص كاملا ، ويتركون النبيه خاملا ، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل ، والقول الفصل ، والكلام الفخم ، والطبع الجوهري ، والمنزع القوي ، ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرف في القول ، القليل الكلفة الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرف في القول ، القليل الكلفة الكثير الرونق الرقيق الحاشية ، وعلى كل حال لهم في البلاغة الحجة البالغة ، والقوة الدامغة ، لا يشك أن الكلام طوع مرادهم ، والبلاغة ملك قيادهم ، فما راعهم إلا والرسول الكريم قد أتي بهذا الكتاب العزيز العظيم ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، قد أحكمت آياته ، وفصلت كلماته ، وبهرت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته ، على كل مقول ، تضافر إيجازه وإعجازه ، وتظاهرت [ ص: 179 ] حقيقته ومجازه ، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا ، وأوسع في اللغة والغريب مقالا ، وبلغتهم التي بها يتحاورون ومنازعهم التي عنها يتناضلون ، صارخا بهم في كل حين ، ومقرعا لهم بعضا وعشرين من السنين ، وموبخا لهم على رؤوس ملئهم أجمعين ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) .

    فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرعهم أشد التقريع ، ويوبخهم غاية التوبيخ ، ويسفه أحلامهم ، ويشتت نظامهم ، ويذم آلهتهم وآباءهم ، ويستبيح أرضهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم ، وهم في كل ذلك ناكصون عن معارضته ، محجمون عن مماثلته ، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب ، والاغتراء بالافتراء ، فيقولون تارة : هذا سحر مفترى ، وأخرى : أساطير الأولين ، وطورا يقولون إذا سمعوا : آيات الكتاب : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ، وفي آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب .

    ومنهم من استحمق وهذى ، فقال : بضرب من الدعوى : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، ومن تعاطى شيئا من سخفائهم ، بدعوى المعارضة افتضح وانكشف عواره وما نجح وظهر بواره

    ولما سمع الوليد بن المغيرة من النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى قال : والله ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وأن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ، ما يقول هذا بشر .

    وذكر أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) فسجد فقيل له في ذلك فقال سجدت لفصاحته ، وسمع آخر رجلا يتلو ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ) فقال أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام .

    وذكر القاضي عياض في الشفاء أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يوما نائما في المسجد ، إذا هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق ، فاستخبره ، فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها ، وأنه سمع قوما من أسرى المسلمين يقرؤون آية من كتابكم ، فتأملتها فإذا هي قد جمع فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم - عليه السلام - من أحوال الدنيا والآخرة ، وهي قوله تعالى : ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون .

    وحكى [ ص: 180 ] الأصمعي أنه سمع كلام جارية ، فقال لها : قاتلك الله ما أفصحك ، فقالت : أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) الآية ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين . فهذا من أنواع إعجاز القرآن العظيم ، والذكر الحكيم ، وفوق كل ذي علم عليم : وبالله التوفيق .
    ( السادسة ) : قال علماؤنا وفي بعض آية من القرآن العظيم إعجاز ، وعلى التحقيق يتفاضل ثوابه ويتفاوت إعجازه ، كما في مختصر التحرير ، وغيره من كتب الأصول . قال الإمام القاضي أبو يعلى بن الفراء - قدس الله روحه - : في بعض آية من القرآن إعجاز لقوله تعالى فليأتوا بحديث مثله ، قال القاضي علاء الدين المرداوي في شرح التحرير : والظاهر أن القاضي أبا يعلى أراد ما فيه الإعجاز ، وإلا فلا يقول مثل قوله تعالى ثم نظر ونحوها أن في بعضها إعجازا وإلا فيها أيضا وهو واضح . وقال الإمام أبو الخطاب الكلوذاني أحد أعلام المذهب والحنفية : ولا إعجاز في بعض آية بل في آية .

    وهذا ليس على إطلاقه فإن بعض الآيات الطوال فيها إعجاز كما أن الآية القصيرة كقوله تعالى ثم نظر لا يلزم أن يكون فيها إعجاز . وقال بعض المحققين : القرآن كله معجز لكن منه ما لو انفرد لكان معجزا بذاته ، ومنه ما إعجازه مع الانضمام ، فإن القرآن يتفاوت إعجازه ، ويتفاضل ثوابه ، فإن الفرق يظهر بين آية الكرسي وآية الدين ، وبين سورة الإخلاص ، وسورة تبت .

    فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أنزل عليه القرآن ، وهو أعلم بجمله وتفاصيله وبفضله وتفضيله : " ياسين قلب القرآن ، وفاتحة الكتاب أفضل سورة في القرآن ، وآية الكرسي أعظم آية في القرآن ، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن " .

    والأحاديث الواردة في فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالتفضيل وكثرة الثواب في تلاوتها كثيرة جدا .

    وذهب الإمام [ ص: 181 ] أبو الحسن الأشعري ، والقاضي الباقلاني وغيرهما ، إلى المنع ، ويروى هذا القول عن الإمام مالك - رضي الله عنه - ولذلك كره أن تردد سورة دون غيرها ، قال بعض العلماء : والعجب ممن يذكر الخلاف في ذلك بعد ورود النصوص عن صاحب الشريعة بالتفضيل .

    وقال العز بن عبد السلام : كلام الله في الله أي المتعلق بذاته وصفاته ، والثناء على نفسه ، ونحو ذلك ، أفضل من كلامه في غيره ، فقل هو الله أحد أفضل من تبت يدا أبي لهب .

    وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه - الإتقان في علوم القرآن - : اختلف القائلون بالتفضيل فقال بعضهم : التفضيل راجع إلى عظم الأجر ، ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلي الأعلى ، وقيل : بل يرجع لذات اللفظ ، وأن ما تضمنه قوله تعالى وإلهكم إله واحد الآية ، وآية الكرسي وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانية الله تعالى وصفاته ليس موجودا مثلا في ( تبت يدا أبي لهب ) وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكرامتها ، وبالله التوفيق .
    لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية »

    الباب الأول في معرفة الله تعالى وتعداد الصفات »
    فصل في مبحث القرآن »

    إعجاز القرآن

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2019
    المشاركات
    203

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    وفيكم بارك الله
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4,167

    افتراضي رد: ملخص ما فارق به الأشاعرة أهل السنة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابن محمود مشاهدة المشاركة
    فاتك قول بعضهم بالصرفة في اعجاز القران
    القول بالصرفة ليس من اصول الاشاعرة بل غالبهم يرد هذا القول - صرح برد الصرفة النووي وابن حجر في شرحيهما للحديث الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة"
    قال الحافظ ابن حجر في شرح قوله: "وإنما كان الذي أوتيت" أي: إن معجزتي التي تحديت بها [هي]الوحي الذي أنزل عليَّ وهو القرآن، إلى آخر كلامه وذكر النووي مثله. وكذلك القرطبى علل فساده بأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف على أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز يخرج القرآن أن يكون معجزاً، وذلك خلاف الإجماع.
    قال فى تفسيره( هذا فاسد ؛ لأن إجماع الأمة أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا إن المنع والصّرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزا ، وذلك خلاف الإجماع ، وإذا كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز ؛ لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة ؛ إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه)
    وغير هؤلاء كثير
    قول بعضهم
    نعم هو قول بعض الاشاعرة ولكن اكثرهم لم يجعلوه الوحيد فى الاعجاز
    يقول الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم أثناء حديثه عن أبي الحسن الأشعري : - ( والقرآن عنده معجز من حيث البلاغة ، والنظم ، والفصاحة ، إذ خير العرب بين السيف وبين المعارضة ، فاختاروا أشد القسمين اختيار عجز عن المقابلة ، ومن أصحابه من اعتقد أن الإعجاز في القرآن من جهة صرف الدواعي ، وهو المنع من المعتاد ) وقال الشيخ السفاريني ( وفي شفاء أبي الفضل القاضي عياض بعض ميل للقول بالصرفة ، فإنه قال : وذهب الشيخ أبو الحسن ( الأشعري – ) إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ، ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ، ولا يكون ، فمنعهم الله هذا ، وعجزهم عنه .
    فائدة
    والقول بالصرفة باطل من وجوه:
    أولاً: إنه لو صح لكان الإعجاز في الصرفة لا في القرآن ذاته، وهو باطل بالإجماع.
    ثانياً: إنه لو صح لكان تعجيزاً لا إعجازاً؛ لأنه يكون بمثابة ما لو قطعنا لسان إنسان وكلفناه بالكلام، فهو من باب التعجيز وليس من باب العجز.
    ثالثاً: قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [سورة الإسراء - الآية 88]، فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سُلِبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم فإنه يصبح بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بالأمر الكبير الذي يُحتفل بذكره.
    )) انتهى من كتاب "محاضرات في علوم القرآن" ص169

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •