شعراء صدر الاسلام \ 15 ابو محجن الثقفي بقلم - فالح الحجية ابو محجن الثقفي الثقفيهوَ عَمْرُو بنُ حبيبٍ بن عمرو بن عميْر بن عوف.وكنيته أبو عبيد.و أمِّهِ: كَنود بنت عبد الله بن عبد شمس وواضحٌ من اسم أمِّهِ أنَّها من سادات قُريشٍ (عبد شمس) وهذا يعني حسباً رفيعاً لأبي محجن الثقفي.كان لثقيفٍ عددٌ من الشعراء في الجاهلية والإسلام، وخاصةً المخضرمون منهم وأشهرهم أبو محجن الثقفي الذي يرتبط اسمه بالخمرة وليس بِها وحسب بل بالفروسية والشجاعة وهو أحد الشعراء الأبطال الكرماء في الجاهلية والإسلام.أسلم في السنة التاسعة للهجرة، وروى عدة أحاديث نبويةٍقال ابن سلام انه من فحول شعراء الطائف وقال ايضا : (أبو محجن رجلٌ شاعرٌ شريفٌ)وعرف عنه انه كان شغوفا بالخمرة رغم إسلامه فإنَّه بادئ بدء لم يتخلَّ عن الخمرة حتَّى جلده عليها عمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه وحبسه بسببها، ورد في كتاب (الأغانِي) من أنَّهُ أُتِيَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بِجماعة فيهم أبو محجن الثقفي، وقد شربوا الخمر، فقال:أشربتم الخمر بعد أن حرمها الله ورسوله؟فقالوا : ما حرَّمها الله ولا رسوله إن الله تعالى يقول: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)ف ال عمر لأصحابه: ما ترون فيهم؟فاختلفوا فيهمفبعثَ عمر إلى عليٍّ بن أبِي طالبٍ رضي اللهُ عنهُ فشاوره فقال:إنْ كانت هذه الآيةُ كما يقولون، فينبغي أن يستحلوا الميتة والدم ولحم الخنـزيرِ .فسكتوا.فقال عمر لعلي: ما ترى فيهم؟قال: أرى إن كانوا شربوها مستحليْن لها أن يُقتلوا، وإن كانوا شربوها وهم يؤمنونَ أنَّها حرامٌ أن يُحدُّوا. فسألهم فقالوا: والله ما شككنا في أنَّها حرامٌ، ولكنَّا قدرْنا أنَّ لنا نَجاةً فيما قلناهُ. فجعل يَحدُّهم رجلاً رجلاً، وهم يخرجون حتَّى انتهى إلى أبِي محجن فلمَّا جلدهُ أنشأ يقولُ: ألم ترَ أن الدهر يعثرُ بالفتَـى ولا يستطيع المرء صرف المقادرِصبرت فلم أجزع ولم أك طائعا لحادث دهر في الحكومة جائرِوإني لذو صبر وقد مات إخوتِي ولست عن الصهباء يوما بصابرِرماها أميْرُ المؤمنين بِحتْـفها فخلاَّنُها يبكونَ حَـول المعاصرِفلما سمعَ عمرُ قوله: (ولست عن الصهباء يوما بصابر)قال: قد أبديْتَ ما في نفسك ولأ زيدنَّك عقوبةً لإصرارك على شرب الخمر.فقال له علي: ما ذلك لك وما يجوز أن تعاقب رجلاً قال لأ فعلنَّ وهو لم يفعل وقد كان شاعرا و قال الله تعالى في الشعراء (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ*) و قيل انه كان منهمكاً في شرب النبيذ فحده عمر مراراً ثم نفاه إلى جزيرة بالبحر، فهرب من منفاه .وأما توبته فكانت في موقعة القادسية . حيث لحق بسعد بن أبي وقاص وهو يُحارب الفرس في القادسية فكتب عمر بن الخطاب الى سعد بن ابي وقاص أن يحبسه فحبسه سعد عنده وقيل أنَّ أبا محجنٍ كانَ يؤتَى بهِ شارباً إلَى سعدٍ فيتهدده بالحبس فيقول له:- لست تاركها إلا لله عز وجل فأما لقولك فلا قالوا. وقيل في قصة طريفة ذكرتها اغلب كتب التاريخ والا دب انه أُتِي به يوم القادسية وقد شرب الخمرَ فأمر به ان يو ضع في القيد و كان سعد بن ابي وقاص قد جرح في المعركة واقعده الجرح عن المشاركة في الحرب ذلك اليوم فلم يَخرج يومئذٍ إلى الناس فاستعمل على الخيل خالدَ بن عرفطة فلمَّا التقى الناس تحسر ابو محجن كونه في الحبس والرجال تقاتل الاعداء .فقال أبو محجن:كفى حزنًا أن تُرديَ الخيل بالقَـنا وأترك مشدودًا علىَّ وثـاقياإذا قمت عن نار الحديد وغُلِّقَـت مصاريع دوني قد تصمُّ المنادياوقد كنت ذا مال كثيْرٍ وأخــوة فقد تركوني واحدًا لا أخَ ليافلله عهد لا أخـيْسُ بِـعَـهْـدهلأن فرجت ألا أزورَ الحوانيافسمعته سلمى امرأةُ سعد بن ابي وقاص فرجاها وطلبَ منها أن تخلِيَ سبيله فرفضتْ و بعد ما سمعت أبياته وهو ينشدها بحرقة وتحسر فقالت له سلمى:- إنِّي استخرْتُ اللهَ ورضيْتُ بعهدكَ. فأطلقته ولمَّا طلبَ منها فرس سعدٍ ( البلقاءُ ) رفضتْ الا انه ركبهاوخرجَ للقتال فاخذ يقاتلُ ولا احد يعرفه و حمل على ميسرة القوم فلعب برمحه وسلاحه بين الصفيْن ثم رجع من خلفِ المسلميْن إلى القلبِ وكان يقصفُ الناس ليلتئذٍ قصفاً منكراً فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من ذي قبل وجعل سعدٌ ينظر اليه يقول في نفسه و هو متفحص مشرفٌ على القتال : -الطعنُ طعنُ أبي محجن والضبْرُ ضبْرُ البلقاء ولولا محبسُ أبي محجنٍ لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء. فلم يزل أبو محجنٍ يقاتلُ حتَّى انتصف الليل فتحاجز أهل العسكرين وأقبل أبو محجن حتَّى دخل القصر ووضع عن نفسه ودابته وأعاد رجليه في القيد وأنشأ يقول: لقد علمتْ ثقيفٌ غيْـر فخرٍ بأنا نحن أكرمهم سيــوفاوأكثرهم دروعاً سابغـاتٍ وأصبَرهم إذا كرهوا الوقوفاوأنَّا رفْـدُهم في كلِّ يَـومٍ فإنْ جحدوا فسلْ بِهم عريفاوليلة قادسٍ لم يشـعروا بِي ولَمْ أكرهِ بِمخرجي الزحوفافقالت له سلمى: يا أبا محجن في أيِّ شيءٍ حبسك هذا الرجلُ؟تريد زوجها سعداً. فقال: أما واللهِ ما حبسنِي بِحرامٍ أكلته ولا شربته ولكنِّي كنت صاحبَ شرابٍ في الجاهلية وأنا امرؤٌ شاعرٌ يدبُّ الشعر على لسانِي فينفثه أحيانا فحبسني لأني قلت فيها شعرا : إذا متُّ فادفنِّي إلى أصل كرمةٍ تروِّي عظامي بعد موتِي عروقُهاولا تدفننِّي فِي الفَـلاة فإننِّي أخَـافُ إذا ما متُّ ألاَّ أذوقُهاليُروى بِخمر الحصِّ لحمِي فإنَّنِي أسيْرٌ لَهَا منْ بعدِ ما قدْ أسوقُهاأباكرُها عنـد الشروقِ تـارةًيُعاجِـلَ نِي بعد العَـشيِّ غبوقُهاوللكأس والصهباءِ حظٌّ مُـنعمُفَمِنْ حقِّها ألاَّ تُضاعَ حقوقُهافأخبَرت سعداً بِخبَره فقال سعدٌ: أما واللهِ لا أضرب اليومَ رجلا أبلى الله المسلميْن على يده ما أبلاهم. فخلَّى سبيله.فقال أبو محجن: قد كنت أشربُها إذ كان الحدُّ يُقام عليَّ وأطهرُ منها فأما إذْ بَهرجتنِي فلا واللهِ لا أشربُها أبداً.ومن طريفِ ما يُروى أنَّهُ لما انصرف ليعود إلى محبسه رأته امرأة فظنته منهزماً من القتال فأنشأت تعيِّره بفراره :مَن فْارسٌ كرهَ الطعانَ يعيرنِي رمحاً إذا نزلوا بِمزج الصفرِفاجابها أبو محجن: إنَّ الكرامَ على الجياد مبيتُهم فدعي الرماحَ لأهلها وتعطريوقيل انه مات سنة\ 30 هجرية وقبره في نواحي اذربيجان كما ذكره صاحب ( الاغاني ) وكان ابو محجن الثقفي شاعرا مقلا وقد قال في غزله:وقدْ تقومُ على رأسي مغنيةٌ فيها إذا رفعتْ من الصوتِ غنجُتُرفعُ الصوتَ أحياناً وتُخفضهُ كما يطنُّ ذباب الروضةِ الهزجويقول ايضا:فيا لك مـن ليل تـمتعت طولـه وهـل طائف مـن نـائم متمتعنعم إنّ ذا شجو متى يلق شجوه ولو نـائماً مستعتب أو مـودعله حـاجة قـد طالما قـد أسرهـا مـن الناس مـن صدر بها يتصدعتحملهـا طـول الزمـان لعلّهــا يكـون لها يـوماً من الدهر منزعوقد قرعت في اُم عمرو لي العصا قديماً كمـا كانت لـذي الحلم تقرعوقيل تعلق بابنة يهوديٍّ (سمية ) ُوبثها لواعجه فقال : تقولُ ابنةُ الحبْرِ اليهودِ ما أرى أبا مـحجن إلا وللقلبِ ذاكرُفإنَّ ابنة الحبْر اليهوديِّ تيمتْ فؤادي فهل لي من سمية زاجرُونلاحظ غزله فيه عفة نفسٍ وبُعدٌ عن الفاحشةِ، فنـراهُ يصف مغامرةً مع امرأتيْنِ تعلقتا بِه: تمنَّتْ أن ألقاهما كلاهما وتَمنتا فلمَّـا التقينا استحيَـتا من مناهمابكتْ هذه وانْهلَّ أدمع هـذه وفاضتْ دموعي في عراض بكاهمافهما سقتانِي السمَّ يوم تولـتا جـزانِي إلهي عنهما وجـزاهمافكانت المرأتانِ ترغبانِ في لقائهِ، ولكنَّ حياءهما منعهما من اللقاء بهِ حين اجتمع بِهما وينقلب حال العاشقتيْنَ إلَى بكاءٍ فالأولى تبكي وتبكي الثانية لبكائِها ويبكي بدوره على بكائِهما بل يتعبَرُ ان لحظة فراقهما تشبه لحظة من تَجرَّع السمَّ وأوشك على الموتِ. ويقول في الخمرة ايضا:ألا سَقِّني يا صاحِ خَمراً فإنّني بما أنزلَ الرحمنُ في الخمرِ عالمُوجُدْ لي بِها صِرفاً لأَزدادَ مَأثماً ففي شُربِها صِرفاً تتِمُّ المآثمُومسك ختامه هذه الابيات له في الاقدام والمنازلة في معركة القادسية :لمَّا رأينا خَيلاً مُحـجَّلةًوقـوم َ بَـغيٍ في جَحفَلٍ لَجِبِطِرنا إِليهم بـكلِّ سَلهَبَةٍ وكـلِّ صـافي الأديمِ كالذهبِوكُلِّ عَرَّاصَةٍ مُثـقَّـفةٍفيها سِنـان كـشُعـلَةِ اللّهَبِوكُلِّ عَضبٍ في متنهِ أثَرٌ ومَشرَفِّي كالمِلـحِ ذي شُـطَبِوكلِّ فَضفَاضَةٍ مُضَاعَـفَةٍ منِ نَسج داودَ غيْـر مؤتشَبِلما التقينا ماتَ الكلامُ ودارَ الموتُ دورَ الرَّحى على القُطُبِفكُلُّن ا يَستَلـيصُ صاحبَهُ عـن نفسه، والنفوسُ في كُرَبِإن حَمَلوا لم نَرمِ مواضِعَنا وإن حَـملنا جثوا على الرُّكَبِفالح نصيف الحجيةالكيلانيا لعراق- ديالى - بلدروز****************** ********************