دمشق في القلب للشيخ علي الطنطاوي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: دمشق في القلب للشيخ علي الطنطاوي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,952

    افتراضي دمشق في القلب للشيخ علي الطنطاوي

    دمشق في القلب
    للشيخ علي الطنطاوي

    دمشق ... وهل توصف دمشق ... هل تصور الجنة لمن لم يرها ... كيف أصفها وهي دنيا من
    أحلام الحب وأمجاد البطولة وروائع الخلود .. من يكتب عنها وهي من جنات الخلد الباقية ...
    بقلم من اقلام الأرض فان ...

    دمشق التي يحضنها الجبل الأشم الرابض بين الصخر والجبل المترفع عن الأرض ترفع البطولة
    العبقرية . الخاضع أمام السماء خضوع الإيمان الصادق .

    دمشق التى تعانقها الغوطة الأم الرؤوم الساهرة أبدا . تصغي إلى مناجاة السواقي الهائمة في مرابع الفتنة وقهقهة الجداول المنتشية من رحيق بردى ... الراكضة دائما نحو مطلع الشمس ...

    دمشق التي تحرسها الربوة ذات الشاذراوان وهي خاشعة في محرابها الصخري تسبح الله وتحمده على أن أعطاها نصف الجمال حين قسم في بقاع الأرض كلها النصف الثاني ....

    دمشق أقدم مدن الأرض قدما وأكبرها سنا وأرسخها في الحضارة قدما كانت عامرة قبل أن تولد بغداد والقاهرة وباريس ولندن وقبل أن تنشأ الأهرام وينحت من الصخر وجه أب الهول وبقيت عامرة بعدما مات أترابها واندثرت منهن الآثار وفيها تراكم تراث الأعصار ....

    وإلى أهلها اليوم انتقلت مزايا كل من سكنها من سالف الدهر ففي نفوسهم من السجايا مثل ما في أرضها من آثار التمدن وبقايا الماضي طبقات بعضها فوق بعض فالحضارة تجري في عروقهم مع الدماء وهم ورثتها وحاملوا رايتها وهي فيهم طبع وسجية ولقد تكون في غيرهم طبعا وتكلفا

    فأي مدينة جمع الله لها من جمال الفتوة وجلال الشيخوخة كالذي جمع لدمشق ...

    واصعد جبل دمشق حتى تبلغ قبة النصر التي بناها برقوق سنة 877 للهجرة ذكرى انتصاره على سوار بك (( هدمها المستعمرون في الحرب الثانية وكانت رمز دمشق أما القبة الثانية فقد بناها الأمير سيار الشجاعي وسميت باسمه )) ثم انظر وخبرني هل تعرف مدينة يجتمع منها في منظر واحد مثل ما يجتمع من دمشق للواقف عند قبة النصر ؟ انظر ترى البلد كله ما يغيب عنك منه شيء هاهنا قلب المدينة وفيه الجامع الذي لا يقوم على ظهر الأرض جامع مثله وها هي مناراتها التي تعد مئة وسبعين منارة ، منها عشرون من أعظم منارات العالم الإسلامي قد افتن بناتها في هندستها ونقشها فاختلفت منها الأشكال واتفقت في العظمة والجلال ... لا كمآذن بغداد التي لا يختلف شيء منها عن شيء فإذا ابصرت منها واحدة فكأنك أبصرتها جميعا يحف بذلك كله الغوطة الواسعة التي تبدو للناظر كأنها بحر من الخضرة قد نثرت فيه القرى التي تنيف عن العشرين عدا ... أكبرها (دوما) ذات الكروم ) وداريا)التي تفاخر بعنبها كل عنب في الأرض
    ( وحرستا) بلد الزيتون ومنبت الإمام محمد صاحب أبي حنيفة ( ومسرابا ) وهي حديقة ورد( وكفر سوسية ) وكفر بطنا والأشرفية وصحنايا والمآذن وهي ماثلة خلال الأشجار ووراء الغوطة سهول المزة عن اليمين وسهل القابون عن الشمال وبطاح من الأمام وسهول تمتد إلى الأفق حيث تغيب الجبال البعيدة في ضباب الصباح ووهج الظهيرة زصفرة الطفل وسواد الليل ....

    إنك تشمل هذا كله بنظرة منك واحدة وأنت قائم مكانك ... فأين يا صديقي ترى مثل هذا ..؟

    وبردى .... لما قدم شاعر العرب ومر على بردى وهو يمشي بين قصر أمية ودار البلدية مشية العاجز الهرم ، قال له صاحبه مستقلا بردى مستخفا به : أهذا الذي ملأت الدنيا مدحا له ؟ إنه ترعة من ترع النيل ؟ يظن صاحب شوقي أن النهر بكثرة مائه وبعد ضفتيه .. ما درى أن بردى هو الذي يجري في الوادي زاخرا متوثبا نشيطا .. لا الذي يجري في المرجة متهافتا كليلا . . . وانه هو الذي اطعم دمشق الخبز وهو الذي زرع بساتين الغوطة وهو الذي أنار دمشق بالكهرباء وسير فيها وفي غوطتيها (الترام( وإذا قال النيل لبردى أنت ساقية من سواقي قال قاسيون للمقطم أنت هضبة من هضابي . وانه هو الذي لا تضيع قطرة منه واحدة على حين يمر النيل على القاهرة مر الكرام ، يقرأ عليها السلام ، ثم يحمل خيره كله ليلقيه في البحر لا يمنح القاهرة منه إلا ما تأخذه بالمضخات والنواعير التي لا تسيل إلا بمال ... فمن رأى مثل بردى في
    بره بأرضه وكثرة خيراته نهرا ؟ من ذاق أطيب من مائه ؟ من أبصر اجمل من واديه ؟

    لقد علم بردى ابناءه الولع بالخضرة والظلال وحبب إليهم أفانين الجمال فصارت النزهة )السيران ) من مقومات الحياة في دمشق لا تحيا اسرة إلا بها ولا تستغني عنها فهي لهم كالغذاء .فهل يستغنى عن الغذاء ؟ لا يمكن أن يجيء يوم صائف من أيام الشتاء فتبقى دمشقية أو يبقى دمشقي في بيته لا يؤم ( المهاجرين ) حيث يجتمع على الشعاف والصخور وفي ظلال الآس الرجال والنساء على طهر وعفاف تدور أكواب الشاي الأخضر وتنطلق بالغناء الساحر أوتار الحناجر وتجري خيول السبق في ساحة الجريد ، ثم إذا جاء وقت الصلاة قاموا إليها فلا ترى إلا جماعات وأئمة (كتب هذا الكلام سنة 1934 م) ثم ينفض اجتماعهم عن طرب وفروسية وعبادة ... وتلك هي المثل الأعلى لأهل الشام ....
    وهل تمر امسية من أمسيات الصيف على دمشقي قاعد في دكانه أو قابع في بيته ؟ تعال انظر جماعتهم في قهوات شارع ( بغداد ) وفي كل قهوة مؤذنها (إي والله وإمامها ( وعلى ضفاف بردى عند صدر الباز وفي الميزان أجمل موضع في دمشق وأمامهم سماورات الشاي الصفر الرشيقة وفي ل حلقة مغنيها وليس مثل الشاميين في الولوع بالغناء فلا ينفرد الرجل بنفسه إلا غنى لها ، فالفلاح وهو نازل من قريته مع الفجر يغني والحوذي وهو يسوق عربته إلى ( جسر تورا ) أو إلى كيوان وأجير الخباز وهو يحمل المعجن على رأسه يغني ونداء الباعة كله غناء وشعر ..
    قف ساعة على ظهر الطريق واسمع ما ينادي به الباعة ترى عجبا لا شبيه له في البلاد قصائد من الشعر غير انها مرسلة القوافي ... وطرائف الغناء غير أنها محلولة القيود تمشي إلى القلوب طليقة حرة لا تسمي شيئا باسمه وإنما هي مجازات وكنايات عجب منها بعض من كتب عن دمشق من سياح الإفرنج فتسائل في كتاب عمن نظم للباعة هذه الأشعار الرقاق ...
    وتعال استمع هذا البائع وهو يتغنى بصوت يقطر عذوبة وحنانا (غزل البنات ياما غزلوك في الليالي .. يا غزل البنات) ويضغط على الليالي ويمد البنات ... هل يستطيع القارئ ان يحزرماذا يبيع المنادي ... لا لن أقول فتعالوا إلى دمشق لتأكلوا غزل البنات ..... وهذا بائع ينادي بكلمة واحدة لا يزيد عليها (الله كريم) هل يقع في حسابك انه يبيع الخس ... وأن (يا مهون ياكريم) نداء بائع الكعك عند الصباح ...
    أولا يطربك ويثير سواكن اشجانك بائع العنب حين تدنو أواخره فينادي بصوت حزين ( هدوا خيامك .. وراحت أيامك .. ما بقي بالكرم غير الحطب يا عنب ... ودّع والوداع لسنة يا عنب ) ألا تحس أنه يودع حبيبا له وبائع العسل (أي الشمندر) وقد أوقد ناره في الصباح البارد وضع حلته و صف رؤوس الشمندر الأحمر ونادى في أيام الشتاء (بردان ! تعال صوبي .. بردان ... انا بياع العسل ) ألا يحبب إليك أكل العسل ...واسمع العجب في نداء بائع الملفوف (اليخنا) ( يخنا واطبخ ، والجارية بتنفخ ، والعبد ع الباب .. بقلع الكلاب) وبائع الحمص المسلوق (بليلة بلبوك وسبع جوار خدموك ... يا بليلة) وبائع الزعرور(أبيض أحمر يا زعبوب .. تمر محني يا زعبوب ... البزر بن يا زعبوب)
    واستمع إلى الشعر والخيال في نداء بائع الجرادق (ياما رماك الهوى وقلبي انكوى يا ناعم) وبائع التين ( دابل وعلى دبالك ياعيون الحبيب ومن دباله يمشي لحاله) وبائع البذنجان (اسود ومن سواده هرب الناطور) الا تعجبك صورة الناطور وقد هرب من سواد الباذنجان ..

    وهذا كله من ولع الشاميين بالغناء وإقبالهم عليه حتى انعقد اجماع فقهاء الذوق فيهم على أنه لا يصح اجتماع أو سمر إلا بالغناء .. وإذا سها عنه ساه فكفارته إطعام عشرة أصدقاء صدر كنافة شامية أو صدر( كل و اشكر) أو غير ذلك من الحلويات التي لا يخالف أحد ان دمشق أبرع مدينة في صنعها ...

    والدمشقيون اكرم الناس ، واشدهم عطفا على الغريب وحبا له فهم يؤثرونه على الأهل والولد ومدينتهم من أنظف المدن لتدفق مائها وكثرة أنهارها ، ووصولها إلى الأحياء كلها ودخولها البرك في الدور حتى لا يخلو حي من نهر ... فنهر يزيد يسقي الصالحية ونهر تورا يسقي العقيبة وسوق صاروجا وباناس يسقي القميرية وقنوات يسقي حي القنوات وقد أخذت ماء عين الفيجة وهي من اصفى العيون وأعذبها تنبع من جبل على عشرين كيلا من دمشق فسيرت مياهها في بطون الجبال حتى أبلغت دمشق فأدخلت دورها فشرب منها الناس أعذب ماء وابرده

    والشاميون مولعون بالنظافة والطهارة حتى أنه ليعد من اكبر عيوب المراة ألا تغسل أرض دارها كل يوم
    مرة او مرتين بالماء غسلا وتمسح جدرانه وزجاجه على رحب الدور الشامية واتساع صحونها وكثرة مرمرها ورخامه ، وادخل المساجد تر بلاطها يلمع كالمرايا ويحبب الصلاة إلى من ليس من اهلها وعرج على المطاعم تبصر الأطعمة مصفوفة أمامك في القدور الصغار النظاف بأناقة تجيع الشبعان وأناقة تطمئن إليها نفس الموسوِس( بصيغة الفاعل) أما ألوان الطعام في الشام فلا يضاهيها شيء في غيرها .. وما أكل الغريب في دمشق حلوا او حامضا ولا حارا ولا باردا إلا استطابه وفضله على طعام بلده ... ما استطاب الشامي في غير بلده طعاما قط وخير مطاعم مصر والعراق وألذها طعاما وأحسنها نظاما ما كان صاحبه شاميا او على مذهب اهل الشام ...

    ثم إن خدم المطاعم والقائمين عليها طيعون اذكياء وهم يدركون باللمحة السريعة ويفهمون بالإشارة الخفية ....
    وفي دمشق النعيم المقيم وليست تخلو من ثمر قط لا في الصيف ولا في الشتاء أما جودة ثمارها فاجود من أن تذكر وفيها من العنب ما يزيد على خمسين نوعا ومن التفاح ما ينيف عن الثلاثين ومن المشمش تسعة انواع ومن التين قريب من ذلك ومن الدراق والكمثرى والتوت الشامي والجوز واللوز ما لا يوجد مثله في غيرها .....
    وفيها كلية الطب العربية ولأساتذتها فضل كبير على ما وضع من المصلحات العلمية في لغة العرب وفيها أنشء اول مجمع علمي عربي وفي الشام كثير من الآثار الباقية : كالقلعة والسور والمدارس والمساجد والمارستانات والربط والخانات .. وفيها مدافن كثيرين من اعلام الإسلام في السياسة والأدب والعلم والتصوف وفي مكتبتها الظاهرية نوادر المخطوطات حتى أنها لتعد أغنى الخزائن الإسلامية بكتب الحديث
    وفي المكتبات الخاصة مخطوطات فريدة ودمشق زاخرة بالعلماء في كل فن وعلم ....

    فأي مزاياك يا دمشق أذكر وفيك الدين وأنت الدنيا وعندك الجمال وعندك الجلال وأنت ديار المجد وأنت ديار الوجد جمعت عظمة الماضي وروعة الحاضر ....
    لا ليس هذا الكتاب صورة كاملة ولكنه خطوط فيها ملامح دمشق.....
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً
    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: دمشق في القلب للشيخ علي الطنطاوي

    جزاك الله خيراً على هذا النقل الطيب.
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •