دعوى تلقي صوفية حضرموت عن الله تعالى مباشرة



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول لله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فأصل هذا الموضوع مستفاد من كتاب "الصوفية في حضرموت" للشيخ أمين السعدي حفظه الله (ص236-239) وأضفت إليه بعض الفوائد والوثائق من كتاب "سياحة في التصوف الحضرمي" للشيخ أكرم عصبان وكتاب "تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي" للشيخ محمد أحمد لوح وكتاب "الردود العلمية في دحض حج وأباطيل الصوفية" للشيخ محمد بن أحمد الجوير وغيرها من المصادر.


دعوى تلقي صوفية حضرموت عن الله تعالى مباشرة

لم تسلك صوفية حضرموت مسلك سلف الأمة في تلقي علوم الشرع، وابتعدوا عن المذهب النقي، فاعتمدوا مسالك ومشارب مخالفة للحق، بل بلغ بهم الانحراف إلى تركهم التلقي من الكتاب والسنة، وادعوا الأخذ مباشرة من رب العزة جل وعلا، وقد قرر هذه العقيدة المنحرفة كبار علمائهم كأبي بكر بن سالم العلوي – الملقب عندهم بفخر الوجود – فقد جاء في كتاب "الجواهر في مناقب الشيخ أبي بكر تاج الأكابر" (1/62) أنه قال: ( ونحن نقول والله أعلم: علمنا من قوله: ( وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) ( الكهف: 65 ) . وهم أخذوا العلم ميتاً عن ميت ونحن أخذنا علمنا من الله عز وجل الحي الذي لا يموت ) .
هكذا يقرر هذا الرجل هذه العقيدة، متنقصاً علم الإسناد، الذي قال فيه ابن المبارك: ( الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء )[1] ، ويظن القوم أنهم بذلك قد بلغوا الغاية التي لم يبلغها سلف الأمة، وهو أخذهم عن الله تعالى مباشرة.
والاستشهاد بالآية في تقرير العلم اللدني عند الصوفية استشهاد باطل، لأن الله عز وجل قال : ( فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (الكهف:65) . فالرحمة التي أتاه الله إياها هي الوحي كما فسره به جماهير العلماء[2].
وقول الخضر في آخر القصة : ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) ( الكهف: من الآية82 ) دليل صريح على نبوته، وقد قال القرطبي عنه في "تفسيره" (11/39) : ( يدل على نبوته وأنه يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أوحى إلى الأنبياء عليهم السلام غير أنه ليس برسول ) .
وقال ابن كثير في "تفسيره" (3/162) : ( ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) أي لكنني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام ) .
وقال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (2/115-116) و"الزهر" (ص22-23) : ( وهذا ظاهره أنه فعله بأمر الله والأصل عدم الواسطة، ويحتمل أن يكون بواسطة نبي آخر لم يذكره، وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن ذلك لا يكون من غير النبي وحياً حتى يعمل به ما عمل من قتل النفس وتعريض الأنفس للغرق، فإن قلنا: إنه نبي فلا إنكار في ذلك ) .
واستدل به أيضاً في "الفتح" (1/265) فقال: ( وينبغي اعتقاد كونه نبياً لئلا يتذرع بذلك أهل الباطل في دعواهم أن الولي أفضل من النبي حاشا وكلا ) .
وقال أبو حيان في تفسيره "البحر المحيط" (6/156) : ( وما فعلته أي ما رأيت من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار عن اجتهاد مني ورأي وإنما فعلته بأمر الله، وهذا يدل على أنه نبي أوحي إليه ) .

فمن هذه النصوص يتضح أن العلم اللدني الذي آتاه الله تعالى للخضر عليه السلام من رحمة الله تعالى وفضله لهذا العبد الصالح، وهو علم من عند الله، فهل يزعم صوفية حضرموت أنه يوحى إليهم، وتحصيلهم العلوم كالعلم الذي أعطاه الله للخضر عليه السلام؟.
ومن نصوصهم في ذلك ما جاء في كتاب "تذكير الناس" (ص25) : ( وسُئل أحمد الرملي عن مسألة وهو راكب على بغلته، فأطرق، وطأطأ رأسه إلى الأرض والتفت يمنة ويسرة ثم رفع رأسه وأجاب السائل. فسأله ذلك السائل عما صنع، فقال له: إنك لما سألتني لم يكن لي علم بها، فتصفحت كتب المشرق والمغرب فلم أظفر بها ثم نظرت اللوح المحفوظ فلم أجدها، ثم أخبرني قلبي عن ربي، أو قال نزل بها ملك ) .


هكذا ينقل القوم هذا الكلام عن الرملي، وينسبونه إليه – والله أعلم – هل قال ذلك أم لا ؟ والذي يهمنا هو تقرير القوم لمثل هذا الاعتقاد المنحرف، حيث يرون أن بعضهم يتلقى الفتوى عما يسأل عنه إما بالنظر إلى اللوح المحفوظ، أو تحديث قلوبهم عن الله تعالى مباشرة، أو قد ينزل ملك بالجواب عن تلك المسألة.
والشاهد قوله: أخبرني قلبي عن ربي.

ويقول الشيخ أبوبكر المشهور العدني في كتابه "الإمام الشيخ عمر المحضار" (23-24) : ( قال صاحب "الجوهر الشفاف" عن الشيخ عمر المحضار : ( ... فكان من غزارة علمه يقصده الفقهاء يتعنتونه بما يلقي إليهم من نوادر العلوم الشرعية ولوامع الأبكار اللدنية، ويحضرون كثيراً عند عقد مجلسه ويتبركون بزيارته ويستفيدون كثيراً من علومه ويسألونه عن المسائل الفقهية الدقيقة فيجيبهم بالأجوبة الغريبة الفائقة اللطيفة والعبارات الرائقة، منها ما يفهمونها ومنها ما تكل أفهامهم عن معرفتها، ويسألهم عن مسائل فمنها ما يفهمون جوابها ومنها ما يعجزون عنه، فيقولون له: يا شيخ، نحن قد قرأنا في كتب كثيرة، ولم نطلع على هذه العلوم التي تذكرها، وأنت لم نراك تطالع في شئ من الكتب، فمن أين لك هذه العلوم ؟ !، فقال : أنتم معكم مفاتيح، فما تدخلون البيوت إلا من أبوابها، وأما نحن فنتسور الجدرات ) اهـ .
ويقصد بذلك أن علمكم مقيد بنصوص الكتب وتقليد أهلها، حتى في الإشكالات ، أما نحن فعلمنا علماً لدنياً، من جنس الحكمة التي قال الله تعالى فيها: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) .
ويؤيد هذا – وما زال الكلام لأبي بكر المشهور العدني - ما أورده أيضا "الجوهر الشفاف" (2/188) قال : ( وحضر مجلسه يوما الفقيه العلامة الزاهد العالم الكامل الذكي الوفي محمد بن حكم بن أبي قشير- رضي الله عنه -، فتكلم الشيخ بالعلوم اللدنية، وعبر عما تكلم فيه بالعبارات اللطيفة والمعاني الدقيقة، حتى أبهر الفقيه ذلك، فقال له: يا شيخ عمر، نحن نقرأ في الكتب ولم نطلع على شيء من هذا، وأنت لم تقرأ في شيء منهن، فمن أين لك هذا ؟، فقال : هذا جينا به من فوق ) ) !! اهـ.

وقال عبد القادر العيدروس عن محمد مولى الدويلة أنه كان: ( أمياً، فإن الشيخ ما نقل عنه أنه اشتغل بتحصيل العلم ولا قرأ شيئاً من الكتب ) "المشرع الروي" (1/201) .
كما جاء في ترجمته : ( أنه أراد أن يؤم القوم في مسجد بني علوي المشهور فمنعوه وقالوا له: أنت بدوي ولا تصلح للإمامة، فلما صلوا جلس يتكلم على سورة من القرآن بكلام عظيم، فعلموا أن هذا من العلم الوهبي ) .
وذكروا عنه – أي محمد مولى الدويلة - ( إذا ورد عليه حال تكلم على مسائل في الشريعة والحقيقة وخاض من العلوم في بحار عميقة ) "المشرع الروي" (1/200) .

بل يتمادون في غيهم ويذهبون إلى أكثر من ذلك حتى يعتقدوا منازلة الله لهم وكلامه لهم وهم في الدنيا – تعالى الله وتقدس عن قولهم علواً كبيراً -.
فقد جاء في كتاب "تذكير الناس" (ص217) : عند ذكر عبد الله بن حسين بن طاهر[3] وذكر خلوته المعدة للعبادة: وكانت له خلوة يعين له فيها مجلساً خاصاً ، ويحذر أهله وغيرهم من الدخول عليه بغير إذن، فجاء الحبيب عبد الله بن عمر بن يحيى ففتح الخلوة عليه، فوجده مالي الخلوة فرجع ثم بعد خروجه أخبره بما رآه منه وسأله عن حالته تلك، فعاتبه وقال: كيف وأنا حذرتكم من الدخول عليّ ؟
فقال له: قد وقعنا فيها، وأخبرني بما جرى لك فقال:كنت في تلك الساعة في حضرة الله ونازلني وقال لي: يا عبد الله لك عليّ ما شئت فقلت: يا رب أسألك أن تشفعني في أهل بيتي فقال: شفعتك فيهم فقلت: يا رب لي أصحاب وأحباب متعلِّقون بي أسالك أن تشفعني فيهم فقال: شفعتك فيهم فقلت له: ومن يحضر مجالسي من أهل البلد ونواحيها فقال: قد شفعتك فيهم، فقلت له: وأهل حضرموت ومن سمع بي واعتقد فيّ فقال: قد شفعتك فيهم فقلت: يا رب ولِمَ لا تشفعني في أهل عصري كلهم؟ فقال: قد شفعتك فيهم ) .

وذكر هذا الكلام فقط يبين ضلال قائله وبعده عن الحق والهدى، وضلال من أقر مثل هذا الكلام المنحرف ولكن القوم ألغوا عقولهم فدونوا مثل هذه الخرافات في كتبهم، وجعلوها من المناقب التي يفتخرون بها.

وهذا مقطع للشيخ الصوفي أبوبكر عمر الهدار يقول فيه أن الشيخ أبوبكر بن سالم كانت تأتيه أشياء من فوق وأنه أخذ علمه من الله الحي الذي لا يموت !!

وهذا مقطع للشيخ الصوفي أبو بكر المشهور العدني يتحدث فيه عن العلم اللدني :


قال الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس في أثناء رده على الطائفة التجانية حول إيمانهم بحصول العلم اللدنيِّ لمشايخهم بالترقِّي في الطريقة:
( هذا الكلام -في حقيقته- ينبئ عن صفةٍ ذميمةٍ هي ( كذب الحال )، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ( المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ) رواه البخاري ومسلم، فقد جمع فيه أصحاب الطريقة بين ادِّعاء العلم وادِّعاء الأفضلية على العلماء، حيث زعموا أنه يحصل لهم ما يحصل للعلماء دون واسطةٍ أو كدٍّ أو طلبٍ، فقد جاء التحديد النبويُّ لطريق العلم الشرعي محصورًا بالتعلُّم، فلا سبيل للحصول عليه والوصول إليه إلاَّ بالتعلُّم الذي يقتضي بَذْلَ الجهد في طلبه وتحصيله، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ( إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَه )[4] ، ثمَّ إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم جعل طلب العلم فريضةً على كلِّ مسلمٍ يسعى إليه ويسلكه لتحصيله، قال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ( طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ )[5] ، وقال عليه الصلاة والسلام: ( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ )[6] .

أمَّا الآية في قوله تعالى: ( وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ )، فإنَّ الواو ليست عاطفةً وإنما هي للاستئناف كما ذكر ابن جريرٍ الطبري، وإن سلَّمْنا -جدلاً- أنها للعطف فإنَّ معناها أنَّ من اتَّقى الله وطلب العلم النافع أورثه الله فَهْمًا يَعرف به الحقَّ والباطل[7]، فبالعلم تحصل التقوى فهو سابقٌ عليها، فالتقوى ثمرة العلم النافع والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) ( فاطر: ٢٨ )، غير أنَّ التيجانيِّين جعلوا الأمر معكوسًا، فصار العلم -عندهم- ثمرةً للتقوى، ناهيك عن نوع تقواهم التي جعلوها مسلكًا لهم.

والمتأمِّل في هذا الكلام يلمس أنَّ حقيقته اعتماد المواجيد والأذواق والخواطر من غير وزنها بميزان الشرع، فجعلوها أصلاً سابقًا لِما سواه، وقدَّموها على الشرعيات حالَ التعارض.
قال ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٣٠٨) : ( فالمتكلِّمة جعلوا بإزاء الشرعيَّات العقليات أو الكلاميات، والمتصوِّفة جعلوا بإزائها الذوقيات والحقائق، والمتفلسفة جعلوا بإزاء الشريعة الفلسفة، والملوك جعلوا بإزاء الشريعة السياسة، وأمَّا الفقهاء والعامَّة فيخرجون عمَّا هو عندهم الشريعةُ إلى بعض هذه الأمور، أو يجعلون بإزائها العادة أو المذهب أو الرأي. والتحقيق: أنَّ الشريعة التي بعث الله بها محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم جامعةٌ لمصالح الدنيا والآخرة، وهذه الأشياء ما خالف الشريعة منها فهو باطلٌ وما وافقها منها فهو حقٌّ ) .

فالمكاشَف الحقُّ من يَزِنُ مكاشفاته بالكتاب والسنَّة، إذ لا عصمة للمكاشفات والخطابات ونحوها من الأحوال ولا دليل يدلُّ عليها، وغير المعصوم لا ثِقَةَ بخواطره لأنه لا يأمن وسوسة الشيطان[8].

وحسْبُنا من ذلك أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه الذي كان ملهمًا بالصواب وينطق الحقُّ على لسانه، وأهل المكاشفات والمحادثات والإلهامات من هذه الأمَّة هم دون عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ببونٍ شاسعٍ، مع ذلك كان رضي الله عنه يحتاج إلى عرض ما قُذف في قلبه وانقدح في خاطره على الكتاب والسنَّة، فما وافقهما قبلَه وما خالفهما ردَّه، ولذلك كان يعارضه الصحابةُ رضي الله عنهم ولا يحتجُّ عليهم بما أُلقي في نفسه من إلهامٍ، أو يقابل اعتراضهم بكونه محدَّثًا، ولا أدلَّ على ذلك ممَّا وقع منه في الحديبية وعند وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابن تيمية -رحمه الله-: ( فإنَّ مرتبة الصدِّيق فوق مرتبة المحدَّث، لأنَّ الصدِّيق يتلقَّى عن الرسول المعصوم كلَّ ما يقوله ويفعله، والمحدَّث يأخذ عن قلبه أشياء، وقلبُه ليس بمعصومٍ فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يشاور الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور وينازعونه في أشياء، فيحتجُّ عليهم ويحتجُّون عليه بالكتاب والسنَّة ويقرِّرهم على منازعته ولا يقول لهم: أنا محدَّثٌ مُلْهَمٌ مخاطَبٌ فينبغي لكم أن تقبلوا منِّي ولا تعارضوني، فأيُّ أحدٍ ادَّعى أو ادَّعى له أصحابه أنه وليُّ لله وأنه مخاطَبٌ يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كلَّ ما يقوله ولا يعارضوه ويسلِّموا له حالَه من غير اعتبارٍ بالكتاب والسنَّة فهو وهُمْ مخطئون، ومثل هذا من أضلِّ الناس ) [9].

أمَّا الاستحسان المجرَّد عن الأدلَّة الشرعية فلا يُلتفت إليه فضلاً عن جعله مرجعًا وأصلاً تُبنى عليه العقائد والأحكام، إذ الناس متفاوتون في أذواقهم كتفاوُتهم في عقولهم وإدراكاتهم، فما يستحسنه أحدهم قد يستقبحه آخر، فإن لم يرجعوا إلى الكتاب والسنَّة في استحسانهم ضاع الدين بين أهوائهم وأذواقهم، وقد تجتمع كلمة طائفةٍ منهم على استحسان ما استقبحه الشرع وأجمعت الأمَّة على ردِّه، أو استقباح ما استحسنه الشرع، وذلك هو الضلال الذي ما بعده ضلالٌ.

قال ابن تيمية في "الاستقامة"(١/٣٩١) : ( ..فإنَّ مجرَّد الاستحسان بالذوق والوجدان إن لم يشهد له الكتاب والسنَّة وإلاَّ كان ضلالاً ) .

وسرُّ ذلك أنَّ الاستحسان الذي لا يشهد له الشرع ذريعةٌ إلى التشريع من دون الله، ولذلك قال الشافعي -رحمه الله- "الأمَّ"(٦/ ٢١٩) : ( من استحسن فقد شرع )، ومن المعلوم أنَّ الأُمَّة قاطبةً متَّفقةٌ على أنَّ الله سبحانه مُتفرِّدٌ بالتشريع، وهو من خصائص ربوبيته لا ينازعه في ذلك أحدٌ، كما جاء صريحًا في نصوصٍ كثيرةٍ منها: قوله تعالى: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) ( الأنعام: ٥٧ )، وقوله تعالى: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ( يوسف: ٤٠)، فلا حلال إلاَّ ما أحلَّه الله ولا حرام إلاَّ ما حرَّمه.

وإنَّ العبد مهما بلغ عبادةً وصلاحًا وتقوى فإنه لا يشارك الله في تشريعٍ لا في أمرٍ ولا نهيٍ، وليس لأحدٍ من العباد أن يقول: ( هذا سُنَّةٌ وهذا واجبٌ ) لشيءٍ لم يَرِدْ فيه دليلٌ من شرع الله، وإن فعل ذلك فقد نازع اللهَ في حقِّ الحاكمية وهو حقٌّ من حقوقه تعالى لا يجوز إلاَّ له، ومن فعل ذلك فقد أشبه النصارى الذين اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، قال تعالى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( التوبة: ٣١ ) .

ففي سنن الترمذي عن عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: ( أتيت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ، فقال : ( مَا هَذَا يَا عَدِيُّ؟ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ )، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) قال: ( أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ )[10] .

فالله وحده هو الذي يحرِّم ويحلِّل وما أحلَّه فهو الحلال وما حرَّمه فهو الحرام، وليس لأحدٍ مهما سما وبلغ أيُّ حقٍّ في التشريع، فالاعتماد على الكشف والإلهام ونحو ذلك من الأحوال بمعزلٍ عن الشرع هو من أصول الإلحاد، ومن اعتقد أنَّ للشيخ القدرة على تشريع أحكامٍ تضاهي الأحكام الإلهية فقد ضلَّ ضلالاً بعيدًا.

قال الشنقيطي -رحمه الله-: ( وبالجملة، فلا يخفى على من له إلمامٌ بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تُعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يُتقرَّب إليه به من فعلٍ وتركٍ إلاَّ عن طريق الوحي، فمن ادَّعى أنه غنيٌّ في الوصول إلى ما يرضي ربَّه عن الرسل وما جاءوا به ولو في مسألةٍ واحدةٍ فلا شكَّ في زندقته، والآيات والأحاديث الدالَّة على هذا لا تُحصى )[11] ) اهـ.

وقد اشتد إنكار الحافظ ابن حجر على حجة من زعم أن الأولياء يمتلكون علوما قد تخالف علوم الأنبياء فقال في حديث (هو أعلم منك) : ( ومن استدل بقصة الخضر على أن الولي يجوز أن يطلع من خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة ويجوز له فعله فقد ضل ) [12].

وقال العلامة ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص392-393) : ( وأما قوله أخذوا علمهم ميتاً عن ميت . أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنه ما يدري ما في ضمن هذا القول، وإلا فهذا طعن على الشريعة ) .

كما نقل العلامة ابن الجوزي في "تلبيس أبليس" (ص451) عن ابن عقيل أنه قال : ( ومن قال حدثني قلبي عن ربي فقد صرح أنه غني عن الرسول، ومن صرح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع، وما يؤمن هذا القائل: حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين فقد قال الله عز وجل: ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) ( الأنعام: من الآية121) وهذا هو الظاهر؛ لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقي في قلبه الذي لم تثبت حراسته من الوساوس ) .

هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1]مقدمة "صحيح الإمام مسلم" (ص25) برقم (7) .
[2] انظر "تفسير ابن كثير" (3/162) و "روح المعاني" (15/320) .
[3] هو عبد الله بن حسين بن طاهر العلوي: ولد بمدينة تريم سنة 1191 هـ ورحل إلى الحجاز ثم عاد إلى حضرموت واشتغل بالإصلاح الاجتماعي من مؤلفاته : "سلم التوفيق إلى محبة الله على التحقيق" في الفقه وغيره. و"صلة الأهل والأقربين بتعلم الدين". توفي سنة 1272 هـ. انظر: "تاريخ الشعراء الحضرميين" (3/162-171)؛ و"عقد اليواقيت" (1/102) .
[4] أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ١١٨)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وحسَّنه الألباني في "السلسة الصحيحة" (١/٦٧٠) .
[5] أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه. وهو في "صحيح الجامع" (٣٩١٣) .
[6] أخرجه الترمذي (٢٦٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو في "صحيح الجامع" (٦٢٩٨) .
[7] انظر: "تفسير القرطبي" (٣/ ٤٠٦) .
[8] انظر: "أضواء البيان" للشنقيطي (٤/ ١٥٩) .
[9] المصدر السابق (١١/ ٢٠٨) .
[10] أخرجه الترمذي في «تفسير القرآن» باب ومن سورة التوبة (٣٠٩٥)، وحسَّنه الألباني في "غاية المرام" (١٩)، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (٩/٧٣) .
[11] "أضواء البيان" للشنقيطي (٤/١٥٩) .
[12] "فتح الباري" (1/220-222) وله رسالة خاصة بعنوان "الزهر النضر في نبأ الخضر" .