عدالة الصحابة بين إنصاف السنة وإجحاف الشيعة. عامر الهوشان.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: عدالة الصحابة بين إنصاف السنة وإجحاف الشيعة. عامر الهوشان.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    Exclamation عدالة الصحابة بين إنصاف السنة وإجحاف الشيعة. عامر الهوشان.

    تكمن خطورة و أهمية موضوع عدالة الصحابة الكرام في كونه صمام الأمان للحفاظ على السنة النبوية الشريفة , المصدر الثاني للتشريع في الإسلام بعد القرآن الكريم , ومن هنا كان التركيز عليه بالطعن من قبل أعداء الإسلام لا ينقطع , فبعد استيئاسهم من جدوى طعنهم بالقرآن الكريم , نظرا لحفظ الله تعالى له من التحريف والتبديل , لم يبق لهم إلا أن يطعنوا بالسنة النبوية الشريفة , وطريقهم الخبيث لذلك , هو الطعن بعدالة الصحابة الكرام , الجيل الأول الذي نقل إلينا سنة النبي صلى الله عليه وسلم , فإذا شككوا في عدالتهم فقد شككوا في الوسيلة التي وصلت السنة بها إلينا , وإذا سقطت الوسيلة أصبحت السنة بلا أصل تعتمد عليه , فتسقط تبعا لذلك.
    لقد كانت هذه الوسيلة طريقة أعداء الإسلام من غلاة المبتدعة الرافضة , وكذلك الخوارج والمعتزلة والزنادقة , ومن لف لفهم من المستشرقين واليهود والنصارى , في الطعن والنيل من السنة النبوية الشريفة .

    وقديما صرح بذلك أحد الزنادقة فيما رواه الخطيب البغدادي فى تاريخه عن أبى داود السجستانى قال : ( لما جاء هارون الرشيد بشاكر - رأس الزنادقة ليضرب عنقه - قال : أخبرنى ، لم تعلمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض - أى الطعن فى الصحابة - ؟ قال : إنا نريد الطعن على الناقلة ، فإذا بطلت الناقلة ؛ أوشك أن نبطل المنقول – أي السنة النبوية التي ينقلونها - ) (1)

    إن أعداء الإسلام يعلمون تمام العلم , أن الصحابة هم حجر الزاوية في بناء الأمة , ومفتاح الوصول إلى القرآن والسنة , فعنهم تلقت الأمة القرآن الكريم وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم , فالغض من شأنهم والتحقير لهم طريقهم الوحيد للطعن في هذا الدين , ووسيلتهم لتقويض دعائم الشريعة , فضلا عن أنه تجريح وقدح فيمن جاء مدحهم في القرآن الكريم بقوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } آل عمران / 110

    لذلك عنى علماء الإسلام قديما وحديثا , بالدفاع عن عدالة الصحابة ، لأنه - كما رأيت - دفاع عن الإسلام ، ولم يكن ذلك الدفاع نزوة هوى ، ولا عصبية ؛ بل كان نتيجة لدراسات تحليلية , وأبحاث تاريخية ، وتحقيقات بارعة واسعة ، عرضتهم على أدق موازين الرجال ؛ مما تباهى به الأمة الإسلامية كافة الأمم والأجيال .

    تعريف الصحابة عند أهل السنة والشيعة

    كلمة الصحابة مشتقة من الصحبة كما هو معلوم في اللغة العربية , فكل شيء لازم شيئا فقد صحبه , ولا خلاف بين أهل اللغة أن ذلك جار على كل من صحب غيره قليلا أو كثيرا , فيقال : صحبت فلانا حولا ودهرا وسنة وشهرا ويوما وساعة , فيقع اسم المصاحبة بقليله وكثيره . (2)

    وقد أكد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر بقوله : والأصحاب جمع صاحب , والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه , وذلك يقع على قليل الصحبة وكثيرها .(3)

    وأما اصطلاحا فقد كثرت تعريفات الصحابة , ولكن التعريف المعتمد هو ما قرره ابن حجر ووافقه عليه جمهور العلماء بقوله : وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام . (4)

    ومن خلال التعريف اللغوي والاصطلاحي , نلحظ ذلك التوافق بين اللغة التي وسعت من مفهوم الصحبة , وبين التعريف الاصطلاحي عند علماء الحديث والأصول وجمهور علماء أهل السنة والجماعة , بينما نلحظ اضطرابا وتناقضا عند الشيعة في تعريف الصحابة , حيث لا يجد الباحث تعريفا واضحا وصريحا يلتزمون به , كما هو الأمر عند أهل السنة والجماعة .

    فتارة يشترطون طول الصحبة والملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم دون تحديد فترة معينة لهذه الصحبة , وتارة يشترطون السيرة العطرة إلى حين مماته , دون تحديد معنى السيرة العطرة , وتارة يشترطون كونه منتجبا , ويتهمون التعريف السني للصحابة بأنه مبسط وواسع لغاية سياسية , كما ادعى ذلك الشيخ السبحاني بقوله : ولا يخفى أن التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم – أهل السنة – مما لا تساعده اللغة والعرف العام , فلا تصدق على من ليس له حظ من الرؤية عن بعيد أو سماع الكلام أو المحادثة فترة يسيرة , وأظن أن في هذا التبسيط والتوسع غاية سياسية , فأرادوا بهذا التبسيط صرف النصوص الواردة في ردة ثلة من الصحابة . (5)

    وهنا تكمن الطامة الكبرى في تعريف الصحابة الكرام عند الشيعة , فهم لا يعترفون بالصحابة الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حسب زعمهم , وبالتالي فإن الذين لم يرتدوا – بزعمهم – قلة قليلة جدا , تصل في إحدى رواياتهم إلى ثلاثة فقط , كما جاء في رواية الكليني في الفروع , عن أبي جعفر عليه السلام : كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة , فقلت من الثلاثة ؟ فقال : المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي ) (6)

    ومن جانب آخر يزعمون أن هناك غير هؤلاء الثلاثة صحابة منتجبون كأمثال : عمار بن ياسر وجابر بن عبد الله وحجر بن عدي وهاشم بن عتبة وخزيمة بن ثابت , وغيرهم ممن يختارونهم بغير منهج محدد أو ضابط معتبر .

    عدالة الصحابة بين أهل السنة والشيعة
    العدالة في اللغة بمعنى الاستقامة وهي ضد الجور , وأما اصطلاحا فهي : ملكة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة , وليس المقصود بالعدل أن يكون برئا من الذنب , وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين والتحري في فعل الطاعات . (7)

    فمعنى عدالة الصحابة عند أهل السنة والجماعة : أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما اتصفوا به من قوة الإيمان ، والتزام التقوى والمروءة ، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور , وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط , فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم .


    ومما ينبغى أن يعلم أن الذين قارفوا إثما ثم حدوا - كان ذلك كفارة لهم - وتابوا وحسنت توبتهم ، وهم فى نفس الوقت قلة نادرة جدا ؛ لا ينبغى أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المؤلفة من الصحابة الكرام , الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم ، وجانبوا المآثم والمعاصى ما كبر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن ، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا . (8)


    ويؤكد ذلك الإمام الأبياري بقوله : وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم ، واستحالة المعصية عليهم ، وإنما المراد : قبول روايتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية ، إلا أن يثبت ارتكاب قادح ، ولم يثبت ذلك ولله الحمد ! فنحن على استصحاب ما كانوا عليه فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى يثبت خلافه ، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح ، وما صح فله تأويل صحيح . (9)

    ولكن الشيعة الرافضة أنكروا عدالة الصحابة جملة وتفصيلا , وزعموا أن حكم الصحابة من حيث العدالة كحكم غيرهم , ليس لهم مزية على غيرهم – فهم على حد زعمهم - قوم من الناس لهم ما للناس وعليهم ما على الناس .

    قال المجلسي – شيخ الدولة الصفوية ومرجع الشيعة المعاصرين- في معرض حديثه عن عدالة الصحابة , بعد أن ذكر قول أهل السنة فيها : ( وذهبت الإمامية إلى أنهم – أي الصحابة - كسائر الناس , فيهم العادل وفيهم المنافق والفاسق الضال , بل كان أكثرهم كذلك ) (10)

    وقال الشيرازي – من الشيعة - : ( حكم الصحابة عندنا في العدالة حكم غيرهم , ولا يتحتم الحكم بالإيمان والعدالة بمجرد الصحبة , ولا يحصل بها النجاة من عقاب النار وغضب الجبار , إلا أن يكون مع يقين الإيمان وخلوص الجنان , فمن علمنا عدالته وإيمانه وحفظه وصية رسول الله في أهل بيته , وأنه مات على ذلك كسلمان وأبي ذر وعمار , واليناه وتقربنا إلى الله بحبه , ومن علمنا أنه انقلب على عقبه وأظهر العداوة لأهل البيت عاديناه لله تعالى وتبرأنا إلى الله منه ) (11)

    وقال التستري الشيعي : ( الصحابي كغيره لا يثبت إيمانه إلا بحجة ) وقال في موضع آخر : ( ليس كل صحابي عدلا مقبولا )(12)

    وقد تكلم الكاشاني – من مفسري الشيعة - في مقدمة كتابه , عن أخذ الناس من تفاسير الصحابة لآيات القرآن فقال : ( إن هؤلاء الناس لم يكن لهم معرفة حقيقة بأحوالهم – يعني بأحوال الصحابة - لما تقرر عنهم أن الصحابة كلهم عدول , ولم يكن لأحد منهم عن الحق عدول , ولم يعلموا أن أكثرهم كانوا يبطنون النفاق ويجترئون على الله ويفترون على رسول الله في عزة وشقاق ) (13)


    وبين الزنجاني – من الشيعة المعاصرين - موقف الشيعة من عدالة الصحابة فقال : ( قول الشيعة في الصحابة أنهم كغيرهم من الرجال فيهم العدول من الرجال والفساق... ) (14)
    ونقل المامقاني – من علماء الرجال عند الشيعة - إجماع الإمامية على ذلك فقال : ( قد اتفق أصحابنا الإمامية على أن صحبة النبي بنفسها وبمجردها لا تستلزم عدالة المتصف بها ولا حسن حاله , وأن حال الصحابي حال من لم يدرك الصحبة في توقف قبول خبره على ثبوت عدالته أو وثاقته أو حسن حاله ومدحه المعتد به مع إيمانه ) (15).

    وممن نقل إجماع الشيعة الإمامية على إنكار عدالة الصحابة :(محمد جواد مغنية ) وهو من الشيعة المعاصرين , حيث قال : ( قال الإمامية : إن الصحابة كغيرهم فيهم الطيب والخبيث والعادل والفاسق ) (16) إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التي ذكرها الشيعة منكرين من خلالها عدالة الصحابة رضي الله عنهم .
    أدلة عدالاة الصحابة عند أهل السنة

    إن العدالة الصحابة الكرام ليست منحة من أحد حتى يتحكم بإعطائها لهم أو لا , بل هي ثابتة لهم جميعا بنص الكتاب العزيز, والسنة الشريفة , سواء منهم من تقدم إسلامه ومن تأخر، ومن هاجر ومن لم يهاجر، ومن اشترك فى الغزوات ومن لم يشترك ، ومن لابس الفتنة ومن لم يلابسها .


    من القرآن الكريم : قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ...} البقرة / 143 , وجه الاستدلال ان وسطا تعني (عدولا خيارا) وهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة , واللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد به الخصوص . (17)


    وقال تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } آل عمران 110 , أثبتت الآية الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها , وأول من يدخل بهذه الخيرية المخاطبون بالآية مباشرة عند النزول , وهم الصحابة الكرام بلا شك , مما يقتضي بذلك استقامتهم وعدالتهم , فمن البعيد أن يصفهم الله تعالى بكونهم خير أمة , ولا يكونوا أهل عدل واستقامة . (18)


    وأما من السنة النبوية الشريفة : فالأحاديث في عدالة الصحابة وبيان فضلهم ومكانتهم أكثر من أن يحصى , ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) (19), ففى هذا الحديث أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ، ولا ضعيف إذ لو كان فيهم أحد غير عدل ، لاستثني فى قوله صلى الله عليه وسلم ولقال : ( ألا ليبلغ فلان منكم الغائب ) فلما أجملهم فى الذكر بالأمر بالتبليغ لمن بعدهم، دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا .

    ويقول صلى الله عليه وسلم ( خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِيَنهُ ويَميِنُهُ شَهَادَتَهُ ) (20) , وهذه الشهادة بالخيرية مؤكدة لشهادة رب العزة سبحانه بقوله : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}آل عمران /110

    ويؤكد ابن مسعود رضي الله عنه ما سبق من الآيات والأحاديث قائلا : إن الله نظر فى قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وسلم يقاتلون عن دينه . (21)


    إجماع الأمة : وقد أجمعت الأمة – إلا من شذ ممن لا يعتد بخلافهم - على ما سبق من تعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم للصحابة أجمع ، والنقول فى هذا الإجماع كثيرة عن علماء الأمة ، من المحدثين والفقهاء والأصوليين .

    يقول ابن الصلاح : للصحابة بأسرهم خصيصة ، وهى أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم ، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة ، وإجماع من يعتد به فى الإجماع من الأمة . (22)

    ويقول الخطيب البغدادي : إنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيهم شئ مما ذكرناه ، لأوجبت الحال التى كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة ، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة فى الدين ، وقوة الإيمان واليقين : القطع على عدالتهم ، والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين ، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين , هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء . (23)

    أما الشيعة الروافض , فرغم وجود كثير من النصوص في كتبهم ومراجعهم تؤكد عدالة الصحابة ومكانتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم , (24)

    إلا أنهم مع ذلك بالغوا في العداء للصحابة الكرام , ولم يكتفوا بعدم إثبات العدالة لهم , بل راحوا يسبونهم ويشتمونهم بأقبح الألفاظ وأشنع العبارات , مما لا يستسيغ المسلم وصفه لمسلم عادي , فكيف لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يسلم من هذا الطعن إلا من ثبت في التاريخ ولاؤه لعلي رضي الله عنه , ضمن شروطهم وأهوائهم .

    فقد وصفوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بصنمي قريش وبالجبت والطاغوت , ويطعنون في زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم , وخاصة عائشة وحفصة بنتي أبي بكر وعمر , رغم أنهم يدعون ويزعمون حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟!! (25)

    وبينما أورد أهل السنة والجماعة أدلة كثيرة من القرآن والسنة على إثبات عدالة الصحابة , لم يورد الشيعة الروافض أي دليل على عدم عدالتهم , اللهم إلا تلك الروايات المزعومة الباطلة عن أئمتهم المعصومين – كما يدعون – التي تذكر ارتداد الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة كما سبق .

    ويكفي في الرد عليهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( من زعم أنهم ارتدوا – أي الصحابة - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا , أو أنهم فسقوا عامتهم , فهذا لا ريب في كفره , لأنه مكذب لما نص عليه القرآن الكريم في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم , فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة القرآن والسنة كفارا أو فساقا , وأن الأمة التي وصفها الله في الآية ( خير أمة أخرجت للناس ) وخيرها هو القرن الأول , كان عامتهم كفارا أوفساقا , ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم , ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق ..) (26)


    وأختم بمقولة رائعة للشيخ الزرقاني : وبعد هذا التحقيق والتدقيق ، خرج الصحابة الكرام من بوتقة هذا البحث ، وإذا هم خير أمة أخرجت للناس ، وأسمى طائفة عرفها التاريخ ، وأنبل أصحاب لنبي ظهر على وجه الأرض ، وأوعى وأضبط جماعة لما استحفظوا عليه من كتاب الله عزوجل , وهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد اضطر أهل السنة والجماعة ، أن يعلنوا رأيهم هذا كعقيدة ، فقرروا أن الصحابة كلهم عدول , ولم يشذ عن هذا الرأى إلا المبتدعة والزنادقة قبحهم الله . (27)

    ـــــــــ
    الفهارس


    (1) تاريخ بغداد 4/308

    (2) لسان العرب 1/519 , أسد الغابة 1/119

    (3)الصارم المسلول 575

    (4) الإصابة في تمييز الصحابة 1/10 – 12

    (5)عقائد السنة وعقائد الشيعة صالح الورداني 198

    (6) فروع الكافي للكليني كتاب الروضة 115

    (7) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير اليماني 1/28

    (8) دفاع عن السنة الدكتور محمد أبو شهبة 92 – 244 بتصرف .

    (9) فتح المغيث للسخاوي 3/96 إرشاد الفحول 1/278

    (10)بحار الأنوار للمجلسي 8/8 ونقله عنه المعلق على كتاب الإيضاح لابن شاذان ص 49 وعلى كتاب أمالي المفيد ص 38 أي كان أكثر الصحابة منافقا وفاسقا وضالا – على حد قوله –

    (11) الدرجات الرفيعة للشيرازي ص11 .

    (12) الصوارم المهرقة للتستري ص 6 - 9.

    (13) تفسير الصافي للكاشاني 1/4.

    (14) عقائد الإمامية الإثني عشرية للزنجاني 3/85.

    (15) تنقيح المقال للمامقاني 1/213

    (16) الشيعة في الميزان لمغنية ص 82.

    (17) تفسير ابن كثير 1/190 والقرطبي 2/154

    (18)الموافقات للشاطبي 4/450 – 452 و عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الدكتور ناصر علي الشيخ 2/801 – 802

    (19) البخاري بشرح فتح الباري 13/433 برقم 7447 ومسلم بشرح النووي 6/182 برقم 1679

    (20) البخاري بشرح فتح الباري 7/5 برقم 3561 ومسلم بشرح النووي 8/ 324 برقم 2533


    (21) أحمد في مسنده 1/379 ومجمع الزوائد للهيثمي 1/178


    (22) علوم الحديث 76

    (23) الكفاية 96

    (24) انظر في ذلك أصول الكافي للكليني 1/65 وروضة الكافي 8/ 310 , وانظر بحار الأنوار 52/132 وأصل الشيعة أصولها 124

    (25) علم الحديث بين أصالة أهل السنة وانتحال الشيعة أشرف الجيزاوي 250 – 251

    (26) الصارم المسلول 1/590

    (27) مناهل العرفان 1/334
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: عدالة الصحابة بين إنصاف السنة وإجحاف الشيعة. عامر الهوشان.

    [2]
    بعد بيان أهمية وخطورة عدالة الصحابة في الإسلام , وبيان غرض الشيعة من القدح في عدالة الصحابة الكرام في المقال السابق , الموصل للتشكيك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثة , وبعد بيان الفرق الكبير بين وضوح تعريف الصحابي عند أهل السنة وغموض ذلك التعريف عند الشيعة, أو مخالفتهم – كعادتهم – لما هو منصوص في كتبهم من تعريفات.
    وبعد بيان أدلة عدالة الصحابة جميعا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وإجماع الأمة , ورغم عدم وجود أدلة للشيعة تثبت عدم وجود تلك العدالة عند الصحابة , إلا أنهم - وكعادة أهل الزيغ و البدع والضلال - تمسكوا ببعض الشبهات الباطلة , لنفي العدالة عن خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين .

    والشبهات كما نعلم باب كبير من أبواب الفتنة, ومنفذ خطير موصل للشرك والبدعة , وما وقع من وقع في الخرافات والأوهام إلا بشبهة سكنت عقله وقلبه , فأفسدت عليه دينه وعقيدته , ولذلك كان العلماء من أهل السنة والجماعة وما زالوا يحذرون المسلمين من خطورة فتنة الشبهات والشهوات, ورحم الله ابن القيم الذي بين تلك العلاقة الحميمية بين الشبهات والشهوات بقوله :

    ( إنه - سبحانه وتعالى - جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل في قوله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } التوبة : 69 , لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به ; وهو الخوض , أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب ; وهو الاستمتاع بالخلاق , فالأول : البدع , والثاني : اتباع الهوى , وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء ..... فقوله تعالى (فاستمتعم بخلاقِكُم) إشارة إلى اتباع الشهوات وهو داء العصا , وقوله (وخضتم كالذي خاضوا) إشارة إلى الشبهات , وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات , وكثيراً ما يجتمعان , فقلَّ من تجده فاسد الإعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله ) . (1)

    وفي هذا المقال - المتتم للسابق – سأحاول بيان شبهات الشيعة حول عدالة الصحابة والرد عليها , تلك الشبهات التي أشبهت في كثير منها شبهات وضلالات اليهود والنصارى , فقد قالت اليهود لا يصلح الملك إلا في آل داود , وقالت الرافضة لا تصلح الامارة إلا في آل علي ، وقالت اليهود لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال , وقالت الرافضة لا جهاد حتى يخرج المهدى , واليهود خرقوا التوراة ، وكذلك الرافضة خرقوا القرآن , واليهود يستحلون دم كل مسلم ، وكذلك الرافضة , واليهود يبغضون جبريل ويقولون هو عدونا من الملائكة , وكذلك الرافضة يقولون : غلط بالوحى .

    بل ربما فاق الرافضة اليهود والنصارى خبثا وبغضا لدين الله الإسلام , فقد سئلت اليهود من خير أهل ملتكم ؟ قالوا أصحاب موسى ، وسئلت النصارى فقالوا : أصحاب عيسى ، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم ، فقالوا : حوارى محمد ، وأمروا بالاستغفار لهم فسبوهم . (2)

    ومن أهم شبهاتهم حول عدالة الصحابة من القرآن الكريم :

    1- قوله تعالى : {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} الجمعة / 11

    قال الكاشاني والقمي والطبرسي وغيرهم من الشيعة الرافضة : نزلت فى أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العير التى جاءت من الشام ، وتركوه وحده فى خطبة الجمعة ، وتوجهوا إلى اللهو ، واشتغلوا بالتجارة ، وذلك دليل على عدم الديانة . (3)

    وفي الرد على هذه الشبهة لا بد أولا من إيراد الحديث الذي كان سببا في نزول الآية , والحديث في البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : (بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه و سلم إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه و سلم إلا اثنا عشر رجلا فنزلت { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} صحيح البخاري 2/726 برقم 1953 , وفي رواية مسلم : (أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) صحيح مسلم 3/9- 10 برقم 2034 – 2037 .

    فالواضح في رواية مسلم أن أبا بكر وعمر وجابر وغيرهم كانوا من بين الصحابة الذين لم ينفضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم , فلماذا يطعنون بهم وينفون عنهم العدالة وهم خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم ؟؟!!

    أضف إلى ذلك أن الحادثة وقعت حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة في يوم الجمعة على الخطبة , فقد ورد في مراسيل أبي داود عن مقاتل بن حيان : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة قدم بتجارته ، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف ، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ؛ فأنزل الله عز وجل وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة ...) مراسيل أبي داود 1/74 برقم 60 .

    وقد سبق أن انفضاضهم كان في الصلاة كما عند البخاري , أو كان في وقت الخطبة كما ورد في حديث مسلم (أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) وقد رجح ابن حجر انفضاض الصحابة في الخطبة لا في الصلاة , بدلالة رواية مسلم , وهو اللائق بالصحابة تحسينا للظن بهم , وعلى تقدير كون الانفضاض في الصلاة كما في رواية البخاري , فيحمل على أن ذلك وقع قبل النهي كما في آية : {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد/33 وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة . (4)

    وجاء في عمدة القاري : أن رواية ( نحن نصلي ...) أي ننتظر الصلاة من باب تسمية الشيء بما يقاربه , والمراد بالصلاة هنا انتظارها في حال الخطبة , وهو ما رجحه النووي ليوافق رواية مسلم. (5)

    ناهيك عن أن الحادثة وقعت في بدء زمن الهجرة , ولم يكن الصحابة حينئذ واقفين على جملة الآداب والأحكام الشرعية , وأن الله تعالى لم يتوعدهم بعذاب , ولم يعاتبهم صلى الله على ما فعلوا , وقد انتهوا عن ذلك بعد نزول الآية. (6)

    2- استدلوا ببعض الآيات التي وردت في القرآن عن المنافقين من مثل قوله تعالى :{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} التوبة/101 , وحملوها على الصحابة الكرام . (7)

    مؤيدين الآيات بحديث : (ويلك ومن يَعْدِلُ إذا لم أَكُنْ اَعْدِلُ؟ لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ إن لم أكن أعدِل ُ) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعنى يا رسول الله فأقُتل هذا المنافق فقال: (مَعَاذ الله! أَنْ يتحدث الناس أَنى أَقْتُلُ أَصْحَاِبي , إِنَّ هذا وأصحابَهُ يقرأون القرآنّ لا يُجاوزُ حَنَاجِرَهُم , يَمرُقُونَ منه كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيِة) صحيح مسلم بشرح النووي 4/170- 171

    والرد على هذا من عدة وجوه : أولها : أن إطلاق لفظ الصحابة على المنافق كما جاء في الحديث وغيره إطلاق لغوي وليس اصطلاحي , وهو نظير قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } النجم/2 ,فإضافة صحبة النبى إلى المشركين والكافرين إنما هى صحبة الزمان والمكان لا صحبة الإيمان .

    ثانيا : كيف يكون المنافقون من الصحابة بالمعنى الإصطلاحى وقد نفاه عنهم رب العزة بقوله :{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} التوبة/56

    ثالثا : من المعلوم أيضا أن المنافقين لم يكونوا مجهولين فى مجتمع الصحابة الكرام , ولم يكونوا هم السواد الأعظم ، بل كانوا فئة ضئيلة معلومة حددت في بعض الأحاديث باثني عشر شخصا فقط . (8)

    وقد علم بعض هؤلاء المنافقين بعينه ، والبعض الآخر منهم علم بأوصافه ، فقد ذكر الله فى كتابه العزيز من أوصافهم ، وخصوصا فى سورة التوبة ، ما جعل منهم طائفة متميزة منبوذة ، لا يخفى أمرها على أحد ، كما لا يخفى على أحد حالهم فى زماننا , فأين هذه الفئة المنافقة ممن أثبت الله لهم فى كتابه نقيض صفات المنافقين ، حيث أخبر عن رضاه عنهم ، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس . (9)

    3- استدلوا بقوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} آل عمران/155 , وقوله تعالى : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } التوبة/25 , وقالوا : الفرار من الزحف من أكبر الكبائر . (10)

    والرد عليهم في هذه الشبهة من نفس دليلهم , فإنهم لوا أكملوا بيان الله تعالى في هذا العتاب , لوجدوا البراءة والمغفرة والصفح من الله تعالى بعد العتاب فورا , ففي عتاب الفرار يوم أحد في الآية الأولى جاءت المغفرة من الله تعالى بنهايتها : {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} ولا حجة لأحد بعد عفو الله وغفرانه للجميع .

    وفي عتاب الفرار يوم حنين نزلت السكينة عليهم من الله تعالى بنص الآية التالية لآية العتاب : {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} التوبة/26 , وهل تنزل السكينة من الله إلا على المؤمنين , كما جاء بقوله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} الفتح/4

    وأما أخطر ما استدلوا به من السنة النبوية على تجريد الصحابة من العدالة , فهو حديث : (لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) (11) وقالوا : تقاتل الصحابة فى صفين والجمل , واستحل بعضهم دماء بعض , وقد ركب هذه الموجة وعام على عوم الرافضة في هذه الحجة العلمانية واللادينيين من أعداء الإسلام. (12)

    وفي الرد على هذه الشبهة نورد كلام ابن حجر في شرحه لعبارة ( لا ترجعوا بعدي كفارا ) , فإطلاق الكفر على قتال المؤمن محمول على معان متعددة منها :

    مبالغة فى التحذير من ذلك ، لينزجر السامع عن الإقدام عليه وليس ظاهر اللفظ مراداً ، أو أنه على سبيل التشبيه لأن ذلك فعل الكافر والمعنى لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوهم فى حالة قتل بعضهم بعضاً.

    وقيل : المعنى كفارا بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين , أو كفارا بنعمة الله تعالى , أو أن المراد ستر الحق , حيث أن معنى الكفر لغة كذلك , فكأن المسلم غطى بقتاله لأخيه حقه في النصرة والتأييد , أو أن القتال يفضي للكفر , أو أن استحلال قتال المسلم وقتله كفر. (13)

    وما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم من قتال لم يكن عن استحلال له حتى يحمل الحديث على ظاهره وأن قتالهم كفر , كيف والقرآن الكريم يكذبهم فى هذا الفهم السطحى بقوله تعالى : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الحجرات/ 9-10

    فسماهم القرآن أخوة ، ووصفهم بأنهم مؤمنون ، مع وجود الاقتتال بينهم ، والبغى من بعضهم على بعض , وقد بين ابن كثير في تفسيره أن البخاري وغيره استدل بالآية على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت ، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم ، وقد أكد البخاري ذلك بالحديث الذي أخرجه في صحيحه عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر- والحسن بن علىّ إلى جنبه- وهو يقبل على الناس مرة ، وعليه أخرى ويقول : إن ابنى هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (14) فكان كما قال صلى الله عليه وسلم ، أصلح الله تعالى به بين أهل الشام ، وأهل العراق ، بعد الحروب الطويلة ، والواقعات المهولة . (15)

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : والذين قاتلوا الإمام علي رضي الله عنه لا يخلوا : إما أن يكونوا عصاة ، أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين ، وعلى كل تقدير، فهذا لا يقدح فى إيمانهم ، ولا فى عدالتهم ، ولا يمنعهم الجنة ، بما سبق من تصريح القرآن الكريم ، من تسميتهم إخوة ، ووصفهم بأنهم مؤمنون ، وتأكيد النبى صلى الله عليه وسلم ذلك بما سبق من رواية الحسن بن على عن أبى بكرة رضي الله عنه ولهذا اتفق أهل السنة على أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين ، وإن قالوا فى إحداهما أنهم كانوا بغاة , والبغى إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدا ً، والمجتهد المخطئ لا يكفر، ولا يفسق وإن تعمد البغى فهو ذنب من الذنوب ، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة كالتوبة ، والحسنات الماحية ، والمصائب المكفرة ، وشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم ودعاء المؤمنين، وغير ذلك . (16)

    وبغض النظر عن كل ما سبق , فإن جمهور الصحابة وسادتهم تأخروا عن تلك الفتن ولم يخوضوا فيها , حتى قال محمد بن سيرين : ( هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف , فما حضر منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين ) و إسناد هذه الرواية أصح إسناد على وجه الأرض كما قال عنها ابن تيمية . (17)

    وعلى كل الأحوال ، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة ، إما بتقدير الإصابة فظاهر، وإما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع. (18)

    هذه أهم وأخطر شبهات الشيعة الرافضة حول عدالة الصحابة , شبهات ليس لها في مقياس العلم ثبات , شأنها في ذلك شان جميع شبهات أعداء الإسلام , وقد حذر العلماء من الوقوع فيها كما أسلفنا , ورغبوا في العلم للخلاص من شرها وضلالها , فهلا سلك المسلمون طريقا إلى العلم , حتى لا يجعلوا لمثل هذه الشبهات على قلوبهم وعقولهم سبيلا؟؟!!

    ـــــــــــ

    الفهارس

    (1)جامع الآداب لابن القيم وهي موسوعة قام بجمعها يسري السيد محمد , طـ داء الوفاء (4/247).

    (2) الموضوعات لابن الجوزي نقلا عن الشعبي 1/339

    (3) مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 271 -272، و الصافى فى تفسير القرآن للكاشانى 2/701، وتفسير القمى لعلى بن إبراهيم القمى 2/367، ومجمع البيان للطبرسى 5/287، 288، وأعيان الشيعة لمحسن الأمين 1/114

    (4) فتح الباري شرح صحيح البخاري 2/425

    (5) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 6/246 برقم 936

    (6) روح المعانى للألوسى 28/107

    (7) الفصول المهمة فى تأليف الأمة لعبد الحسين الموسوى ص 203، والصحابة فى نظر الشيعة الإماميةلأسد حيدر ص 31 – 32

    (8) حديث حذيفة بن اليمان بصحيح مسلم بشرح النووي 9/136 – 137 برقم 2779

    (9) عقيدة أهل السنة والجماعة فى الصحابة للدكتور ناصر الشيخ 3/963

    (10) مختصر التحفة الإثنى عشرية ص 273، وينظر : تفسير الصافى للكاشانى 1/691، وتفسير القمى لعلى إبراهيم القمى 1/287

    (11) صحيح البخارى بشرح فتح البارى 13/29 رقم 7080، ومسلم بشرح النووى 1/332 رقم 65

    (12) أضواء على السنة ص 354، وينظر : نظرية عدالة الصحابة لأحمد حسين يعقوب ص 53، والخلافة المغتصبة لإدريس الحسينى ص93، والفتنة الكبرى (عثمان) لطه حسين ص170-173

    (13) فتح البارى 13/30 أرقام 7076 – 7080 , و 12/201، 202 رقم 6868, و 1/262 رقم 121

    (14) صحيح البخاري بشرح فتح الباري 5/361 برقم 2704

    (15) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/211

    (16) منهاج السنة .2/205

    (17) منهاج السنة 3/ 181

    (18) عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام للدكتور ناصر الشيخ 2/700 – 748

    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •