كثيرة هي أطروحات إعادة نهضة الأمة الإسلامية , وكثيرة أيضا المنطلقات والأسس التي تُعرض لكي تنطلق منها الأمة لإعادة بنائها واستعادتها لقوتها الحضارية , ولكنها حين تغفل المنطلق الأساس الذي يجب أن تنطلق منه وهو المنطلق العقائدي تتحول إلى غثاء لا فائدة منه ولا قيمة ولم ولن يوجد لها أثر نافع ولا نتائج مؤثرة .

فالمجتمعات العربية التي اجتمعت لها كل عوامل الاجتماع والقوة اللازمة لبناء حضارة قوية من وحدة أرض واتفاق لغوي ومصالح مشتركة , لم تجتمع أبدا قبل الإسلام , ولم تحقق أي نصر حضاري إلا في ظل العقيدة الإسلامية الصحيحة , في حين خيم الفشل الحضاري عليها في ظل كل هذه الظروف المواتية لبناء الحضارة فلم تمسك بتلابيبها إلا حينما جمع الإسلام شتاتها وجعل لها غاية وهدفا واحدا , فلم يكن قبله للعرب حضارة , ثم ضاعت منهم قيمتهم بعد ابتعادهم عن حقيقة الإسلام وروحه .
وإذا تصفحنا عبر التاريخ كل الحضارات القديمة والحديثة على حد سواء , فسنجد أنها قامت على أساس وحدة فكرية عقدية يحملها أبناؤها , ولهذا تظل الحضارة قوية مزدهرة ما دامت روح العقيدة قوية داخل نفوسهم , ثم تبدأ الحضارة بالاضمحلال والضعف نتيجة ابتعادهم وتقصيرهم في عقيدتهم , ثم يأتي الفناء عندما تضيع ملامح تلك العقيدة منهم ليذهبوا بعدها في غياهب نسيان التاريخ .

ولم يستطع أي تجمع بشري أن يعيش بلا عقيدة - حتى لو كانت عقيدة باطلة – فليس بإمكان الإنسان أن يعيش إلا وهو يعلم أن له معبودا يتوجه إليه بالعبادة سواء من وفق لمعرفة معبوده الحق أو ضل من ضل في البحث عنه , ولكن القاسم المشترك فيهم أنهم لابد لهم من عقيدة تجمعهم ومعبود يتجهون إليه , فيقول المؤرخ اليوناني بلوتارك : " لقد عُرِف في التاريخ مدن بلا حصون ولا قلاع، وعُرفت مدن بلا مدارس ولا جامعات، وعُرِفت مدن بلا قصور ولا زينات، ولكن لم يُعرَف في التاريخ أبدًا مدن بلا معابد " [1]

فالعقيدة الصحيحة تمد الفرد بقوة تفوق أضعاف قوته , وترهب أعداءه منه لأنها تبدل حياة الأمم والشعوب والأفراد فتصوغ منهم أفكارا أخرى وتقودهم إلى فعل تصرفات مغايرة عما اعتادوه في مواقفهم , وتبدل أيضا ردود أفعالهم عند تعرضهم للمواقف , بل وتطرد من قلوبهم الكلمات والجمل السلبية التي تضعف الهمم مثل كلمات المستحيل والضعف والخوف لتستبدل بها النظرة المتفائلة والمحاولة الصادقة فتعلو الهمم وتزيد القوى وتنهض الأمم .

والعقيدة الصحيحة تطرد الأنانية والأثرة بين الأفراد والأمم , لتجعل في نظرها سموا نحو آفاق عالية تعلو على الطموحات الأرضية التي تنشغل بها الهمم الدنيئة , فلا يشغلهم حظ النفس من المأكل والمشرب والمتع الضئيلة الفانية عن بلوغ الآمال العالية لتحقيق النتائج المبهرة فتنشأ الحضارات القوية التي تستمر وتقوى طالما ظل أثر العقيدة قويا فيهم .

إن بلوغ الحضارات واستعادتها لقوتها لا يحتاج لأفراد متميزين متفوقين عن جنس البشر في الكفاءات والتكوين , بل إن حملة الرسالات وصناع الحضارات ليسوا إلا أناسا يعيشون كما يعيش الناس في فرحهم وحزنهم وتلبية حاجاتهم , ويتألمون أيضا ويعانون كما يتألم ويعاني الناس , لكنهم يتميزون بأنهم يحملون عقيدة تملأ عليهم قلوبهم وتتحرك بها جوارحهم , فلا ينشغلون بما ينشغل به الناس , ويمنون أنفسهم بأمنيات مختلفة عن أمنيات الناس , فليس همهم طيب مأكل أو مسكن , ولكن كل همهم رفعة شأن أمتهم وتغيير حاضرها وصنع مستقبلها وإحياؤها من موات أو إيقاظها من سبات .
والعقيدة الصحيحة هي المركب الإضافي الذي يجعل للإنسان - الذي بدأ نطفة وانتهي جيفة - قيمة حقيقية يشعر بها الكون حين يفقده , فمن الناس من يمر على الحياة مرور الطيف أو - على أحسن الأحوال - مرور الضيف , لكن صاحب العقيدة الصحيحة لا يمر بمكان إلا ويترك خلفه أثرا نافعا , فالمسلم كالغيث حيثما وقع نفع , والأمة الإسلامية صاحبة العقيدة الصحيحة لا تمر على الأرض مرور الكرام فلابد أن يكون لها أثرها الطيب , فعن عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره) [2]

والعقيدة الصحيحة تعيد ترتيب الأولويات في حياة البشر وتعيد صياغة منظومة القيم داخل الفرد والجماعة , وتغييرها لا يحتاج من النفوس المؤمنة إلى كثير زمن ولا عناء جهد , فما بين صباح يشرق على الناس لا يكون للإنسان فيه غاية إلا جمع المال والتقرب من السلطان " وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " فتأتي المساء فتمسهم العقيدة السليمة بعبيرها الصادق فتحولهم لأناس آخرين بقيم جديدة وبمفاهيم صحيحة للكون وللحياة , فعندما يهددهم فرعون – كل فرعون - بقطع الأرزاق واشتداد التعذيب وإنهاء الآجال لا يخافون ولا يجزعون بل يعلنوها صرخة مدوية تتردد في أرجاء الكون كله " قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ " [3] , ويعلنون أن الدنيا بكل ما فيها من زخارف قليلة جدا أن تدفع كلها ثمنا لرضا الرحمن " قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" [4] .
والمفارقة حينها أنهم بالعقيدة الفاسدة يُقسمون بمن يرونه عزيزا لديهم كبيرا في نفوسهم " فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ" [5] , لكنهم حينما آمنوا لم يروا أعز وأكبر وأقوى من الله فلا يستحق القسم به إلاه سبحانه " وَالَّذِي فَطَرَنَا " , فما أعجب تأثير العقيدة على السلوك والأفكار !! .

والعقيدة الصحيحة تدعو المؤمن إلى العمل الجاد والمثمر حتى لو لم تظهر في حياة صاحبه ثمرة , فما أجمل وأعجب هذا الحديث الشريف عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة , فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها , فليغرسها " [6] , فالعقيدة الإسلامية دعوة حضارية لإعمار الكون وللعمل الايجابي النافع حتى لو لم يكن هناك اثر ظاهر وقريب للعمل الصالح , فالمؤمن لا يفقد الأمل ويحسن العمل وينتظر الأجر من الله وحده , ويؤدون عملهم بإتقان – رغم ذلك – لأنهم يعلمون أن الله يحب العمل المتقن " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " [7] .
والعقيدة الصحيحة لا تجعل المؤمن يعمل العمل الأخروي فقط , ولا تطالبه بأن يعتزل الناس ويعتكف في كهفه انتظارا للموت واستعدادا للآخرة , بل تربط عمل الدنيا بالآخرة وكلاهما يرضي الله سبحانه ولكل وقته الواجب , وكل عمل صالح نافع مقرِّب من الله سبحانه ويُلتمس فيه الأجر والثواب حتى لو كان سقي حيوان بالماء , فعن سُراقة بن جعثم رضي الله عنه أنه قال: يا رسول إن الضالة ترد على حوضي فهل لي فيها من أجر إن سقيتها ؟ قال: " أسقها، فإن في كل ذات كبد حرَّاء أجراً " [8] .
ولهذا فالعقيدة الإسلامية تعرض ثقافة مختلفة على الناس وهي التقرب إلى الله بإصلاح العمل في الدنيا وإعادة إعمار الكون والضرب على أيدي المفسدين فيه "وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ " [9] .

والعقيدة الصحيحة تُعلى مصالح الأمة على المصالح الفردية , فالمصالح الكلية التي يجب مراعاتها وفق العقيدة الصحيحة هي المقاصد والمصالح الخمس حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل , فتقدم حفظ الدين للفرد والمجتمع على باقي الحقوق , وعرف أبو حامد الغزالي تلك المصالح بقوله : "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ورفعها مصلحة , وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح " [10]
وعلى هذا فالعقيدة الصحيحة تتبني كل عمل صالح يؤدي لتلك المصالح العامة قبل أن تنتقل إلى تحقيق المصالح الفردية الخاصة .
والعقيدة الصحيحة تعلى قيمة المساواة بين البشر , وهي القيمة الغائبة عن العالم الإنساني , فلا تفرق بينهم بلون أو عرق أو جنس أو نوع " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " [11] , ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في آخر وصاياه للمسلمين " أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – ألا هل بلغت .." [12] .
فالعقيدة تجمع العباد تحت مظلة واحدة يكونون فيها سواسية كأسنان المشط فلا يفضل أحد على أحد بما ورثه أو لم يبذل جهده في اكتسابه , ويكون معيار التفضيل فقط بعمله الصالح الديني والدنيوي الذي يكتسبه بسعيه ويبتغي به وجه الله سبحانه .
والعقيدة الصحيحة تدفع إلى العدل مع الناس – كل الناس – فلا تعرف محاباة لأحد ولا ظلم لغيره فلا تعرف إلا وجها واحدا للحق , " وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى " [13] , فبالعدل تقام الأمم القوية وتنهض الحضارات , وبالظلم والمحاباة والتمييز بين الناس تهلك الأمم , فقال صلى الله عليه وسلم : " إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ،وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ،وأيم الله ،لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " [14] .
إن الطريق الآمن والوحيد لبلوغ نهضة الأمة المنشودة لابد وأن يبدأ من إصلاح العقيدة في نفوس المؤمنين وليعلموا أن إصلاح الدنيا وقيادة الأمم وعودة الأمة الإسلامية بعد غيابها الطويل مطلب شرعي وضرورة بشرية , وأن السعي لنهضة الأمة عمل عظيم يُجزى عليه المؤمنون جزاء مباركا من ربهم فقد قرن الله إصلاح الأرض وعمارتها وعدم إفسادها بالعبادة فقال "وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ " ولكي يتحقق مفهوم الاستخلاف لعمارة الأرض الذي أراده الله من خلقه " َ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُ مْ فِيهَا " [15] .
ــــــــــــــ
[1] ذكره الشيخ القرضاوي في كتابه الإيمان والحياة الفصل الثاني أثر الإيمان في حياة الفرد مكتبة وهبة ص 41
[2] رواه الترمذي وحسنه ورواه أحمد والبزار والطبراني وصححه العلامة الألباني في كتاب صلاة التراويح ص97 وفي السلسلة الصحيحة 5/355.
[3] الشعراء:50
[4] طـه:72
[5] الشعراء:44
[6] رواه الإمام أحمد 3 / 183 , 184 , 191 و كذا الطيالسي رقم 2068 و البخاري في " الأدب المفرد " رقم 479 و ابن الأعرابي في " معجمه " ق 21 / 1 عن هشام بن زيد عنه . و هذا سند صحيح على شرط مسلم , و تابعه يحيى بن سعيد عن أنس . أخرجه ابن عدي في " الكامل " 316 / 1 . و أورده الهيثمي في " المجمع " 63 / 4 مختصرا و قال :
" رواه البزار و رجاله أثبات ثقات " وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 11
[7] صححه الشيخ الألباني في كتابه صحيح الجامع
[8] رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه ابن ماجة والبيهقي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 957.
[9] الأعراف:170
[10] المستصفى لمؤلفه : أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي المتوفى: 505هـ تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي - دار الكتب العلمية 2/482.
[11] الحجرات:13
[12] أخرجه أبو داود في كتاب الأدب - باب في التفاخر بالأحساب ص 5116 , وحسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود , ورواه أحمد في المسند 2 /361 ص 8721
[13] المائدة: الآية8
[14] صحيح البخاري تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر نشر دار طوق النجاة برقم 3475 , وأخرجه مسلم في الحدود باب قطع السارق الشريف وغيره رقم 1688
[15] هود: الآية 61