أحاديثُ الدَّجال بين قطعيةِ النقلِ ، ودعاوى ردِّ العقل . د/حاتم العوني.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أحاديثُ الدَّجال بين قطعيةِ النقلِ ، ودعاوى ردِّ العقل . د/حاتم العوني.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    Post أحاديثُ الدَّجال بين قطعيةِ النقلِ ، ودعاوى ردِّ العقل . د/حاتم العوني.

    في خضم التطاول على علوم السنة النبوية ، يبرز لنا من حين لآخر من يظن أنه قد وجد ضالته في الطعن على منهج المحدثين النقدي ، بإيراد حديث صححه المحدثون ، وهو يراه حديثا لا يصح ، بدلائل يظنها تُصوِّبُ قولَه وتنصرُ طعنَه في علوم السنة .

    ومع أني رددت على هذا التطاول في أكثر من موطن ، ببيان أن منهج المحدثين النقدي منهج عقلي متين ، لا يختلف العقلاء في قوته وفدرته على تمحيص الأخبار ، ولذلك كان محلَّ اتفاقٍ بين العلماء من الفقهاء والأصوليين والمتكلمين = إلا أني من حين لآخر أحرص أيضًا على ردود جزئية ، أتناول فيها تلك الأحاديث التي جعلها هؤلاء الطاعنون حجةَ الطعنِ ؛ لأبين لهم خلل استدلالهم ، وبُعدهم عن المنهج العلمي ، وأن عقولهم لم تسعفهم في الاستدلال على دعاواهم العريضة .


    ومن هذه الأحاديث : خبر الأعور الدجال الذي حذرنا من فتنته النبيُّ صلى الله عليه وسلم .

    وكان قد تقدم أحد السائلين بسؤال إليّ عن أحاديث الدجال ، وهل هي معارضة للحقائق الكونية اليقينية ؟
    وكأنه يشير إلى الحديث الذي يذكر أن الدجال موجود في إحدى جزائر البحر ، وهو الحديث المعروف بحديث الجساسة .
    وحديث الجساسة الذي يدل على وجود الدجال على وجه الأرض منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو واحد من عشرات أحاديث الدجال ، فهم يقصدون من رد هذا الحديث رد أحاديث الدجال كلها ، ليتسنى لهم بذلك التشكيك في علوم السنة ، واتهامها بالعجز عن تمييز الصحيح من السقيم .

    ولا أقول هذا دخولا مني في النيات ، بل هذا هو تمام استدلالهم هم أنفسهم صراحة ، فهم يُتبعون تضعيفهم لأحاديث الدجال وردّهم لها بالاستدلال على أن المحدثين قصروا غاية التقصير في تمحيص السنة ، وأن صنعة الإسناد عندهم ألهتهم عن نقد المتن .. وإلى آخر هذه الدعاوى ، والتي لا تنتهي إلا لتكون مدخلا للطعن في علوم السنة ومنهجها النقدي كله !

    فكان هذا هو جواب ذلك السائل الكريم ؛ لكني استحضرت في جوابه الواقع غير العلمي الذي يثير مثل هذا التساؤل ، فقلت في جوابه :
    كون الدجال سيظهر في آخر الزمان حقيقة شرعية قطعية الثبوت (كما سيأتي إثباته) ، وهذا أمر لا يمكن للعلم الحديث أن يثبته أو ينفيه ، ولا للعقل أن يصدقه أو يكذبه ؛ لأنه خبر مستقبلي ؛ ولأن هذا القدر لا يعارض الحقائق العلمية المادية .
    أما كون الدجال موجودا الآن ، فهذا في نصوص الشرع أمر ظني الثبوت ، وليس يقينيا ، وإن صح به الخبر وثبت ؛ لكن ثبوته لم يصل حد القطع واليقين ، وأهم ما ورد فيه حديثُ الجساسة الذي صححه الإمام مسلم وغيره .

    ومع ذلك : فخبر الدجال يدل على أن أمره خارج عن الإلف والعادة ، وأنه كالسحر الذي هو موجود ، ويشاهده الناس ، ومع ذلك لا يجدون تفسيرا ماديا له . فالدجال في خروجه عن حدود العلم المادي قد خرج عن قدرة العلم فيه على النفي والإثبات ، كالسحر وعموم الظواهر التي لا يجد العلم لها تفسيرا إلى اليوم ، مع وجودها ، ومع عدم إمكان إنكارها .

    وهذا يعني : أن العلم المادي يحق له أن يقول : إني أقطع بعدم علمي بوجود الدجال ، لكن لا يحق له أن يقطع بعدم وجوده، ما دام وجوده خارجا عن دائرة اختبار معرفة العلم المادي ، وهي دائرة العالم المادي المألوف .
    فنحن جميعا نؤمن بوجود الشيطان ، وأنه موجود قبل وجود البشرية ، وأنه سيحيى إلى قيام الساعة ((قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)) .
    ومع أننا لا نرى الشيطان ، ولا أثبت العلم المادي وجوده : إلا أننا جميعا (معشر المؤمنين) نؤمن بوجوده ، ونؤمن أيضا أنه لا يحق لأحد إنكار وجوده ، لمجرد أن العلم الحديث لا يعلم بوجوده . لأن هذا الإنكار إدخالٌ للعلم في غير مجاله ، وهو لذلك إدخالٌ غير علمي ، وإدخالٌ يعارض العقل ، فالعقل لا يجيز لك إنكار ما لا يدخل في قدرة العقل أن ينفيه أو أن يثبته ، والعقل لا يجيز لك الإنكار بمجرد عدم العلم ، ولا يجيز لك الإنكار إلا مع العلم بالعدم .

    وهذا كله يعني أن حديث الجساسة لا يمكن أن يُقطع برده بحجة العقل وبحجة اكتشاف الأرض ؛ لأن خبر الدجال (كما سيق) من جنس كثير من الأمور التي نؤمن بها ، ولا تدخل في مجال العلم المادي : نفيا أو إثباتا .

    ومع ذلك فردُّ هذا الحديث الواحد من أحاديث الدجال ، لا يجيز بحالٍ ردَّ كل أحاديثه وأخباره ، خاصة أنها أحاديثُ قد بلغت حدَّ إفادة العلم المكتسب واليقين .

    ولبيان ذلك فقد حرصت على تتبع أحاديث الدجال ، تتبعا غير مستقصٍ ، لعلمي بكفاية تتبع سريع في إثبات عدم عقلانية تكذيب ما ورد في هذا العدد الكبير من الروايات الصحيحة ، والمتنوعة : من أخبار محضة ، إلى أوامر وأحكام ، إلى أدعية وأذكار = كلها تثبت أن ذكر الأعور الدجال خبرٌ نبويٌّ مقطوعٌ بنسبته للنبي صلى الله عليه وسلم .


    وسأذكر في المسرد التالي أسماء من ثبت عندي حديثهم في ذكر الدجال من الصحابة رضوان الله عليهم ، مذيلا بذكر بعض الأئمة الذين صححوا بعضًا من طرق حديثهم عنهم .

    1- أبو بكر (الحاكم ، والضياء المقدسي )
    2- عمر بن الخطاب .
    3- علي بن أبي طالب (الحاكم ، والضياء المقدسي )
    4- سعد بن أبي وقاص (البخاري ، ومسلم ، والضياء)
    5- أبو عبيدة عامر بن الجراح (ابن حبان ، والحاكم، والضياء المقدسي )
    6- عائشة (الإمام مالك ،والبخاري ،ومسلم ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم)
    7- عبدالله بن العباس (الإمام مالك ، والبخاري ، ومسلم ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم )
    8- عبدالله بن عمر (الإمام مالك ، والبخاري ، ومسلم ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم )
    9- أسماء بنت أبي بكر ( الإمام مالك ، والبخاري ، ومسلم ، وابن حبان ) .
    10- أنس بن مالك (البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن خزيمة، وابن حبان ، والحاكم ، والضياء المقدسي ) .
    11- أبو سعيد الخدري (البخاري ومسلم وابن حبان والحاكم) .
    12- أبو هريرة (البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ، والضياء المقدسي ).
    13- حذيفة بن اليمان (البخاري ، ومسلم ، وابن حبان ، والحاكم)
    14- حذيفة بن أَسيد أبو سَريحة الغفاري (مسلم وابن حبان والحاكم
    15- أبي بن كعب (ابن حبان، والضياء المقدسي )
    16- عبد الله بن مسعود (مسلم ، وابن حبان ، والحاكم) .
    17- أبو بكرة (البخاري ، وابن حبان ، والحاكم )
    18- عبد الله بن عمرو بن العاص (مسلم ، والحاكم)
    19- أسماء بنت يزيد بن السكن .
    20- المغيرة بن شعبة (البخاري ومسلم وابن حبان)
    21- عبادة بن الصامت (الضياء المقدسي )
    22- نافع بن عتبة بن أبي وقاص (ابن حبان
    23- عمران بن حصين (الحاكم)
    24- أم شريك (مسلم ، وابن حبان) .
    25- معاذ بن جبل (الحاكم)
    26- أبو مسعود الأنصاري (البخاري ومسلم وابن حبان
    27- أبو ذر .
    28- عثمان بن أبي العاص (الحاكم) .
    29- سفينة .
    30- أبو أمامة الباهلي (ابن خزيمة ، والحاكم) .
    31- محجن بن الأدرع (الحاكم) .
    32- عبد الله بن بسر (الضياء المقدسي ) .
    33- سمرة بن جندب (ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)
    34- الصعب بن جَثّامة .
    35- جابر بن عبد الله (البخاري ، ومسلم ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ).
    36- أبو الدرداء (مسلم ، وابن حبان، والحاكم) .
    37- زيد بن ثابت .
    38- هشام بن عامر (مسلم والحاكم) .
    39- النواس بن سمعان (مسلم وابن حبان والحاكم) .
    40- قبيصة بن مخارق .
    41- أم سلمة (ابن خزيمة) .
    42- عبد الله بن مغفل (ابن حبان) .
    43- مجمِّع بن جارية (الترمذي وابن حبان) .
    44- زيد بن أرقم .
    فهؤلاء أربعة وأربعون صحابيا ، ممن ثبتت الأسانيد إليهم ، وتنوعت مخارج الطرق عنهم ، وتتابع العدد الكبير من الرواة في روايتها عنهم ، مع اختلاف بلدانهم ، وتعدد مشاربهم ، وتباين مدارسهم . وفي بعض ذلك .. في بعضه فقط .. يحصل القطع بثبوت الخبر ، فكيف به كله ؟!!

    وفي كثير من أحاديث هؤلاء يكون الحديث مرويا عن كل واحد منهم من طرق كثيرة ، منها ما هو أصح الأسانيد (مثل مالك عن نافع عن ابن عمر) ، مما يستحيل معها عقلا احتمال الكذب أو وقوع الخطأ والوهم .

    وهذا مما لا يريد أن يفهمه المكذبون بنحو هذه الأحاديث ، ولا يحبون أن يعقلوه : وهو أن مجيء الحديث من طرق كثيرة صحيحة الإسناد ، يصدق بعضها بعضا ، هو مثل سماعك لخبر واحد من عشرين أو ثلاثين شخصا تثق بصدقهم وبتمام عقلهم وباستحالة تعمدهم للكذب ، إما لعدم اجتماعهم ، وإما لعدم قيام الداعي للكذب ، وربما قامت دواعي عدم الكذب . فهل ستشك في مثل هذا الخبر ؟ وهل يجيز العقل أن يكون هؤلاء كلهم قد غلطوا في النقل والإخبار ؟!

    إن مثل هذا الخبر ، والذي احتفت به قرائن كثيرة تدل على الصدق وعلى موافقة الواقع = يكون خبرا مفيدا لليقين . وهذا هو ما قرره جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء والأصوليين ، ومن المذاهب الأربعة ، وبينت ذلك بالتفصيل في كتابي المنشور (اليقيني والظني من الأخبار) .

    فليست إفادة خبر الآحاد المحتف بالقرائن لليقين هو موقفَ المحدثين وحدهم ، الذين يُنكر عليهم علمهم من بعض الناكرين لجميل صنعهم ، ويُرد عليهم معروفهم في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، في موقف مخزٍ ممن يردون عليهم .. جحودًا منهم لمعروف المحدثين وانعدامًا للمروءة ؛ إذ كان الواجب عليهم شكر المحدثين والثناء عليهم وتقديرهم واحترامهم ، جزاء ما بذلوا من جهد عقلي عبقري وجسدي جبار وتفانٍ واسترخاص للذوات في سبيل حفظ السنة ! نعم .. إنه لموقف مخز في نكران المعروف وقلة المروءة ، بعد أن كان موقفا مخزيا في الجهل والكلام بغير علم أيضًا .

    نعم .. ليس هذا هو موقف المحدثين وحدهم من مثل هذه الأحاديث ، بل هذا هو موقف أهل العقل كلهم : من فقهاء وأصوليين ، من جميع المذاهب المعتبرة .

    ولذلك فقد وصف أحاديث الدجال بالتواتر :

    - الفقيه والمفسر والمؤرخ الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (5/ 451) ، ويعني به مطلق التتابع والكثرة ، مما يفيد في إفادة العلم النظري .
    - وذكر أبو الحسن الأشعري في رسالة أهل الثغر خروج الدجال ضمن ما أجمع عليه أهل السنة ، وقال أيضًا في (مقالات الإسلاميين) ، في حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة : « ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى ابن مريم يقتله» ، والتي قال في آخرها : « وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول ، وإليه نذهب» .
    - ومن القراء والمفسرين : أبو عمرو الداني المالكي (ت440هـ) في الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات (136) ، ذكر ظهور الدجال «ضمن قول أهل السنة والجماعة من علماء المسلمين المتقدمين والمتأخرين : من أصحاب الحديث والفقهاء والمتكلمين» ، وهذا هو نص لفظه في حكايته لذلك .
    - وابن عطية في المحرر الوجيز - سورة آل عمران : الآية 55 - (2/238) .
    - ووصفها بالتواتر ابن كثير في نهاية البداية والنهاية (19/197) .
    - وقال سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد : «وقد وردت في هذا الباب أخبار صحاح ، وإن كانت آحادا ، ويشبه أن يكون حديث خروج الدجال متواتر المعنى» .
    - ووصفه السخاوي بالتواتر المعنوي .
    - وللشوكاني رسالة بعنوان : التوضيح في تواتر ما جاء في الأحاديث في المهدي والدجال والمسيح .
    - وأورده الكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر (رقم290) ، وقال : « ذكر غير واحد : أنها واردة من طرق كثيرة صحيحة عن جماعة كثيرة من الصحابة ، وفي التوضيح للشوكاني منها : مائة حديث ، وهي في الصحاح والمعاجم والمسانيد ، والتواتر يحصل بدونها ، فكيف بمجموعها ؟! وقال بعضهم : أخبار الدجال تحتمل مجلدات ، وقد أفردها غير واحد من الأئمة بالتأليف ، وذكر جملة وافرة منها في الدر المنثور لدى قوله {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر} الآية فراجعه» .
    - ولما فُهم من الشيخ محمد رشيد رضا إنكار أحاديث الدجال ، كتب مقالا في مجلة المنار بعوان (أحاديث الدجال وانتقاد بعض النجديين) ، قال فيه عن أحد الذين ناظروه منهم : «ثم ذهب الرجل وغاب عنا غيبة طويلة ، جاءنا بعدها بمقال طويل ، غير ما اقترحناه عليه ، وقد اتهمنا فيه أننا أنكرنا أحاديث الدجال كلها ، وحاول الرد علينا بإثباتها ، وفيه أغلاط أخرى . فقرأنا عليه طائفة منه ، بينا له ما فيها من الغلط، وإن بعضه قد جاء من عدم فهم عباراتنا التي صرحنا فيها : بأنها متواترة تواترًا معنويًّا، وإن القدر المشترك الذي يدل عليه التواتر المعنوي هو كذا وكذا (ص20 ج1م) . فاعترف بالخطأ » .
    وكان قد قال في تفسيره المنار : « وجملة أخبار الدجال قالوا : إنها متواترة ، يعنون التواتر المعنوي ، وهو أن لها أصلا» . تفسير المنار (9/416) .

    ولقطعية أحاديث الدجال ذكر جمعٌ من الأئمة الإقرارَ به ضمن مفردات عقيدة المسلم:
    - فمن أهل الحديث : ابن أبي عاصم في السنة ، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ، وابن أبي زمنين في أصول السنة .
    - ومن الفقهاء : ذكره الإمام الطحاوي الحنفي في عقيدته المشهورة .
    - ومن المتكلمين ذكره : الإمام أبو الحسن الأشعري في الإبانة ، ونقلها عن (الإبانة) أيضا ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ، وجمال الدين الغزنوي الحنفي في أصول الدين ، وسعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد .
    وأثبت الدجال الفقهاء الأربعة كلهم : أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وغيرهم من الفقهاء .
    وكان من مستحبات الصلاة عند الشافعية والحنابلة : الاستعاذة من أربعة أمور بعد التشهد الأخير ، منها : شرّ فتنة المسيح الدجال .

    وبلغ من شيوع أمر الدجال في الأجيال الأولى ، أن يقول الإمام مالك (وهو من كبار أتباع التابعين) : «بلغنى أن الناس كانوا يعدون الإبل والخيل ، لمكان الدجال يخرجون عليها» . كما في البيان والتحصيل لابن رشد ( 18/32) .
    فماذا بقي للقطع بصدق أحاديث الدجال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا كله ؟!!
    وأما السؤال الغريب الذي يقول : لماذا لم يذكره القرآن ؟ فهذا السؤال لا يورده إلا من كان ينكر السنة ؛ لأن الدين لا يكمل إلا بالقرآن والسنة ، والقرآن نفسه دل على وجوب الاحتكام للسنة وطاعة أمرها وتصديق خبرها ، فمن أين جاء هذا السؤال ؟!
    ومع ذلك .. فلم يكن هذا السؤال غائبا عن أذهان علمائنا ، كما يظن المتعالمون المعاصرون ، بل قد أورده علماؤنا السابقون ، وتبرعوا بالجواب عنه ، مع أنه لا يحتاج جوابا بأكثر مما سبق
    .

    فقد قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن : «النوع الأربعون : فى بيان معاضدة السنة للقرآن .
    اعلم أن القرآن والحديث أبدا متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة ، حتى إن كل واحد منهما يخصص عموم الآخر ، ويبين إجماله .
    ثم منه ما هو ظاهر ، ومنه ما يغمض .
    وقد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف الإمام أبو الحكم ابن بَرَّجان فى كتابه المسمى بالإرشاد ... (ثم قال قلت : وقع سؤال بين جماعة من الفضلاء في أنه : ما الحكمة أنه لم يذكر الدجال في القرآن ؟ وتلمحوا في ذلك حكما . ثم رأيت هذا الإمام (يعني ابن برجان) قال : إن في القرآن تعريضا بقصته في قصة السامري وقوله سبحانه {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } ، وقوله في سورة الإسراء في قوله { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا } ، فذكر الوعد الأول ، ثم ذكر الكرة التى لبني إسرائيل عليه ، ثم ذكر الآخرة ، فقال { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ... } الآية ، ثم قال {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} ، وفيه إشارة إلى خروج عيسى . وكذلك هو في الآيات الأول من سورة الكهف في قوله { إِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } ، والدجال مما على الأرض ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم من قرأ الآيات من أول سورة الكهف عصمه الله من فتنة الدجال يريد والله أعلم من قرأها بعلم ومعرفة » .

    وأحسن منه جواب ابن كثير ، حيث قال في نهاية البداية والنهاية (19/195-198) : «وقد سأل سائل سؤالاً ، فقال : ما الحكمة في أن الدجال مع كثرة شره وفجوره وانتشار أمره ودعواه الربوبية ، وهو في ذلك ظاهر الكذب والافتراء ، وقد حذر منه جميع الأنبياء = لم يُذكر في القرآن ؟! ويُـحذَّر منه ؟! ويُصرَّح باسمه ، ويُنوَّهَ بكذبه وعناده ؟!

    والجواب من وجوه :

    أحدها : أنه قد أشير إلى ذكره في قوله تعالى : { يَومَ يأتي بَعضُ آياتِ ربّكَ لاَ ينْفَعُ نفْساً إيمانُهَا لمْ تكُنْ آمنَتْ منْ قبْلُ أوْ كسَبَتْ في إيمَانهَا خيْراً } . الأنعام : 158 ، الآية . قال أبو عيسى الترمذي عند تفسيرها : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا يعلى بن عبيد ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثٌ إذا خرَجْنَ لم ينْفَعْ نفْسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ منْ قبْل أو كسبتْ في إيمانِها خيْراً : الدجالُ ، والدابةُ ، وطلوعُ الشمس من المغربِ ، أو من مغربها ) . ثم قال : هذا حديث حسن صحيح.

    الثاني : أن عيسى ابن مريم ينزل من السماء الدنيا فيقتل الدجال ، كما تقدم ، وكما سيأتي ، وقد ذكر في القرآن نزوله ني قوله تعالى : { وقوْلهمْ إنّا قتَلْنَا ألْمَسيحَ عيسى أبنَ مرْيَمَ رسُولَ اللّهِ وما قتَلُوهُ ومَاَ صلَبُوهُ ولَكِنْ شئبّهَ لهُمْ وإنَّ الّذِينَ اختَلَفُوا فيهِ لفِي شكٍّ مِنهُ ما لهُمْ بهِ منْ عِلم إلاَّ اتباع الظّنِّ ومَا قتَلُوهُ يقِيناً بلْ رفَعَهُ اللّهُ إِلَيهِ وكَانَ اللّهُ عزِيزاً حكِيماً وإنْ منْ أهل الكِتابِ إلاَّ ليُؤمِنَنَّ بهِ قَبلَ مَوتهِ وَيَومَ القِيَامَةِ يكُونُ عَلَيهِمْ شهيداً } . النساء : 157 - 159 .

    وقد قررنا في التفسير أن الضمير في قوله : {قبل موته} عائد على عيسى ، أي سينزل إلى الأرض ، ويؤمن به أهل الكتاب الذين اختلفوا فيه اختلافاً متبايناً ، فمن مدعي الإلهية كالنصارى ، ومن قاثل فيه قولاً عظيماً ، وهوأنه ولد ريبة ، وهم اليهود . فإذا نزل قبل يوم القيامة تحقق كل من الفريقين كذب نفسه فيما يدعيه فيه من الافتراء ، وسنقرر هذا قريباً . وعلى هذا : فيكون ذكر نزول المسيح عيسى ابن مريم إشارة إلى ذكر المسيح الدجال شيخ الضلال ، وهو ضد مسيح الهدى . ومن عادة العرب أنها تكتفي بذكر أحد الضدين عن ذكر الآخر ، كما هو مقرر في موضعه .

    الثالث : أنه لم يذكر بصريح اسمه في القران احتقاراً له ، حيث يدعي الإلهية ، وهو بشر ، وهو مع بشؤيته ناقص الخلق ، ينافي حالة جلال الرب وعظمته وكبريائه وتنزيهه عن النقص ، فكان أمره عند الرب أحقر من أن يذكر ، وأصغر وأدحر من أن يحكي عن أمر دعواه ويحذر . ولكن انتصر الرسل لجناب الرب عز وجل ، فكشفوا لأممهم عن أمره ، وحذروهم ما معه من الفتن المضلة والخوارق المضمحلة ، فاكتفى بإخبار الأنبياء ، وتواتر ذلك عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء ، عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله في القران العظيم ، ووكل بيان أمره إلى كل نبي كريم .


    فإن قلت : فقد ذكر فرعون في القرآن ، وقد ادعى ما دعاه من الكذب والبهتان ، حيث قال : ( أنا رَبّكُمُ الأعلَى ) . النازعات : 24 ، . وقال : ( يأيهَا الملأ ما عَلمْتُ لَكمْ من إلهٍ غَيْري ) . القصص : 38 .

    والجواب : أن أمر فرعون قد انقضى وتبين كذبه لكل مؤمن وعاقل ؟ وهذا أمر سيأتي وكائن فيما يستقبل فتنة واختباراً للعباد ، فترك ذكره في القرآن احتقاراً له وامتحاناً به ؛ إذ الأمر في كذبه أظهر من أن ينبه عليه ويحذر منه ، وقد يترك الشيء لوضوحه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته ، وقد عزم على أن يكتب كتاباً بخلافة الصديق من بعده ، ثم ترك ذلك وقال : « يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» . فترك نصه عليه لوضوح جلالته ، وظهور كبر قدره عند الصحابة ، وعلم عليه الصلاة والسلام منهم أنهم لا يعدلون به أحداً بعده ، وكذلك وقع الأمر . ولهذا يذكر هذا الحديث في دلائل النبوة كما تقدم ذكرنا له غير مرة في مواضع من الكتاب .
    وهذا المقام الذي نحن فيه من هذا القبيل : وهو أن الشيء قد يكون ظهوره كافياً عن التنصيص عليه ، وأن الأمر أظهر وأوضح وأجلى من أن يحتاج معه زيادة على ما هو في القلوب مستقر ، فالدجال واضح الذم ، ظاهر النقص بالنسبة إلى المقام الذي يدعيه ، وهو الربوبية ، فترك الله ذكره والنص عليه لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين أن مثل الدجال لا يخفى ضلاله عليهم ، ولا يهيضهم ، ولا يزيدهم إلا إيماناً وتسليماً لله ورسوله ، وتصديقاً بالحق ، ورداً للباطل ولهذا يقول ذلك المؤمن الذي يسلط عليه الدجال فيقتله ثم يحييه ، والله ما ازددت فيك إلاَّ بصيرة . أنت الأعور الكذاب الذي حدثنا فيهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاهاً» .
    أما بعض التناقض والاختلاف في أحاديث الدجال ، والاستدلال بذلك على رد خبره جملة وتفصيلا ، فهو استدلال ينبئ عن منهج غير علمي يخالف العقل ودلالته !
    حيث إن الدلالة اليقينية التي يستفيدها العقل من تتابع المخبرين عن خبر واحد ، لا يُبطلها شيءٌ ، ولا يمكن أن يتبدّل اليقينُ ظنا .
    وتأمل هذه الحال الواقعية : لو أن ثلاثين أو أربعين شخصا ، كلهم أو غالبهم تعرفهم بالصدق والعقل والأمانة والمروءة والأخلاق الحسنة ، قابلتهم خلال يوم أو أيام ، وكل واحد منهم يحكي لك خبر حادث مريع شاهده في الطريق . فاتفق خبرهم في مجمل الخبر : من وقوع الحادث ، وبعض أهم خبره . ثم اختلف عليك بعضهم في بعض التفاصيل . هل سيقبل عقلك ردَّ خبرهم جميعًا ؟ كيف يمكن أن يقع ذلك الخطأ من هؤلاء جميعا ، فضلا عن أن يكونوا كاذبين ، والقرائن كلها تدل على استحالة وقوع الكذب منهم ، واستحالة وقوع الخطأ ، بسبب هذا التتابع على مثل هذه الصفة ؟
    إن حكم العقل السوي الموافق لعمله الفطري سيكون قبول الخبر المجمل وبعض تفاصيله المتفق عليها ، والتوقف عن قبول بعض ما وقع فيه الاختلاف ، وإخضاعه للتمحيص والنقد ، لمعرفة صوابه من غلطه .
    والخبر المجمل في الدجال : يمكن حصره في كون النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر أمته من رجل أعور ، يظهر في آخر الزمان ، ويدّعي الألوهية ، وتكون فتنته عظيمة والابتلاء به على ضعاف الإيمان شديد .
    فمثلا : من ظن من الصحابة أن الدجال هو ابن الصياد ، لا يعارض في صحة هذا الأمر المجمل ، ومن صحح حديث الجساسة واعتقد حياة الدجال منذ حياة النبي صلى الله عليه وسلم لا يعارض هذا الأمر المجمل أيضًا .
    إذن فمجرد الاختلاف في خبر الدجال لا يجيز عقلا أن يُرد خبره جملة وتفصيلا ، وسيكون رده بنحو هذا الاختلاف رد غير عقلاني ، ويصادم عمل العقل الفطري من تقديم اليقين على الظن ، وعدم التشكيك في اليقين لمعارضة بعض الظنون له .
    على أن كثيرا من الاختلاف المزعوم في أخبار الدجال :
    - مما لم يصح إسناده أصلا ، فلا يصح الاعتراض به على ما صح . بل مثل هذا التصرف ينم عن جهل شديد ، أو هوى مستحكِم .
    - ومنه ما صح ظاهر سنده ، لكن دلت عللٌ خفية في إسناده أو نكارة في متنه على عدم صحة إسناده في الحقيقة .
    - ومنه ما التعارض فيه ظاهري فقط ، وغير حقيقي ، ويمكن الجواب عنه بجواب صحيح . وقد حرص العلماء على بيان ذلك أوضح بيان وأشفاه ، لمن قرأ بعلم وفهم وبغير هوى في التعقب وبغير شهوة التعالم والتخطيء .
    - ومنه ما هو اجتهاد من بعض الصحابة ، لا يقوم أمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم .
    - ومنه ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم اجتهادا ، قبل تمام خبر الوحي إليه في شأن الدجال . فقد كان الوحي (كما في قضايا كثيرة) يتدرج في الخبر عن الدجال على النبي صلى الله عليه وسلم. ولعله لذلك ظنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مرة ابن الصياد ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل ابن الصياد : «إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله » ، كما في الصحيحين ، فهذا صريح بالتردد وعدم الجزم ، فاستصحب بعض الصحابة هذا الظن ، إلى ما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم . وهذا بعض ما أجاب به العلماء منذ قرون على هذا الاختلاف ، مؤيدين كلامهم بالروايات الصحيحة ، لا بالتوهمات والظنون .

    على أن هذه الاختلافات كلها (ما ثبت منها خاصة) لا يمكن أن تدل على اختلاق هذا الكم الكبير من الأخبار المروية بصحاح الأسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الدجال ، ولا يحتج بها على تكذيب أئمة الدين الذين نقلوها أو على تغليطهم ؛ إلا من طغى على عقله حب الاعتراض ، فردَّ بها ما لا يجيز العقل ردَّه ، وبحجة العقل نفسه !!!
    http://nama-center.com/m/ActivitieDatials.aspx?ID=255
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    616

    افتراضي رد: أحاديثُ الدَّجال بين قطعيةِ النقلِ ، ودعاوى ردِّ العقل . د/حاتم العوني.

    وهل إذا صح حديث وجوده منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم يكون ذلك ظنيا وليس قطعيا، ومتى يفيد الحديث الظن ومتى يفيد القطعية وما الفرق بينهما؟ ومن من السلف فرّق بين الأحاديث وقسمها قسمين ظنية وقطعية؟ إذا صح حديث الجساسة فأنا أقطع يقينا بما لا شك فيه أن الدجال موجود الآن ومنذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره الشيخ من تشغيب أولئك صحيح ولكن لا يعني أن نبدأ نشكك في حديث الجساسة وأنه ظني لا يفيد اليقين
    قال الفضيل رحمه الله تعالى: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله. الجواب الكافي ص60

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •