مدارسة لتعبير النووي "قال العلماء
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: مدارسة لتعبير النووي "قال العلماء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,495

    Lightbulb مدارسة لتعبير النووي "قال العلماء

    مدارسة لتعبير النووي "قال العلماء"

    الحمد لله، وبعد:
    يرد في شرح مسلم للنووي عبارة: "قال العلماء".
    وقد رأيت مَن يُسْنِد هذا المقول إلى النووي. وهذا خطأ. والصواب فيه: "قال النووي: قال العلماء".
    ثمّ لمّا تأتي تفحص هذه العبارة، وتتفكَّر:
    سـ1: لماذا أبهم النووي هذا القائل؟
    سـ2: ومَن هذا القائل؟

    أمّا لماذا أبهم؟
    فقد صرَّح النووي في صدر شرح مسلم، بقوله: (وحيث أنقل شيئًا من أسماء الرجال واللغة وضبط المشكل والأحكام والمعاني وغيرها من المنقولات؛ فإنْ كان مشهورًا: لا أضيفه إلى قائليه لكثرتهم؛ إلا نادرًا لبعض المقاصد الصالحات. وإنْ كان غريبًا أضفته إلى قائليه، إلا أن أذهل عنه في بعض المواطن؛ لطول الكلام، أو كونه مما تقدَّم بيانه من الأبواب الماضيات).
    وأظنّ أن مِن أغراض الإبهام كذلك:
    أنّ النووي رحمه الله يتصرّف في المقول حين الإبهام، بما لا يخرجه عن حدِّه ومعناه. وهذا ضرب من الورع؛ حيث إنّ تعيين القائل والتنصيص على مقولته، يلزم منه عدم التصرُّف في العبارة؛ بخلاف قوله: "قال العلماء"، وهذه عبارة مرنة، قد يُراد منها: قال العلماء، يعني: بالنص، أوالمعنى، أو بما خلاصته، وهكذا بما يُقدِّره القارىء .. هذا مع جواز الأداء مع إقامة المعنى، قال أبو داود في "سننه": (سمعت أبا سلمة يقول: إذا أقمت الإسناد والمعنى كفاك).

    وأمّا مَن هذا القائل؟
    فقد يظنّ بعض القُرَّاء أنّ النووي يريد من هذه العبارة "قال العلماء" نقل الإجماع على هذه الجزئيّة المقولة.
    وهذا الظنّ - إنْ كان وجال - فهو غير صحيح، لا يؤيّده سياق ولا استقراء ..، وليست هذه العبارة من عبارات نقل الإجماع عند النووي، بخلاف قوله: "قال العلماء كافّة"؛ فإنّه يريد بذلك نقل الإجماع ولو كان فيه خلاف لا يضرّ (راجع: ألفاظ حكاية الإجماع عند النووي، من رسالة: الإجماع عند النووي من خلال شرح لصحيح مسلم، للباحث: عليّ بن أحمد الراشدي).

    إذن، مَن يريد؟
    هل يشير بذلك إلى شُرَّاح الحديث، لا سيّما الشُّرّاح المغاربة، الذين نَهِل من معينهم، وكان معوّله الأساس عليهم [مع الإقرار أنّ النووي رحمه الله له تحريراته وتقريراته]؟
    أظنه هذا..
    ثم ينبغي مراجعة وعرض هذه العبارة على مواضعها أو جملة صالحة من ذلك، من مصادر النووي، لا سيّما شروح المغاربة..
    مثال للاقتباس مع التصرُّف وإبهام القائل:
    روى مسلم في صحيحه عن عُروة، أنه قال لِعَائِشَةَ رضي الله عنها: مَا أَرَى عَلَيَّ جُنَاحًا أَنْ لَا أَتَطَوَّفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: «لِمَ؟»، قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} [البقرة: 158] الْآيَةَ، فَقَالَتْ: "لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ...".
    فقال النوويُّ مُعقِّبًا على هذا في شرحه على مسلم 9 : 21 والمطبوع بهامش إرشاد الساري 5 : 395 - 396: (قال العلماء: هذا من دقيق علمها، وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ ...).اهـ.
    وعندما تفحص هذه العبارة، وتعرضها على مصادر النووي، لا سيّما شروح المغاربة، يتبيَّن أنّ أصل هذا التعليق ثبت في كتاب المازَرِي (وقد تُكسَر زايه) (تـ: 536): "المُعْلِم" 2 : 92، وعنه كتاب القاضي عياض (تـ: 544) (وكان المازري قد أجازه بالمعلم وغيره من تواليفه): إكمال المعلم 4 : 350، وفيهما: (هذا مِن بديع فقهها، ومعرفتها بأحكام الألفاظ).اهـ.
    والقاضي يُعبِّر عن المازري بـ : "الإمام". و"الشيخ" في كتاب المازري، هو نفسه المازري. وهذا كثير، من ذلك قول البيهقي في كتبه: "قال الشيخ أحمد". يريد نفسه، وهو أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفَّى سنة (458 هـ). والمُعْلم للمازري، عبارة عن "تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الجليل أبي عبد الله محمد بن عليّ المازري - رضي الله عنه - في شهر مضان من سنة تسع وتسعين وأربعمائة (499)، منقولا ذلك بعضه بحكاية لفظ الفقيه الإمام أيّده الله، وأكثره بمعناه". (مقدِّمة المعلم).
    وهذا الذي ذكرت – يعني : مِن صنيع النووي في شرح مسلم -، هو من حيث الأصل .. ثم يُنظر بعد ذلك في كل مقول على حِدة، من ناحية: موضوع المقول، ثم مصادر هذا المقول..

    إنّ النووي رحمه الله استعمل هذه العبارة في غير شرح مسلم (كما في تهذيب الأسماء واللغات، وخلاصة الأحكام)؛ فينبغي هاهنا النظر في أمرين:
    الأول: مادّة الكتاب.
    الثاني: مصادر النووي في هذا الكتاب. حتى ينكشف للناظر، تعيين ما أبهمه النووي رحمه الله تعالى.
    وصنيع النووي في هذا، شبيه بصنيع الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى (تـ: 318 هـ) في "الأوسط؛ إذْ يتكرَّر قوله فيه كثيرًا: "قال قائل"، وبالبحث والتأمُّل قد يفطن الباحث إلى تعيين هذا القائل، من ذلك قول ابن المنذر في "الأوسط" 3 : 94: (قال قائلٌ: ليس في المكان الذي يضع عليه اليد خبر يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن شاء وضعهما تحت السرة، وإن شاء فوقها).اهـ.
    أقول: أحسب أنّ ابن المنذر رحمه الله تعالى أشار بهذا إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ فقد جاء في "مسائل الكوسج" 2 : 551: (قلت: إذا وضع يمينه على شماله؛ أين يضعهما؟ قال: فوق السرة وتحته، كل هذا ليس بذاك).اهـ.

    فإنْ قيل: ما ثمرة هذا البحث؟!
    فالجواب؛
    لهذا البحث ثمرات، منها:
    1/ معرفة مصطلحات أهل العلم، وسبر أغوارها، وأبعاد مدلولاتها.
    2/ تبيُّن واستظهار مصادر المصنِّف.
    3/ تقويم النّصّ إذا كان في أيّ المصادر (الأصيلة أو الثّانويّة) خللا من تصحيف أو تحريف أو اختصار مخلّ ونحو ذلك.
    والله تعالى أعلى وأحكم، وصلّ اللهمّ على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرا.
    {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    9,987

    افتراضي رد: مدارسة لتعبير النووي "قال العلماء

    بارك الله فيكم على هذا البحث الطيب
    كثيرا ما أسمع شيوخنا كالعثيمين وصالح آل شيخ والحويني وغيرهم يقولون قال العلماء. ولا أفهم من كلامهم إجماع العلماء أو حتى جمهورهم وأول ما يتطرق للذهن أنهم يعنون بذلك عالما معينا لا يستحضرون اسمه أو طائفة من الشراح عند الحديث عن معنى لفظة أو عبارة. والأمر يحتاج إلى تتبع ودراسة أسلوبية لكلام النووي رحمه الله تعالى
    تَصْفُو الحَياةُ لجَاهِلٍ أوْ غافِلٍ ... عَمّا مَضَى فيها وَمَا يُتَوَقّعُ

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي رد: مدارسة لتعبير النووي "قال العلماء

    بحث طيب بارك الله فيك .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,495

    افتراضي رد: مدارسة لتعبير النووي "قال العلماء

    نفع الله بكما
    لم أتبيّن وجه "الدراسة الأسلوبية" - في هذا السياق ..
    والمدارسة هنا منصرفة إلى البحث المصطلحي المصادري ..
    {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •