الديباجة في رفع الحرج عمن قام أو قعد للجنازة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الديباجة في رفع الحرج عمن قام أو قعد للجنازة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    200

    افتراضي الديباجة في رفع الحرج عمن قام أو قعد للجنازة

    الديباجة في رفع الحرج عمن قام أو قعد للجنازة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وقدوة الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم برضوان، وسلم تسليما كثيراٍ.
    أما بعد:
    فهذا كلمات يسيرة لمبحث شائك للغاية، لما فيه من اختلاف بين الروايات وبين الفقهاء من الصحابة والتابعين وجمهور المتأخرين.
    ألا وهو الكلام على أحاديث القيام والجلوس للجنازة إذا مرت، وإذا شيعها المشيعون.
    فمن العلماء من الصحابة ومن بعدهم، من قال بالقيام للجنازة، ومنهم من قال بالجلوس، وظهر الاختلاف بين الفريقين من السلف والخلف حتى ملأت صفحات عدة من كتب أئمتنا الفقهية والحديثية.
    ولما كان هذا الموضوع ذو صلة ببحث لي أضعه منذ سنوات، عن اليوم الآخر، وفي أحد أبوابه فصل عن الجنازة وأحكامها، وقد بحثت الموضوع، على ما فيه من مهام صعبة، كي أخلص بقول عدلٍ في المسألة، رجاء نفع نفسي وإخواني من طلبة العلم.
    وبعد أن انتهيت من كتابته وتحريره، وسوق روايات الباب وتخريجها، والحكم على بعضها مما ليس في الصحيح، أعملت جهدي فتوصلت في آخره إلى نتيجته التي هي الفصل في النزاع، قدر طاقتي بما يناسب جهلي وتقصيري، فأحببت أن أستله من بحثي المذكور، وأن أشارك به إخواني في الملتقيات السلفية، رجاء أن يبصرني شيخ أو زميل بعيب أو خطأ وقع مني جهلاً أو سهواً، فالمؤمن مرآة أخيه. وجزى الله خيرا أخاً ناصحاً أهدى إليَّ عيوبي.
    وها أنا أذكر أدلة الفريقين مما روي في الباب، ثم أتبعها بالتخريج والحكم عليها إن وجد، ثم بالتحليل والترجيح ليظهر ما خفي في هذا الباب.
    والله أعلم بالصواب، وأستغفر الله عزوجل وأتوب إليه.

    وقلت بعد ديباجة تخص البحث:
    أما أحاديث الأمر بالوقوف، فكثيرة، نذكر منها:
    ما رَوَاه أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ ؟ فَقَالَ: « إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً فَقُومُوا ».
    وعِنْدَ مُسْلِمٍ بلفظ: « إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا ».
    وله كذلك عَنْ جَابِرِ قَال: « قَامَ النَّبيُّ r وَأَصْحَابُهُ لجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ حَتىَّ تَوَارَتْ ».
    رواه أحمد عن أبي هريرة 3/345 وعن جابر3/343 والنسائي 1922 وابن حبان 3050 ورواية مسلم 960 وما بعدها.
    وروى أحمد عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ r أَنَّهُ قَال: « مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَمْ يَمْشِ مَعَهَا، فَلْيَقُمْ حَتىَّ تَغِيبَ عَنْه، وَمَنْ مَشَى مَعَهَا، فَلاَ يَجْلِسْ حَتىَّ تُوضَع ».
    رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه 2/265 وصَحَّحَهُ أَحْمَد شَاكِر وهو صحيح لغيره.
    وفي الصحيحين عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ: « إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ ».
    وفي لفظ قَالَ: « إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جِنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيَاً مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتىَّ يُخَلِّفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَع ».
    متفق عليه رواه البُخَارِيُّ 1308 ومُسْلِمٌ 958.
    وفي المسند عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبيِّ r أَنَّهُ قَال: « إِذَا رَأَيْتَ جَنَازَةً: فَقُمْ حَتىَّ تُجَاوِزَك [أَوْ قَالَ: قِفْ حَتَّى تُجَاوِزَكَ] ».
    قَالَ [نافع]: « وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى جَنَازَةً قَامَ حَتَّى تُجَاوِزَهُ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ وَلَّى ظَهْرَهُ الْمَقَابِرَ».
    وفيه بلفظ: « إِذَا رَأَيْتَ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ تَكُ مَاشِيًا مَعَهَا فَقُمْ لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكَ أَوْ تُوضَع، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رُبَّمَا تَقَدَّمَ الْجِنَازَةَ فَقَعَدَ حَتَّى إِذَا رَآهَا قَدْ أَشْرَفَتْ قَامَ حَتَّى تُوضَعَ وَرُبَّمَا سَتَرَتْهُ ».
    رواهما أحمد 3/445 بسندين صحيحين على شرط الشيخين، الأول حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن عون عن نافع. والثاني حدثنا إسماعيل أخبرنا أيوب عن نافع.
    وفي مسلم عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيِّ r قَالَ:
    « إِذَا اتَّبَعْتُمْ جِنَازَةً فَلاَ تجْلِسُواْ حَتىَّ تُوضَع ».
    وفي لفظ: « إِذَا رَأَيْتُمِ الجِنَازَةَ فَقُومُواْ، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلاَ يجْلِسْ حَتىَّ تُوضَع ».
    رواه مُسْلِمٌ في الجَنَائِزِ959.
    وفي سنن النسائي عَن أَبي هُرَيْرَةَ وَأَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُمَا قَالاَ:
    « مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ r شَهِدَ جِنَازَةً قَطُّ فَجَلَسَ حَتىَّ تُوضَع ».
    وروى أيضاً عَنْ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: « أَنَّهُمْ كَانُواْ جُلُوسَاً مَعَ النَّبيِّ r فَطَلَعَتْ جِنَازَة؛ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ r وَقَامَ مَنْ مَعَه، فَلَمْ يَزَالُواْ قِيَامَاً حَتىَّ نَفَذَتْ ».
    رواهما النَّسَائِيِّ 1918 و 1920 وحسن الألباني سند الأول وصحح الثاني.
    وروى أحمد عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَنَّاحٍ قَالَ رَأَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَنَازَةً فَقَامَ لَهَا وَقَالَ رَأَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَنَازَةً فَقَامَ لَهَا ثُمَّ حَدَّثَ « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r رَأَى جَنَازَةً فَقَامَ لَهَا ».
    المسند 1/60-64 ومن زوائد عبد الله، وفيه موسى بن عمران بن مناح وهو مجهول، وقال الهيثمي: ولم أجد من ترجمه بما يشفي. ومن طريق عبد الله رواه الضياء في المختارة 311-312 وقال: إسناده لا بأس به. وحسنه شعيب لغيره.
    وروى كذلك عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ:
    « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِr مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ ».
    رواه أحمد 4/164 والبزار 1272 وقال عقبه: وَلاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.اهـ قلت: يريد طريق جابر الجعفي الرافضي وهو مختلف فيه فوثقه قوم وكذبه آخرون، وهو إلى الضعف أقرب، والحديث صحيح بغير هذا الإسناد، فلم ينفرد الجعفي بروايته عن الشعبي، فقد تابعه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وهو ثقة عند النسائي 1919 وكذلك زكريا بن أبي زائدة عند النسائي وابن أبي شيبة في المصنف 11911 فالحديث من طريقيهما صحيح.
    ورواه أحمد عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ r فِي أَصْحَابِهِ فَطَلَعَتْ جِنَازَةٌ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ r ثَارَ وَثَارَ أَصْحَابُهُ مَعَهُ فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى نَفَذَتْ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ تَأَذٍّ بِهَا؟ أَوْ مِنْ تَضَايُقِ الْمَكَانِ؟ وَلَا أَحْسِبُهَا إِلَّا يَهُودِيًّا أَوْ يَهُودِيَّةً وَمَا سَأَلْنَا عَنْ قِيَامِهِ r .
    رواه أحمد 4/388 وابن أبي شيبة 11908 والحاكم 6583 والطبراني 629 والنسائي في الكبرى 2058 وفي سماع خارجة بن زيد بن ثابت من عمه يزيد بن ثابت شكٌ أشار إليه البخاري وابن عبد البر. والله أعلم.
    وروى البخاري عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: قُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا « أَنَّ النَّبِيَّ r نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ » فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ. رواه البخاري 1309 والبيهقي في الكبرى 3873.
    وفيه عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَقَيْسٌ « يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ ».
    رواه البخاري 1312 وعبد الرزاق في المصنف 6310.
    فهذه الأحاديث، صحيحة صريحة في الأمر بالقيام للجنازة، والنهي عن الجلوس لمن مرت عليه حتى تغيب عنه، أو من شيعها حتى توضع، وفي هذه الأحاديث بعض الفوائد:
    الفائدة الأولى: في قوله « إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا ». وقوله: « إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ ».
    ذكر الحافظ قول القرطبي: معناه أن الموت يفزع منه، إشارة إلى استعظامه، ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثم استوي فيه كون الميت مسلماً أو غير مسلم.
    وقال غيره: جعل نفس الموت فزعاً مبالغة، كما يقال: رجل عدل.
    قال البيضاوي: هو مصدر جرى مجري الوصف للمبالغة، وفيه تقدير، أي: الموت ذو فزع. ويؤيد الثاني، رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ " أن للموت فزعاً". انتهى.
    وعن ابن عباس مثله، قال: وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة. اهـ من قول الحافظ.
    الفائدة الثانية: في قَوْلُهُ « فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدَن حَتَّى تُوضَعَ ».
    قِيلَ: أَرَادَ بِهِ وَضْعَهَا عَنِ الْأَعْنَاقِ، وَيُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ الثَّوْرِيِّ: حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ.
    وَقِيلَ: حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّن وقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الْوَضْعُ عَلَى الْأَرْضِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَادَةَ « حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ » وَيَرُدُّهُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الطَّوِيلِ « كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي جِنَازَةٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدُ فَجَلَسْنَا حَوْلَهُ » وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اخْتِلَافٌ، فَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْهُ «حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ» وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْهُ «حَتَّى تُوضَعَ بِاللَّحْدِ» حَكَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَوَهَّمَ رِوَايَةَ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَثْرَمُ.اهـ من قول الحافظ
    قلت: قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُنَنِ: « وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ».اهـ
    وقد رجح البخاري أن الوضع المذكور لا يراد به الوضع في اللحد وإنما الوضع على الأرض من على أكتاف الرجال فبوب له بابا فقال: [ باب: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال].
    وقال ابن حجر في الفتح: كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب حتى توضع بالأرض على رواية من روى حتى توضع في اللحد. اهـ
    الفائدة الثالثة: في تعليل القيام للجنازة:
    والمروي في الباب يبين أن تعليل القيام للجنازة لأسباب عدة:
    الأول: لأنها نفس خلقها الله ويجب تقديرها.
    ففي الصحيحين عَنْ سَهْلِ بْنَ حُنَيفٍ وَقَيْسِ بْنَ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا:
    أَنَّهُمَا كَانَا بِالقَادِسِيَّة ، فَمَرُّواْ عَلَيْهِمَا بجِنَازَةٍ فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِن أَهْلِ الأَرْض، أَيْ مِن أَهْلِ الذِّمَّة [أَيْ مَجُوسِيٌّ]، فَقَالاَ: إِنَّ النَّبيَّ r مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَه: إِنهَا جِنَازَةُ يَهُودِيّ؟ فَقَالَ r : « [أَلَيْسَ مَيِّتًا ؟] أَلَيْسَتْ نَفْسَاً ؟».
    رَوَاهُ البُخَارِيُّ 1313 ومُسْلِمٌ 961 وأحمد 6/6 والطحاوي في معاني الآثار 2786 وله الزيادتان.
    الثاني: أن القيام كان إعظاما للذي يقبض النفوس.
    فروى أحمد عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ r فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ تَمُرُّ بِنَا جَنَازَةُ الكَافِر؛ أَفَنَقُومُ لَهَا؟ فَقَالَ r : « نَعَمْ: قُومُواْ لَهَا؛ فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَقُومُونَ لَهَا، إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامَاً لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوس ».
    وفي لفظ ابن حِبَّانَ: « إِعْظَامًا للَّذِي يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ ».
    الثالث: ما فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ النسائي فَقَالَ « إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ».
    رَوَاهُ أَحْمَدُ 2/168 وحَسَّنَهُ شَاكِر والنسائي 1929 وصححه الألباني وابن حبان 3053 والطبراني أوسط 8113.
    قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إِنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ هَذِهِ التَّعْلِيلَاتِ لِأَنَّ الْقِيَامَ لِلْفَزَعِ مِنَ الْمَوْتِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ وَتَعْظِيمٌ لِلْقَائِمِينَ بِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ وَهُمْ الْمَلَائِكَةُ. اهـ
    الرابع: أن القائم للجنازة حتى توضع له مثل أجر حاملها:
    كما روى البيهقي عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ, وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمَامَ الْجِنَازَةِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَقَامُوا حَتَّى وُضِعَتْ، ثُمَّ جَلَسُوا فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ، فَقَالَ: « إِنَّ الْقَائِمَ مِثْلُ الْحَامِلِ ». يعني في الأجر.
    رواه البيهقي في السنن الكبرى 4/43 بسند صحيح رواته أئمة ثقات حفاظ.
    الخامس والسادس: تعليلان ضعيفان المعنى لا يثبتان أمام هذه التعليلات الصريحة أعلاه.
    فأما التعليل الأول منهما: فما رواه أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ:
    « إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r تَأَذِّيًا بِرِيحِ الْيَهُودِيِّ ». رواه أحمد 1/200-201 بسند ضعيف.
    وعند أبو نعيم مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاشٍ بلفظ: « فَأَذَاهُ رِيحُ بَخُورِهَا ».
    رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة 3935 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 3/28: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو عمرو السدوسي، ولم يرو عنه غير أبى عامر العقدي، وبقية رجاله ثقات.
    وفي معجم ابن الأعرابي عَنْ جَابِرٍ قَالَ: « إِنَّمَا وَقَفَ النَّبِيُّ r لِأَنَّهَا كَانَتْ جِنَازَةَ يَهُودِيٍّ لِنَتَنِ رِيحِهَا ». وعند الطحاوي بلفظ: « آذَانِي رِيحُهَا ».
    رواه ابن الأعرابي 1725 من طريق معاوية بن يحيى الصدفي وقد ضعفوه، والطحاوي 2797 من رواية محمد بن عمر بن علي، وهو قليل الحديث، وشيخ الطحاوي عمرو بن مرزوق فيه شيء مع ثقته، فرفعه غريب.
    والتعليل الآخر منهما: ما رواه النسائي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ جَالِسًا فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ:
    « إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا، فَكَرِهَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَامَ ».
    رواه النسائي 1927 وفي الكبرى 2065 والدولابي في الذرية الطاهرة 120 وسنده صحيح.
    قال ابن حجر عن هاتين الروايتين: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ الْأَخْبَارَ الْأُولَى الصَّحِيحَةَ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ أَسَانِيدَهَا لَا تُقَاوِمُ تِلْكَ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي، وَالتَّعْلِيلُ الْمَاضِي صَرِيحٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ r .اهـ
    قلت: تعليل الحسن نسب فيه الكراهة لفعل النبي r، وهذه النسبة في حكم المرفوع، لا سيما وسندها صحيح إلى الحسن، نعم أسانيدها لا تضارع تلك، وفيها مخالفة.
    الفائدة الرابعة: فيما ورد مما ظاهره نسخ القيام للجنازة:
    وقد جاءت أحاديث أخرى على خلاف أحاديث الأمر بالقيام للجنازة، ويعتبرها بعض العلماء ناسخة للقيام.
    نذكر منها ما رواه مسلم وغيره عَنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وقد جاءت عنه بألفاظ عدة، قَال:
    « قَامَ رَسُولُ اللهِ r ثمَّ قَعَد ».
    وفي لفظ: « رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ r قَامَ فَقُمْنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا ».
    وفي لفظ: « كَانَ r يَقُومُ فِي الجَنَائِزِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ ».
    وفي لفظ: « قَامَ رَسُولُ اللهِ r لِلْجَنَازَةِ فَقُمْنَا، ثُمَّ جَلَسَ فَجَلَسْنَا ».
    الروايات عنه صحيحة بهذه الألفاظ عدا الزيادة الآتية، وراجع المسند 1/82 وابن حبان 3054 ومُسْلِمٌ 962 وموطأ مالك 1/332 وأبو داود 2/64 وابن ماجة 1545 والنَّسَائِيِّ 1925 والطحاوي 1/383 والطيالسي 150.
    وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وأبي يعلى والطحاوي وفيه زيادة الأمر بالجلوس، بِلَفْظِ:
    « كَانَ رَسُولُ اللهِ r أَمَرَنَا بِالقِيَامِ في الجِنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا بِالجُلُوس ».
    ومثلها من رواية مَسْعُودٍ بْنِ الْحَكَمِ الزُّرَقِيِّ قَالَ: « شَهِدْتُ جِنَازَةً بِالْعِرَاقِ, فَرَأَيْتُ رِجَالًا قِيَامًا يَنْتَظِرُونَ أَنْ تُوضَعَ, وَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ: أَنِ اجْلِسُوا، فَإِنَّ النَّبِيَّ r قَدْ أَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ بَعْدَ الْقِيَامِ ».
    أخرجه أحمد 1/82 وأبو يعلى 308 وابن حبان 3056 والبيهقي 6675، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة وهو صدوق له أوهام. وعند أبي يعلى متابعة يحيى بن سعيد وفيه نوع تدليس مع جلالته وثقته، ورواه ابن حبان 3054-3055 من طريق مالك والليث عن يحيى وليس فيه الزيادة، ورواه الطبري في تهذيب الآثار 268 والطحاوي في شرح معاني الآثار 2579 وابن عساكر في معجمه 1010 من رواية إسماعيل بن مسعود بن الحكم الزرقي عن أبيه، وإسماعيل مجهول وقد ذكره ابن حبان في الثقات على عادته في توثيق المجاهيل، وخلص الألباني رحمه الله، إلى أن الحديث حسن بمجموع طرقه.
    وَفي رِوَايَةٍ للنسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال: « قَامَ لَهَا ثُمَّ قَعَد ».
    الفائدة الخامسة: فيما ورد من تعليل الجلوس للجنازة:
    وجاء في تعليل الجلوس بعد القيام، بأنه مخالفة لأهل الكتاب، وأن هذا كان من صنيعهم.
    كما رُوِىَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال:
    كَانَ رَسُولُ اللهِ r إِذَا اتَّبَعَ جِنَازَةً لَمْ يَقْعُدْ حَتىَّ تُوضَعَ في اللَّحْد، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ فَقَال: هَكَذَا نَصْنَعُ يَا محَمَّد؛ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ r وَقَال: « خَالِفُوهُمْ ».
    رواه الترمذي 1020 وابن ماجة 1545 وفيه بشر بن رافع وليس بالقوي، وعبد الله بن سليمان بن جنادة عن أبيه، وهما ضعيفان، ورواه أبو داود 3176 من طريق أَبُو الْأَسْبَاطِ الْحَارِثِيُّ وقد ضعف، وحسنه الألباني مع هذا.
    وروى أحمد عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَّ بِجِنَازَةٍ فَقَامَ لَهَا نَاسٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ:
    « مَنْ أَفْتَاكُمْ بِهَذَا؟ » فَقَالُوا: أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: « إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ r مَرَّةً، فَكَانَ يَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الكِتَاب، فَلَمَّا نُهِيَ انْتَهَى ».
    وفي لفظ النسائي: « إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r لِجَنَازَةِ يَهُودِيَّةٍ وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ ».
    رواه أحمد 1/141 وعبد الرزاق في المصنف 6311 والنسائي 1923 وهو حديث صحيح.
    وجاء عن عائشة في تعليل القيام للجنازة بأنه كان من أفعال الجاهلية: فروى البخاري عَن عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، حَدَّثَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ كَانَ يَجْلِسُ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ, وَلَا يَقُومُ لَهَا، وَيُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: « كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا إِذَا رَأَوْهَا, وَيَقُولُونَ: كُنْتِ فِي أَهْلِكَ مَا أَنْتَ؟ كُنْتِ فِي أَهْلِكَ مَا أَنْتَ؟ ».
    رواه البخاري 3837 عن يحيى بن سليمان والطحاوي 2810 في المعاني عن يونس كلاهما عن ابن وهب به.

    يتبع إن شاء الله تعالى



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    200

    افتراضي رد: الديباجة في رفع الحرج عمن قام أو قعد للجنازة

    الفائدة السادسة: في الترجيح بين القولين وفض الإشكال بين الفريقين:
    أولاً: التعليق على روايات القائلين بالجلوس:
    فهذه الأحاديث التي رويت في مشروعية الجلوس بعد القيام للجنازة، للعلماء فيها كلام، من حيث ثبوتها من عدمه، ومن حيث وجه دلالتها وحكمها.
    فغالب المروي في الباب جاء عن علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وعائشة.
    فأما ما روي عن علي: فيقال أولاً: أن أمر عَلِيٍّ لهم بالجلوس كان لانتظارهم أن توضع الجنازة كما في رواية مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ شَهِدَ بِالْكُوفَةِ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والنَّاسَ قِيَامًا يَنْتَظِرُونَ الْجَنَازَةَ أَنْ تُوضَعَ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِدِرَّةٍ مَعَهُ أَوْ سَوْطٍ أَنِ اجْلِسُوا. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَدْ جَلَسَ بَعْدَ مَا كَانَ يَقُومُ.
    فالأمر ليس فيه نهي القائم للجنازة إذا مرت عليه، بل غالب أحاديث علي في الباب مختصة بمن تبع جنازة، فله الجلوس قبل أن توضع.
    وثانياً: أن حديث علي جاء بألفاظ كثيرة بغير زيادة « وَأَمَرَنَا بِالجُلُوس ».
    فمنها قوله: « قَامَ رَسُولُ اللهِ r ثمَّ قَعَد ». وقوله: « رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ r قَامَ فَقُمْنَا، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا ». وقوله: « كَانَ r يَقُومُ فِي الجَنَائِزِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ ».
    وقوله: « قَامَ رَسُولُ اللهِ r لِلْجَنَازَةِ فَقُمْنَا، ثُمَّ جَلَسَ فَجَلَسْنَا ».
    وهو المشهور الأكثر عنه من روايته.
    أما ما جاء عنه بزيادة: « وَأَمَرَنَا بِالجُلُوس » فمن طريقين فيهما كلام أشرنا إليه في تخريجه، وقد جاء من طرق أصح عند مسلم ومالك والترمذي وأبو داود بغير هذه الزيادة.
    فالحديث بالزيادة قد يدل على نسخ القيام لمن شيعها حتى توضع، والروايات الأصح على أنه قعد فقط ولم يذكر فيها الأمر بالجلوس، فاقتصار جمهور المخرجين لهذا الحديث على عدم ذكر الزيادة، يضعف القول بالنسخ وإن زادها ثقة.
    فليس في حديث علي إلا أنه رأى النبي r قعد للجنازة بعد أن كان يقوم لها، وهي حكاية فعل لا ترتقي لما جاء في الباب قولاً وفعلاً عن كثير من الصحابة بروايات أصح إسناداً وأظهر حكماً كما هو الظاهر من ألفاظها.
    وأما حديث ابن عباس: فليس فيه إلا الحكاية على أنه قعد بعد أن كان يقوم للجنازة، ويقال فيه ما قيل في روايات علي رضي الله عنه.
    وأما حديث عبادة فقد ضعف كما أشرنا في تخريجه سابقاً، ومع ذلك فلفظه: « كَانَ رَسُولُ اللهِ r إِذَا اتَّبَعَ جِنَازَةً لَمْ يَقْعُدْ حَتىَّ تُوضَعَ فِي اللَّحْد » فخص من تبع الجنازة لا من مرت عليه كما هو ظاهر.
    وأما مخالفة أهل الكتاب وقصة الحبر: ففي حديث الحبر مع ضعفه قد قيد بقوله: « كَانَ رَسُولُ اللهِ r يَقُومُ لِلجَنَازَةً حَتىَّ تُوضَعَ فِي القَبرِ» ولم يشر إلى القيام للجنازة إذا مرت به، فالنسخ قد يكون وارداً لمن تبع الجنازة حتى توضع، لا لمن مرت عليه فقام، والله أعلم.
    وأما مخالفة أهل الكتاب، كما في تعليل علي في حديثه، فالأصل أن رسول الله r كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، كما صح من حديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: « أَنَّ رَسُولَ اللهِ r كَانَ يَسْدُلُ شَعْرَهُ, وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونِ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ رُءُوسَهُمْ, وَكَانَ رَسُولُ اللهِ r يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ r رَأْسَهُ ».
    متفق عليه رواه البخاري 3365 ومسلم 2336.
    فهذا الذي يقوله علي من أن النبي أمر به، لا يساوي ما حفظه الأكثر من الصحابة في الأمر بالقيام وتعليله الصريح ؟
    وأما حديث عائشة في أن القيام للجنازة كان من أفعال الجاهلية، فيقضي عليه تعليل النبي r للقيام بأمور واضحة وصريحة لا يختلف فيها.
    وأشار ابن حجر إلى أنَّ عائشة رضي الله عنها، لم يبلغها الأمر فقالت ما قالت، فقال:
    " ظاهره أن عائشة لم يبلغها أمر الشارع بالقيام لها، فرأت أن ذلك من الأمور التي كانت في الجاهلية، وقد جاء الإسلام بمخالفتهم ".اهـ
    قلت: بل قد بلغها، فقد روى البزار عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: « إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي جِنَازَةِ يَهُودِيٍّ مُرَّ بِهَا عَلَيْهِ ».
    رواه البزار كما في كشف الأستار 1/394 للهيثمي، وقال في المجمع: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.اهـ قلت: فيه ضعف ويحتمل.
    واشتهر ذلك عن عروة وهو أحد أكبر الرواة عنها، فروى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ « كَانَ يَعِيبُ عَلَى مَنْ يَقُومُ إِذَا مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ ».
    رواه عبد الرزاق في المصنف 6320 بسند صحيح إن كان معمر سمع من هشام بن عروة.
    وقد يكون قولها هنا وقع موقع الخبر، فأخذ منه القاسم الحكم باجتهاده.
    والظاهر عندي: أن عائشة أرادت من سوق الخبر بيان خطأ الجاهليين في قولهم " كنت في أهلك ما أنت؟" وهي كلمة تقال للتعظيم للميت غالباً، وقال ابن حجر: لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث بل كانوا يعتقدون أن الروح إذا خرجت تطير طيراً فإن كان ذلك من أهل الخير كان روحه من صالحي الطير، وإلا فبالعكس.اهـ
    وقرأت في بعض كتب التاريخ أن لفظهم " كنت في أهلك مائتاً" أي ميتاً، ولا أدري ما وجهه، ولا أراه صحيحا كما صح لفظ عائشة، وعلى كلٍ ففي فعلهم هذا مخالفة لشريعة التوحيد التي أمرتنا بالقيام للجنازة تصريحا أمراً وفعلاً، والاستغفار للميت والدعاء له، والاتعاظ بمنقلبه وأخذ العبرة من فواته، فسوق روايتها على أنها أرادت أن القيام فقط من أفعال الجاهلية لا يظهر من سياق هذا الحديث، بل ظاهره بيان جاهليتهم فيما يعتقدونه فيما يحصل للموتى.
    وأما روايتها « إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي جِنَازَةِ يَهُودِيٍّ مُرَّ بِهَا عَلَيْهِ » فيقال فيها ما قيل في روايات عليٍّ، فهي إنما عللت ذلك بفهمها ولم ترفع لفظ العلة للنبي r.
    وعلى فرض أنه مما استدركته على الصحابة، فقد قال النووي كما ذكر الحافظ: هذا من جملة الأحكام التي استدركتها عائشة على الصحابة، لكن كان جانبهم فيها أرجح. اهـ
    ثانيا: حقيقة القول بالنسخ ووجهه:
    وبعد ظهور وجه ما روي في الباب، ظهر أن القول بالنسخ - كما ذهب له كثير من العلماء- يصعب تحققه لقوة روايات القائلين بالقيام، وضعف المراد من روايات القائلين بالجلوس.
    قال البيضاوي: يحتمل قول على: " ثم قعد " أي بعد أن جاوزته وبعدت عنه، ويحتمل أن يريد كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلاً، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك الندب، ويحتمل أن يكون نسخا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح، لأن احتمال المجاز يعني في الأمر أولى من دعوى النسخ.
    وقال ابن حزم: قعوده r بعد أمره بالقيام، يدل على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخاً، لأن النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهي. اهـ من الحافظ في الفتح.
    وذكر الساعاتي في الفتح الرباني قول أبو بكر الهمداني عن حديث عبادة: لو صح لكان صريحا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد. اهـ
    وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته:
    وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْقِيَام لِلْجِنَازَةِ وَعَلَى الْقَبْر عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال:
    أَحَدهَا: أَنَّ ذَلِكَ كُلّه مَنْسُوخ: قِيَام تَابِعهَا, وَقِيَام مَنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ, وَقِيَام الْمُشَيِّع عَلَى الْقَبْر.
    قَالَ هَؤُلَاءِ: وَمَا جَاءَ مِنْ الْقُعُود: نَسَخَ هَذَا كُلّه, وَهَذَا الْمَذْهَب ضَعِيف مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه.
    أَحَدهَا: أَنَّ شَرْط النَّسْخ: الْمُعَارَضَة وَالتَّأَخُّر وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فِي الْقِيَام عَلَى الْقَبْر بَعْد الدَّفْن, وَفِي اِسْتِمْرَار قِيَام الْمُشَيِّعِينَ حَتَّى تُوضَع, وَإِنَّمَا يُمْكِن دَعْوَى النَّسْخ فِي قِيَام الْقَاعِد الَّذِي تَمُرّ بِهِ الْجِنَازَة عَلَى مَا فِيهِ.
    الثَّانِي: أَنَّ أَحَادِيث الْقِيَام كَثِيرَة صَحِيحَة صَرِيحَة فِي مَعْنَاهَا. فَمِنْهَا: حَدِيث عَامِر بْن رَبِيعَة, وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ, وَفِي بَعْض طُرُقه:
    « إِذَا رَأَى أَحَدكُمْ الْجَنَازَة فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى تُخَلِّفهُ أَوْ تُوضَع مِنْ قَبْل أَنْ تُخَلِّفهُ » وَفِي لَفْظ: « إِذَا رَأَى أَحَدكُمْ الْجَنَازَة فَلْيَقُمْ حِين يَرَاهَا حَتَّى تُخَلِّفهُ ".
    وَمِنْهَا: حَدِيث أَبِي سَعِيد وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ وَلَفْظهمَا: « إِذَا اِتَّبَعْتُمْ جَنَازَة فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَع » وَفِي لَفْظ لَهُمَا « إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَة فَقُومُوا, فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِس حَتَّى تُوضَع ».
    وَهُوَ دَلِيل عَلَى الْقِيَام فِي الْمَسْأَلَتَيْ نِ. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابِر فِي قِيَامه لِجَنَازَة يَهُودِيّ, وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ, وَتَعْلِيله بِأَنَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَة أَنْ تَطُولهُ تَعْلِيل بَاطِل, فَإِنَّ النَّبِيّ r عَلَّلَ بِخِلَافِهِ.
    وَعَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاث عِلَل. إِحْدَاهَا: قَوْله « إِنَّ الْمَوْت فَزَع » ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي حَدِيث جَابِر, وَقَالَ « إِنَّ الْمَوْت فَزَع فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَة فَقُومُوا ».
    الثَّانِيَة: أَنَّهُ قَامَ لِلْمَلَائِكَةِ , كَمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَس: أَنَّ جَنَازَة مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّه r, فَقَامَ, فَقِيلَ: إِنَّهَا جَنَازَة يَهُودِيّ, فَقَالَ: « إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ » .
    الثَّالِثَة: التَّعْلِيل بِكَوْنِهَا نَفْسًا, وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث قَيْس بْن سَعْد وَسَهْل بْن حُنَيْف قَالَا: إِنَّ رَسُول اللَّه r مَرَّتْ بِهِ جَنَازَة, فَقَامَ, فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيّ, فَقَالَ:
    « أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ ». فَهَذِهِ هِيَ الْعِلَل الثَّابِتَة عَنْهُ.
    وَأَمَّا التَّعْلِيل بِأَنَّهُ كَرَاهِيَة أَنْ تَطُولهُ, فَلَمْ يَأْتِ فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذِهِ الْأحَادِيثِ الصَّحِيحَة.
    وَلَوْ قُدِّرَ ثُبُوتهَا فَهِيَ ظَنّ مِنْ الرَّاوِي, وَتَعْلِيل النَّبِيّ r الَّذِي ذَكَرَهُ بِلَفْظِهِ أَوْلَى.
    فَهَذِهِ الْأَحَادِيث مَعَ كَثْرَتهَا وَصِحَّتهَا كَيْف يُقَدَّم عَلَيْهَا حَدِيث عُبَادَةَ مَعَ ضَعْفه؟
    وَحَدِيث عَلِيّ وَإِنْ كَانَ فِي صَحِيح مُسْلِم, فَهُوَ حِكَايَة فِعْل لَا عُمُوم لَهُ, وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظ عَامّ يُحْتَجّ بِهِ عَلَى النَّسْخ, وَإِنَّمَا فِيهِ « أَنَّهُ قَامَ وَقَعَدَ » وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَحَد أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُون كُلّ مِنْهُمَا جَائِزًا, وَالْأَمْر بِالْقِيَامِ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوب, وَهَذَا أَوْلَى مِنْ النَّسْخ. قَالَ الْإِمَام أَحْمَد: إِنْ قَامَ لَمْ أَعِبْهُ, وَإِنْ قَعَدَ فَلَا بَأْس. وَقَالَ الْقَاضِي وَابْن أَبِي مُوسَى: الْقِيَام مُسْتَحَبّ, وَلَمْ يَرَيَاهُ مَنْسُوخًا. وَقَالَ بِالتَّخْيِيرِ: إِسْحَاق وَعَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب وَابْن الْمَاجِشُونِ. وَبِهِ تَأْتَلِف الْأَدِلَّة. أَوْ يَدُلّ عَلَى نَسْخ قِيَام الْقَاعِد الَّذِي يُمَرّ عَلَيْهِ بِالْجِنَازَةِ, دُون اِسْتِمْرَار قِيَام مُشَيِّعهَا, كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ مَذْهَب أَحْمَد عِنْد أَصْحَابه, وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة. الثَّالِث: أَنَّ أَحَادِيث الْقِيَام لَفْظ صَرِيح, وَأَحَادِيث التَّرْك إِنَّمَا هُوَ فِعْل مُحْتَمِل لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْرَيْنِ, فَدَعْوَى النَّسْخ غَيْر بَيِّنَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ عَمِلَ الصَّحَابَة بِالْأَمْرَيْنِ بَعْد النَّبِيّ r, فَقَعَدَ عَلِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَمَرْوَان, وَقَامَ أَبُو سَعِيد, وَلَكِنْ هَذَا فِي قِيَام التَّابِع, وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ
    ثالثا: في الحكم أن القيام للجنازة مستحب ولم ينسخ إلا الوجوب لما فيه من مشقة:
    تخرج مما ذكرناه أعلاه:
    أولاً: أن أحاديث القيام كلها صحيحة، وأصح سنداً وأكثره مما ورد في القعود.
    وثانياً: أن علة الجلوس التي هي مخالفة أهل الكتاب، فيها ضعف من جهة ثبوتها، فحديث عبادة من طريق بشر بن الحكم وقد ضعف، ولذلك ضعفه ابن القيم وغيره.
    وحديث علي وقصره على أنه قام مرة واحدة لجنازة يهودية ثم قعد بعد ذلك، يرده قول جمع من الصحابة بلفظ العموم، مثل قوله: « إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً فَقُومُوا ».
    وقوله: « إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ ».
    وجاء عَن أَبي هُرَيْرَةَ وَأَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُمَا قَالاَ:
    « مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ r شَهِدَ جِنَازَةً قَطُّ فَجَلَسَ حَتىَّ تُوضَع ». وهو على العموم كذلك.
    وكذلك يشهد لها العموم في قوله في حديث ابن عمرو وقد سأله سائل: تَمُرُّ بِنَا جَنَازَةُ الكَافِر؛ أَفَنَقُومُ لَهَا؟ فَقَالَ r: « نَعَمْ: قُومُواْ لَهَا؛ فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَقُومُونَ لَهَا، إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامَاً لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوس ». وهذا عام لكل جنازة، فأنى له النسخ؟.
    ففي هذه الروايات لم يجعلوها جنازة واحدة ليهودي أو يهودية كما قال علي، وقولهم أكثر وأثبت سنداً من قوله، والمثبت مقدم على النافي لأنه معه زيادة علم.
    وفي قصة مروان وأبي سعيد وقوله « أَنَّ النَّبِيَّ r نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ» أي الجلوس حتى توضع، ووافقه أبو هريرة، فيها أن النهي كان صريحا في هذه المسألة، فإذا جاء ما يخالفه فلا يقال هو ناسخ للأمر برمته وإنما ناسخ لوجوبه، فيكون القيام للندب والاستحباب.
    وأما العلل المذكورة في الباب، فعلل الجلوس من فهم الرواة، ولم يرفع فيها لفظ للنبي r، غير ما في رواية عليٍّ أنه أمرهم بالجلوس، ورواية عبادة أنه من فعل أهل الكتاب، ورواية عائشة أنها من أفعال الجاهلية، وقد قدمنا ما في ذلك كله.
    وأما علل القيام للجنازة فهي أرسخ سنداً ومعنىً، فكيف لعلة فزع الموت أن تنسخ؟ وأنى لعلة أن الميت نفس منفوسة أن تنسخ؟ وأنى لعلة تقدير من قبض الأرواح أن تنسخ؟ وأنى لعلة تقدير الملائكة المشيعين أن تنسخ؟
    فأدلة نسخ القيام للجنازة إنما هي بفعل النبي r وأما رواية أن الجلوس أيضاً بأمره، ففيه ما ذكرناه، ومع ذلك لم يذكر لفظ النهي تصريحاً، ومن ذكر لفظ الأمر أولى بالقبول لأنه يشمله عموم، مع بيان علة القيام والتي لا أراها يصح نسخها.
    فتبين أن الأمر بالقيام للجنازة بفعله وأمره الصريح، ورواة القيام أكثر، وطرق أسانيدها صحيحة لا مغمز في واحد منها، فلا تعارض إذا قلنا نُسخ الوجوب وبقي الاستحباب، وفي كل من القيام والجلوس سنة، غير أن من قام فله زيادة أجرٍ.
    كما روى البيهقي عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ, وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمَامَ الْجِنَازَةِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ، فَقَامُوا حَتَّى وُضِعَتْ، ثُمَّ جَلَسُوا فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ، فَقَالَ: « إِنَّ الْقَائِمَ مِثْلُ الْحَامِلِ ». يعني في الأجر.
    رواه البيهقي في السنن الكبرى 4/43 بسند صحيح رواته أئمة ثقات حفاظ.
    فهؤلاء أربعة من الصحابة في حديث واحدٍ صحيح قعدوا بعد وضع الجنازة، وقال بعضهم- وهم ثلاثة على الأقل- أن القائم للجنازة مثل الحامل لها، أي في الأجر.
    ويشهد ما جري بين الحسن وابن عباس، أن يكون حكما في جواز الأمرين.
    قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ بنِ سِيرِينَ قَالَ:
    نُبِّئْتُ! أَنَّ جِنَازَةً مَرَّتْ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْـنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْـهُمَا، فَـقَامَ الْحَـسَنُ
    وَقَعَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ الْحَسَنُ لِابْنِ عَبَّاسٍ:
    أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّبِيِّ r مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى وَقَدْ جَلَسَ.
    فَلَمْ يُنْكِرْ الْحَسَنُ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
    رواه أحمد 1/200 وقال شعيب: حسن لغيره لجهالة من حدث ابن سيرين.
    قلت: والنكتة أن نقول: وكذلك لم ينكر ابن عباس قيام الحسن أولاً، فدل على جواز فعل الأمرين، وهو يكاد أن يكون فيصلاً لأحاديث الباب، فقد يكون الجلوس شرع للقضاء على القول بالوجوب لما فيه من مشقة أحياناً على بعض الناس.
    ويؤيده ما رواه البخاري: أنَّ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: قُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا « أَنَّ النَّبِيَّ r نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ » فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ.
    رواه البخاري 1309 والبيهقي في الكبرى 3873.
    فأبي هريرة يعلم بالنهي عن الجلوس، وقد جلس أولاً، فكأنه رأى النهي للتنزيه لا للتحريم.
    وقال ابن عثيمين: وإنما قعد النبي r ولم يقم لبيان الجواز، وأن الأمر ليس للوجوب، إذ لو خلت السنة عن مثل هذا الحديث لقلنا إنه يجب على الإنسان إذا مرت به جنازة أن يقوم لها، وعلى هذا فنقول: الذي نسخ هو الوجوب فقط، وأما الاستحباب فإنه يسن للإنسان إذا مرت به جنازة أن يقوم، وقيامه للجنازة إذا مرت فيه مصلحة عظيمة وهي: أنه يذكر الإنسان أنه سيحمل كما حمل هذا، وسيشيع كما شيع هذا، لكن لو قلنا لا تقم ومرت الجنازة على الجلوس وهم لا يبالون وهم في ضحكهم وكلامهم ولهوهم، لم يكن للموت فزعة، ولم يكن له أهمية، فالصواب أن القيام للجنازة إذا مرت سنة لا ينبغي للإنسان تركه. اهـ من شرحه على بلوغ المرام.
    فخلاصة هذا البحث: أن القيام للجنازة إذا مرت أو شيعت، مندوب لا كراهة فيه، ونسخ منه الوجوب لرفع المشقة والحرج، للأحاديث المروية في ذلك.
    وقد روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ[ في المصنف 6315 بسند صحيح]، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فَشَهِدْتُ جِنَازَةَ أُمِّ عَمْرِو بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا صُلِّي عَلَيْهَا جَلَسَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ: «اجْلِسْ»، فَقُلْتُ: " بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: « اجْلِسْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ ».
    فلا بأس بالجلوس، والقيام فيه زيادة أجرٍ كما ذكرنا رواية الإمام البيهقي.
    وأما من قال أن القيام من عمل اليهود! أو من عمل أهل الجاهلية! فيرده تعليلات النبي الصحيحة الثابتة، والتي لا تقبل النسخ بحال.
    وكذلك من غالى وقال أن القيام بدعة، كما روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ [في المصنف 6318 بسند صحيح]، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قِلَابَةَ يَقُولُ: « قِيَامُ الرَّجُلِ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى يُوضَعَ الْمَيِّتُ بِدْعَةٌ ». فقوله مخالف للسنة الصحيحة، والتي أقلها الاستحباب.
    إلا إذا أراد أبا قلابة " حتى توضع في اللحد " فالقول بالبدعية هنا قد يكون له وجه، لأننا قدمنا أن المراد بالقيام على الجنازة إنما هو حتى توضع على الأرض من على أكتاف الرجال كما رجحه البخاري والترمذي وغيرهما، فإن أراد ذلك فممكن، وإن أراد المعنى الآخر ففيه مخالفة لسنة ثابتة أقل ما فيها الاستحباب كما قدمنا.
    آخره، والله أعلى وأعلم.
    وأستغفر الله وأتوب إليه.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •