لمّا جاءت الحملة الاستعمارية على البلاد الإسلامية وبخاصة حملة نابليون على مصر وصار فيها ما صار مِنْ ضرب لأصول العلوم الإسلامية،

نشأت ناشئة طلب منهم أن يذهبوا إلى بلاد الغرب؛ أن يذهبوا إلى فرنسا ليدرسوا فيها العلوم -الأدب أو علوم حديثة ما شابه ذلك -،

وكان الأزهر إذْ ذاك يمانع أن يرسل أحد من أبناء المسلمين إلى أوربا، فصار هناك اقتراح أن يذهب مع كل طائفة عالم من علماء الأزهر حتى يشرف على أولئك الطلبة وحتى يعلمهم ويحجزهم من الانحراف إن كان،

فذهب في مقدمات من ذهب بعض علماء الأزهر -من غير تسمية-، وهؤلاء لما رجعوا مع التلامذة تأثروا بما عند الغرب، صار عندهم شيء من الإحراج،

الغرب عنده كذا وكذا من التقدمات وبلاد المسلمين في ذلك الوقت في تأخر وعدم تطور مدني، فصاروا في إحراج من جهة أنّ سبب التأخر في ذلك الوقت عزي إلى الدين، وسبب التأخر عزي إلى اتباع الناس للكتب القديمة وللتفاسير القديمة

والناس ظلّوا على ذلك المنحى وهي التي أخرتهم عن التطور، فظهرت هناك أقوال كثيرة تشكك في الإسلام وتشكك في القرآن وتشكك في الدين وتشكك في السنّة إلى غير ذلك، حتى صار ذلك شائعا في الناس، بعض ضعاف النفوس،

في ضوء ما قلنا ظهرت فئات كثيرة من المسلمين تشككت في الدين؛ في القرآن في السنة وبسبب تلك البعثات وخروج مدارس الاعتناء اللغات الاعتناء باللغات الأجنبية والاعتناء بالآداب الغربية والاهتمام ببحوث المستشرقين إلى غير ذلك.

مِن العلماء من نظر إلى هذا الداء فوجد أنّ سبيل إرجاع المسلمين إلى دينهم أن يُعتنى بتفسير القرآن بتفسير عقلي يعظم القرآن في نفوس الناس حتى لا يبعدوا عن الدين،

و
ظهرت في هذا مدرسة محمد عبده أحد مشايخ الأزهر الكبار وأحد الذين اعتنوا بتفسير القرآن، ومن امتداد مدرسته محمد رشيد رضا الذي كتب ”تفسير المنار“ معتمدا في كثير منه على تفاسير شيخه محمد عبده.

هذا الوصف الذي ذكرنا أعقب ضعافا في نفس بعض العلماء جعلهم يحملون القرآن على ما عند الغرب من العلوم، فمثلا الآيات التي فيها ذكر لبعض المعلومات الفلكية يجعلونها دليلا على صحة القرآن وأن القرآن سبق الغرب لذلك، وكذلك المعلومات الطبية أو المعلومات الغيبية وهكذا،

ففسروا القرآن بتفسير عقلي خرجوا فيه عن التفاسير السابقة وعن تفاسير السلف وعما يجوز لأجل أن لا يتشكك الناس في القرآن وأن يقبل الناس القرآن وأن يعظموا القرآن، فأتى وفسر الآيات التي فيها بعض الكلام على الأجنّة في ما عند الغرب في ذلك وبعض الآيات الغيبية في الطب مثلا أو في الفلك أو في حال المطر أو ما أشبه ذلك أو في العيون في الأرض أو الأشجار أو النبات أو الجبال إلى غير ذلك بتفسيرات توافق ما عند الغرب من العلوم،

وانهال الناس على محمد عبده ويحضرون تفسيره؛ لأنه جعل تفسيره فيه الإصلاح وجعل فيه جدة على ما كان عليه المفسرون من قبل، وضم إليه تلك التفاسير وانحرف في كثير منها إذْ جعل القرآن تبع لمكتشفات الغرب،

ومن المعلوم أنّ تلك المكتشفات أو تلك النظريات تصلح في وقت وربما أتى ما هو أفضل منها فأبطل تلك النظرية أو ما هو أعمق بحثا واستقراء فصارت الأولى غير صحيحة، فحمل القرآن على النظريات العلمية وتفسير القرآن بالنظريات العلمية

هذا لا يسوغ؛ لأنه حمل للقرآن الذي هو حق ثابت لا يتغير بشيء قد يتغير،

نعم إنّ القطعيَّ لا يناقض قطعيا، واليقيني لا يناقض اليقيني فالعلم اليقيني لا يمكن أن يأتي في القرآن شيء بخلافه، وكذلك العلم القطعي لا يمكن أن يأتي في القرآن بخلافه،

لكن تلك النظريات من أجل الضعف حُملت عليها آيات من القرآن، فنشأت في العصر الحديث أولى مدارس التفسير وهي تفسير القرآن بطريقة عقلانية يُجمع فيها ما بين مكتشفات الغرب والمكتشفات العصرية وما بين تفاسير المتقدمين، فجعلوا خليطا واهتموا بالأشياء الحديثة،

و
ظهر لذلك تفسير طنطاوي جوهري وتفسير كما ذكرنا محمد عبده وفي خضم ذلك أنكرت بعض الغيبيات وفُسر القرآن بتفاسير باطلة، وأنكرت أشياء ظاهرة وكان في ذلك شيء من الانحراف في التفسير.

هذا نوع من مدارس التفسير التي ظهرت في العصر الحديث وسبب ظهور هذا النوع من التفاسير.

............
نوع ثالث من التفاسير ظهرت في العصر الحديث: التفاسير الدعوية، وكان لظهورها سبب وهو أنه في هذا العصر ونعني به ما بعد سنة ألف وثلاثمائة هجرية مع ظهور الفساد وبعد الناس عن الدين وتسلط الاستعمار والغزو الثقافي الذي حصل للمسلمين وإبعادهم عن دينهم وعن القناعة بشرع الله جلّ وعلا، ظهرت هناك جماعات مختلفة في العالم الإسلامي -العربي وغير العربي- فيها الدعوة لإرجاع الناس إلى الدين

ولا شك أنّ الداعية يحتاج إلى أن يكون اعتماده على القرآن، لهذا احتاجت تلك الدعوات إلى أن يفسر بعض منهم القرآن،

فاعتنى كبار بعض أصحاب تلك الدعوات بتفسير القرآن، وتلك التفاسير كان المفسر يفسر فيها مراعيا شباب الدعوة التي ينتمي إليها،

فمثلا فسّر بعضهم التفسير من جهة تفسير على طريقة مثلا جماعة التبليغ،

وبعضهم فسّر القرآن على طريقة الإخوان المسلمين،

وبعضهم على طريقة جماعة النورستانيين مثلا أو جماعة النور في تركيا،

وبعضهم فسر على طريقة العلماء؛ علماء جمعية العلماء أو رابطة العلماء في الجزائر،

وهكذا في الباكستان والهند ظهرت مدارس كتفاسير الجماعة الإسلامية تفسير أبي الأعلى المودودي وغير ذلك.

هذه التفاسير فيها تفسير بالرأي بجعل الواقع في التفسير؛ يعني نظروا في التفسير من جهة التأثير الدعوي في الناس، ففسروا القرآن وهم ينظرون إلى الواقع لكي يؤثروا على الناس من طريق القرآن.

وهذه الطريقة لا شك أنه لابد أن يخطئ أصحابُها في بعض الأشياء؛ أن من غلب علي الواقع في النظر إلى القرآن لابد أن يحيد عن الصواب في بعض التفسير لأن القرآن ليس لزمن دون زمن بل هو للأزمنة جميعا لهذا ظهر من خلال هذه التفاسير غرس الجوانب الدعوية في تلك الجماعات المختلفة في تفاسير أصحابها.

هذه مدرسة، ومن أمثلة تفاسير هذه المدرسة
تفسير أبي الأعلى المودودي ”ترجمان القرآن“، وتفسير ”في ضلال القرآن“ للأستاذ سيد قطب وأشباه هذه التفاسير، و”الأساس في التفسير“ لسعيد حوى، وأشباه تلك التفاسير.

من التفاسير أيضا التي ظهرت في العصر الحديث تفاسير المعاني للغات أخر وهي المسماة ترجمات القرآن وهي تراجم لمعاني القرآن فظهر في أغلب اللغات الحية في العالم تفسير، وهنا يقولون تفسير للقرآن وهذا غلط؛ لأن القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين لا يمكن لأحد أن يترجمه لأي لغة كانت؛ ولكن الصواب أنها تراجم لتفسير القرآن. صالح آل الشيخ
شريط مناهج المفسرين