أثر الإيمان بالقدر في سلوك المؤمنين
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: أثر الإيمان بالقدر في سلوك المؤمنين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    1,392

    افتراضي أثر الإيمان بالقدر في سلوك المؤمنين

    بقلم: د. جمال المراكبي
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
    فقد تكلمنا في لقاء سابق عن الإيمان بالقدر باعتباره من أركان الإيمان، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن عمله لا يُقبل حتى يؤمن بالقدر، وإذا علمنا أن الإيمان قول وعمل، فإن للإيمان تأثيرًا واضحًا على سلوك المؤمن وأخلاقه ومعاملاته، وللإيمان بالقدر خاصة أبلغ الأثر في هذا السلوك وهذه الأخلاق والمعاملات، فالمؤمن قريب من ربه عز وجل، يستشعر مراقبته سبحانه ويسعى في مرضاته في القول والعمل، والسر والعلن.

    والإيمان بالقدر يملأ القلب رضًا بالله عز وجل وبدينه وبرسوله، ورضًا عن الله عز وجل في قضائه وابتلائه، فيتذوق حلاوة الإيمان ولا يرضى به بدلًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا" "1"
    وقال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" "2".
    ويتجلى تأثير الإيمان بالقدر في سلوك المؤمن في نواح شتى

    أولاً: إتقان العمل وحسن التوكل على الله عز وجل

    فالمؤمن كما قلنا حريص على ما ينفع به نفسه، وينفع به غيره في الدنيا والآخرة، حريص على دعوة الناس وهدايتهم إلى خيري الدنيا والآخرة، صابر على ما يناله من الأذى في سبيل مرضاة الله عز وجل، محتسب أجره على الله، مستعين بالله، غير عاجز ولا متوان ولا متواكل، وهذا هو المؤمن القوى حقًّا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" "3".
    وهو مع شدة حرصه على الأشياء النافعة في الدنيا والآخرة كالعلم النافع والعمل الصالح والسعي إلى تحقيق الريادة والتقدم في كل مناحي الحياة، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يأكل من الحلال الطيب ويأنف من كل حرام وخبيث، الغاية عنده لا تبرر الوسيلة، فغايته كريمة، ووسائله لتحقيق غاياته شريفة، عفيف القلب، عفيف اللسان، لا يجهر بالسوء، ولا يعمل الفواحش، وهو مع هذا كله راض بما قسمه الله عز وجل له، وبما قدره الله عز وجل عليه، يصبر على البلاء ويشكر النعماء، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابه ضراء صبر فكان خيرًا له" "4".

    لا يندم ولا يتحسر على ما فاته من رزق في الدنيا، ولا يفرح ولا يتفاخر بما أعطاه الله عز وجل، ولا يقول مقالة الكافر بأنعم الله عز وجل: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78]، وإنما يقول: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)} [الحديد: 22-23]، وهو في هذا كله معتمد على الله تعالى، يأخذ بالأسباب ويتعلق قلبه بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى، ينازع أقدار الله بأقدار الله عز وجل، ويفر من قدرٍ إلى قدر، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل الشام فبلغه أن الطاعون قد استشرى بأرضها، فأراد أن يرجع، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أتفر من قدر الله؟ فقال عمر: "لو غيرك قالها؛ أفر من قدر الله إلى قدر الله" ويعلم أن الدعاء يرد القضاء، فيلجأ إلى الله عز وجل يسأله التوفيق والثبات والهداية والرشاد ودفع الضر والبلاء.
    ثانيًا: السلوك المستقيم مع الآخرين


    إذا أيقن العبد أن النفع والضر بيد الله عز وجل، وأن الخلق ليس لهم من الأمر شيء تعلق قلبه بالله، وحرص على مرضاته، لا على مرضاة الناس؛ فيتخلى عن الأساليب السيئة في تعامله مع الناس، فلا يكذب ولا ينافق، ولا يداهن ليصل إلى غرض دنيوي، وهذا يورثه الصدق والاستقامة على أمر الله عز وجل، وإذا علم العبد أن أجله بيد الله عز وجل، وأن أقصى ما يناله منه عدوه وهو القتل إنما هو بتقدير الله عز وجل لا بيد أحد من الخلق أورثه ذلك شجاعة في مواجهة عدوه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]، وقال تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُـمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمٌْ} [آل عمران: 154]

    وإذا علم العبد كذلك أن ما يقع من الناس في حقه من تقصير أو إساءة إنما هو بتقدير من الله عز وجل؛ أورثه ذلك رغبة في العفو عمن ظلمه أو أساء إليه أو قصر في حقه، ويتجلى هذا في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يصبر على الأذى ويدفع بالتي هي أحسن، فكان لا ينتقم لنفسه قط، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله عز وجل، وكثيرًا ما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند تعرضه للأذى: "يرحم الله موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "خدمت النبي عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وكان بعض أهله إذا لامني يقول: "دعوه فلو قضي شيء لكان"
    ثالثًا: الجمع بين الخوف والرجاء


    المؤمن بالقدر يعبد ربه خوفًا وطمعًا؛ لأنه يعلم يقينًا أن العبرة بالخواتيم، وأن السعيد من عباد الله عز وجل من هيأ الله له أسباب السعادة، وكتبه من السعداء، وأن الشقي من شقي في بطن أمه، وأن العبد قد يعمل بعمل أهل الجنة فيما يرى الناس ثم يختم له بعمل يؤدي إلى النار فيخاف من سوء الخاتمة، وقد يعمل بعمل أهل النار ثم يتوب الله عليه فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، فيطمع في عفو ربه وفي جنته.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وكذلك كان أنبياء الله ورسله يجمعون بين الخوف والرجاء، قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)} [الأنبياء: 89-90] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيِنِي ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قُرَّة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك بَرْد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة ولا فتنة مُضِلَّة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" "5".

    "فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" "6".
    هذا وقد ترجم البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه باب الرجاء مع الخوف، وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار"
    رابعًا: الحرص على الرزق الحلال


    لا شك أن أمر الرزق يشغل عامة الناس، وكذلك أمر الأجل، والمؤمن المتوكل على الله لا ينشغل كثيرًا بهما؛ لأنه مطمئن تمامًا إلى أن الرزق مقسوم، والأجل معلوم، فلا يملك أحد أن ينقص من رزقه، كما لا يملك أحد من الخلق أن يغير أو يقدم أجله، وهذا لا يعني أن يهمل المتوكل أمر السعي لطلب الرزق، ولكنه يؤمن أن ما أصابه من خير لا يمكن أن يخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ ولهذا فهو لا يقتل ولده من إملاق أو خشية إملاق؛ كما فعل أهل الجاهلية الأولى، ولا يمنع نسله ويجهض امرأته؛ كما يفعل بعض الناس في العصر الحديث، وإنما يتعامل مع النسل على أنه رزق من عند الله، قد كفله الله، ولكنه يأخذ بالأسباب لتحسين مستوى النسل، ورفع مستوى الفرد، وتعليمه وتثقيفه بما يحقق نفعه في الدنيا والآخرة، وهذه مسئولية الرجل في بيته وأسرته، ومسئولية المرأة في بيتها مع أولادها، ومسئولية المعلم مع تلامذته، ومسئولية الحاكم في المجتمع المسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" الحديث.

    والمؤمن في أمر الرزق لا يركن إلى الحرام، فيسعى إلى كل كسب طيب، ويبتعد عن سبل الكسب الخبيث، وقد علم أن رزقه لن يخطئه أبدًا، فلماذا يحرص على الحرام ويستكثر منه ما دام أن الرزاق قد كفل له رزقه، وهو كذلك لا ينشغل عن آخرته بسعيه لأجل دنياه، بل يحرص على الخيرات، ويسابق إلى الطاعات؛ لأنه يتطلع إلى الحظ الأوفر، والنصيب الأعظم من الرزق المقسوم؛ ألا وهو الجنة، فيطمع في الفردوس الأعلى، ويسأل ربه التوفيق والمعونة؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، فوقه عرش الرحمن منه تفجر أنهار الجنة" "7".

    لقد وثق المسلمون الأوائل بوعد الله، واطمأنوا إلى كفايته، فبذلوا الأموال والأرواح في سبيل الله، شوقًا إلى الجنة، وخوفًا من النار، حتى جاء الصِّديق في غزوة العسرة بماله كله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيتَ لأهلك؟" فقال: "أبقيتُ لهم الله ورسوله" "8"
    ومع أهمية الرزق فهو ليس ما يطلبه الناس من أمر الدنيا فحسب، فالرزق أشمل وأعم من المال أو المتاع؛ ولهذا يحرص المؤمن المتوكل على طلب الزوجة الصالحة ذات الدين التي تعينه على أمري الدنيا والآخرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" "9".

    وكذلك يحرص المؤمن على طلب الذُرية الصالحة التي تقر بها عينه وترثه من بعده في عمارة الأرض، وعبادة الله سبحانه، فيلحقه من عملها ودعائها بعد موته الخير الكثير؛ ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100]، وقال زكريا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ] [آل عمران: 38]، ومن فضل الله ورحمته أن جعل عمل الذرية الصالح ودعاءها في ميزان الآباء، وألحق الأبناء بالآباء، قال عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُم ْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له" "10"

    وأفضل ما يحرص عليه المؤمن بعد الإيمان واليقين أن يرزقه الله العافية في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، سلوا الله العافية؛ فإن أحدًا لم يُعط بعد اليقين خيرًا من العافية" "11"

    والمؤمن يعلم يقينًا أن الآجال مضروبة وأن الأرزاق مقسومة، وأن الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] ولهذا فهو يسعى في طلب الرزق آخذًا بالأسباب المباحة وقد تعلق قلبه بالرزاق فاطمأن أن الرزق مكفول مضمون، فطلب الرزق بغير استشراف نفس ولا ركون إلى دنيا، متمثلًا قول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، ولتنكح فإنه يأتيها ما قُدر لها" وسمع النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ حبيبة رضي الله عنها تقول: "اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكِ سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأرزاق مقسومة لا يعجل شيء منها قبل حله ولا يؤخر منها شيء بعد حله، ولو سألتِ الله أن يعافيكِ من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرًا لك" "12".
    خامسًا: مشاهدة القدر


    والمؤمن بقدر الله عز وجل يعلم يقينًا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، فيصبر ويثبت عند المصائب التي لا يملك لها دفعًا، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة: 155-157] فيشهد المؤمن قدر الله عند المصائب فيرضى ويُسلم، ويقول مقالة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا"

    وكذلك يرى الهداية والتوفيق للطاعة، فلا يرى لنفسه حسنة، ولا يدخل العُجب إلى قلبه، بل يرى منة الله عز وجل عليه أن وفقه وهداه، وفي المقابل يرى قصور نفسه وعجزها عن الوفاء بحقوق العبودية، ولقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون:
    والله لولا الله ما اهتدينا* ولا تصدقنا ولا صلينا
    فأنزلن سكينة علينا* وثبت الأقدام إن لاقينا

    قال ابن القيم: "حق الله في العبادة ست؛ الإخلاص، والمتابعة، والنصح، والإحسان، وشهود منة الله تعالى، ومطالعة عيب النفس؛ أما في الذنوب والمعاصي فلا يحتج بقدر الله تعالى عليها ليبرئ نفسه، بل يعود على نفسه باللوم والتأنيب، ويحملها على التوبة والإنابة، فإذا تاب وأناب فليس لأحد كائنًا من كان أن يلومه على ذنب تاب منه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "احتجَّ آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك اللَّه بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطتَ الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك اللَّه برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقرَّبك نَجِيًّا، فبكم وجدتَ اللَّه كَتَبَ التوراة قبل أن أُخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدتَ فيها: "وعصى آدم ربه فغوى"؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه اللَّه عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "فحج آدمُ موسى".
    والحمد لله رب العالمين.

    المصدر/ موقع المراكبي

    ـــــــــــــــ ــــــــــــ
    "1" مسلم ك الإيمان.
    "2" متفق عليه.
    "3" رواه مسلم.
    "4" رواه مسلم.
    "5" رواه النسائي.
    "6" مسلم ك القدر.
    "7" رواه البخاري.
    "8" متفق عليه.
    "9" متفق عليه.
    "10" رواه مسلم.
    "11" رواه أحمد والترمذي
    "12" مسلم ك القدر.
    وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    692

    افتراضي رد: أثر الإيمان بالقدر في سلوك المؤمنين

    جزاكم الله خيراً .
    على كثرة قراءتي في باب القدر إلا أن لدي سؤال يختلج في صدري منذ زمن ولم أجد من يجيبني وهو موجه للجميع :
    (جاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أمَّ حبيبة رضي الله عنها تقول: "اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكِ سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأرزاق مقسومة لا يعجل شيء منها قبل حله ولا يؤخر منها شيء بعد حله، ولو سألتِ الله أن يعافيكِ من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرًا لك".)
    السؤال هنا لماذا فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الآجال المضروبة والأرزاق المقسومة وبين طلب المعافاة من النار ومن عذاب القبر مع أن كلاهما قد كُتبا قبل خلق السماوات والأرض بخسين ألف سنة كما صح بذلك الحديث ؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي رد: أثر الإيمان بالقدر في سلوك المؤمنين

    إليك الجواب مرة أخرى وقد أجبتك من كلام العلما في أصل موضوعك ، وفقك الله وسددك .
    أجاب الإمام النووي فقال في المنهاج : فإن قيل : ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بالزيادة في الأجل ؛ لأنه مفروغ منه ، وندبها إلى الدعاء بالاستعاذة من العذاب مع أنه مفروغ منه أيضا كالأجل ؟ فالجواب : أن الجميع مفروغ منه ،
    لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة
    ، وقد أمر الشرع بالعبادات ، فقيل : أفلا نتكل على كتابنا وما سبق لنا من القدر؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له . وأما الدعاء بطول الأجل فليس عبادة وكما لا يحسن ترك الصلاة والصوم والذكر اتكالا على القدر ، فكذا الدعاء بالنجاة من النار ونحوه . والله اعلم
    وبنحو ذلك أجاب القرطبي الكبير في المفهم .
    وقال ابن الجوزي في كشف المشكل :
    فإن قيل : كيف ردها عن سؤال وعلل بالقدر، وأمرها بسؤال وهو داخل في باب القدر أيضا ؟ فالجواب: أن سؤال ما يجلب نفعا في الآخرة ويظهر عبودية من السائل أولى مما يجتلب به مجرد النفع في الدنيا فأراد منها التشاغل بأمور الآخرة .
    رحمة الله على أئمتنا .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2011
    المشاركات
    692

    افتراضي رد: أثر الإيمان بالقدر في سلوك المؤمنين

    بارك الله فيك أخي.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •