صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 10 من 10
3اعجابات
  • 1 Post By أبو الفداء
  • 1 Post By أبو الفداء
  • 1 Post By عدنان البخاري

الموضوع: صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.

  1. #1
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.



    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
    أما بعد فقد طبع بحمد الله تعالى كتابي "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين"، وهو مجلد فيه نقد وبيان لأصول الملة الطبيعية المادية المعاصرة وكشف لجملة من مغالطات الطبيعيين الملاحدة في النظر والاستدلال، مع بيان لأهم ما تفرع عن تلك الأصول والمغالطات من خرافات وعقائد غيبية أصبحت تروج اليوم في كل مكان على أنها من مكتشفات "العلم الحديث" وليست من العلم في شيء. الكتاب يخاطب طلبة العلم والباحثين الشرعيين المعتنين بدراسة الفكر المعاصر والفلسفات الغربية الحديثة، وهو واقع في سبعمائة صفحة من القطع المتوسط، نسأل الله أن ينفع به قارئه وأن يغفر لمؤلفه.
    ----------------
    هذا الكتاب:
    قبل بضعة قرون خلت، انقلب فلاسفة أوروبا على الكنيسة الكاثوليكية انقلابا فكريا شاملا، إذ كان لائحا للعقلاء فساد الاعتقاد الكنسي جملة وتفصيلا، ولم يكن يخفى كيف تحكمت السلطة الكنسية الباباوية في رقاب البشر بغير سلطان من علم ولا برهان، ولا دليل يرقى لتحقيق أدنى درجة من درجات الظن الضعيف، فضلا عن ذاك الاعتقاد الراسخ واليقين التام الذي كان الناس مطالبين بتحقيقه في نفوسهم بإزاء السيادة الإكليريكية. غير أن هؤلاء الفلاسفة أبو في الحقيقة إلا أن يرجعوا بأوروبا إلى جاهلية أشد مما كانت عليه، ليؤسسوا ثقافة جديدة لا محل فيها للدين أصلا، فنزلوا بها من النصرانية إلى الإلحاد، ومن الإيمان بالغيب إلى الكفر به جملة وتفصيلا، بل جاوزا ما كان عليه أسلافهم من ملاحدة اليونان، واجترؤوا على صور من السوفسطائية المحضة ما كان يجرؤ عليها أكابر السوفسطائيين الذين رد عليهم أرسطو وغيره من فلاسفة السلف الأوروبي قبل ثلاثة وعشرين قرنا، حتى صار التنوير المزعوم هذا ثورة شاملة على البنيان المعرفي البشري، بل على العقل الإنساني نفسه!
    وفي خضم تلك الهجمة الوحشية على أصول المعرفة، خرجت مدارس فلسفية حادثة لا تنفي الغيب والماورائيات (الميتافزيقا) وحسب، بل تنفي حتى إمكانية تحصيل المعرفة الصحيحة بشيء منه أصلا (كما في وضعية كومت ولابلاس وغيرهما)! وأصبح طريق التنويريين الملاحدة هؤلاء لهدم الدين (بإطلاق) وصد الناس عنه، ماثلا في تأسيس فلسفة معرفية جديدة تناسب الاعتقاد الغيبي الإلحادي، وتخدم تصورا معرفيا جديدا يقوم على قصر طرق تحصيل المعرفة المعتبرة على البحث الطبيعي المادي وحده. هذه الفلسفة المعرفية المادية قد تأسس عليها في واقع الأمر نظام اعتقادي غيبي جديد يستجيز أصحابه إعمال طرائق البحث الطبيعي في طلب المعرفة بمسائل تخرج عن مفهوم الطبيعة نفسه، ليحيلوها من دائرة الميتافزيقي إلى الفزيقي، مستعينين في ذلك بجملة من المغالطات المنطقية الفجة، فتظهر فيه الخرافات الطبيعية الغيبية أشكالا وألوانا، ملبسة بلبوس العلم، ثم تروج بين الجهلاء والمفتونين على أنها آخر ما أثبته العلم الحديث، وليست من ذلك في شيء!
    ففي هذا الكتاب أقدم لطلبة العلم الشرعي المشتغلين بدراسة الفكر المعاصر بيانا تفصيليا ضروريا للمغالطات العقلية الكلية التي تقوم عليها تلك النحلة الفلسفية الكبرى، التي استحوذت على شطر عظيم مما يقال له اليوم العلم الطبيعي، أعرضه في سياق الرد على بعض أولئك الذين بلغ بهم غرورهم أن زعموا أن الطريقة العلمية الطبيعية تكفي لكشف كل خرافة، وللتحصين من كل سفاهة، فالله أسأل أن ينفع به المسلمين، وأن يعصمهم به من قبول كل خرافة وضلالة يروج أصحابها لها على أنها "علم" ثابت قد أثبتته التجارب والمشاهدات ولا مراء فيه، والحمد لله أولا وآخرا.
    المؤلف.
    -----------------------


    المحتويات
    مقدمة.
    تمهيد
    حدود الشك العلمي المحمود.
    الضرورة إلى بناء الفرد المسلم بناء معرفيا صحيحا.
    (فتبينوا ...)
    العذر بالجهل لا يساوي القول بمشروعية الجهل!

    أولا: أدوات "ساغان".
    مهاجمة شخص المتكلم دون حجته.
    المحاججة بالسلطان المعرفي.
    مغالطة "عم الشيخ"!
    الصورة التحقيرية (نزع السلطان المعرفي عن أهله)
    الصورة التعظيمية (إنزال السلطان المعرفي في غير محله)
    الاحتجاج بالعواقب غير المرغوبة.
    الاستدلال بالعدم Ad Ignorantiam..
    الاحتجاج بالجهل المطلق.
    الاستدلال بمحل النزاع.
    الانتقاء بالهوى.
    الخطأ في فهم مدلول بعض صياغات الإحصاءات.
    المغالطة في الاستدلال بالإحصائيات.
    التناقض المنهجي: تعطيل القاعدة المطردة بلا مسوغ عند التفريع (ازدواجية المعيار).
    مغالطات الغلو في الحتمية السياسية.
    من قول الدهرية في أزلية العالم إلى الانفجار الكبير: الإلحاد ملة واحدة.
    مغالطات الاستمرارية المطلقة عند الطبيعيين.
    منزلة "الأدلة التفسيرية" في ميزان المنطق الاستقرائي.
    وجوب العلة الأولى ووجوب أن تكون بائنة ومنفصلة عن معلولاتها.
    حوادث لا سبب لها، في صندوق الكوانطا السحري!
    سببية الحوادث ضرورة عقلية تفرضها اللغة الطبيعية كسائر البدهيات.
    الفجوات في رؤوس الطبيعيين!
    عنز ولو طارت!
    ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور؟.
    نقد المسلك الأول: الاحتجاج لوجود الخالق بالانفجار الكبير.
    نقد المسلك الثاني: الاستدلال بالانفجار الكبير على صدق القرءان.
    خلاصة مبحثنا هذا في نظرية الانفجار الكبير.
    مغالطة التعلق بفقد البديل المكافئ.
    المغالطة في بناء النتائج على المقدمات.
    مغالطة التعليل بمطلق التتابع أو التوارد.
    المغالطة في السؤال (الأسئلة الفاسدة عقلا).
    مغالطة افتراض التناقض في غير موضعه.
    الخلط في أولويات المقاصد والغايات.
    مغالطة "المنحدر الزلق" والاستدلال العواقبي.
    مغالطة الخلط بين السببية والتعلق أو التوافق الظرفي.
    مغالطة "مهاجمة رجال القش".
    التدليس في عرض الأدلة.
    تسمية الأشياء بغير أسمائها.
    مغالطة اختزال المتناقضات الجلية إلى "معضلات" و"إشكالات".
    خرافة السفر عبر الزمن، والخلط في فهم حقيقة الزمن نفسه!
    ميتافزيقيا الكم وخرافة العوالم المتوازية و"البديلة" والمبدأ الأنثروبي!
    فائدة: في حتمية ترتب أحداث الكون كلها على وفق إرادة خالقه.
    أنطولوجيا وميتافزيقا الزمكان عند الطبيعيين: ما وراء العقل واللغة!
    فلسفة النسبية العامة وماهية الزمان والمكان.
    تبرئة علم الرياضيات من ضلالات الطبيعيين.

    ثانيا: حقيبة أدوات مايكل شيرمر لكشف الدجل!
    السؤال الأول: ما مدى صلاحية المصدر الذي تأتي منه الدعوى Source Reliability ؟.
    السؤال الثاني: هل يكثر صدور أمثال تلك الدعاوى من ذلك المصدر نفسه؟.
    الإجماع في العلوم التجريبية.
    الإجماع ونمط النمو المعرفي في العلم التجريبي والعلم الشرعي.
    طوفان نوح عليه السلام، وفلسفة علم الجيولوجيا.
    صدقتم! دعوى "النظم غير القابلة للاختزال" في الأحياء ليست علما طبيعيا!
    كل علم طبيعي يقوم على عقائد الطبيعيين الباطلة فهو دجل وعلم كاذب! Pseudoscience.
    السؤال الثالث: هل سبق التحقق من صحة النتائج من مصدر آخر؟.
    السؤال الرابع: كيف يمكن الجمع بين هذه الدعوى وما نعرفه عن الكيفية التي يعمل بها العالَم؟.
    السؤال الخامس: هل حاول أحدهم أن يثبت بطلان الدعوى المعرفية؟ أم أنهم لم يسعوا إلا في طلب الأدلة الداعمة وحسب؟
    السؤال السادس: هل يشير محصول الأدلة إلى استنتاج صاحب الدعوى أم إلى غير ذلك ؟.
    السؤال السابع: هل يطبق صاحب هذه الدعوى قواعد المنطق والنظر العقلي وأدوات البحث المقبولة، أم أنه 24-5. أهمل هذه القواعد والأدوات جميعا لصالح أدوات أخرى تؤدي إلى النتيجة التي يرجوها؟.
    خرافة الفضائيين والحضارات الفضائية، وذاك "العلم الكاذب" الذي يقال له SETI
    السؤال الثامن: هل يقدم صاحب هذه الدعوى تفسيرا للظواهر المشاهدة، أم أنه يكتفي بنفي التفسير الموجود حاليا؟.
    السؤال التاسع: وفي حالة تقديم صاحب الدعوى تفسيرا جديدا، فهل يغطي ذلك التفسير جميع الظواهر التي كان يغطيها التفسير الآخر؟
    السؤال العاشر: هل تتحرك نتائج صاحب الدعوى الجديدة (في أبحاثه) تبعا لعقائده الشخصية وتعصباته الفكرية، أم أن العكس هو الصحيح؟
    الخاتمة.
    ملحق (1): مغالطات أنطولوجيا الهندسة غير الإقليدية وخرافة "نسيج الفراغ".
    ملحق (2): منحنى صلاحية المبدإ الاستمراري الطبيعي Uniformity Reliability Curve
    ------------------
    مقدمة الكتاب

    الحمد لله وحده، القاهر فوق عباده، المتصرف في خلقه بلا شريك ولا منازع، القائل في محكم التنزيل: ((هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)) [لقمان : 11]، خلق السماوات والأرض بكيف لا مثال له فيما تدركه حواس البشر وما تحيط بأسبابه عقولهم، وأسس في الكون قانونه وسنته لتخضع لها أسباب المخلوقات تحت سلطانه وملكوته، وتحدى الإنس والجن أن يخلقوا ذبابا أو بعوضا وهو أعلم بعجزهم وقلة حيلتهم، ((الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)) [الملك : 3-4]، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
    أما بعد، ففي سنة 1995 الميلادية أصدر الفلكي الأمريكي "كارل ساغان" Carl Sagan كتابه المعنون (العالم المسكون بالشياطين: العلم الطبيعي كشمعة في الظلام). في ذلك الكتاب قام ساغان بحملة ترويجية للدعاية للعلم الطبيعي وطرائقه في البحث والنظر على أنه السبيل الوحيد للنجاة من الخرافة والأسطورة، فيما قد يعد من أوائل الحملات المعاصرة الموجهة من قبل بعض العلماء الطبيعيين للتبشير بملة الإلحاد الجديد (النحلة الطبيعية المعاصرة) تحت شعار التنوير والعلم الطبيعي والعقلانية، وهي تلك الحملات التي يتولى كبرها اليوم ريتشارد دوكينز وسام هاريس وآخرون، بدعوى نشر ثقافة ذلك العلم بين العوام لمحاربة الخرافة في القرن الواحد والعشرين. فالكتاب يقوم على دعوى تعليم عامة الناس المنطق العلمي الطبيعي للتمييز بين ما هو صالح من الناحية العلمية scientific وما ليس كذلك، أو ما هو من قبيل العلم الكاذب Pseudoscience.
    وبطبيعة الحال وكما هو دأب الماديين وأهل الإلحاد، فقد قام الكتاب على إنكار الغيب وتسفيه النصوص الدينية جملة واحدة، وقطع السبيل أمام العقل البشري للتمييز بين الحق والباطل في سائر قضايا الإنسانية إلا من خلال أدوات العلم الطبيعي التجريبي وحده Science، وإن كان لم يتخذ في ذلك موقفا عدائيا صريحا كما هو حال رواد الإلحاد الجديد الذين أصبحت كتبهم تصدر تحت عناوين مستفزة للغاية، "كوهم الإله" لدوكينز، و"الإله ليس عظيما" لهيتشنز و"نهاية الإيمان" لهاريس ونحو ذلك. وفي كتابه المذكور، حاول ساغان أن يصوغ جملة من القواعد العقلية (الفلسفية) المستقاة من فلسفة العلم الطبيعي المعاصرة لتكون بمثابة حقيبة أدوات صغيرة Kit يستعملها عامة الناس لكشف الحجج الزائفة والأباطيل والخرافات التي قد تروج تحت دعاية العلم. وعند التأمل في تلك القواعد التي جمعها ساغان، يتبين من الوهلة الأولى أنها ليست مقصورة على قواعد العلم الطبيعي science وحده [1]، وإن كان يتعمد إقصاء قواعد المعارف التاريخية والخبرية منها كما سيأتي بيانه. فإن كثيرا مما قرره ساغان يعد من القواعد العقلية العامة التي يعرفها أهل العلوم العقلية والتاريخية والدينية ويطبقونها من قديم، وليست مقصورة على علماء الطبيعيات الذين كان ساغان منتميا إليهم، ساعيا في أن يُخضع لهم ولطريقتهم سائر الناس بدعوى التنوير ونبذ الخرافة.
    وفي الحقيقة فإن تلك القواعد التي جمعها "ساغان" لا تخلو من فوائد، غير أنها تحتاج إلى فرز وتمحيص، لدخول كثير من المغالطات العقلية والإلحادية عليها سواء في صياغتها أو في الأمثلة التي مثل بها على كل قاعدة. فاخترت أن أتناولها ههنا بالتعقيب والتحقيق، وأن أضيف إليها ما تعمد ساغان إغفاله وما قد يكون غفل عنه وجهل به، مما أرجو أن يكون آية على ظهور العقل الموحد المنضبط بأصول الفقه والنظر الشرعي، فوق العقلية المادية الإلحادية في باب كشف الخرافات وفضح الأباطيل.
    كما تناولت مقالا مشابها كتبه تلميذه النفساني والمفكر الأمريكي الملحد "مايكل شيرمر" Micheal Shermer، جمع فيه عشر أسئلة يعدها بمثابة "حقيبة أدوات لكشف الخرافات والترهات" على غرار تلك التي كتبها ساغان، فتعقبتها كذلك بالنقد تارة، والإضافة تارة أخرى، وخرجت من ذلك كله بما أرجو أن يكون تحريرا واضحا لموقف الباحث المسلم المعاصر في مختلف مجالات البحث العلمي من بعض مغالطات الاستدلال بعموم، ومن خرافات التنظير الغيبي عند الطبيعيين المعاصرين بخصوص، التي تروج اليوم في كل مكان باسم العلم الطبيعي وهو منها بريء.
    فقد اغتنمت فرصة تطرق كل من "ساغان" و"شيرمر" إلى بعض الموضوعات العلمية والفلسفية المعاصرة في إطار ما يضربانه من الأمثلة على قواعدهما، لأطرح تأصيلا علميا دقيقا لموقف المسلم من تلك القضايا من الناحيتين الإبستمية [2] والشرعية، بما أرجو ألا أكون قد أوجزت في تحريره إيجازا مخلا أو قصُرت فيه عن تحقيق ما يلزم بيانه. ونظرا لتقيدي بإطار الرد المفصل على مادة منقولة، فقد جاء ترتيب عرضي لتلك الموضوعات وتبويبها على حسب ترتيب ذكرها في محلها فيما اقتبسته وتعقبته من كلام الرجلين، دونما تقيد بتبويب مخصوص ودونما تصرف في ترتيب تلك الاقتباسات من منقول كلامهما.
    لقد حارت أحلام كثير من بني جلدتنا في هذا الزمان، بل طاشت عقولهم، غرقا فيما أفاضه علينا الغرب من فلسفات وعلوم معاصرة، وأوشك بعض المفتونين الأغرار من المسلمين أن يقبلوا – في صرعة مهلكة من صرعات الهوى - دعوى فلاسفة الإلحاد الأوروبيين المعاصرين أن العلم الطبيعي (بهذا الإطلاق) لا يفضي بالعقلاء إلا إلي الإلحاد ضرورة. وفي خضم ذلك المدّ الفكري الكاسح، ترى من المسلمين من ينقسمون في موقفهم المعرفي والفلسفي من ذلك العلم ومتعلقاته إلى قسمين: قسم تفتنه تلك الفلسفات المادية المعاصرة التي تأسس عليها بالفعل شطر من مباحث العلم الطبيعي بل حقوله البحثية المعتمدة أكاديميا في بلاد الغرب حاليا، فإذا به يخلع ربقة الدين من عنقه بدعوى اتباع مقتضيات العقل الصحيح والعلم الحديث، وقسم آخر يغلو في الجهة المقابلة، فيسلِّم بسائر ما جرى عليه اتفاق أصحاب الصناعات الطبيعية من نظريات ونحوها على أنه حقائق قطعية دونما تمحيص ولا تحقيق، ويندفع بادي الرأي للعبث بتراثنا العلمي الشرعي من أجل التوفيق بينه وبين تلك النظريات، بل يحاول أن يجعلها دليلا على صحة الإسلام وإن ردّ في سبيل ذلك ما لا يعقله من إجماعات مستقرة عبر القرون في فهم النصوص الشرعية، وإذا به يدخل جحرَ الضبّ كما دخله أهل الكتاب من قبل، يتبع سننهم حذو القذة بالقذة!
    لذا فقد أصبح من الضروري أن يظهر في مكتبات المسلمين من المصنفات الأصولية والكلامية المحكمة ما تندفع به تلك الشبهة الكبرى، ويتحرر معه الموقف العقلي والشرعي المستقيم من كثير مما يتلقفه الناس على أنه من "مكتشفات العلم الحديث" و"حقائق العلم القطعية" وعلى أن قبوله يقتضي إعادة النظر في كثير مما ورثناه من فهم لنصوص ديننا حتى يستقيم لنا الجمع بين العلمين وبناء المعرفتين بعضهما على بعض: المعرفة الدينية والمعرفة الطبيعية. وقد أصبح من الضروري ألا يكون هذا التحرير مقصورا على إبطال هذه الخرافة أو المغالطة أو تلك فحسب كما هو المعتاد في أمثال هذه المصنفات عند المعاصرين من المسلمين، بل يجب أن يقوم على إظهار علو "الفكر العلمي" القائم على الكتاب والسنة، وأنه ليس في الأرض طريق لصيانة الباحث في الطبيعيات وفي غيرها من أبواب البحث العلمي من الغرق في الضلالات والخرافات إلا طريق العقل المسلم المتجرد للحق، البصير بموارد الغلط (بل التلبيس عند أهل النحل الفلسفية الباطلة) في النظر والاستدلال!
    فلعله قد آن الأوان لأن تحرر أصول "فلسفة العلم الطبيعي" عند المسلمين تحريرا وافيا، يتفرع على أصول المعرفة الكلية عندنا (لا سيما في باب الموازنة بين الأدلة على اختلاف طبقاتها ودرجاتها فيما تفيده من معرفة قطعية أو ظنية) التي نجزم بأن العقل لا يرى أحكم ولا أضبط منها. وليس هذا بالعمل الهين أو اليسير، الذي قد تبرأ ذمة المسلمين من وجوبه برجل واحد أو رجلين، أو بجملة من المقالات الفذة هنا وهناك، أو حتى بمجلدين أو ثلاثة، على شدة الداعي إلى جميع ذلك في هذا الزمان! بل ما أراه يليق به إلا أن يصير تخصصا أكاديميا جديدا عند دارسي علوم التوحيد والفلسفة والأصول في جامعات الشريعة، وفي كليات العلوم كذلك، حتى يعالجه الباحثون المسلمون بما يلزم! فوالله ما عاد يصلح الاكتفاء بموقف "الدفاع" وفلسفة "الاعتذارية" apologetics (رد الشبهات) التي تقوم عليها أمثال هذه التصانيف عندنا كما عند عامة أهل الملل، فنحن ما بعث فينا صاحب الوحي بالحق حتى تكون غاية مرامنا منه أن نقتطع من هذه الأرض قطعة نعيش به عليها في هدوء دون أن تمتد أيادينا به لنجدة وإنقاذ من حولنا من أهل الأمم! كيف وقد علمنا أن الله ما أنزله لنا وحدنا ولكن رحمة للعالمين كافة؟ بل كيف وقد رأينا نيران ضلالهم توشك أن تأتي على الأخضر واليابس في بلادنا وأن تطيش بسببها عقول أبنائنا وبناتنا؟
    فلعل أضعف الإيمان الآن أن يجتهد بعض القادرين من عقلاء هذه الأمة وفضلائها في التصنيف بما يلزم لكشف فساد فلسفات وعقائد "سدنة معبد العلم الطبيعي الغربي الإلحادي المعاصر" التي لُبس العلم – مطلق العلم - بلبوسها وهو منها بريء، عسى أن ينكشف للمفتونين بهم المسبحين بحمدهم ليل نهار من سفهاء بني جلدتنا ولو جانب يسير مما قد طفحت به مؤلفاتهم من خرافات وأساطير فلسفية على إثر ذلك الفساد الاعتقادي الغيبي لديهم، مع تشدقهم ليل نهار بأنهم أصحاب الصنعة المعرفية الوحيدة القادرة على صيانة من التزم بقواعدها من الوقوع في الخرافة والدجل! ولعله قد آن الأوان لإحياء العزة والاستعلاء بالحق في نفوس طلبة العلم والباحثين من المسلمين، وتنبيههم إلى فساد كثير مما استُدرج إليه اللاهوتيون المعاصرون من أهل الكتاب من مسالك في التعامل مع فلسفات الملاحدة المعاصرين فيما يتعلق بالعلم الطبيعي وغيره من العلوم الإمبريقية [3]، لا سيما وقد رأيت من كثير من إخواننا المسلمين الواقفين على هذا الثغر الخطير (على قلتهم) ميلا إلى تلك المسالك وتلبسا بكثير منها من غير تدقيق أو تمحيص، والله المستعان.
    فلإن تحرر هذا المعنى وتقرر، فالذي أرجوه أن يكون هذا الكتاب بمثابة مقدمة في هذا الباب الواسع ولبنة من لبنات بناء عملاق قد بات يستدعيه ذاك الثغر العظيم، والله أسأل أن يسدد به رميتي وأن يعفو عن زلتي وأن يتقبل عملي، وأن يغفر به ذنبي ويستر به عيبي ووالديّ والمسلمين، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
    هذا وأنبه إلى أن الكتاب موجه بالأساس لطلبة العلم المتمكنين – أولا – من أصول العلم الشرعي (أصول العقيدة وأصول الفقه والنظر) والمطلعين – ثانيا- على فلسفات الغرب المعاصرة، فإن تخلف الشرط الثاني في القارئ فلست أتنازل عن تحقق الشرط الأول على الأقل، حتى لا يكون الكتاب فتنة لمن لا يعقل من حيث أردت به الإصلاح، والله يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.


    [1] وفي الحقيقة فإن كلمة science في اللغة الانكليزية ليست مقصورة على العلم الطبيعي أو التجريبي، ولكنها تكاد أن تكون اصطلاحا على هذا المعنى وحده في مؤلفات عامة المفكرين الغربيين المعاصرين، لا سيما الملاحدة والماديين من فرط استعمالهم لها بهذا المعنى، وعلى أثر ماديتهم المحضة التي يروجون لها.


    [2] كلمة إبستمية Epistemic وإبستمولوجية من المصطلحات الفلسفية التي سيكثر تعرض القارئ لها في هذا الكتاب، وهي لفظة لاتينية الأصل بمعنى المعرفي أو الأمر المتعلق بمعرفة الإنسان أو بتصوراته الذهنية للواقع من حوله (الموجودات في الذهن). وقسيمها في اصطلاح الفلاسفة لفظة أنطولوجي Ontological ويراد بها الأشياء كما هي خارج الذهن (الموجودات في الخارج).

    [3] البحث الإمبريقي Empirical على اصطلاح الفلاسفة المعاصرين يراد به كل بحث يوصف بأنه تجريبي (قائم على التجربة والمشاهدة المباشرة).
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد كمال الجزائري
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  2. #2
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.

    علمت من دار النشر أن الكتاب يباع في معرض القاهرة الدولي للكتاب في المواضع التالية:
    - دار اليقين
    - مكتبة التنمية.
    - دار نور العلم. (أمام المسجد)
    - دار القاهرة.
    - زهراء الشرق.
    - أخبار اليوم.
    - دار القيروان.
    - مجلة العربية.
    - دار الشروق الدولية.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    3,043

    افتراضي رد: صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.

    الشيخ ابو الفداء جزاك الله كل خير
    وننتظر بشوق وصول الكتاب إلى السعودية
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً
    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    62

    افتراضي رد: صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.

    هل وصل للسعودية ؟

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    588

    افتراضي رد: صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.

    إن شاء الله نظفر به في المعرض
    أشهد أن لا أله ألا الله وأشهد أن محمد رسول الله
    أنا الأن أحفظ القران أدعوا لي أن الله يعينني على حفظ كتابه

  6. #6
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,107

    افتراضي رد: صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.

    الحمد لله وحده.
    أما بعد، فنزولا على طلب بعض الإخوة، إليكم نسخة رقمية "بي دي إف" من كتابي "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين"، قد أذنتُ لمن أراد أن ينشرها مجانا على الشبكة وينسخها بلا قيد أو شرط.
    ولا يفوتني أن أحذر من صعوبة مادة الكتاب ووعورتها، سائلا الله تعالى أن ينفع به، وأن يرزقنا الإخلاص والقبول.
    رابط التحميل:
    http://www.4shared.com/web/preview/doc/PoQOIuRaba
    المؤلف: أبو الفداء بن مسعود
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد كمال الجزائري
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    31

    افتراضي رد: صدور كتاب "آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين" - دار الإمام مسلم.

    جزاك الله خيرا شيخنا

  8. #8
    عدنان البخاري غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    المملكة العربية السعودية - مدرس بدار الحديث بمكة
    المشاركات
    10,520

    افتراضي

    الكتاب طُبِع مؤخرا بنسخته العربية..
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد عبد الأعلى
    مدرّس بدار الحديث بمكة
    أرحب بكم في صفحتي في تويتر:
    adnansafa20@
    وفي صفحتي في الفيس بوك: اضغط على هذا الرابط: عدنان البخاري

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,369

    افتراضي

    أين كتابات الشيخ أبي الفداء والشيخ عدنان؟
    اشتقنا إليهما
    أرجو أن يكون المانع خيرا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    48

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا ونفع بكم .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •