تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ جَلَّ جَلاَلُهُ
فَلاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ
[الحمد للهِ مصرِّفِ الأوقاتِ والدهور. ومدبِّرِ الأحوالِ في الأيامِ والشهور. ومسهِّلِ الصعابِ وميسِّرِ الأمور. وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له، وإليه المنتهى والمصير، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه البشيرُ النذير. اللهم صلِّ وسلم على محمدٍ وعلى آله وأصحابِه وضاعف اللَّهمَّ لهم الأجور.
أما بعد؛ أيها الناس! اتقوا الله تعالى، واعلموا أنَّ الأمورَ كلَّها بيدِ العزيزِ الحكيم، فما شاء اللهُ كان، وما لم يشأْ لم يكنْ من صغير وعظيم.
{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (فاطر: 2) {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة: 51) {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يونس: 107)
فالأمر كلُّه بيدِ الله، والتصاريفُ كلُّها منقادةُ لقَدَرِ الله، والأسبابُ والمسبباتُ تبعٌ لحكمةِ الله.
ليس لشيء من الأوقاتِ والشهورِ عملٌ ولا تأثير، وإنما الأوقاتُ تجري مسخراتٌ بتقديرِ الملكِ الكبير، إنما جعلها الله رحمةً وخِلفةً لمن أراد أن يذَّكَّرَ أو أرادَ شكورا، وظروفا للأعمال نافعِها وضارِّها، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خلقَ له تيسيرًا، فأوقاتُ الموفَّقين زاهرةٌ بالأعمالِ النافعةِ والخيرات، وأوقاتُ المجرمين قد مُلئت من الشرورِ والآفات، ليس لشهر صَفَرٍ وغيرِه نَحْسٌ ولا سَعْدٌ ولا شؤم، فلا هامَةَ ولا صَفَر، وإنما هي تدابير الحيُّ القيوم، فلقد أبطلَ هذه الخرافاتِ الساقطةَ النبيُّ المعصوم،] الفواكه الشهية في الخطب المنبرية (ص: 188، 189)، إذْ كلامُه إذا تكلَّم، وحديثُه إذا تحدَّثَ في أمور العبادات والغيبيات ليس من اجتهاده وحسْبِ هواه، بل {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم: 3- 5)، فإذا أخبَرَنا مثلاً عن أمورٍ طِبِّيَّة، وأدويةٍ وعلاجاتٍ فيها شفاء، فلْنؤمنْ بهذا الغيب ولْنصدِّقْ، وكذلك إذا أخبرَنا بأمراضٍ وأوجاعٍ وعَرَّفَنَا أسبابَها ومسبباتها، فلنؤمنْ ولنصدقْ، وإن خالف ذلك ما في أذهاننا، وخفيت علينا عِللُها وأسبابُها، ولا نبادرْ بالتكذيبِ والإنكار، لمجرد العنادِ والصدود، واليوم الكلام عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ينفي فيه أفكارًا فاسدةً، ويصحِّحُ معتقداتٍ كاسدةً، فنهى عن التشاؤم من بعض المخلوقات أو الأصوات، أو الأيام أو الأوقات ونحو ذلك، ونهى عن اعتقاد بعض الجهلةِ بظهورِ قتيلٍ مطالبًا الأخذَ بثأره، ومع ذلك أَمَرَنا بالأخذِ بالأسباب، والابتعادِ عمَّن أصيبوا بأمراضٍ قد تنتقلُ إلى الأصحَّاء، فيظنونها بسبب العدوَى المنهيِّ عن اعتقادها، فيقعون في مخالفةِ هديهِ وإرشادِه صلى الله عليه وسلم.
فالعدوَى بين المرضى نفاها، وأن المرض يعدي بطبعه كما يعتقده العرب قديما أبطله.
ثبت في الحديث الصحيح أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ»، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَا بَالُ إِبِلِي، =يقصد جِمالَه ونياقَه= تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، =أي تكون في الصحراء سليمة صحيحة كالغزلان=، فَيَأْتِي البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟) فَقَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟» البخاري (5770)، ومسلم (2220).
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» البخاري (5771).
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ» البخاري (5707). وكَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ» مسلم (2231). حتى قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ««لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذومِينَ» ، سنن ابن ماجة (3543) انظر الصحيحة (1064).
عباد الله! ما معنى ذلك؟ إنَّ العربَ كانوا إذا أرادوا سَفرًا أو تجارةً أو زواجًا.. قاموا -بجهلهم- وتوجهوا نحوَ عُشِّ طائر، أو جُحْرِ أرنبٍ أو غزال، فنفَّروه من مكانه، فيخرجُ الطائرُ أو الحيوانُ مذعورا فارًّا لا يدري أين يتجه، فيراقبه العربيُّ؛ فإن اتجهَ إلى اليمين فهو سانحٌ فيتفاءلُ به، ويمضي لشأنه، وإن اتجه إلى اليسار فهو بارحٌ فيتشاءمُ به، ويصدُّه عن شأنه، وهذا ما يسمى بالطِّيَرة [.. فنفاه الشرعُ وأبطله، وأخبر أنه لا تأثيرَ له في جلبِ نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ]. انظر: مسلم بشرح النووي (14/ 218- 219)
فلا يجوز لأحد أن يتشاءمَ من حركةِ طائر، أو نَئِيمِ بوم، ونعيبِ غربان، أو صوتِ حيوان، أو نباحِ كلب، أو صورةِ إنسان وغيرِه، فيصدّه ذلك عن المضي في العمل، وهذا فيه شركٌ بالله عز وجل، وذلك باعتقاده أن غيرَ اللهِ جلَّ جلاله يملك جلبَ النفع والخير، ودفعَ الضرِّ والشرِّ.
قال ابن حجر: [وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شِرْكًا؛ لِاعْتِقَادِهِم ُ أَنَّ ذَلِكَ يَجْلِبُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ ضُرًّا، فَكَأَنَّهُمُ أَشْرَكُوهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: "وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ من وَقع لَهُ ذَلِك فَسَلَّمَ لِلَّهِ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِالطِّيَرَةِ؛ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَرَضَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ]. فتح الباري لابن حجر (10/ 213)
[قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ مَضَيْتَ فَمُتَوَكِّلٌ، وَإِنْ نَكَصْتَ فَمُتَطَيِّرٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تَضُرُّ الطِّيَرَةُ إِلا مِنْ تَطَيَّرَ]. شرح السنة للبغوي (12/ 170)
«... وَلاَ هَامَةَ ..» [الْهَامَةُ: الرَّأسُ، واسْمُ طائرٍ. وَهُوَ المُرادُ فِي الْحَدِيثِ. وَذَلِكَ أنهُم كَانُوا يَتَشَاءَمُون بِهَا. وَهِيَ مِنْ طَير اللَّيل.
وَقِيلَ: هِيَ البُومَةُ.
وَقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ تَزْعُم أنَّ رُوحَ القَتِيل الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِثَأرِه تَصِير هَامَةً، =أي طيرًا من طيور الليل= فتَقُول: (اسْقُوني)، فَإِذَا أُدْرِكَ بِثَارِه طَارَتْ.
وَقِيلَ: كانُوا يَزْعُمُون أَنَّ عِظامَ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: رُوحَه، تَصِيرُ هَامَةً فتَطِيرُ، ويُسَمُّونه الصَّدَى، فنَفَاه الإسْلامُ ونهاهُمْ عَنْهُ]. =انظر مادة (هوم)،: اللسان لابن منظور، والنهاية لابن الأثير=، وهذا من باب التشاؤم من الطيور كالبومة والغراب.
«... وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، ...» وكلمةُ (صَفَر)، فـ[كَانَتِ العَرَب تزعُم أَنَّ فِي البَطْن حيَّةً يُقَالُ لَهَا: (الصَّفَر)، تُصِيب الْإِنْسَانَ إِذَا جَاع وتُؤْذِيه، وأنَّها تُعْدِي، فأبطَل الإسلامُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: أرادَ بِهِ النَّسِيء الَّذِي كَانُوا يَفْعلُونه فِي الجاهليَّة، وهو تأخيرُ =شهرِ= المحرَّم إلى =شهر= صَفَر، ويجعَلُون صَفَر هو الشهرَ الحرامَ، فأبطَله]. =النهاية لابن الأثير مادة (صفر)=.
فلا يجوز أيضا التشاؤم بزمنٍ، كالشهرِ أو اليومِ أو الساعةِ أو الوقت، ففيه نوعٌ من الشرك، فالـ[ـتشاؤم ببعض الأيام والشهور: كيوم الأربعاء، وشهر صفر، والتطيُّرُ ببعض الطيور كالغربان والبوم؛ وبغير ذلك مما لا تحصره الأمثلة، وهو ما يزعزع الثقة بالله، وتنصرف به القلوب عن الله، هو -يا عباد الله!- خرافةٌ لا يقرُّها عقلٌ ولا دين، وهي مما يغضب رب العالمين، وليس التشاؤمُ بالذي يغيِّر من القدرِ المكتوب شيئًا، قال الله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} (الأنعام: 17)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر».
وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى علاجٍ يجتثُّ جذورَ التشاؤم، ويوجه القلوب إلى الله؛ وهو: أن يدعوَ منْ يجدُ في نفسه شيئًا من ذلك بقوله: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا رَبَّ غَيْرُكَ»، =مسند أحمد (11/ 623، رقم 7045)، وكان ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا نَعَقَ الْغُرَابُ، قَالَ: «لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» مصنف ابن أبي شيبة (6/ 110، رقم 29872)=...
فاتقوا الله عباد الله! وعلِّقوا القلوبَ والآمالَ بالله، وابتعدوا عن مزالقِ المادةِ والتفكيرِ بوحيِها؛ وحاربوا الخرافةَ والتضليل؛ واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى، ونعم النصير. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يونس: 107)]. مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار للسلمان (2/ 262).
أما قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ عَدْوَى ..» فالعدوَى هي [الفساد] =القاموس مادة (عدى)=، و[انتقال المرض من المريض إلى السليم] =المنجد مادة (عدى)=، فيكون المعنى: لا فسادَ ولا انتقالَ للمرض من المريض السليم.
فـ[العدوى ...؛ هو أن يصيبَه مثلُ ما بصاحبِ الداء. وذلك أن يكون ببعيرٍ جربٌ مثلا، فتُتَّقَى مخالطتُه بإبلٍ أخرى؛ حذرًا أن يتعدَّى ما به من جربٍ إليها، فيصيبُها ما أصاحبه، وقد أبطله الإسلام]. النهاية لابن الأثير (عدى).
أمَّا قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «.. وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ». البخاري (5707).
وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذومِينَ» . سنن ابن ماجة (3543)، وانظر الصحيحة (1064).
فقد كانت وفودُ العربِ تأتي للنبيِّ لتبايعَ على الإسلام و(كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ»). مسلم (2231)
وكلمة (المجذوم) من الجذام: [الجُذَامُ عِلَّةٌ تُعَفِّنُ الأعْضاءَ، وتُشَنِّجُها وتُعوِّجُها، وتُبِحُّ الصَّوتَ وتَمْرُطُ الشَّعرَ]. فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (ص: 101)، وهو مرض سريع الانتقال من المريض إلى السليم، [وَالْجُذَامُ سُمِّيَ لِتَقَطُّعِ الْأَصَابِعِ] مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 439).
فالأحاديث تفيد تجنُّبَ هؤلاء المرضى، وعدمَ مخالطتِهم. وكذلك «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» البخاري (5771) المُمْرِضُ صاحب الإبل المراض. والمُصِحُّ صاحبُ الإبلٍ الصِّحاح. النهاية مادة (مرض)، واللسان في نفس المادة
ففي الحديث: [نهيٌ منه =صلى الله عليه وسلم= الممرضَ =وهو صاحب الماشية المريضة= أن يُوْرِدَ ماشيتَه المرضَى على ماشيةِ أخيه الصحيحة؛ لئلا يتوهم المصحُّ =وهو صاحب الماشية الصحيحة= إن مرضت ماشيتُه الصحيحةُ؛ أنَّ مرضَها حدثَ من أجلِ ورود المرضَى عليها، فيكون داخلاً بتوهُّمه ذلك في تصحيحِ ما قد أبطله النبيُّ عليه السلام من أمر العدوى...] شرح صحيح البخارى لابن بطال (9/ 450).
ونعودُ إلى كلمةِ (لا عدوى) المنفيةِ شرعاً: وهي ما كان يعتقده العربُ من أنَّ الأمراض تُعْدي بطبعها، لا بأيِّ شيءٍ آخر، فهمْ لا يُسَمُّون انتقالَ المرضِ من العليلِ إلى السليمِ بواسطةِ الميكروباتِ أو الطفيلياتِ أو البكتيريا؛ لا يسمون ذلك عدوَى! فافهم ذلك.
[حتى لو كان في شَعرِ امرأةٍ وثيابِها قملٌ كثير، فقامت إلى جانبِها امرأةٌ أخرى، ثم بعد أيام قَمِلَ شعرُ الأخرى وثيابُها لما سمَّوا هذا عدوى؛ لأنهم يعرفون أنه لم يكن للمجاورة نفسها؛ وإنما دَبَّ القَمْلُ من تلك إلى هذهِ ثم تكاثر،..] الأنوار الكاشفة للمعلمي اليماني (ص: 199).
وحديث: (لا يورد ممرض على مصح)، يؤكِّدُ على أنَّ العدوى المنفيَّةَ هي عدوَى الأمراضِ بطبعها دون أيِّ سببٍ آخر، [فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لايوردُ صَاحِبُ الْإِبِلِ الْمِرَاضِ إِبِلَهُ عَلَى إِبِلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الصِّحَاحِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَهَا الْمَرَضُ بِفِعْلِ الله تعالى وقدَرِه، الذى أجرى به العادةَ لا بطبعها، فَيَحْصُلُ لِصَاحِبِهَا ضَرَرٌ بِمَرَضِهَا، وَرُبَّمَا حَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؛ بِاعْتِقَادِ الْعَدْوَى بِطَبْعِهَا فيكفر. والله أعلم]. شرح مسلم للنووي (14/ 217).
فعندما سأل الأعرابيُّ عن الإبلِ الصحاحِ يدخلُ بينها الجملُ الأجربُ فيجرِبُها؟! أجابه النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول" =رواه البخاري (5770)، ومسلم (101)=، يعني؛ أوَّل جربٍ أصابَ الكائن الحيَّ؛ من أين جاءت العدوى له، ومن سببها؟
وهذا راجع إلى الله عز وجل، الذي إذا أراد إمراضَ سليمٍ دون عدوى، أو أي سبب؛ فعل! وإذا أراد صحةَ عليلٍ دون سببٍ أو دواءٍ فعل؛ فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وحديث: (فِرَّ من المجذوم كما تفرَّ من الأسد)، فيه التوجيهُ إلى عدم مخالطة المجذوم، ونحوِه من المرضى، والبعدُ عنه وتجنُّبُه خشيةَ أن يقدِّرَ اللهُ سبحانه وتعالى في تلك الحالةِ الإصابةَ بمرض الجذام ونحوِه، فيعتقد الإنسانُ بالعدوَى المنهيِّ عنها شرعاً، فيقع خللٌ في التوحيد وفسادٌ في العقيدة.
[وَقِيلَ: إِنَّ الْجُذَامَ عِلَّةٌ لَهَا رَائِحَةٌ تُسْقِمُ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَةِ صَاحِبِهَا وَمُؤَاكَلَتِهِ ، لاشْتِمَامِ تِلْكَ الرَّائِحَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُضَاجِعُ الْمَجْذُومَ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، فَرُبَّمَا تُجْذَمُ مِنَ الأَذَى الَّذِي يُصِيبُهَا، وَقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي النَّسْلِ، وَكَذَلِكَ الْبَعِيرُ الْجَرِبُ يُخَالِطُ الإِبِلَ وَيُحَاكُّهَا، فَيَصِلُ إِلَيْهَا بَعْضُ مَا يَسِيلُ مِنْ جَرَبِهِ، فَيَظْهَرُ عَلَيْهَا أَثَرٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْوَى، بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّبِّ، كَمَا أَنَّ أَكْلَ مَا يعَافُه الإِنْسَانُ، وَاشْتِمَامَ مَا يَكْرَهُ رِيحَهُ، وَالْمَقَامَ فِي بَلَدٍ لَا يُوَافِقُ هَوَاهُ طَبْعُهُ يَضُرُّهُ، وَمَا يُوَافِقُهُ يَنْفَعُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ..] شرح السنة للبغوي (12/ 171).
أمَّا إنْ قوي الإيمانُ، واشتدَّ اليقينُ، وقوي التوكلُ على الله؛ جازت المخالطة، كما ورد [أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الْأَجْذَمِ.. وعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ لِمُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ =وَكَانَ أَجْذَمَ=: (ادْنُ، فلَوْ كَانَ غَيْرُكَ مَا قَعَدَ مِنِّي إِلَّا كَقَيْدِ رُمْحٍ)، ..". جامع معمر بن راشد (10/ 405، رقم 19509، 19510)، فلم يصب الجذامُ أبا بكر ولا عمر رضي الله تعالى عنهما؛ لقوَّة إيمانهما وتمام توكُّلِهما.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين، من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
*** الخطبة الآخرة ***
[الحمد للهِ ذي العزَّةِ والسلطان، أحمده سبحانه! من توكلَ عليه كفاه، ومن تعلق بغيره؛ وكله إليه وأقصاه.
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله؛ أفضلَ من دعا إلى الاعتصام بربه ومولاه.
اللهم صلِّ وسلمْ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم لقاه، أما بعد؛
فيا عباد الله! إن الأمورَ كلَّها بيد الله؛ يرفعُ ويخفض، ويعزُّ ويُذلّ، ويعطي ويمنع؛ لا رادَّ لأمره، ولا معقِّبَ لحكمه؛ يفعلُ ما يشاء، ويحكمُ ما يريد، فأخلصوا -يا عباد الله!- له القصدَ والنية، وتوكلوا عليه حقَّ التوكل، يكفِكُم كلَّ ما أهمَّكم، ويغفرْ لكم من ذنوبكم]. مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار للسلمان (2/ 263).
ألا واعلموا عبادَ الله! أنَّ الأسبابَ موجودةٌ بقدَرِ اللهِ وقُدرتِه، ونحنُ مطالَبون بمعرفةِ هذه الأسباب، واتخاذِها في الحسبان، فإن هذا لا ينافي كمال التوحيد.
ولكنَّ الذي ينافيه؛ هو الاعتقادُ في الأسباب أنَّها وحدَها فاعلةٌ بذاتها، لا يَنظرُ العبدُ إلاَّ إليها، ولا يَثِق إلا بها، ويَنسى أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو خالقُ الأسبابِ يصرفها كيف يشاء.
فلا ينبغي للمؤمن أن يتوكلَ على غيرِ الله عزَّ وجل، ومع ذلك؛ عليه أن يتخذَ من الأسباب ما ينفعه في حياته، مع العلم بأنها مربوبةٌ مقهورةٌ بيدِ بارئها وخالقِها.
وحاصلُ القولِ؛ أنَّ الأمراضَ لا تُعدِي بطبعها؛ إلاَّ إذا شاءَ اللهُ عزَّ وجلّ، فالتوحيدُ الصحيحُ الخالصُ يجعل صاحبَه يُرجعُ الأمورَ كلَّها إلى الله.
فلو جلس صحيحٌ سليمٌ إلى مرضى؛ فليس بحتْمٍ أن يُصابَ بمرضهم، إلاَّ إذا أراد الله سبحانه أن يجعلَ جلوسَه بينهم سبباً في انتقال المرض إليه.
فهذه المستشفياتُ والعياداتُ الخاصةُ والعامةُ تغصُّ بالمرضى والمخالطين لهم؛ من أطباءَ ومُمَرِّضين وزوَّار، فهل سيصبحُ الكلُّ مرضى حتماً ولابدّ؟
الجواب: لا! إلاَّ إذا شاء الله جلَّ جلالُه.
بل ربما انتقلت أسبابُ الأمراضِ؛ من ميكروباتٍ وبكتيريا وطفيليات، مما يسبب الحصْبةَ والسعالَ الديكيَّ وشللَ الأطفالِ... ونحوَها.
أقول: ربما انتقلت إلى الصحيح؛ فزادته هذه قوةً وصحةً وعافية، وهذا كلُّه بإرادةِ الله سبحانه وتعالى.
فما هذه الحملاتُ الواسعةُ للتطعيمِ ضدَّ هذه الأمراض؛ إلا نتيجةً لهذه المعرفةِ المحدودةِ التي وهبنا اللهُ إياها؛ وهي معرفةُ أنَّ الله سبحانه يجمع الشيءَ ونقيضَه؛ المرضَ والصحة، الداءَ والدواء.
فالتطعيم مثلاً؛ عبارةٌ عن حَقْنِ ميكروباتِ ضعيفةٍ في جسمِ الإنسان، فتنتبهُ أجهزةُ المناعةِ عنده، وتستعدُّ لصدِّ أيِّ هجومٍ من هذه الميكروباتِ فيما بعد، ولو لسنين متطاولةٍ.
فالميكروبُ وحدَه لا يساوي المرض، والعدوَى وحدها لا تساوي العاهة والسقم.
فهذه الأحاديث النبوية تردُّ الناسَ إلى كمالِ التوحيد، وتردُّهم إلى ربِّهم خالقِ الأسباب.
* فهو وحدَه سبحانه، الذي إن شاءَ جعلَ الميكروبَ مرضاً، وإن شاء جعلَه صحةً ووقايةَ للإنسان والحيوان من الأمراض.
* وإن شاء جعل الحُمَّى الشوكيةَ داءً وبيلاً لا إبلالَ منه ولا شفاء، وإن شاءَ جعلَه حَمَلاً وديعاً، يعيشُ في حَلْقِ ذلك الشخصِ وبلعومه، دون أن يسببَ له أيَّ أذًى.
* وهو سبحانه الذي إن شاءَ جعلَ فيروسَ شللِ الأطفالِ مرضاً فتاكاً خطيراً، وإن شاء جعله حمايةً لذلك الطفل من ذاك المرض في مستقبل الأيام.
* وهو الذي إن شاء جعل تلك البكتيريا التي تعيش معنا وئام وسلام؛ فتتحوَّلُ فجأةً إلى إعصارٍ مدمِّرٍ يهدمُ كل بنيان؛ فيحوِّل بكتيريا الأمعاء التي تُمِدُّنا ببعض الغذاء (الفيتامينات)، إلى أفاعٍ سامَّةٍ تفتكُ بنا في أيام.
* وهو الذي إن شاء جعل الدواءَ داءً وبالعكس، فكم من أدويةٍ سببتْ أمراضاً وأدواءً، بل إنَّ الأمراضَ الناتجةَ عن استعمالاتِ الأدويةِ والعقاقيرِ اليومَ تكادُ تفوقُ الأمراضَ الناتجةَ عن الميكروباتِ الغازية مجتمعة.
* فالبنسلين دواءٌ مفيدٌ نافع، ولكنه قد يقتُل في لحظات، إذا أُعطيَ لمن عندهم ما يسمى بـ(الحساسية).
* والثاليدوميد وهو دواءٌ مهدئ، قيل: إنه خالٍ من كلِّ المضاعفات، فلمَّا أُعطيَ للحوامل؛ كانت النتيجةُ آلافَ المشوَّهين المولودين بدون أطراف... انظر العدوَى بين الطب وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، للدكتور: محمد علي البار (ص: 52- 58).
وهكذا يصبح الدواءُ داءً، بقدرة اللهِ وعظمته، والداءُ دواءً وشفاءً بفضله عزَّ وجلَّ ومشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
كم ذا التمادي فها قد جاءنا صَفَرُ ... شهرٌ به الفوزُ والتوفيقُ والظفرُ
فابدأ بما شئت من فعل تُسَرُّ بهِ ... يومَ المعادِ ففيه الخيرُ يَنتظرُ
توبوا إلى اللهِ فيهِ من ذنوبكمُ ... من قبلِ يبلغُ فيكم حدُّه العُمُرُ
لطائف المعارف لابن رجب (ص: 78).
[فاتقوا الله عباد الله! واحفظوا حدودَ الله يحفظْكم في الدنيا والآخرة.
ألا وصلّوا على من بعثه اللهُ رحمة للعالمين، نبيِّنا محمَّدِ بنِ عبد الله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، وهو صلَّى الله عليه وسلم، القائلُ: {من صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً}.
فاللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.
اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واحمِ حوزةَ الدين.
اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم وفِّق المسلمين للعودة إلى دينك القويم.
اللهمَّ أصلحْ ولاتِنا قادتَنا وعلماءَنا وشبابنا ونساءَنا.
اللهمّ أبرِمْ لهذه الأمةِ أمرَ رُشد يُعزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذلُّ فيه أهل معصيتك، ويؤمرُ فيه بالمعروف، وينهَى فيه عن المنكر.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ]. مقتبسة من خطب ابن سديس
وكتب وخطب: أبو المنذر فؤاد بن يوسف أبو سعيد
الزعفران- المغازي- محافظة الوسطى بغزة
8 صفر 1434 هلالية،
وفق: 21/ 12/ 2012 شمسية.
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني:
zafran57@yahoo.com
أو قوموا بزيارة الموقع الإلكتروني الرسمي للشيخ:
www.alzafran.com