ومضات في فن التحقيق
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: ومضات في فن التحقيق

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,660

    Arrow ومضات في فن التحقيق

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ونبيه محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.
    وبعد،،
    فهذه ومضات في فن التحقيق مما وفق الله لمعرفته من خلال ممارسة هذا الفن.
    ما هو فن التحقيق؟
    التحقيق لغة: التصديق، وإثبات الحق، والرصانة، والتزيين، وإحكام الشئ وصحته[1].
    وهو - كما ترى - فيه ما ينطبق على الفن المعروف حاليا بهذا الاسم.
    فالتحقيق: إحكام النصوص، والتثبت من صحتها، وتزيينها بما يفك مغلقها، ويوضح غامضها، ويضئ معالمها . . . وهو - بعد - فن يستلزم الرصانة، وإثبات الحق من النصوص ونفي غيره .
    لكن سلفنا لم يستعملوا هذه الكلمة للدلالة عليه، بل استعملوا بدلها كلمة ( التحرير )؛ جاء في القاموس المحيط وغيره: تحرير الكتاب: خلوصه وتقويمه[2]، وقال أبو بكر الصولي في ( أدب الكتاب ): تحرير الكتاب خلوصه، كأنه خلص من النسخ التي حرر عليها وصفا عن كدرها[3].
    وعلى أي حال فقد شاعت - في هذه الأزمنة - لفظة التحقيق وذاعت، وأصبحت مصطلحا ينصرف الذهن عند ذكرها إلى ما نحن بصدده، ومعلوم أن لا مشاحة في الاصطلاح.
    هذا بعض ما يتعلق باللفظ لغة...
    التحقيق اصطلاحًا:
    وقد اختلف المعنيون بالمراد من التحقيق:
    فمنهم من اقتصر على أنه ضبط النص فحسب.
    ومنهم من زاد عليه توضيح الغوامض ، وتخريج النصوص من مصادرها، وصنع الفهارس، ومتابعة الكتاب تصحيحا وتنقيحا حتى يخرج من المطبعة ويصل إلى يد القارئ.
    ومنهم من زاد - على هذا كله - متابعة المحقق لكتابه بعد الطبعة الأولى صقلا وتجميلا وتهذيبا.
    والجميع مصيبون ، وكل منهم عبر عن رؤية خاصة.
    والحق أن للتحقيق درجات: أولها ضبط النص... ثم يرتقي المحقق صعدا في سلم هذا الفن.
    أما التخريج، وتوضيح الغوامض، وصنع الفهارس، ومتابعة الكتاب.... فهي من لوازم التحقيق ومكملاته.
    ولا تظن أن ضبط النص أمر هين، فهو من أعضل المعضلات، ودون الوصول إليه خرط القتاد... فهو يتطلب من المحقق موسوعية تراثية، وسليقة لغوية، ودقة ملاحظة، وفضل ذكاء، وحافظة سليمة، وذوقا جميلا، وصبرا وجلدا.
    وقديما قال الجاحظ: "ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام"[4].
    وقيل: تأليف كتاب أهون من إصلاحه.
    وبكلمة مختصرة: التحقيق هو فن إحياء الكتاب المخطوط.
    والحياة - كما هو معلوم - درجات بعضها أعلى من بعض؛ فحياة مريضة عاجزة، وحياة سليمة تتمتع بالصحة والعافية، وحياة فيها - مع هذا - رواء وجمال.
    قدم هذا الفن عندنا
    الأمة المسلمة هي الأمة الوسط، وهي أمة الخير وخير الأمم، وذلك من فضل الله علينا.
    والأمة العربية أمة أمية، تعتمد الرواية والحفظ في نقل علومها من جيل إلى جيل.
    وجاءت الرحمة المهداة للعالمين متمثلة في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فأخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل إلى نور العلم.
    ولا يزال التاريخ يذكر حادثة أسرى بدر، وأن الأسير كان يحصل حريته بتعليمه عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.
    ولا يزال التاريخ يذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم لسان يهود، فتعلمه في بضعة عشر يوما.
    وكان القرآن الكريم فاتحة الخير لتدوين العلوم، وجاء حثه على طلب العلم وأمره به، محفزا للمسلمين كي يقتحموا لجج المعارف ويغوصوا في أعماقها طلبا للحقائق.
    وكان علم الحديث الشريف أهم حافز لعلمائنا رحمهم الله على ممارسة هذا الفن، وعلى البلوغ به مستوى عاليا.
    فكان التحقيق في ضبط نصوص الأحاديث، والحيطة فيها وعليها، بحيث شاعت مصطلحات خاصة؛ "سماع"، "إجازة"، "مقابلة"، "بلاغ"...إلخ.
    وشاع إثبات ما في النسخ الأخرى أو الروايات الأخرى في هامش كتب الحديث الشريف إن اختلفت في
    لفظه ولو كانت تلك اللفظة ( واو ) العطف أو ( أو ) التخيير، أو كانت زيادة نقطة على الحرف أو إهمالها.
    وانتقل هذا الفن إلى العلوم الأخرى ، فكان لضبط النص - أدبيا كان أم علميا - أهمية - عند علمائنا - بالغة.
    من صفات المحقق
    من الواضحات أن من يتصدى لأمر ما، يجب عليه أن يتصف بصفات تؤهله لإتقان ما تقتضيه طبيعة هذا الأمر، فالطبيب مثلا لا يحتاج في فنه إلى إتقان الشعر الجاهلي ومعرفة وحشية من مأنوسه، ولا إلى ضبط أوزانه ليعلم أن الموشح متأخر عن العصر الجاهلي بقرون، ولا ولا... وإن كان من ناحية الثقافة العامة يحتاج إلى بعض هذه الأمور، لكنها لا تساعده في عملية جراحية في العين أو كتابة وصفة دواء. وهكذا قل في كل فن من ألوان العلوم الإنسانية.
    ونحن في هذا البحث الموجز، سنطرق - بعون الله تعالى - أبواب بعض هذه الصفات، ذاكرين منها ما يفتح الله به.
    ولنبدأ بالسمة الأولى المشتركة بين أعمال الإنسان كلها وهي:
    1- الرغبة أو الهواية أو الحب:
    هذه الهواية أولى الشروط الواجب توفرها في المحقق، فإن حبه للتحقيق يسهل له الصعاب التي تعترضه، ويذلل له سبلها، ويعينه على تخطي ما يعترض طريقه من عقبات.
    لأن هذا الفن كثير المزالق، جم المعوقات، وغير المحب لا يهون عليه أن يبذل من ذات نفسه أو ماله أو... لغير من يحب.
    فهذا الحب يهون على المحقق السهر والتعب في حل جملة مبهمة، ويسهل عليه صرف الساعات بل الأيام محققا مدققا في قراءة كلمة صحفها الناسخ، أو عدت عليها عوادي الزمان بمسح أو مسخ، بل ويهون عليه - مثلا - فوت سفرة يتمتع فيها بما أباح الله تعالى من مجالي الطبيعة الجميلة، فتراه يتلذذ بشم الهواء وتذوق طعم الحرية بين أربعة جدران مع كتبه وورقه.
    ويدفعه هذا الحب إلى تجشم السفر - إن كان قادرا عليه - إلى مكتبة بعيدة، ولولا هذا الحب لما بذل أمواله التي جعلها الله له قياما؛ أو يبذلها رخيصة في شراء كتاب أصفر الورق قد اتخذته العثة لها ملعبا ومطعما.
    فهذه الهواية أول شرط يجب على طالب هذا الفن أن يخبره من نفسه؛ لأنه إن لم يكن راغبا في التحقيق هاويا له فسيأتيه من منغصاته ما يصرفه عنه، وقد يفضي الأمر به إلى طلاق لا رجعة فيه.
    2- الغيرة:
    وهي صفة لازمة للمحقق، فإننا - بحمد الله أمة لها من علمها وأدبها ورجالها وتراثها ما تفخر به على كل الأمم - كثرة وأصالة وعمقا ونفعا للإنسانية.
    أمة أفكارها واحدة، وتراثها واحد.
    هذه الأمة العريضة الطويلة في المكان والزمان، لها من التراث العلمي والأدبي والحضاري، ما ضاقت عنه أرضها الواسعة ففاض على الآخرين مشاعل نور، انساح نورها فعم الأرض كلها.
    وتراث هذه الأمة أضخم تراث عرفته الدنيا، وحسبك إن ما بقي من مخطوطات اللغة العربية فقط ثلاثة ملايين مخطوط، عدا ما اجتاحته النكبات وأودت به الملمات.
    وحسبك أن رجال هذه الأمة وأعلامها نيفوا على نصف مليون علم، كما يقول أحد علماء التراجم.
    أما تراثها الغني - بناء وزخرفة وخطا ونقشا وابتكارا - مما يقر العين ويبهج القلب، فحدث عن البحر ولا حرج.
    هذا التراث الذي صرفت فيه جواهر الاعمار، وبذلت في سبيله أنوار العيون، وحماه السلف ذو الفضل بمهج النفوس، فحري بمن يعرفه أن يغار عليه، وأن يحوطه كما حاطه السابقون، وعلى كل طالب لفن التحقيق أن يستشعر الغيرة على هذا التراث القيم، والغيرة من سمات رشد الأمة، وما ضاعت نفائس كتبنا إلا حين قصرنا عن الرشد وقلت الغيرة فينا، فكان رجال - ينسبون لهذه الأمة - سماسرة للأجانب؛ يجمعون المخطوطات بثمن بخس - لتستقر في المتحف البريطاني وغيره من مكتبات الأجانب.
    3- الذكاء ودقة الملاحظة:
    وهذه سمة يقتضيها الابداع في كل علم، والتقدم والتجديد في كل فن، وكل مبدع في تاريخ البشرية لم يكن ليبدع في فنه لولا صفات منها: الذكاء ودقة الملاحظة؛ بل لولاها لما زاد العارف بعلم من العلوم أن يكون نسخة مكرورة من أستاذه بل نسخة من الكتاب الذي قرأه، وقد قيل لأحد العلماء: إن فلانا قد حفظ الكتاب الفلاني، فقال: زادت في البلد نسخة.
    هذه الملاحظة الدقيقة شرط ضروري في فننا الذي نحن بصدده، لأن رسم الخط العربي متشابه الصور متقارب الأشكال، ومعاني الألفاظ في العربية متقاربة، لأن هذه اللغة الكريمة لغة اشتقاقية تجمع كل أسرة من الألفاظ آصرة واحدة ومعنى عام تشتق منه المعاني الفرعية، التي هي قريب من قريب.
    فإن لم يكن المحقق دقيق الملاحظة اشتبه عليه - مثلا - ( كتب ) من الكتابة المعروفة و ( كتب القربة ) أي خاطها بسير من جلد، وربما صحح الثانية بما يحلو له من لفظ بناء على أنها خطأ، وهي - في الحقيقة - ليست خطأ إلا في ذهنه وحده.
    وتصحيح التصحيف - في الغالب - يعتمد على هذه الصفة في المحقق، ولا يظن أن المحقق يحتاج هذه الصفة في تصحيح التصحيف فحسب، بل هو محتاجها في أغلب أعماله، فأسماء الرجال، وواقع الحياة في كل عصر، وظروف النص الذي يحققه ما ظهر منها وما خفي، تحتاج إلى هذه الدقة في الملاحظة لكي لا يتسرب الخطأ من باب من أبواب الغفلة، أو ثغر من ثغور الذهول.
    4- التواضع والاستعانة بذوي الخبرة:
    الإسلام السمح السهل، دين الفطرة ومنهج الإنسانية المتساوية التي تجمعها العبودية لله تعالى، وهذا الدين العظيم من كريم أخلاقه التواضع، والتواضع حاجة من حاجات المحقق كي تنمو خبرته، ويتسع اطلاعه وتزيد معلوماته، فإن العلم كله في العالم كله، كما يقولون؛ فما على طالب المعرفة الحقة أن يستفيدها من أي إنسان صدرت، وما عليه أن يقول لما يجهله: لا أدري!
    والمحقق بتواضعه المراد منه، يفتح لنفسه الطريق في تصحيح الخطأ وتقويم الوهم الذي لا يخلو منه أحد إلا من عصم الله.
    وهو بتواضعه هذا يضيف خبرات إلى خبرته، وجهود أعمار إلى جهده.
    فما عليه أن يستفيد من عارف بتاريخ الخط وكيفياته، أو مطلع على أماكن المخطوطات ومظانها، أو ناطق فصيح بلغة القرآن ولو كان بدويا أميا.
    ولأذكر مثالا على ذلك:
    جاء في ديوان الشريف المرتضى الذي حققه رشيد الصفار وقدم له محمد رضا الشبيبي وراجعه وترجم لأعلام الديوان وصحح بعض ألفاظه الدكتور مصطفى جواد، وقد رمز لحواشيه بـ ( م . ج ).
    جاء في الصفحة الثانية والثلاثين من الجزء الأول قول الشريف:
    وإلى فخار الملك أصدرها ... كلما تسير بذكرها الكتب
    وبهـا على أكـوار ناجية ... نص المنـازل عني الركب
    وعلق عليها بما بلي :
    في الأصل نطس الجنادل، والذي أثبتناه أقرب من الأصل، فإنه يقال: نصصت فلانا: إذا استقصيت مسألته عن الشئ حتى تستخرج ما عنده، فالركب قد نص أهل المنازل عن الكلمة ( م . ج ).
    والصحيح أن معنى هذه الكلمة المناسب لموقعها هنا قد أغفلته معاجم اللغة - في حدود اطلاعي - ولكنه لا يزال حيا شائعا في لهجة الجزيرة العربية وما والاها من بادية العراق والشام، بتغيير بسيط في اللفظ حيث يلفظونها ( نصا ) فتسأل الرجل الغريب: أناص أنت أحدا أم لا؟ فيجيبك: أنا ناص فلانا، أي قاصد.
    هذا المعنى من النص أي القصد ، قد أغفله ما اطلعت عليه من المعاجم وهو المراد في بيت الشريف، فإن الشريف قد كتب القصيدة بعد نظمها وأرسلها إلى ممدوحه، ولم يحملها إليه بيده.
    فالركب ( أي حامل القصيدة ) قد نص منازل الممدوح ( أي قصدها ) نيابة عن الشريف.
    وليس هنا استقصاء في المسألة..! كما جاء في التعليق.
    هذا التصحيح للفظة في ديوان شاعر من عظماء شعراء المسلمين، وتفسيرها بالمعنى المناسب الملائم، واستدراك هذا المعنى على معاجم اللغة، هذه الأمور الثلاثة استفدتها من بدوي أمي لا يقرأ ولا يكتب.
    فالتواضع والاستعانة بالعارفين شرط من أمات الشروط المطلوبة في المشتغل بتحقيق التراث.
    وليس المراد من التواضع والاستعانة هنا ميوعة الشخصية، أو الاتكالية أو التطفل أو . . . ، بل هو التواضع الكريم والاستعانة التي هي من أهم مقومات هذا الإنسان الضعيف.
    وللبحث صلة بإذن الله،،

    __________
    [1] انظر لسان العرب ( حقق ). معجم مقاييس اللغة ( حق ).
    [2] القاموس المحيط ( حرر ).
    [3] أدب الكتاب: 26 .
    [4] الحيوان للجاحظ 1/ 75.

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    الدولة
    صعيد مصر
    المشاركات
    36

    افتراضي رد: ومضات في فن التحقيق

    ومضات رائعة .. بوركتم.

    جزاكم الله خيراً.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,660

    افتراضي رد: ومضات في فن التحقيق

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الدعباسي مشاهدة المشاركة
    ومضات رائعة .. بوركتم.

    جزاكم الله خيراً.
    شكرًا لك أخي الحبيب، ولكن هذا الموضوع ليس من كيسي بل هو مهذب من كلام " أسد مولوي" أحد باحثي الشيعة، وكنت سأبين هذا في نهاية الموضوع، ولكني شغلت عن الموضوع حتى مر عليه من الوقت ما أنسانيه، ولولا تجديدك للموضوع ثم تنبيه أخي الحبيب أشرف بن محمد على الخاص، بأن أصرح باسم صاحب الموضوع لربما ذهب الموضوع برمته في غياهب النسيان.

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    461

    افتراضي رد: ومضات في فن التحقيق

    أشكركم على هذا الموضوع ذي الشجون
    وأحب أن أضيف فيما يتعلق بصفات المحقق دربته على فهم عبارات العلماء وتمنه من فك مستغلقاتها وخاصة في العلم الذي يحقق فيه. و لا يحصل تمام ذلك إلا بالأخذ عن المشايخ والتحصيل العلمي القوي والمؤصل.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,219

    افتراضي رد: ومضات في فن التحقيق

    بوركت على طرح هذا الموضوع ، وكان من بيننا من المحققين الذين يمتازون بما ذكر في المقال ، العلامة المحقق االحلو والطناحي تلميذا محمود شاكر المحقق الكبير المعروف رحم الله الجميع ، وكذا الدكتور أحمد معبد حفظه الله ، وغيرهم ولله الحمد .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,660

    افتراضي تابع: ومضات في فن التحقيق

    5 - الصبر والأناة:
    المخطوطات بما رافقها من ظروف سيئة في الغالب، وبطول الزمن الذي يغير الأحوال ويفعل فعله في الحجر الصلد، وببعد العهد الذي تغمض معه الواضحات، وتنبهم السبل . .
    والمحقق إنما هو مجدد لشباب الكتاب وراجع به إلى ما كان عليه كما أخرجه مؤلفه أو قريب منه . .
    هذه الأمور - وغيرها - تقتضي من المحقق الصبر والجلد في معالجة مخطوطة أحال خطها القدم، وتنقص من حبرها وورقها بعد العهد واعتورها من عوامل الطبيعة وفعل الإنسان - مالكا ووارثا وقارئا - ما غير صورتها وأبهم واضحها.
    فعلى المحقق أن يكون على ذكر من أن الحبر كثيرا ما ينصل، وأن الأيدي التي ملكت المخطوطة كثيرا ما تتدخل فيما يظنه فاعله إصلاحا وهو عين الافساد، وأن الجلد ربما تهرأ فجدده مجلد غير عارف بالكتاب فغير من ترتيب أوراقه - خصوصا
    والكثير من المخطوطات خال من أرقام الصفحات معتمد نظام التعليقة الذي كثيرا ما يوهم ، وبعضها خال حتى من هذا النظام - وأن . . وأن . . مضافا إلى ولع العثة بالكتب، وفعل الرطوبة والجو فيها.
    فما يسع المحقق - والحالة هذه - إلا أن يعتد بالصبر في مواجهة هذه المشكلات، ليخرج منها سالما من تطرق الأوهام . . إلا أوهاما هي من طبيعة الإنسان.
    إما إن ضجر المحقق فقد فقد أقوى جننه . . ولا يأمل أن يخرج كتابا أحسن من نسخة مخطوطة كغيرها من المخطوطات.
    ولا يخفى أن من ملازمات الصبر الأناة، لأن العجلة مظنة السهو والوهم، وليجرب المحقق نسخ المخطوط الذي يبغي تحقيقه - والنسخ مرحلة يسرع فيها المحقق بطبعه لأن التدقيق والتنقير سيأتي بعدها - ولينظر في مرحلة المقابلة - التي تأتي بعد النسخ - ليرى كم سقط من قلمه من كلمات وكم زاد من عنده !
    ولئن تسومح بالسرعة في مرحلة النسخ، فلا يمكن أن يتسامح بها في مرحلة الضبط . .
    وما يضير المحقق أن يصرف من وقته ساعات - بل أياما - منقبا في بطون الكتب مراجعا للعارفين بالفن . . لضبط مشكل أو تصحيح تصحيف أو إيضاح غامض.
    وما أشبه عمل المحقق المتأني باللؤلؤة الطبيعية في جوف المحارة تستوي كما أراد لها الله تعالى، ثم تكون زينة تزري بالألوف من لؤلؤ الصناعة السريع إنتاجه.
    6 - الأمانة:
    يعتز الكاتب بكتابه اعتزازا بالغا قد يوازي اعتزازه بولده أو يزيد، لأن ولد امتداد له إلى عدة عقود من الزمان بينما كتابه امتداد خالد له (ونعني بالخلود هنا مفهومه الأرضي أي البقاء الطويل ) والإنسان بطبعه مفطور على حب البقاء ، وما أهرام مصر . . وما تحنيط جثة لنين الملحد إلا شاهد صدق على هذا.
    فالمؤلف عندما ينهي كتابه ويضع فيه أعز ما عند الإنسان - فكره - إنما يتركه أمانة في أعناق الأجيال، وهو لا يرضى بتغييره أو تحويره، وقد نبه بعضهم في أواخر كتبهم على هذا ولعنوا من بدل أو غير في مؤلفاتهم.
    وما أسوأ ما صنع ناسخ لكتاب مسند، حذف أسانيده، ولو وصلنا مسندا لاختلف شأنه في العلم والفكر.
    فجنى ناسخه جناية علمية كبرى في إغفاله الأمانة عند نسخه إياه، وأفقد الأمة الإسلامية بهذا الاغفال درة يتيمة من درر تراثها.
    والمحقق مكلف بهذه الأمانة ، واجب عليه رعايتها، محرم عليه خيانتها، فإن قام بواجبه فبها ونعمت . . وإن خان فإن حساب الله شديد .
    وإذن فليس للمحقق أن يبدل أو ينقص أو يزيد في الكتاب الذي يحققه، فإن أوجب البحث أن يفعل شيئا من هذا فعليه أن يشير إلى ما أصلح أو زاد أو نقص، بحيث يتميز عمله وعمل صاحب الأصل.
    لكنا - مع شديد الأسف - نجد في كثير من المطبوعات التي كتب عليها أنها من تحقيق فلان . . زيادة ونقصا وتبديلا وتغييرا عما رسمه المؤلف لغايات أقل ما يقال فيها إنها خيانة علمية.
    ثم ليعلم المحقق أن باب العصبية المذهبية والتحزب الأعمى أوسع الأبواب التي يؤتى منها المحقق، ومثله باب الجهل وعدم الدليل . . وإلا فما على المحقق إن كان نص المؤلف لا يوافق هواه أن يثبته في مكانه ثم يعلق عليه في الهامش.
    وقد رأينا من المطبوعات المحرقة كثيرا من هذا النوع مما يفقد القارئ الثقة بها وبالقائمين عليها، ويجعله يفضل الطبعات الحجرية بل النسخ المخطوطة على كثير من المطبوعات المحققة الأنيقة!
    ولا يظنن متصد لتراثنا أن القراء بتلك المنزلة من الجهل، فقد رأيت أشخاصا لا يحملون شهادة قديمة ولا حديثه، بل يعدون في عداد العامة زيا ومعيشة، لكنهم - يشهد الله - على درجة من الفهم والتتبع والإحاطة دونها كثيرون من حملة أرقى الشهادات الجامعية.
    وأمة بني دينها على العلم لا يتوهمن أحد أن تخلو من العلماء.
    نعم . . يستثنى من ذلك الخطأ الواضح المقطوع به، أو الزيادة الموضحة لمراد المؤلف . . فليس على المحقق حرج أن يصلح هذا الخطأ أو يزيد هذه الكلمة، بشرط تمييزها عن عمل المؤلف، وبشرط إحراز رضا المؤلف، وهذا الاحراز له دلائل تدل عليه، ولأ ذكر مثالا على ذلك:
    لو أن محققا اشتغل في كتاب مؤلفه نحوي معروف ورأى فيه خطأ من الأخطاء النحوية المقطوع بخطئها، والتي من مذهب المؤلف تخطئتها، ولم يأت به المؤلف هنا للاستشهاد على مذهب يخالفه . . فإننا هنا نقطع بأن هذا الخطأ طارئ على النسخة وأن المؤلف يرضى بإصلاحه.
    7 - الذوق الجميل:
    الحياة الجافة مملة مصروفة عنها الأنظار، والحياة العلمية مع ما فيها من لذات عقلية ومتع روحية، قد يعرض لها ما يسمها بسمة الجفاف . . لذلك نرى أسلوب التدريس يختلف من أستاذ إلى آخر، فهذا أستاذ يتشوق الطلبة لحضور درسه ويأسون لفوات محاضرة من محاضراته . . وما هذا إلا لذوق منه جميل يصب به الدرس في قالب من الإلقاء والتفهيم مشوق.
    والكتاب الفلاني غرة في كتب التفسير - مثلا - لكن إخراجه الطباعي وتوزيع فقراته صارف للقارئ عن اجتناء يانع ثمراته، واجتلاء عرائس أفكاره.
    والكتاب الاسلامي التراثي لم يخرج إلى الناس - في الأعم الأغلب - بالصورة التي تجذب القارئ وتستهوي المطالع، إلا أفرادا قد لا تتجاوز عدد الأصابع . . ومر بنظرك على المتون العظيمة والشروح الجليلة؛ فلم تجد إلا شاكيا يتلو
    شاكيا من الإهمال وقلة العناية . . بل عدمها.
    والمحقق الذواقة يستطيع أن يخرج لنا من هذه الدرر الغوالي غررا في جبين الدهر ، وينبوعا رقراقا فيه الري والرواء .
    والذوق الجميل هو الذي يفعل بهذه الكتب فعل الجوهري الصناع الذي يجعل من حجر كريم - وهو كبقية الأحجار في شكله - زينة لا تقدر بثمن.
    فتوزيع فقرات الكتاب، وتفصيل أبوابه، وترقيم أحاديثه، وشرح غامضه، وتنظيم إحالاته، والإبداع في تنويع فهارسه، التي تجعل مطالب الكتاب من القارئ على طرف الثمام، ثم اختيار الحرف الطباعي الجميل والورق المناسب.
    هذه الأمور - مجتمعة - تجعل الكتاب يضئ بعضه بعضا .
    8 - الالتزام:
    الدين الاسلامي دين النظام ، فالشرع الشريف نظم حياة المسلم تنظيما دقيقا في جميع مناحيها . . ولا يكاد يمر بالمسلم أمر من الأمور إلا وقد حسب له الشرع الشريف حسابه ووضعه في نصابه.
    ومسألة العلم التي أولاها الإسلام مكانة سامية، وكثر الحث على طلب العلم وحفظه ونشره في القرآن الكريم والسنة الشريفة مما تغنينا شهرته عن ذكره.
    لكن مسألة قد تكون خافية أو قريبة من الخفاء هي مسألة كتب الهدى وكتب الضلال التي ذكرتها الرسائل العملية ورتبت لها أحكاما تمس موضوعنا ولها به تعلق قوي.
    فصيانة عقل الإنسان وفكره وحفظهما مما يدنسهما فرض في الدين لازم . . من أجله حرمت الخمرة وأشباهها.
    وقد رسخ هذا المفهوم - مفهوم الالتزام العلمي والثقافي - في وجدان المسلم، فلا تكاد تجد مخطوطة إلا وقد ختمها مؤلفها بطلب الدعاء من القراء، واعتدادها مما يدخره ليوم القيامة . . وكثيرا ما ختم النساخ كتاباتهم بطلب الدعاء من القارئ أو
    بطلب إصلاح الخلل أو عد النسخ من الأعمال التي يحاسب عليها الإنسان.
    هذا ابن البواب الكاتب ( - 423 ه* ) الخطاط المعروف ، يقول في رائيته في علم الخط [1]:
    وارغب بنفسك أن يخط بنانها ... خبرًا تخلفه بدار غرور
    فجميع فعل المرء يلقاه غدا ... عند التقاء كتابه المنشور
    وهذا البيت السائر الدائر في خواتيم المخطوطات:
    ولا تكتب بخطك غير شيئ ... يسرك في القيامة أن تراه
    إلى الكثر الكثير مما حفلت به أوائل المخطوطات وخواتيمها.
    وقد شاع هذا المفهوم حتى أصبحت نسبة هذه الأشعار مجهولة . . لأنها صارت شعار أمة.
    فالمسلم الملتزم الذي يرى نفسه محاسبا على أعماله، لا يتحف أمته إلا بما يثقل ميزان حسناته غدا، مما ينفع الناس من الكتب القيمة.
    وكان المستشرقون من أضر الأعداء بما نشروه من تراثنا المحسوب علينا وما قعدوه من قواعد لدراسته، فتراهم يغرقون الدنيا بطبعات رباعيات الخيام المشككة، وهي طبعات مصورة أنيقة لكنها السم في الدسم . . وبطبعات ألف ليلة وليلة ذات الصور الماجنة التي خطتها يراعات مصوريهم فأبرزت تحللهم وأطّرته بإطار شرقي!
    وفي جانب الفكر شغلوا الناس بابن الريوندي الملحد وأمثاله، وربوا خادما وناشرا لهذا الملحد رجلا ينتسب إلى أسرة علمية دينية، نشأ في مدرسة إسلامية أوصلته إلى مقاعد جامعة كمبردج في إنكلترة . . وعاد إلينا جاحدا لأسرته منكرا
    لجميل المدرسة العلمية الإسلامية التي هيأت له أسباب الدراسة وأوصلته إلى نيل شهادة الدكتوراه !
    فعلى المحقق المسلم أن لا يكون ملقط جمر . . يلقط من نار أعداء الأمة ويرميه في عقول أبنائها، وفي تراثنا الكثير الطيب الذي أجره مضمون لناشره، وهو مفيد في رفعة الأمة وعلو شأنها.
    ويمكن أن نأخذ من غيرنا خير ما عندهم مما يتفق مع قواعدنا وظروفنا . .
    فنحن أمة لها أصالتها ولم تعش يوما على فتات موائد غيرها . . إلا حين تسلم القوس غير باريها وصيرا الأمة حقل تجارب لأفكار الغربيين والشرقيين التي هي "كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ".
    ولكن . . "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" . . فـ "لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ".
    وللبحث صلة بإذن الله،،

    __________

    [1] انظر الكنى والألقاب 1 / 224

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,660

    افتراضي تابع: ومضات في فن التحقيق

    عدة المحقق وحاجاته اللازمة
    لكل عامل آلات وحاجات يتوصل بها إلى عمله، ومحقق التراث عامل - وإن اختلفت الأعمال في أساليبها - وهو محتاج إلى آلات عمله، وفي هذه النظرة سنتحدث عن قسم من هذه الحاجات:
    1 - الكفاية الاقتصادية:
    لا أعني بالكفاية الاقتصادية أن يكون المحقق واسع الغنى متمولا من الطبقة العليا في امتلاك المال (طاغوتا) فإن هذه الحالة الاجتماعية لا يؤمل من أهلها خير ولا يؤمن منهم شر، فهم يشكلون طبقة أوجدتها الأوضاع الشاذة عن الحق، وغذاها ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
    وإنما أعني بالكفاية أن يكون للمحقق مورد دخل دار يكفيه مؤونة طلب العيش، ويصون ماء وجهه أن يراق، ويحفظ عليه حرية فكره.
    وإلا. . فهل نأمل ممن يكد في طلب رزقه أن يخرج لنا من رائع تراثنا كتابا مضبوطا. . أم نأمل منه أن يغضب فلانا وعلانا في تقويم عوج ما نشروه، أو تصحيح خطأ ما كتبوه.
    وليرجع القارئ بصره إلى من كفي المؤونة من المؤلفين والمحققين. . وليعتبر.
    قال صاحب " كشف الظنون " في مقدمة الكشف ج 1/ 43:
    " وأما ضيق الحال وعدم المعونة على الاشتغال، فمن أعظم الموانع وأشدها، لأن صاحبه مهموم مشغول القلب أبدا "
    وما أريد بهذا أن أثبط همم المحارفين. . ولا أن أصرفهم عن وجهتهم وإنما هي حقيقة أقررها. . ولكل قاعدة شواذ.
    2 - حسن قراءة الخط العربي:
    قد تتبادر إلى ذهن القارئ غرابة هذا العنوان، ولعله يقول: وأي عارف بالألفباء العربية - من عربي أو مستعرب - لا يحسن قراءة الخط العربي؟
    ولكن. .
    الخط العربي بتشابه صور حروفه، ودقة الفرق بينها، وبجريانها في يد الكاتب على صور مختلفة مشتبهة. . . كثيرا ما تحتمل في القراءة عدة ألفاظ.
    أضف إلى هذا عجلة الناسخ أو جهله، والسهو والنسيان اللذين لا يخلو منهما إلا من عصم الله. . ولسبق القلم وسبق النظر حصة كبيرة في هذا الباب.
    ولا تنس سقم الأصل المنقول عنه، وعجلة المؤلف أو الناسخ، وقد رأيت من خطوط العلماء نسخ من كتب خالية من النقط متصلة الكتابة كلمة بكلمة، تصعب قراءتها ولا يستطيعها إلا الحذاق. ومثلها في تراثنا كثير.
    لهذه الأسباب - مجتمعة - ولغيرها مما طوينا ذكره، يكون تمكن المحقق من قراءة الخط العربي عدة يعتد بها لمواجهة هذه المشكلات التي هي في تراثنا المخطوط السمة الغالبة ولها منه الحصة الوافرة.
    وعندي أن لطالب التحقيق أن يمتحن نفسه بقراءة الخطوط اليدوية الشائعة، فإنها أول الطريق وقراءة الكتب المحققة جيدا وملاحظة هوامشها، لأن محققي التراث الضابطين يستدلون لقرائتهم في الهوامش - غالبا - بأدلة تفتح الذهن وترسخ الملكة.
    وقراءة مقالات النقود والردود التي يعقب بها بعضهم على بعض، ومظنتها المجلات المتخصصة كمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، ومجلة الأستاذ العراقية. . . وأمثالها.
    فإن في هذين الموردين من لطائف التصحيح، ودقائق التصحيف الشئ الكثير.
    ومعرفة التصحيف فن جليل عظيم الخطر، إنما ينهض بحمل أعبائه الحذاق من العلماء الحفاظ والنقاد من الكبراء المتبصرين
    فمن أقسامه:
    محسوس لفظي: وهو واقع في مواد الألفاظ وجواهر الحروف وصورها الوزنية و كيفياتها الإعرابية وحركاتها اللازمة.
    وهذا التصحيف المحسوس اللفظي:
    - إما من تصحيف البصر كجرير وحريز.
    - وإما من تصحيف السمع ك* (استأى لها) أي استاء و (استآلها) أي أولها - من التأويل -.
    وقد تحدث الدكتور مصطفى جواد في تحقيقه لكتاب " تكملة إكمال الاكمال " لابن الصابوني، عن هذا الأمر بما يفيد الطالب، ولا يحضرني الكتاب لأدل على مكانه فيه.
    وقد كسر علماؤنا السابقون كتبا برأسها لهذا الفن، منها:
    شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، المشتهر باسم التصحيف والتحريف، للحسن بن عبد الله العسكري (293 - 382 ه*).
    ودرة الغواص في أوهام الخواص، للقاسم بن علي الحريري (446 - 516 ه*).
    وذكر عبد القادر البغدادي (1030 - 1093 ه*) في مقدمة " خزانة الأدب " من كتب هذا الفن سبعة كتب تحت عنوان (ما يتعلق بأغلاط اللغويين) [أنظر خزانة الأدب 1/ 11 ط. بولاق 1299 ه*].
    وأفرد له صاحب " كشف الظنون " عنوانا وعده علما، وكذلك فعل المولى عصام في "مفتاح السعادة ومصباح السيادة".
    ومما شاع على ألسنتهم في العصر الأول: " لا تأخذ العلم عن صحفي " يعنون به من يأخذ علمه من الكتب لا من أفواه الشيوخ، لأن الكتب مظنة التصحيف والتحريف.
    * وفي هذا الباب من الطرائف والمضحكات الشئ الكثير.
    وبالجملة لاغنى لطالب التحقيق عن معرفة فن التصحيف والاطلاع على ما كتب فيه.
    وأدل القارئ على قائمة مفيدة في (تحقيق النصوص ونشرها) لعبد السلام هارون، من أرادها فليراجعها.
    وقد كشفت لي متابعة سنين طوال لهذا الأمر أن كثيرا من أوهام المحققين - كبارا وناشئين - علتها عدم إجادة قراءة الخط العربي. .
    3 - الاستقرار:
    أعني به أن لا يكون المتصدي لهذا الفن منتقل الدار، مزعجا في وطنه من دار إلى دار، ومرتحلا من وطنه من قطر إلى قطر، وبخاصة نقلات هذا الزمان الذي صارت فيه الكرة الأرضية غابة وحوش كواسر، من نجا منها برأسه فقد سلم، وأصبح الإنسان فيها من سقط المتاع. . لا حرمة ولا كرامة.
    والمنتقل من وطنه غريب - إن لم يكن متمولا - لا يجد في البلد الجديد إلا الصد والرد، ولا مثنوية في هذا. . ومن ذاق عرف. .
    ورب سائل: ما هي حاجة المحقق إلى الاستقرار؟ والعلم في الصدور لا في الصناديق. .!؟
    وفي جوابه نقول:
    إن سعة المعارف التي وصلت إليها البشرية، وعلوم السلف الضخمة وكون المحقق مجددا لبناء قد تشعث، أو مزينا له وقد حال عن روائه الأول، فهو لا شك محتاج إلى الآلة التي تعينه في عمله وهي آلة يشق معها الانتقال.
    وطالب هذا الفن - حق الطلب - مولع بالكتب، باذل ما يضن به غيره في سبيل اقتنائها - ومن المعلوم أن أثمن المكتبات ما كان حصيلة عمر عالم أو باحث - فعلى مر الأيام تتجمع عنده مكتبة أقل ما يقال فيها أنها بقدر أثاث بيته. . والكتاب ثقيل يحتاج إلى العناية في نقله من مكان إلى مكان.
    وطالب هذا الفن - أيضا - مغرم بالقراءة والتقييد والتسجيل، لا تكاد تمر به نكتة علمية إلا ودونها في طواميره، أو حزمها في أضابيره، فتكون له من هذه التقييدات أكوام من الجزازات، هي خلاصة مطالعاته وزبدة ملاحظاته.
    ثم هو غير بالغ هذه المرتبة إلا بعد وهن العظم واشتعال الرأس شيبا، وذلك الوقت من عمره مظنة استقراره من عناء الطلب. . ومن الكدح في سبيل العيش.
    ومن المعلوم عند العارفين اعتذار الصاحب بن عباد عن قبول منصب الوزارة في بلد غير بلده، لأن مكتبته فقط تحتاج في نقلها إلى مائتي بعير.
    وانظر إلى من استقرت به الدار. . كم هو محكم التحقيق لطيف التدقيق، واستثن من هو ملصق بهذا الفن طارئ عليه.
    وللنفس الإنسانية الصافية ألفة بما يحيط بها حتى أنها تألف الجماد، وحسبك شاهدا قوله صلى الله عليه وسلم في جبل أحد: " جبل يحبنا ونحبه ".
    4 - حاجة المحقق من الكتب:
    هنا بيت القصيد لهذه النظرة التي رسمنا على ضوئها عنوان (عدة المحقق).
    فطالب هذا الفن محتاج إلى أنواع من الكتب كثيرة، هي بعض سلاحه في مواجهة المشاكل التي ألمت بالكتاب المخطوط من طبيعية ومقصودة، وهي بعض عدته في إخراج الكتاب سالما من المصائب التي لحقت به طوال قرون.
    ونستطيع أن نقسم هذه الكتب إلى مجموعات:
    أ - كتب الفن
    وهي كتب قليلة لا تكاد تتجاوز عدد الأصابع، لحداثة التأليف في فن التحقيق عندنا - على قدمه واقعا في تراثنا -.
    من هذه الكتب:
    1 - تحقيق النصوص ونشرها - لعبد السلام محمد هارون - طبعته الأولى سنة 1954 م.
    2 - أصول نقد النصوص والكتب - للمستشرق الألماني برجستراسر، وقد نشره الدكتور محمد حمدي البكري سنة 1969 م.
    3 - قواعد تحقيق المخطوطات - للدكتور صلاح الدين المنجد.
    4 - أصول تحقيق النصوص - للدكتور مصطفى جواد، وهي أماليه على طلبة ماجستير اللغة العربية بجامعة بغداد، نشرها الدكتور محمد علي الحسيني في كتابه " دراسات وتحقيقات " المطبوع سنة 1974 م.
    5 - منهج تحقيق النصوص ونشرها - للدكتور نوري حمودي القيسي وسامي مكي العاني، طبع سنة 1975 م.
    6 - تحقيق التراث - للدكتور عبد الهادي الفضلي، طبعته الأولى سنة 1984 م.
    وهناك مقالات منشورة في المجلات يجدها الباحث في مظانها.
    وفي مقدمات بعض المحققين لبعض ما نشروه فوائد لا يستهان بها، صدرت عن ممارسة وخبرة.
    وفي تراثنا الواسع درر منثورة، يجدها الباحث خلال مطالعاته.
    ب - الفهارس
    فهارس الكتب حاجة لازمة للمحقق لأنها عينه التي تدله على ما تفرق من مخطوطاتنا، وتهديه إلى أماكن وجودها. . ورب كتاب قطعنا منه الأمل ثم عثر عليه مخطوطا في المكتبة الفلانية العامة أو الخاصة.
    هذه الفهارس نستطيع تقسيمها ثلاثة أنواع:
    1 - فهارس تدل الطالب على الأماكن التي هي مظنة احتواء الكتاب العربي
    وهي مكتبات العامة منها كثيرة والخاصة أكثر من أن تحصى، وقد أفرد جرجي زيدان في كتابه " تاريخ آداب اللغة العربية " ج 3/ 455 - 496 فصلا بعنوان (المكتبات)، و ذكر برجستراسر أسماء مكتبات إسطنبول التي زاد عددها على أربعين مكتبة، وقد جد بعدهما ظهور كثير من المكتبات إما مكتبات خاصة وقفت، أو مكتبات عامة اندمج بعضها ببعض. .
    وعلى كل حال يستطيع الباحث أن يسجل في جزازات أسماء المكتبات وعناوينها، ويرتبها ترتيبا مناسبا لتكون تحت يده وقت الحاجة.
    2 - فهارس تدل الطالب على الكتاب، وأين يجده؟
    وهي فهارس المكتبات، وقد صدر منها عدد ضخم، أحصى منها كوركيس عواد في كتابه " فهارس المخطوطات العربية في العالم " (3312) مادة، وقد نشره معهد المخطوطات العربية بالكويت سنة 1984 م، في مجلدين.
    أما المكتبات الخاصة فالمفهرس منها أقل قليل، والكثير منها بعد في طي الكتمان.
    ومن أهم فهارس المخطوطات الجامعة:
    تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان.
    تاريخ التراث العربي فؤاد سزكين.
    وهنا ملاحظة مهمة يجدر بنا تسجيلها، وهي أن الفهارس مهما كانت دقيقة فإنها لا يمكن الاعتماد عليها اعتمادا كاملا، لأن أكثر الفهارس الدقيقة كتبها المستشرقون وهم - بطبعهم - قاصرون عن معرفة دقائق تراثنا، أما الفهارس العربية والفارسية ففيها من الخلط والخبط ما لا حد له. . فقد ترى كتابا في فهرس مكتبة ما، فتطلبه منهم مصورا، فيأتيك كتاب غير الذي أنت طالبه.
    3 - فهارس المطبوعات
    وهي التي تدل المحقق على ما أخرجته الطباعة من الكتب، وهي كثيرة منها:
    اكتفاء القنوع بما هو مطبوع - إدوارد فنديك - طبع القاهرة سنة 1897 م.
    معجم المطبوعات العربية والمعربة - يوسف إليان سركيس.
    معجم المخطوطات المطبوعة - د. صلاح الدين المنجد - أربعة أجزاء من سنة 1954 - 1975 م.
    وقد عد الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه " تحقيق التراث " 65 عنوانا من الكتب المتخصصة بهذا الجانب من جوانب فن التحقيق.
    وفي النشريات الدورية التي تنشرها المكتبات الوطنية إعانة كبيرة لمحققي التراث.
    ج - كتب اللغة العربية
    هذه اللغة الكريمة الواسعة التي قيل فيها: لم يحط بها إلا نبي، والتي حظيت بأعلى المراتب لارتباطها بالله تعالى - وكل مرتبط بالله تعالى معجز باق لا يضره من كاده - وفازت بالخلود بنزول القرآن الكريم بها.
    هيأ الله سبحانه - لهذه اللغة الكريمة من الأسباب ما مكن لها في الأرض، وسخر لخدمتها أقواما رسخ في قلوبهم حب الله ورسوله وكتابه، ففضلوها على لغاتهم التي نشؤوا عليها ووقفوا أعمارا جليلة على العناية بها وكان فوز أحدهم بغريبة من غرائبها فوزا بقرطي مارية.
    فأثروا مكتبتها بألوان الكتب في غريبها ومعربها والدخيل فيها، وفي نحوها وصرفها وبيانها وبديعها، وفي خطها ونقطها. . ولم يتركوا جانبا من الجوانب التي لها علاقة بها من قريب أو بعيد إلا وأشبعوه بحثا ودراسة وافتنوا أيما افتنان في تقييد شواردها وتأنيس أوابدها، وجمع النظير منها إلى نظيرة، والنادر إلى ألافه.
    وحسبك أنهم في التأليف المعجمي (متن اللغة) قد تفننوا فألفوا معاجم لمعاني الألفاظ وأخرى لألفاظ المعاني، وثالثة للحقيقة والمجاز، ورابعة لمعاني أصول المواد، و خامسة للمصطلحات، وسادسة للمعرب والدخيل. . .
    والمكتبة العربية الإسلامية كتبت بهذه اللغة الوسيعة، والمحقق مغرى بالكتاب المخطوط مغرم بإخراجه في أكمل صورة وأجملها، فعليه أن يكون من معرفة اللغة على حظ كاف يمكنه من غايته. . ووسيلته إنما هي الكتب المعتمدة والأسفار التي خلد فيها مؤلفوها علوم هذه اللغة المقدسة.
    ولا نقول إن على محقق التراث أن يكون علامة لغويا أو نحويا - لأن هذا مطلب عسير لا يتأتى إلا للواحد بعد الواحد - بل نريد منه أن يكون ذا إلمام كاف بحيث يفهم الكلام العربي ويتذوقه كأهله. . أما ما عسر عليه لغرابته فما عليه في الرجوع إلى الكتب المتخصصة غضاضة.
    لذا فهو محتاج إلى عدد من المعاجم اللغوية وكتب النحو والصرف وغيرها من كتب اللغة، ويشترط أن تكون هذه الكتب مما اعتمده أهل اللغة الأصلاء لا مما يجئ به مستشرق أو عدو لهذه الأمة. .
    وإلا فهل يقول عاقل بالاعتماد على المنجد الذي ثبت خطؤه - فقد أحصى عليه عبد الستار فراج مئات الأغلاط في القسم اللغوي منه ونشره في مجلة العربي الكويتية، وفي ذكري أن أحد الدماشقة الحريصين على لغتهم أحصى عليه أكثر من ألف غلطة في القسم اللغوي فقط، أما قسم الأعلام منه ففيه ما يضر بالاسلام بعد ما أضر قسيمه باللغة. . . نعم هل يقول عاقل بالاعتماد عليه وترك عين الخليل، وصحاح الجوهري، ومخصص ابن سيدة ومحكمه، ولسان العرب، وتاج العروس وأصله القاموس المحيط. . إلى مئات من كتب أئمة اللغة الاثبات.
    أم يقول عاقل بالاعتماد على نحو علي الوردي أو سلامة موسى الهدامين، وترك شرح الكافية للرضي الأسترآبادي وصاحبه نجم الأئمة.
    د - الكتب المشهورة المرجوع إليها كثيرا
    هي كتب في تراثنا تفوت العد، ولكن المحقق محتاج إلى جملة منها وأهمها في علم الحديث: الستة ومسند أحمد وكنز العمال من كتب الجمهور، وفي التفسير: التفاسير المعتبرة كتفسير الطبري. . وفي التاريخ: تاريخ المسعودي وتاريخ الطبري. . . وغيرها. . وعليه بحسن الانتقاد وجودة المراجعة.
    ه* - المجلات والدوريات المتخصصة
    وهي كثيرة - ومنها ما له عمر طويل - مثل:
    مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلة مجمع اللغة العربية - حاليا) وقد بلغ عمرها الستين عاما.
    مجلة المجمع العلمي العراقي.
    مجلة التراث العربي السورية.
    مجلة معهد المخطوطات العربية.
    مجلات كليات الآداب في الجامعات العربية.
    وللمستشرقين مجلات كثيرة.
    ولا ننسى البحوث التي تنشر في مجلات غير متمحضة لهذا الفن وهي كثيرة متفرقة وبعد هذا كله فإن على المحقق أن يكون متابعا لما يصدر من جديد في فنه، وأن يتصل بأئمة هذا الفن الذين قضوا أعمارهم في البحث والتنقيب. . وإلا فإنه يتخلف عن مسايرة الركب وينقطع به الطريق.
    وما التوفيق إلا من عند الله. .



    وللبحث صلة بإذن الله،،

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,660

    افتراضي تابع: ومضات في فن التحقيق

    اختيار الكتاب وجمع نسخه
    بعد أن استكمل المحقق عدته، وخبر نفسه - وكل على نفسه بصيرة – فوجدها قادرة على اقتحام هذا الميدان... يجب عليه أن يؤدي زكاة علمه، ويخدم أمته، ويوفي بعض الدين إلى المكتبة الإسلامية المجيدة، التي أمتعته ساعات طوال من عمره، وفتحت له أبواب رياضها وصدور خزائنها، وأطلعته على جواهرها وذخائرها.
    إذا أراد هذا العامل في سبيل إحياء مجد أمته، أن يسلك في عداد صانعي هذه الثقافة العظيمة وميسريها لطلابها... وهو قد عد نفسه من الغير عليها المحبين لها الحانين عليها، الرامين إلى رفعتها وإعلاء شأنها.
    عليه - وقد وضع نفسه في هذا الموضع - أن يتنكب سبيل الهدامين العابثين من أعداء الأمة الإسلامية أو من أبنائها العققة، الذين شغلوا أنفسهم والأمة معهم بأخبار المجان والملحدين، وبكتبهم وتراثهم المليء بالسموم... الضار لهذه الأمة في حاضرها ومستقبلها، كما ضرها أعظم الضرر في ماضيها.
    وعليه أن يتحرى في اختيار الكتاب الذي يريد أن يحييه، أن يكون من الكتب التي تنفع الأمة وتهديها في حاضرها ومستقبلها، أو تحفظ عليها شخصيتها وأصالتها أو تكبت أعداءها والحاقدين عليها.
    والأمة المسلمة في حاضرها الراهن - وهي في بداية صحوتها - قد تكالبت قوى الكفر عليها، وتجمع أعداء الإنسانية ضدها، وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم وعدتهم وعددهم.
    الأمة المسلمة محتاجة لجهود أبنائها، فلا يحل لأي فرد منهم أن يضيع جهوده عبثا فيما لا طائل تحته، فضلًا عن أن يكون ظهيرا لأعدائها يصنع لهم ما يعود على أبناء ملته بالدمار والخسار، ويعطل مسيرة أمته نحو استعادة مكانتها التي أرادها لها الله...خير أمة أخرجت للناس.
    هذه المرحلة - مرحلة اختيار الكتاب المراد إحياؤه - أخطر مراحل التحقيق – فيما أرى - وأدقها، تستدعي من المحقق المسلم النظر الفاحص، ودقة الملاحظة، والوجدان الحي، والغيرة البالغة... لأن ما ورثناه من الكتب منه ما كتبه المخلصون العارفون، وهو درر خالدة كشجرة طيبة أصلها ثابت في دين هذه الأمة ووجدانها... وفرعها في السماء ... تؤتي أكلها كل حين في ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها عطاء ربانيا لا ينقطع بإذن الله تعالى.
    ومما ورثناه - أيضا - ما كتبه المنحرفون والضالون وأعداء الإسلام، ممن اجتالته شياطين الإنس والجن، وأمراض النفس، ومتع الحياة الدنيئة.
    ومما ورثناه - كذلك - هذا الركام الغث الفاسد المفسد من أدب عبيد السلاطين من الشعراء، وشعرهم الذي قصروه على مدح الطاغوت والضحك على ذقنه، واستولوا به على أموال الأمة يتناهبونه بينهم.
    أنظر إلى الشاعر المتملق يقول وقد حدثت بمصر زلزلة:
    بالحاكم العدل أضحى الدين معتليا ... نجل الهدى وسليل السادة الصلحا
    ما زلزلت مصر من كيد يراد بها ... وإنما رقصت من عدله فرحا
    أنظر كيف يسقط الإنسان، وتداس الضمائر، ويرقص على أشلاء المستضعفين ؟.. فالشاعر هنا لم يكتف بمدح طاغوته حتى صور الزلزلة المدمرة بصورة الرقص الخليع الذي اعتاده المترفون. ولم يلتفت إلى المستضعفين الذين هدمت دورهم
    على رؤوسهم وأصبحوا بلا مأوى!
    ومن هذه البابة تجد مؤرخي السلاطين ووعاظ السلاطين وفقهاء السلاطين... إلى آخر القائمة المشؤومة.
    هذا الركام الغث لطخة عارفي تاريخنا الثقافي.. لا أظن المحقق المسلم ينحط إلى أن يشغل به نفسه ويضيع به عمره.
    وتراثنا طيب مبارك، شمل مختلف حقول المعرفة، ولم يقتصر على فرع من فروعها.
    فكم هي الفائدة التي يسديها المحقق إلى أمته يختار كتابا من طبنا القديم، فيخرجه إلى الناس سليما مفسرا موضحة عبائره ! عقاقيره من إنتاج بلادنا... إن لم تنفع الجسم لم تضره، لا كالأدوية المجلوبة من مغرب شمس الفضيلة، التي يصح فيها قول الشاعر:
    ... وداوني بالتي كانت هي الداء
    وفي تراثنا الطبي الكثير الطيب، وأود أن يعلم أطباؤنا الفضلاء أن للمعاجم الطبية - التي تصف العقاقير وتذكر مقاديرها عند التركيب - ركنا كبيرا في مكتبتنا الإسلامية.
    وما أظن مريض الطب الغربي الحالي أحسن حالا من مريض الرازي أو ابن سينا.
    وقد عادت الصين إلى الوخز بالإبر - طبها القديم - تدرسه وتطبقه في المستشفيات.
    وقبلها الهند أدخلت طبها القديم مادة دراسية في جامعاتها، ومادة تطبيقية في مستشفياتها.
    وقل مثل ذلك في علوم الفلاحة والبيطرة وغيرها.
    ونستغني بذلك عن استيراد فسائل النخيل من أمريكا إلى بلاد النخيل !
    خلاصة الأمر أن حسن الاختيار - بل الاجتهاد في الاختيار - هنا واجب عيني لا رخصة فيه.
    * * *
    وحين يقع اختيار المحقق على كتاب لم يحقق حسب القواعد المتعارفة، أو كانت لديه زيادة تنقير وتدقيق فاتت المحقق الأول، أو ظهرت من الكتاب نسخ مخطوطة أصيلة تزيد الكتاب ثقة به واطمئنانا إليه واعتمادا عليه...
    حينذاك يبدأ سعي المحقق في تجميع النسخ، وهي - في الوقت الحاضر - مصورات كلما ازدادت وضوحا في التصوير ازدادت شبها بأصلها، وحلت محله في القراءة وتهيئة النسخة للعمل[1].
    وهنا تظهر فائدة فهارس المخطوطات لمعرفة أماكن هذه النسخ والسعي في الحصول على مصوراتها.
    ولا ننسى الاستعانة بذوي الخبرة في الهداية إلى مظانها وتقييمها، وفي إعانتهم للمحقق في تحصيلها بما لهم من صلات مع أصحاب الكتب والقائمين عليها.
    * * *
    فحص النسخ وتقييمها
    وهنا يأتي دور فحص النسخ لاعتماد ما يجب الاعتماد عليه منها وإهمال ما ينبغي إهماله.
    وهذا الدور من أهم أدوار هذا الفن، لأن نتيجة التحقيق وثمرة جهد المحقق مبنيتان عليه.
    وقد اعتورت مخطوطاتنا ظروف كانت حسنة حينا سيئة أحيانا كثيرة.
    وتداولتها - بعد أيدي النساخ - أيد كانت في الغالب غير أمينة :
    فمن متولي وقف حسن له الشيطان وألجأه فقر المجتمع المتخلف إلى بيع ما تحت يده، فمزق الورقة الأولى ليضيع أثر الوقف، ففوت علينا معرفة عنوان الكتاب واسم مؤلفه وفوائد أخر.
    ومن متعصب ضيق الأفق ساءه أن يرى لعالم من غير أهل نحلته أثرا، فعدا عليه تمزيقا أو شطبا أو محوا أو تحريفا لما لا يروقه...ومن وارث جاهل صار ما وصل من ذخيرة الأمة إليه لعبة لأطفاله، مبذولا لكل من هب ودب من معارفه.
    ومن.. ومن.. دع عنك عاديات الطبيعة في النسخ نفسه من سهو وسبق قلم أو نظر.. وعاديات الطبيعة على الكتاب نفسه - ورقا وحبرا - من رطوبة وحشرات لها بالورق المكتوب ولع غريب.
    وليس معنى هذا إنكار ما لبعض الأيدي - متولية وقف أو وارثة - من الأمانة والحيطة على الكتاب.
    وليس هو كذلك إنكار فضل أولئك النساخ العارفين الضابطين، فأنت تقرأ في ترجمة ياقوت المستعصمي - الخطاط المعروف - أنه كان مولعا بنسخ نهج البلاغة بخطه المضبوط الجميل.
    وتقرأ في تراجم كثير من العلماء أنه كان يكتب خطا فصيحا صحيحا.
    هذه النوائب التي حلت بالكتاب - وغيرها كثير - توجب على المحقق أن يكون مدققا منقبا حذرا، ينفض النسخة وجها لبطن، عند فحصه لها.
    وليعلم أن للنسخ التي وصلت إلينا حالات غريبة منها:
    1 - أن تكون النسخة كاملة سالمة واضحة الخط فصيحته جميلته، بخط مؤلفها أو خط معتمد موثوق به، أو تكون منقوطة مشكولة شكلا كاملا على الصحة، أو تحتوي - من الصور أو الرسوم البيانية أو غير ذلك - ما يضن به على الضياع.
    فالأولى طباعة هذه النسخة بالتصوير، كي لا ندخل عليها من سهو القلم وأخطاء التطبيع ما يشوه جمالها ويذهب بصحتها.
    ولا يعتذرن - هنا - بصعوبة الحرف المخطوط، فإنه أمر مبالغ فيه، والمطلعون يعلمون أن في تراثنا مخطوطات رائعة الجمال تزري بالخط الطباعي مهما بلغ من الجمال والنظافة، لأن الخط الطباعي خط ميت سطرته آلة ميتة، وخط اليد يستمد حياته من اليد التي كتبته.
    والعمل الذي يقوم به المحقق في هذه النسخة:
    أ - أن يقدم لها مقدمة وافية في ترجمة المؤلف ووصف النسخة وتوثيق نسبتها وبيان أهميتها...
    ب - أن يذيلها بهوامش التحقيق الكافية، وبالفهارس التي توصل القارئ إلى مطالبها[2].
    2 - أن تكون النسخة من المطبوعات القديمة التي ضاعت أصولها المخطوطة، وهذه ينبغي الحذر عند تحقيقها والتثبت البالغ، وأن يوكل أمرها إلى شيوخ المحققين.
    3 - المترجمات إلى اللغات الأخرى - غير العربية - التي ضاعت أصولها المخطوطة، والعمل في هذا النوع ملقى على عاتق المترجم العارف، ويجدر به أن يستعين في ترجمتها بما سلم من كتب المؤلف باللغة العربية، وبما نقل من نصوص الكتاب في الكتاب الأخرى.
    وبعد هذه العجالة - التي لا يتسع المقام لأكثر منها - نعود إلى التقسيم الاعتيادي للنسخ، وهو أمر متفق عليه - أو يكاد - بين جمهرة المشتغلين بهذا الفن.
    وعندهم أن أعلى النسخ هي النسخة التي كتبها المؤلف في آخر صورة أخرج بها كتابه للناس.
    أو كتبت بخط معتمد وقرأها المصنف أو قرئت عليه وسجلت عليها هذه القراءة.
    أو نسخة كتبت من نسخة المصنف وعورضت بها أو قوبلت عليها.
    أو نسخة كتبت في عصر المصنف وعليها سماعات العلماء.
    أو تكون النسخة من النسخ التي حظيت باهتمام العلماء بالقراءة أو الإجازة أو السماع، وأن يكون فيها ما يدل على التصحيح.
    هذه النسخ تقوم إحداها مقام الأخرى عند فقدانها، وهي النسخة التي يعبرون عنها بالأصل أو الأم.
    وهذا القول ليس على إطلاقه فإن لكل نسخة من الخصائص ما يضطر المحقق إلى اعتمادها أو تركها، فرب نسخة لم يشفع لها قدمها أو حسن خطها أو كتابة عالم معروف لها. ورب نسخة تقدمت على نسخة أقدم منها أو أحسن خطا.
    وعند اعتمادنا نسخة أصلا تكون النسخ الأخرى مساعدات في القراءة والنقط والضبط وزيادة ما أسقطه السهو... وأشباه هذه الأمور.
    هذا مجمل القول في نسخة الأصل، وتبقى عندنا الكثرة الكاثرة من النسخ التي لا تملك من مميزات النسخة الأصل شيئا، أو التي يؤخرها التقييم عن مرتبة الأصل، ولكن لها من القرائن الداخلية أو الخارجية ما يمنحها الثقة بها والركون إليها.
    هذه النسخ أجود الطرق في تحقيقها الطريقة المعروفة ب* ( التلفيق ) وعلينا - والحالة هذه - أن نخرج من مجموع هذه النسخ نصا مرضيا، نتحرى فيه الصحة والكمال جهد الطاقة.
    وفي الحواشي مضطرب واسع لإثبات الاختلافات بين النسخ وتوجيهها، ولتسجيل ما يعن لنا من ملاحظات واستدراكات وتوضيحات. وينبغي أن لا يفوتنا من النسخ شئ ذو فائدة، فنسجل كل ما نعثر عليه.. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه
    منه.
    وفي طريقتي التحقيق - طريقة الأصل أو طريقة التلفيق - تجب المحافظة على كل ما كتب في النسخ أو في هوامشها مما له علاقة بالكتاب بتسجيله في هوامش التحقيق.
    __________
    [1] قلنا هذا، لأن اختبار الورق والحبر لا يمكن إلا على المخطوطة نفسها.
    [2] انظر في هذا الباب: في منهج تحقيق المخطوطات - مطاع الطرابيشي - ص 68 - 72.

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    1,660

    افتراضي تابع: ومضات في فن التحقيق

    تقويم النص
    بعد أن انتهى المحقق من اختيار الكتاب وجمع نسخه - وهي الآن غالبا مصورات - وفحصها وعين منها لعمله ما عين، عليه أن يختار نسخة منها فيقرأها قراءة دقيقة فاحصة ليتمرس بأسلوب المؤلف ويطلع على خصائص كتابته.
    ثم تبدأ مرحلة من أدق مراحل التحقيق وأشدها تعبا، وهي مرحلة نسخ الكتاب بخط يده.
    وقد شاع - في هذه الأواخر - كتابة النسخة بواسطة الآلة الكاتبة، وهي طريقة فيها من المحاذير ما لا نطيل بذكره. . . اللهم إلا أن يكون الكاتب بالآلة محققا ضابطا عارفا وقادرا يطمأن إلى عمله.

    يختار المحقق أسلم النسخ التي جمعها فينسخها بيده بخط واضح متباعد ما بين السطور فصيح الحروف بحيث يستطيع أن يدخل كلمة في السطر إن احتاج إلى إدخالها في مرحلة المقابلة.
    وعند انتهاء النسخ يكون المحقق قد ازداد خبرة بكتابه ومراسا بخطه واطلاعا على مطالبه.
    ثم تقابل هذه النسخة على أصلها الذي انتسخت عنه ليستدرك ما فوته سهو
    النظر أو سهو الفكر.
    ثم تقابل النسخ المخطوطة الأخرى - واحدة بعد واحدة - على هذه النسخة الجديدة، ويسجل المحقق ما يجده من الفروق بين النسخ في الهوامش.
    والأولى أن تكون المقابلة بيد اثنين، يقرأ القارئ في النسخة المخطوطة وينظر المقابل في النسخة المنسوخة.
    ثم يبدأ المحقق بالتدقيق والتنقير في نسخته - مع الرجوع إلى النسخ المخطوطة أحيانا - فيخرج ما يحتاج إلى تخريج من حديث أو قول أو شعر، ويصحح ما تصحف على النساخ، ويعلق التعليقات التي توضح غامض الكتاب أو تفسر مشكله أو. . . بل يشمل بتعليقه كل ما يزيد الكتاب وضوحا أو تقوية لمطالبه، أو مناقشة لبعض ما يرد فيه مما جاء العلم فيه بجديد.
    هذه النسخة هي مسودة المحقق التي يحتاجها إلى التبييض والترتيب ليدفع بها إلى المطبعة.
    وفي عملية التبييض يجب أن يكون المحقق دقيقا في النسخ واضح الخط فصيحه مرتب الكتابة. وفي هذا الدور يكون تقطيع النص إلى فقرات، وفيه توضع علامات الترقيم الحديثة من فاصلة وعلامة تعجب و. . . وفيه - أيضا - يرتب الهامش مناسبا للمتن. وينبغي أن تلاحظ دقة الأرقام (الحسابية) التي تربط المتن بالهامش.
    ومن علامات الترقيم التي شاعت وذاعت:
    1 - النقطة (.) توضع بعد انتهاء الكلام.
    2 - الفاصلة (،) توضع لتقسيم الجمل، وبعد كل سجعة من الكلام المسجوع.
    3 - النقطتان المتعامدتان (:) توضعان بعد القول، مثل: قال فلان:، أما إذا تكرر القول مثل:
    قال محمد، قال علي: فتوضعان بعد (قال) الثانية، ويكتفى بالفاصلة بعد (قال) الأولى.
    وتوضعان أيضا بعد التقسيم، مثل: الكلام: اسم وفعل وحرف.
    وتوضعان بعد التمثيل، مثل: المبتدأ والخبر مثل: الإسلام منتصر.
    وتوضعان كذلك بعد الشرح والتفصيل، مثل: المبتدأ والخبر: إسمان مرفوعان. . .
    4 - علامة التعجب (!) توضع بعد جمل التعجب.
    5 - علامة الاستفهام (؟) توضع بعد جمل الاستفهام.
    6 - علامة الإنكار (؟!).
    7 - الشرطتان الأفقيتان (- -) توضعان لحصر الجمل المعترضة.
    8 - كلمة (كذا) أو علامة الاستفهام، توضع إحداهما إشارة إلى ما استبهم على المحقق وقد أثبته كما هو في المخطوط.
    9 - النقاط الثلاث الأفقية (. . .) توضع محل البياض في المخطوط أو مكان ما حذفه المحقق.
    10 - النجمة (*) توضع مساعدة لأرقام الهوامش.
    11 - الخط المائل (/) يوضع في متن الكتاب قبل أول كلمة من كل صفحة من المخطوط، ويوضع الرقم يمين الصفحة المطبوعة.
    ويستعمل - أيضا - للفصل بين رقم جزء وصفحة المصدر في الهامش.
    12 - حرف الواو (و) ويوضع بعد رقم صفحة المخطوط، مثل: 32 و، يعني وجه الورقة 32.
    13 - حرف الظاء (ظ) يوضع بعد رقم صفحة المخطوط، مثل: 32 ظ، يعني ظهور الورقة 32.
    14 - العضادتان ([ ]) تستعملان لما يزيده المحقق من عنده لاقتضاء السياق أو تصحيح النص، أو لما يضيفه المحقق من المصدر، ولا بد في الإضافة أن تكون نافعة وإلا لم تصح.
    15 - القوسان المزهرتان () تستعملان لحصر الآيات القرآنية الكريمة.
    16 - القوسان العاديتان () تستعملان لحصر الأحاديث النبوية الشريفة.
    17 - القوسان المضاعفتان الصغيرتان " " تستعملان لحصر النصوص المنقولة عن كتب أخرى، أو أسماء الكتب، أو أسماء الأعلام. .
    والشكلان الأخيران من الأقواس لم يستقر بهما الأمر على قرار، فالمحقق مخير في استعمالهما.
    وللمحقق أن يصطلح من هذه المكملات المحسنات - أعني الأقواس والنجوم - على ما يزيد عمله وضوحا وييسر لقارئ كتابه سبل الدلالة، شرط أن يذكر في مقدمة التحقيق ما اصطلح عليه.
    ***
    صنع الفهارس
    حين ينتهي المحقق من كتابة مبيضة الكتاب التي يطمئن إليها، ويعتمد على ما دونه فيها، ويرى أنه محاسب على عمله فيها. . . يدفعها إلى المطبعة التي اختارها نظيفة الخط محمودة العمل، ويختار لكتابه الأحجام المناسبة من الحروف والعلامات.
    وأرى أن لا يكل مقابلة كراريس المطبعة مع مبيضته إلى غيره، وإن أعانه عارف بالفن فبها ونعمت.
    فإذا تم عمل المطبعة في هذا القسم من الكتاب - وهو القسم الأعظم والمقصود الأصلي منه - اشتغل المحقق بصنع فهارس الكتاب.
    والفهرسة ضرورة لازمة، لأن الكتاب بدونها خزانة مقفلة يعسر على القارئ والباحث استخراج ما يحتاجه منه.
    وأرى أن الكتب التي هي فهارس في واقعها كمعاجم اللغة، محتاجة إلى فهارس كثيرة.
    فقد صنع محققا (الفائق في غريب الحديث) للزمخشري، وهما الأستاذان محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي. . . صنعا (فهرس الألفاظ اللغوية مرتبة على حروف الهجاء)[1] فذكرا المواد الغوية مرتبة على حروفها الأولى، وذكرا ضمن المواد الألفاظ اللغوية التي فسرت في هذا المعجم وأرقام صفحات أماكنها، فأحسنا بذلك صنعا ويسرا على الباحثين ووفرا عليهم كثيرا من الوقت.
    فلو صنع محققوا المعجمات العربية فهارس مثل هذا الفهرس لكل معجم لأفادت فائدة عظيمة النفع في البحوث الإحصائية لألفاظ اللغة العربية الجليلة وفي غيرها من البحوث اللغوية، فضلا عن تقريب اللفظ المبحوث عنه إلى القارئ وجعله منه على طرف الثمام.
    وصنعا أيضا - وهو من جميل ما صنعا - فهرسا للموضوعات استخرجا عناوينه بدقة، ففتحا بذلك خزانة من خزائن الكتاب للباحثين.
    وهذا محقق (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير، صنع له فهارس كثيرة، أسردها عليك كما ذكرها هو في ج 5/ 307 وهي:
    1 - فهرس الآيات القرآنية الكريمة.
    2 - فهرس الأشعار.
    3 - فهرس أنصاف الأبيات.
    4 - فهرس الأرجاز.
    5 - فهرس الأمثال.
    6 - فهرس الأيام والوقائع والحروب.
    7 - فهرس الخيل وأدوات الحرب.
    8 - فهرس الأصنام.
    9 - فهرس الأعلام.
    10 - فهرس الأمم والفرق والطوائف.
    11 - فهرس الأماكن.
    12 - فهرس الكتب التي ذكرت في متن الكتاب.
    13 - فهرس مراجع التحقيق.
    وقد طال الكلام في الفهارس، وهو بحث يستأهل أكثر من هذه السطور، وله مضطرب واسع في غير هذه النظرات السريعة إن شاء الله تعالى. ولكني وكلت الأمر إليك - أخي المحقق - فانظر في الفهارس التي أجاد صنعها المحققون تنفتح لك أبواب واسعة وتظهر لك فهارس جديدة إن أنت أعملت فكرك مجتهدا، والتقليد - كما تعلم - سنة العاجزين.

    ***
    كتابة مقدمة التحقيق
    انتهى عمل المحقق في صلب الكتاب، وقد صفا الوقت لكتابة مقدمته، والمحقق خلال عمله اطلع على خفايا الكتاب، وقتل مخطوطاته درسا، وعرف مؤلفه معرفة وافية، فما عليه الآن - وقد تجمعت له مادة كافية - إلا أن يعمل قلمه في كتابة المقدمة.
    وقد جرت العادة أن تبدأ المقدمة بترجمة مؤلف الكتاب، ودرجته العلمية، وأقوال العلماء فيه، وذكر المصادر التي ترجمت له.
    ثم الحديث عن الكتاب وفائدته للأمة وأهمية إحيائه، وعن الكتب التي تشبهه في موضوعه ومكانه بينها.
    ثم وصف مخطوطاته وصفا دقيقا، والدلالة على أماكنها من مكتبات الدنيا، ويجب أن يرفق المحقق بهذا الوصف نماذج مصورة من أوائل المخطوطات وأواسطها وأواخرها.
    ثم يذكر المحقق عمله في الكتاب ليكون القارئ على بينة من أمره فيطمئن إلى الكتاب ويقتنيه ذخيرة ثقافية نافعة، إن شاء الله تعالى.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
    __________
    [1] هو الفهرس الثامن من الفهارس التي صنعاها، انظره في ج 4 / 241 - 345 من طبعتهما للفائق.

    من أوسع أودية الباطل: الغلوُّ في الأفاضل
    "التنكيل" (1/ 184)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •