إتحاف الأخيار بحكم الأخذ في عشر ذي الحجة من الشعر والأظفار. كتبه فؤاد الحاتم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: إتحاف الأخيار بحكم الأخذ في عشر ذي الحجة من الشعر والأظفار. كتبه فؤاد الحاتم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    56

    افتراضي إتحاف الأخيار بحكم الأخذ في عشر ذي الحجة من الشعر والأظفار. كتبه فؤاد الحاتم

    الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
    فهذا بحث في حكم الأخذ في عشر ذي الحجة من الشعر والأظفار ممن يرد أن يضحي، قسمته على ثلاثة مباحث، وخاتمة:
    المبحث الأول: أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم.
    المبحث الثاني: مناقشة أدلة العلماء في ذلك.
    المبحث الثالث: دراسة زيادة "بشره" بدلا من "ظفره"

    المبحث الأول: أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم.
    اختلف اهل العلم في حكم الأخذ في عشر ذي الحجة من الشعر والأظفار على عدة أقوال:
    القول الأول: التحريم، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والاوزاعي، ووجه للشافعية، واحمد، وإسحاق، وغيرهم.
    استدل أصحاب هذا القول، بما أخرجه مسلم في صحيحه "١٩٧٧" وغيره من عدة طرق عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اذا رأيتم هلال ذي الحجة، و أراد أحدكم ان يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره"

    قال شمس الدين ابن قدامة: لنا الحديث المذكور ـ يقصد حديث أم سلمة ـ وظاهره التحريم، وهذا يَرُدّ القياس، وحديثهم عام، وهذا خاص يجب تقديمه، وتنزيل العام على ما عدا ماتناوله الحديث الخاص، ولأنه يجب حمل حديثهم على غير ما تناوله محل النزاع؛ لوجوه:
    منها: أن أقل أحوال النهي الكراهة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروها، قال الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه)
    ومنها: أن عائشة إنما تعلم ظاهرا ما يباشرها به من المباشرة، أو ما يفعله دائما، كاللباس والطيب، وأما قص الشعر وتقليم الأظفار مما لا يفعله في الأيام إلا مرة، فالظاهرأنها لم ترده بخبرها، فإن احتمل إرادته، فهو احتمال بعيد، وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفي فيه أدنى دليل، وخبرنا دليل قوي، فكان أولى بالتخصيص، ولأن عائشة تخبر عن فعله، وأم سلمة تخبر عن قوله، والقول يقدم على الفعل، لاحتمال أن يكون فعله خاصا له اهـ الشرح الكبير 9/431،432

    القول الثاني: الكراهة، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وجماعة من الحنابلة، ورواية عن مالك.
    وقدرجح النووي القول بكراهة الأخذ من الشعر والأظفار كراهة تنزيه، ونص على أنه المذهب، استدلالا بحديث أم سلمة؛ وذكر أن في المذهب وجه أنه محرم؛ وان غيرهما من الأقوال المنسوبة إلى المذهب أقوال ضعيفة شاذة. المجموع 8/362ـ363
    استدل الشافعي على الكراهة، بحديث عائشة فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له، حتى نحر الهدي. اخرجه البخاري (١٧٠٠) ومسلم في صحيحيهما (١٦٩٦)

    قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك اهـ المجموع للنووي 8/364

    القول الثالث: عدم الكراهة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك.

    المبحث الثاني: مناقشة أدلة العلماء في ذلك.
    اطلعت على بحث لأحد المشائخ الفضلاء ذكر فيه وفقه الله عدةَ أمور تُضعّف القول بتحريم الأخذ من الشعر والظفر؛ وسأوردها، و الاشكال الذي عليها، وما ترجح لي فيها، وبالله التوفيق.

    الاعتراض الأول: ترجيحه كون حديث أم سلمة موقوفا.
    ولم يذكر دليلا على ذلك؛ وإنما أشار إلى رواية عند مسلم في صحيحه، أنه قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه؟ فقال: ولكني أرفعه.
    وقال أيضا: وجزم الدارقطني بأنه موقوف.

    قلت: والجواب على ذلك من وجهين:
    الوجه الأول: أن القول بوقف هذا الحديث لا يصح؛ وذلك ان من رفعه أوثق وأثبت وهو سفيان بن عيينة، وغيره ممن أوقفه لم يسمَ لنا، حتى نقف على حاله، وهل هو أوثق من سفيان، أم لا.
    والذي وقفتُ عليه أن الخلاف وقع في إسناد مالك عن عمر وقيل عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة مرفوعا.
    قال البيهقي: بعد أن أخرجه من طريق شعبة عن مالك به قال: ورواه ابن وهب وعثمان بن عمروغيرهما عن مالك عن عمر بن مسلم موقوفا على أم سلمة؛ ورواه محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، وسعيد بن أبي هلال عن عمر بن مسلم الجندعي مرفوعا اهـ السنن الكبرى 9/266

    قلت: رواية شعبة عن مالك. أخرجها الامام احمد في مسنده 7/312، ومسلم في صحيحه ١٩٧7، والترمذي في جامعه (١٥٢٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في المجتبى (٤٣٦١)، والحاكم في المستدرك 5/311، والدارقطني في سننه 4/278، وغيرهم.

    ورواية عثمان بن عمر بن فارس، وعبدالله بن وهب التي خالفا فيها شعبةَ في إسناده فأوقفوه، أخرجها الطحاوي في شرح معاني الاثار 4/182
    وعثمان بن عمر بن فارس مختلف فيه، وثقه الامام احمد وابن معين وابن سعد والعجلي، وقال ابوحاتم الرازي: صدوق، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وقال البخاري في تاريخه: قال علي احتج يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين عن اسامة عن عطاء عن جابر: عرفة كلها موقف اهـ تهذيب التهذيب 4/93
    وقد تفرد به عنه ابراهيم بن مرزوق بن دينار الاموي، وهو ثقة لا بأس به، وقال الدارقطني: ثقة إلا انه كان يخطئ، فيقال له، فلا يرجع اهـ تهذيب التهذيب 1/106

    واما رواية عبدالله بن وهب، فقد تفرد بها يونس بن عبدالأعلى عن ابن وهب.
    وهذا التفرد مما يستغرب، إذ ان الرواة عن ابن وهب كثر، فتفرد احدهم ممن لم يتميز على غيره بطول صحبة وملازمة، تقدح في تفرده؛ كهذا الحديث.

    وقد وافق غيرُ واحدٍ مالكا في رفعه، منهم:
    محمد بن عمرو الليثي، كما عند الامام احمد في مسنده 7/311، ومسلم في صحيحه، وأبي يعلى في مسنده 12/341
    ومنهم: سعيد بن أبي هلال، كما عند الامام احمد في مسنده 6/301، والنسائي في المجتبى (٤٣٦٢)
    ومنهم: معاذ العنبي، كما عند مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه (٢٧٩١) وقال ابو داود: اختلفوا على مالك وعلى محمد بن عمرو في عمرو بن مسلم، قال بعضهم: عمر، وأكثرهم قال: عمرو؛ قال ابو داود: وهو عمرو بن مسلم بن أكيمة الليثي الجندعي اهـ

    قلت: ولم يذكر أبو داود غير ذلك من الخلاف، مع اهتمامه وشهرته بذكر العلل في الأسانيد والمتون في سننه!! فتنبه.
    وبهذا يترجح القول برفع هذا الحديث لا وقفه.

    الوجه الثاني في الرد على القول بوقوف هذا الحديث: أنني لم اجد ترجيح الدارقطني لوقف هذا الحديث على أم سلمة، لا في كتاب التتبع، ولا في كتاب العلل، ولا في كتاب السنن! فالله أعلم بصحة نسبة هذا القول للدارقطني.

    الاعتراض الثاني: ان النهي محمول على الكراهة لأمرين:
    أحدهما: "إن الأضحية سنة ومستحب فعلها لا واجبة، ولا يترتب على مخالفة المستحب محرما"
    وهذا غير مسلم، فصلاة التطوع سنة، وبعد الدخول فيها يحرم على المصلي الأكل والكلام، وهما مباحان؛ وانما حرما لدخول المصلي في عبادة، لها شروط وواجبات، وكذلك سنة الأضحية.

    الامر الاخر: حديث عائشة فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له، حتى نحر الهدي. اخرجه البخاري في صحيحه (١٧٠٠) ومسلم في صحيحه أيضاً (١٦٩٦)

    والجواب عن ذلك: أنه لا معارضة بين الحديثين، كما سيأتي.

    الاعتراض الثالث: إنكاره حديث أم سلمة بسبب رواية عند مسلم عن سعيد بن المسيب انه قال:"يا بن أخي، هذا حديث قد نسي وترك"
    والجواب عن هذا الاعتراض من وجهين:
    أن هذه الزيادة لو صحت إسنادا ومعناً، لكانت علة قادحة في صحة الحديث، كما هو منهج الأئمة النقاد، ولكن الامر ليس كذلك.

    أما الاسناد وهو الوجه الأول من الجواب: فقد تفرد بهذه الزيادة الحسن بن علي الحلواني عن أبي أسامة حماد بن اسامة عن محمد بن عمرو عن عمر وقيل عمرو بن مسلم عن ابن المسيب به.
    والحسن الحلواني وثقه يعقوب بن شيبة والنسائي، وقال عنه الامام احمد فيما رواه عنه ابنه عبدالله: ما أعرفه يطلب الحديث، وما رأيته يطلب الحديث، قلت: انه ذكر انه كان ملازما ليزيد بن هارون؟ فقال: ما أعرفه، إلا أنه جاءني الى هنا يسلم عليّ، ولم يحمده أبي، ثم قال: تبلغني عنه أشياء أكرهها، ولم أرَهُ يستخفه، وقال أبي مرة أخرى وذكره وقال: أهل الثغر عنه غير راضيين، أو كلاما هذا معناه اهـ العلل ومعرفةالرجال 2/81، ونقله ابن حجر في تهذيب التهذيب 1/503
    وتفرد الحسن الحلواني بهذه الزيادة دليل على خطأه فيها، والله أعلم.

    وقد رواه غير واحد عن محمد بن عمرو بدون هذه الزيادة، وقد تقدم آنفا.
    ناهيك انه قد أخرج النسائي في المجتبى (٤٣٦٣) عن سعيد بن المسيب موقوفا عليه، انه قال: من أراد ان يضحي، فدخلت أيام العشر، فلا ياخذ من شعره، ولا أظفاره ... اهـ ولكن في إسناده شريك بن عبدالله، وفي توثيقه خلاف بين أهل العلم.
    بل رواه غيرُ واحد عن عمر بن مسلم بدون هذه الزيادة أيضاً، منهم: مالك بن أنس، كما في عند الامام احمد في مسنده 7/312، ومسلم في صحيحه (١٩٧٧)، والترمذي في جامعه (١٥٢٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في المجتبى (٤٣٦١)

    اضف لذلك ان الحديث روي من طرق أخرى ليس فيه هذه الزيادة، منها: ما اخرجه الامام احمد في مسنده من طريق عبدالرحمن بن حميد عن ابن المسيب. 6/289، ومسلم في صحيحه (١٩٧٧)

    وأما المتن وهو الوجه الثاني من الجواب: فليس فيه ان السائل يسأل عمن يزيل شعره وأظفاره، وهو يريد الأضحية.
    قال النووي: قوله: "ان سعيدا يكره هذا" يعني يكره إزالة الشعر في عشر ذي الحجة لمن يريد التضحية، لا أنه يكره مجرد الاطلاء اهـ شرح صحيح مسلم 13/140

    الراجح في هذه المسألة: الذي يظهر لي والله أعلم ان الحديثين لهما وجهين، فحديث أم سلمة محمول على من أراد الأضحية، وحديث عائشة محمول على من بعث الهدي وهو مقيم لم يحج.
    ذكرالأثرم: ان احمد كان ياخذ بحديث أم سلمة، فقيل له: فان أراد غيره ان يضحي، وهو لايريد ان يضحي؟ فقال: اذا لم يرد ان يضحي لم يمسك عن شيء، انما قال: "اذا أراد أحدكم ان يضحي"، وقال: ذكرت لعبدالرحمن بن مهدي حديث عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا بعث بالهدي ...، وحديث أم سلمة: اذا دخل العشر؟ فبقي عبدالرحمن، ولم يأتِ بجواب، فذكرته ليحيى بن سعيد؟ فقال يحيى: ذاك له وجه، وهذا له وجه، حديث عائشة اذا بعث بالهدي وأقام، وحديث أم سلمة اذا أراد ان يضحي بالمصر.
    قال احمد: وهكذا أقول؛ قيل له: فيمسك عن شعره وأظفاره؟ قال: نعم، كل من أراد ان يضحي، فقيل له: هذا على الذي بمكة؟ فقال: لا، بل على المقيم اهـ التمهيد لابن عبدالبر17/235ـ236

    قلت: وبهذا تجتمع الأدلة، وبالله التوفيق.

    المبحث الثالث: دراسة زيادة "بشره" بدلا من "ظفره" أخرج مسلم في صحيح وغيره هذا الحديث من طريق مالك، ومحمد بن عمرو الليثي، وسعيد بن أبيهلال، كلهم عن عمر بن مسلم عن ابن المسيب به، بلفظ: "شعره وأظفاره"وكذلك هو من طريق عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن ابن المسيب، عند مسلم في صحيحه، وأبي داود في سننه "٢٧٩١"، والترمذي في جامعه "١٥٢٣"، والنسائي في المجتبى 7/211ـ212
    إلا أنه وقع في رواية ابن أبي عمر المكي، بلفظ: "من شعره وبشره" فزاد بشره، ونقص ظفره، كما عند مسلم في صحيحه.

    وهذه الرواية مخالفة لرواية الثقات الاثبات، وهم اكثر منه عددا أيضاً.
    وابن أبي عمر هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وقد قال عنه ابو حاتم: كان رجلا صالحا، وكان به غفلة، و رأيت عنده حديثاً موضوعا حدث به عن ابن عيينة، وكان صدوقا، وذكره ابن حبان في الثقات اهـ تهذيب التهذيب 5/332
    وبهذا يتبن غلط ابن أبي عمر في هذه اللفظة، لمخالفته الثقات الأثبات في ذلك.

    الخاتمة:
    أولا: أن الراجح هو القول بتحريم الأخذ من الشعر والأظفار لمن يريد أن يضحي.
    الثاني: أن الراجح في لفظ حديث أم سلمة: "فلا يأخذ من شعره وأظفار".
    ثالثا: أن من أخذ شيئا من شعره أو أظفاره فهو آثم، عليه أن يتوب، ولا فدية عليه إجماعا، سواء فعله عمدا أو ناسيا. الشرح الكبير 9/432
    رابعا: أن تحريم الأخذ من الشعر والأظفار خاص بمن نوى الأضحية؛ ويخرج من هذا النهي مَن لم ينوِ، أو نوى يوم العيد، أو كان من أهل المضحي.

    هذا ما تيسر لي بحثه في هذه المسألة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    قاله و كتبه راجي عفو ربه
    فؤاد بن عبد الله الحاتم
    1/12/1433هـ
    الرياض

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    14,669

    افتراضي رد: إتحاف الأخيار بحكم الأخذ في عشر ذي الحجة من الشعر والأظفار. كتبه فؤاد الحاتم

    جزاكم الله خيرًا
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    56

    افتراضي رد: إتحاف الأخيار بحكم الأخذ في عشر ذي الحجة من الشعر والأظفار. كتبه فؤاد الحاتم

    وإياك جزى يا أخي الكريم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •