السلام عليكم
فائدة من كتاب قناص الشوارد الغالية للشيخ الحدوشي حفظه الله .
لا محاباة في الدين:
سأل رجل أبا عبد الله عن أبي البختري فقال: (كان كذاباً يضع الحديث فقال الرجل: أنا ابن عمه.. قال أبو عبد الله: (الله المستعان ولكن ليس في الدين محاباة).
وضعّف ابن المديني أباه بعد أن طلب من السائل أن يسأل عنه غيره فقال: لا، فقال: أبي ضعيف. وكذا أبو داود ضعف ابنه وجرَّحه- وإن كان بعض العلماء لم يسلم له هذا الجرح-قال مهنا: سألت ابن معين عن الواقدي فقال: أنت تعرفه وأحب أن تعفيني، قلت: لم؟ قال: إن ابنه أخ لي، قلت: فدعْه، والسائل لم يكن يجهل حال الواقدي
[1] ولذلك قال له ابن معين: (أنت تعرفه–أي: تعرف ما قيل فيه). وسأل أحمدُ رجلاً عن موت ابن المبارك فقال: ما تصنع بهذا يا أبا عبد الله قال: نعرف به الكذابين.

----------------

[1]-وجاء في (تهذيب التهذيب)(9/364)، في ترجمة (محمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي): (قال معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب. وقال لي يحيى بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وقال مرة: كان يقلب حديث يونس، يُغيره عن معمر، ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء).
قال الحافظ ابن حجر-يرد على مغلطاي-: (وقد تعصب مغلطاي للواقدي، فنقل كلام من قواه ووثقه، وسكت عن ذكر من وهاه واتهمه، وهم أكثر عدداً وأشد إتقاناً، وأقوى معرفة به من الأولين.
ومن جملة ما قواه به: أن الشافعي روى عنه. وقد أسند البيهقي أن الشافعي كذبه. ولا يقال: قكيف روى عنه؟! لأنا نقول: رواية العدل ليست بمجردها توثيقاً، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الجعفي، وثبت عنه أنه قال: ما رأيت أكذب منه).
وكلام الحافظ واضح عند كل من شم رائحة هذا العلم-علم الرجال-من أهل السنة، أما المقلدة من الأحناف فلا يعجبهم ما قرره الحافظ وبيّنه، فهذا التهانوي الحنفي المتعصب يقول في: (قواعده) (ص:347/350): (هذا، ولم يتعصب مغلطاي للواقدي، بل: استعمل الإنصاف!! فإن الصحيح في أمر الواقدي التوثيق!!. قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في: (الإمام): جمع شيخنا أبو الفتح الحافظ في أول كتابه: "المغازي والسير" أقوال من ضعفه، ومن وثقه، ورجح توثيقه، وذكر الأجوبة عما قيل.
وهذا يرد على النووي، والذهبي قولهما: الواقدي ضعيف باتفاقهم، أو: استقر الإجماع على وهنه. وأين الإجماع من الاختلاف في ترجيح توثيقه وتضعيفه؟!).
وقال ابن الهمام-وهو من أكابر محققي الأحناف-: (الواقدي حسن الحديث عندنا).
قال الشيخ أبو إسحاق الحويني في: (النافلة) (2/196/199/رقم:163): (وهو ذهول من هؤلاء الفضلاء عن القاعدة المقررة عند العلماء، وهي أن الجرح مقدم عن التعديل إن كان مفسراً، وجرح الواقدي مفسر وظاهر، فقد كذبه أحمد بن حنبل، والشافعي، والنسائي، وابن المديني، وأبو داود، ومحمد بن بشار.
واتهمه أبو حاتم، وابن راهويه، بالوضع وكذا الساجي، وتركه أحمد، وابن المبارك، وابن نمير، وإسماعيل بن زكرياء، والبخاري، وأبو زرعة، والعقيلي، والدُّولابي وغيرهم. وهذا هو ما حدا بالنووي أن يقول: "الواقدي ضعيف باتفاقهم".
والمقصود من عبارته باتفاق النقاد العارفين، لأن الذين وثقوه لا يرقون في النقد إلى مستوى الجارحين. فمن قيل فيه هذا كيف يقال: الراجح فيه التوثيق!! أو: هو حسن الحديث عندنا! وهل هذا إلا قلب للأصول؟!
وقد قال الكوثري-وهو حنفي جَلد-في: (مقالاته) (41/44-قالت أم الفضل: ونسبة "المقالات" للكوثري نسبة غير صحيحة، لأن هذه "المقالات" جُمعت بعد موت الكوثري، كما أخبرني شيخي أبو الفضل)، بعد ذكر حديث: (اتقوا خضراء الدمن...) قال: "انفرد به من كذبه جمهرة أئمة النقد بخط عريض. فقال النسائي: الكذابون المعروفون بالكذب على رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أربعة: الواقدي بالمدينة...وقال البخاري: قال أحمد: كذاب...
ثم قال: وجرح هؤلاء مفسر، لا يحتمل أن يُحمل التكذيب في كلامهم على ما يحتمل الوهم كما ترى، وإنما مدار الحكم على الخبر بالوضع أو: المتهم بالكذب، أو: الفاحش الخطأ، لا النظر إلى ما في نفس الأمر، لأنه غيب، فالعمدة في هذا الباب هي علم أحوال الرجال. واحتمال أن يصدق الكذاب في هذه الرواية مثلاً، احتمال لم ينشأ من دليل، فيكون وهماً منبوذاً...".
قال الشيخ الحويني: وهذا تحقيق حسن، ولكن الكوثري لم يثبت عليه، فقد رأيته وثق الواقديَّ في تعليقه على كتاب: (شروط الأئمة) (ص:37)!! وكان الكوثري مشهوراً بذلك.
قال الذهبي في (السير) (9/469): "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يُحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض، فلا ينبغي أن يُذكر. فهذه الكتب الستة، ومسند أحمد، وعامة من جمع في الأحكام، نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء، بل: ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئاً.
مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يكتب حديثه ويروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره، فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه:
1-كيزيد.
2-وأبي عبيد.
3-والصغاني.
4-والحربي.
5-ومعن.
6-وتمام.
عشرة محدثين، إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي، رحمه الله".
قال الشيخ الحويني: وقول الذهبي-رحمه الله-: "... مع ضعفه يكتب حديثه ويروى..." فيه نظر، ولعل الدافع هو أن الواقدي كان واسع العلم في المغازي كما صرح الذهبي في مطلع كلامه، فيحتاج إليه. ولكن كلام أئمة النقد لا يساعد عليه.
ثم كيف يكتب حديث الواقدي مع ضعفه الشديد؟! والحاصل أنه لا يحتج به إذا انفرد، ولا يصلح أيضاً في الشواهد ولا المتابعات. فعلى أي أساس يكتب حديثه؟! إلا أن يقال: يكتب حديثه على سبيل التعجب!!
وزعم الشيخ عبد الغني عبد الخالق في تعليقه على: (مناقب الشافعي) لابن أبي حاتم (2/220): "أن الإجماع استقر على وهن الواقدي كما قال الذهبي، ولكن في غير السير والمغازي، فهو فيها ثقة بالإجماع"!! ولا أدري ما مستنده في دعواه؟ ولم أقف على كلام لأحد الأئمة أطلق فيه دعوى الإجماع.
نعم قال الذهبي في: (السير) (9/454/455): (وجمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والْخَرَزَ بالدُّر الثمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة وأخبارهم).
فكلام الذهبي هذا فسره هو فيما نقلته عنه سابقاً وهو قوله: (نورد آثاره من غير احتجاج). وليس في هذا ما يفيد أنه ثقة في المغازي والسير. وحاصل البحث أن الواقدي متروك مع سعة علمه كما قال الحافظ في: "النقريب").
قال أبو الفضل-فك الله أسره-: قال الحافظ الذهبي-في ترجمة: الواقدي-من كتابه: (السير) (7/142): (إن كان لا نزاع في ضعفه، فهو صادق اللسان، كبير القدر). ومرة قال في: (السير) أيضاً: (3/122): (لا يعي ما يقول)، وقال أيضاً في: (معجم الشيوخ) (2/411)، و(الميزان) (2/124): (تركوه)، ومرة قال في: (التنقيج) (1/75)، و(التاريخ) (2/41): (متروك)، ومرة قال في: (التنقيج) (9/66)، و(10/112): (هالك)، ومرة قال في: (الميزان) (4/220)، و(التاريخ) (9/598)، و(الجرح والتعديل) (2/449/رقم:2109): (تالف).
انظر: (هدي الساري) (ص:417/ 443/447)، و(توجيه القاري إلى القواعد والفوائد الأصولية والحديثية والإسنادية في فتح الباري) (17/534)، و(النصيحة) للألباني (ص:22)، و(الرفع والتكميل) (ص:216/265). انتهى من كتاب: (ذاكرة سجين مكافح) (1/89)، و(قناص الشوارد الغالية...) (ص:24)، من منشورات دار الكتب العلمية.