" الإنفتاح الفكري .. حقيقته وضوابطه " للدكتور عبدالرحيم بن صمايل السلمي{رائع ومؤصل}
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: " الإنفتاح الفكري .. حقيقته وضوابطه " للدكتور عبدالرحيم بن صمايل السلمي{رائع ومؤصل}

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    14

    افتراضي " الإنفتاح الفكري .. حقيقته وضوابطه " للدكتور عبدالرحيم بن صمايل السلمي{رائع ومؤصل}

    الإنفتاح الفكري .. حقيقته وضوابطه ( 1/3 )
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد :
    فإن الشريعة الإسلامية قد بينت ضرورة العلم والتعلم بيانا شافيا، ووضحَّت قيمة العقل ومكانته في الإسلام وأهميته وكونه مناط التكليف، واستعمل القرآن الكريم الأدلة العقلية البرهانية على إثابت المطالب الإلهية، وأمر الإنسان بعمارة الأرض واستعمال ما فيها وفق المنهج الرباني .
    وهذا كله يدل على تنمية الشريعة للإبداع والتفكير في حدود السياج الموصل إلى المعرفة الصحيحة . أما ضرب العقل والفكر في أودية الباطل السحيقة واشتغاله بما لا قبل له به، فهو مما نهت عنه الشريعة، وحذرت منه، إبعاداً للعقل عن الأوهام والخرافات والظنون الكاذبة .
    وقد ظن بعض الدارسين بالشريعة الإسلامية ظن السوء، عندما توهموا أنَّ الشريعة الإسلامية تمنع الإبداع الصحيح، والفكر المنضبط، والرأي السليم، مما جعلهم يفتنون بدعوى (الانفتاح الفكري) والمنقول من الفكر الغربي الذي تدِّين بدينٍ محرَّف مبدَّل مناقضٍ للعقل الصريح والدين الصحيح، إلى الأمة المسلمة ذات الدين الصحيح والمنهج المستقيم الموافق للفطرة السليمة والعقول الصريحة .
    ولقد أصبح (الانفتاح الفكري) حقيقة واقعة بعد أنْ كان فكرة فلسفية، ذلك بسبب التواصل الأممي الهائل عن طريق الاتصالات والمواصلات ... وبعد ظهور القنوات الفضائية والإنترنت أصبح الحديث عن الانفتاح الفكري بشكل كبير، وشعاراً لطائفة كبيرة من الليبراليين وجملة من الإسلاميين .
    وقد أحببت أن أكتب في هذا الموضوع النازلة شيئاً عسى الله أن ينفعني به ومن قرأه من المسلمين. وقد حاولت جاهداً أن يكون المنطلق في البحث في هذاالموضوع من الشريعة نفسها في تصوير دور الفكر ومجاله ومنزلته والموقف من بعض الآراء والمخلفات الفكرية والمادية من الحضارات الأخرى . وأرجو أن أكون وفقت في ذلك . هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
    حقيقة الإنفتاح الفكري
    توطئة :
    لقد خلق الله سبحانه وتعالى الانسان وأنزله إلى الأرض ليكون خليفة له في إقامة الحق والعدل والعبودية له، وتظهر معاني اسمائه وصفاته في خلقه . وأنزل له من الدين ما يكون موافقاً لطبيعة ذلك الإنسان وفطرته التي خلقه الله عليها . وأرسل الرسل الكرام للقيام بتذكير الإنسان بحقيقة وجوده وحكمته، وتذكيره بأن الدين الذي أنزله الله تعالى له هو أساس سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: من الآية28) والقيام - كذلك — بالانذار له من ترك ما أنزله الله تعالى، وبيان ما يترتب على ذلك من خراب حياته وشقاء نفسه وعذابه في معاده، يقول تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً . ونحشره يوم القيامة أعمى} (طـه:124) .
    هذه الحقيقة الكبرى لها أهمية عظيمة في بناء الإنسان والمجتمع، والتعامل مع كل ما حوله من الأفكار والمناهج والآراء والفلسفات . ومن رحمة الله تعالى بالإنسان أنه لم يدعه يصنع تصوره الاعتقادي ومنهجه التشريعي بنفسه، لأن الإنسان يعتريه الهوى والجهل، فهو أعجز وأضعف من عمل ذلك .
    ولذا فكان الدين بعقائده وتشريعاته منحةً إلهية من العليم الخبير لم يسندها إلى الإنسان العاجز، يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله : "وقد كان الأنبياء عليهم السلام أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن بداية العالم ومصيره ، ومايهجم عليه الانسان بعد موته، وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفواً دون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادئها، ولامقدماتها التي يبنون عليها بحثهم، ليتوصلوا إلى مجهول، لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، ولاتعمل فيها حواسهم، ولايؤدي إليها نظرهم وليست عندهم معلوماتها الأولية . لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة، وأعادوا الأمر جذعاً، وبدأوا البحث آنفاً، وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لايجدون فيها مرشداً ولاخريتاً وكانوا في ذلك أكثر ضلالاً وأشد تعباً وأعظم اشتغالاً" (1) .
    وصدق الله تعالى إذ يقول: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} (الكهف:51) .
    وفي هذا الزمان بالذات تطورت الانسانية تطوراً مذهلاً في الجوانب المادية، والقدرة على استعمال السنن الكونية واكتشافها وتوظيفها توظيفاً قوياً في المخترعات والمكتشفات الحديثة .
    وقد قدر الله تعالى أن يكون هذا التطور على يد أمةٍ دينها مبدل ومحرّف، حارب العلم المادي وألزم الناس بالخرافات ونسبها إلى الله، فانتفضت عليه وحطمته وخرجت عليه، وقد تكون معذورة في تحطيم الخرافة، إلا أنها ليست معذورة في ترك البحث عن الدين الصحيح والاتجاه إلى الإلحاد، وبناء الحياة فكرياً وتشريعياً ونظماً على مقتضى (العقل) المجرد من الوحي، وتعظيم الانسان وتأليهه، والإعلان عن موت الإله .
    هذا الوضع غرس في شعور كثير من الأمم، أنَّ التطور لا يتم إلا عن طريق تحطيم الدين والخروج عليه دون النظر إلى نوع الدين هل هو حق أم باطل ؟ لقد قدَّس الغربيون (العقل) في بداية الأمر وجعلوه مناط النجاح في بناء الحياة، ثم ظهرت فيهم — بعد ذلك - فلسفات متناقضة غريبة بسبب الهروب من الله والاعتماد على الانسان وحده .
    وقد أصبح الالتزام بالدين علامة على الانغلاق والجمود . وتحطيمه والهروب منه علامةٌ على (الانفتاح الفكري) والعقلي، لأن العقل — في نظرهم - هو المصدر الوحيد في صحة القضايا، ولهذا سمّي ذلك العصر الذي حطموا فيه الدين (عصر التنوير) . وقد انتقلت هذه العدوى للعالم الإسلامي، وظهر في المسلمين من يطالب بإقتفاء أثر الغرب في كل شئ معتبراً ذلك من التنوير والتطوير .
    ولأسباب كثيرة لامجال للتفصيل فيها سرت هذه الحمى (الانفتاح) في العالم الإسلامي بشكل كبير على درجات متفاوتة وتحت شعارات متعددة . وسوف ننطلق في بحث هذه القضية من تصوير موقف الشريعة الاسلامية من العلم والفكر وبيان ما في هذا المصطلح من النقود والإشكالات ، وأن أساس المصطلح مبني على سوء الظن بالشريعة الإسلامية، ولعل السبب الأساسي هو نشأة هذا المصطلح في البيئة الغربية، فجاء به دعاة التغريب للعالم الإسلامي ولم يراعو اختلاف الدين بين المسلمين والنصارى .
    وكلمة (الانفتاح) كلمة عائمة لايمكن أن يتحدد من خلالها صورة معينة محددة بحيث يمكن الحكم عليها . ولهذا لا بد من الاستفصال عن نوع الانفتاح وخصائصه قبل تقويمه ونقده .
    حقيقة مصطلح (الانفتاح) :
    مصطلح (الانفتاح) ليس مصطلحاً شرعياً، فلم ترد هذه المادة في القرآن ولا في السنة، ولم يستعمله العلماء الراسخون في العلم، بل هو مصطلح عرفي تتداولته الكتب العصرية والنشرات الصحفية دون تحديد دقيق لمعناه . وهو يتضمن معان غير صحيحة، وله ايحاءات ودلالات باطلة، ويتبين ذلك من خلال مايلي :
    1) جذور المصطلح :
    جذور هذا المصطلح تعود إلى الفكر الغربي، فأصل مادة (فتح) في اللغة الإنجليزية هي (open) وهي تأتي لأكثر من عشرين معنى بحسب تصريفاتها المتعددة، ومن المعاني الداخلة في مجال البحث مايلي : - منفتح، راغب في الاستماع لكل مايعرض عليه، وفي تفهمه بروح سمحة . - ينور العقل ويجعله منفتحاً للمعرفة . - يصبح العقل متنوراً أو منفتحاً . - يعبر عن أفكاره ومشاعره . ومن المعاني الإصطلاحية للمادة (open door) أي (الباب المفتوح) وهي: "سياسة قوامها حرية التجارة وإلغاء التعريفات الجمركية والسماح لمختلف الدول بالمتاجرة مع بلدٍ ما، على قدم المساواة" . و(opening) معناه (تفتح) ، و (minded — open) أي : منفتح العقل أو ذو عقل وتأتي بمعنى: "منفتح للحجج والأفكار الجديدة" (2) .
    ومن خلال ماتقدم نلاحظ أن هذا المصطلح مأخوذ من بيئة معينة لها ظروفها العقدية وصراعاتها الفكرية . والظاهر - والله أعلم — أن هذا المصطلح جاء بسبب الصراع بين الكنيسة والعلم عندما ظهرت الأفكار العلمية الجديدة ورفضها من قبل رجال الدين، ولذا فاعتُبِرَ الفكر الكنسي منغلق، والفكر اللاديني منفتح لاعتماده الكلي على العقل .
    2) غموض المصطلح :
    يلاحظ في هذا المصطلح الغموض والضبابية، فالانفتاح اسم عام يطلق على أنواع متعددة مما يصدق عليه هذا الاسم مع كونها مختلفة في الموضوع . وهذا الغموض أدى إلى استعمال هذا المصطلح من اتجاهات متعددة لاتتفق فكرياً في كثير من القضايا .
    فنجد من يستعمل الانفتاح الفكري ليصل إلى الالحاد ويصف الدين بأنه إنغلاق وتحجير على العقل . كما نجد من ينقد الانفتاح بالصورة السابقة ويطلقه على الاستفادة من كل الثقافات بما لا يناقض الإسلام، ثم يختلف أصحاب هذا الإتجاه في تحديد مايناقض الاسلام وما لا يناقضه !! وفي حدود الإستفادة وضوابطها .
    ولهذا لابد من تحديد نوع الانفتاح الفكري المعين بذكر خصائصه، ثم الحكم عليها بالصواب أو الخطأ بميزان الكتاب والسنة . وهذا الغموض يدل على أنَّ استعمال هذا المصطلح دون ضبط خطأ منهجي، لأنه لا يكفي مجرد اسمه في تحديد المراد منه .
    ولا بأس أن أشبه هذا المصطلح بمصطلحات علم الكلام التي قد يراد بها حق وقد يراد بها باطل، التي حذر منها علماء أهل السنة من قبولها مطلقاً لاشتمالها على الباطل، كما حذروا من إنكارها وردها جملة لأنها قد يراد بها معنىً صحيحاً، فيكون رداً لشئ من الحق . ومثل هذا النوع من الكلام المحتمل لايصح استعماله لأن فيه لبس للحق بالباطل . وعلماء أهل السنة والجماعة لم ينكروا المصطلحات لأنها مصطلحات جديدة، كما يظن بعض بل لكونها تشتمل على معانٍ باطلة مناقضةً للقرآن والسنة .
    3) الايحاءات السلبية للمصطلح :
    هذا المصطلح يحمل ايحاءاً انهزامياً سلبياً في تصور الشريعة الإسلامية . فالانفتاح : مصدر الفعل الخماسي المزيد (انفتح)، وكل فعل جاء على وزن (انفعل) فمصدره على وزن (انفعال)، وزيادة همزة الوصل والنون في أوله ترد لمعنى واحد هو المطاوعة، (انفتح انفتاحاً، وانكسر انكساراً، وانطلق انطلاقاً" (3) .
    ودلالة كلمة (الانفتاح) توحي بوجود انغلاق قبله، ولهذا فمعناها "إزالة الإنغلاق" فهو ضده (4) .
    فإذا استعمل هذا المصطلح فإنه يقتضي وجود انغلاق، ثم حصل الانفتاح . فمثلاً : من كان على منهج التقليد الأعمى ثم صار إلى الدليل فإنه يستعمل معه هذا المصطلح، أما من كان معتبراً للدليل فلا يليق استعمال هذا المصطلح معه لأنه ليس بمنغلق حتى نطالبه بالانفتاح . ومن يحرم ما أحل الله تعالى من الطيبات كرهبانية الصوفية، يطالب بالانفتاح بمعنى الخروج من انغلاق الرهبانية إلى سعة السنة التي تبيح الطيبات بإباحة الله تعالى .
    أما من يستعمل هذا المصطلح لمطالبة عموم المسلمين به، أو اعتبار الاسلاميين الذين يطالبون بالاسلام في الحكم والاقتصاد وكل شؤون الحياة منغلقون لأنهم لم يتشربوا الفكر الغربي، فهو سوء ظن بالشريعة الاسلامية واتهام لها بالانغلاق، وهو كذلك انهزام أمام الفكر الغربي واعتباره انفتاحاً من الانغلاق، والحقيقة أنه خرج من انغلاق إلى انغلاق آخر .
    ومن هنا تظهر الإيحاءات السلبية في استعمال هذا المصطلح فيما يتعلق بالاسلام والدين وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم وعلماء المسلمين .
    موقف الشريعة الاسلامية من العلم والمعرفة
    كل من ينظر في القرآن والسنة يعلم يقيناً حث الشريعة على العلم والمعرفة والثناء على أهلها، والأمر بالنظر والتدبر، والثناء على العقل والعقلاء، والأمر بعمارة الأرض وبنائها على منهج الله تعالى . وهذا الخصيصة للشريعة الاسلامية حاصلة لها بسبب كونها (شريعة ربانية)، ليس للانسان أثرٌ فيها، فهي من العليم الخبير لإصلاح الانسان في كل جوانب حياته . فالانسان بعقله وعواطفه من خلق الله تعالى، والارض وسننها وقوانينها ومافيها من الخزائن من خلقه تعالى، والاسلام وعقائده وشرائعه من الله تعالى .
    فمصدر الجميع واحد وهو الله تعالى يقول تعالى : {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (لأعراف: من الآية54)، ولهذا جاءت متناسقة ومتوافقة، يقول تعالى : {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14) . ويظهر موقف الشريعة من العلم والمعرفة من خلال ما يلي :
    1) الحث على العلم والتعلّم :
    فقد رغب الاسلام في العلم والتعلم وأثنى على أهله ومدحهم، يقول تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: من الآية11)، ويقول تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} (الزمر: من الآية9)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [رواه مسلم]، ويقول أيضاً : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) [رواه مسلم] .
    والعلم الممدوح نوعان :
    1- العلم الشرعي إذا كان بإخلاص وغايته العمل .
    2- العلم الدينوي إذا أريد به عمارة الأرض وإقامة العبودية لله تعالى .
    ولكن الممدوح في الشرع بالأصالة هو العلم الشرعي، والعلم الدنيوي مدحه لغيره لا لذاته، ولهذا ذم الله تعالى من تعلم علم الدنيا ونسي علم الآخرة، فقال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم:7) .
    فليس العلم في ذاته ممدوحاً بل لا بد له من شروط إضافية معتبرة حتى يصبح ممدوحاً منها :
    1- الإخلاص فيه وابتغاء وجه الله تعالى .
    2- أن لايكون العلم في ذاته محرماً كعلم السحر أو علماً فاسداً كعلم الفلسفة والكلام ونحوها.
    3- العمل بالعلم الشرعي .
    4- أن يقصد بالعلم الدنيوي كونه وسيلة لعبودية الله تعالى .
    5- ألا يكون وسيلة إلى محظور، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد .
    وبهذا يتبين أن العلاقة بين العلم والدين علاقة توافق وانسجام، فالدين في ذاته يتضمن العلم ويأمر به ويجعله منطلقاً لبناء الحياة وفق منهج الله تعالى ولكن يستثنى من ذلك مايلي :
    1- العلم الفاسد غير الصحيح .
    2- العلم المحرم، وهو ما فيه من المفسدة التي تفوق ما فيه من المصلحة وقد تكون مصلحة وهميّة .
    3- الإرادة السيئة من العلم في غاياته وأهدافه .
    أما ماسوى ذلك فإن الشريعة تحث عليه وتمدحه وتطالب به وتذم تاركه ويعتبر تاركه مذموماً في الدين، ولهذا اتفق السلف الصالح على ذم دراويش الصوفية الذين أعرضوا عن علم الدنيا والدين . والتفريط بعلم الدين أو الدنيا يكون بحسب نوع العلم المفرّط فيه، فمن فرط في تعلم العلم الشرعي الواجب كمعرفة الله وأصول الإيمان وأركان الاسلام والواجبات فهذا مذموم، وكذلك تفريط الأمة في علم الدنيا الواجب، مثل صناعة السلاح للجهاد في سبيل الله فهذا مذموم .
    وبالعموم فالعلم الصحيح ممدوح سواء كان واجباً أو مستحباً، وهو ممدوح عقلاً وفطرةً وشرعاً حتى لو كان مباحاً فإنه يكون مستحباً بالنية الصالحة فيه .
    2) الأمر بالنظر والتدبر والاعتبار :
    لقد أثنى الله تعالى على العقل وأمر بالنظر والتدبر والاعتبار لما فيها من تحرر الفكر من الأوهام والخرافات والأساطير، يقول تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ...} (العنكبوت: من الآية2)، ويقول جل ذكره: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} (يونس:11) .
    وقد مدح الله تعالى العقل وإعماله في التفكر والتدبر، ومدح مرادفاته كالألباب، والأحلام، والتفكر، والتذكر، والاعتبار، والفقه، والعلم، ونحوها وقد حرر الاسلام العقل من الأوهام والخرافات ونهى عن كل مايقدح فيه مثل الخمر والتقليد الأعمى والهوى والتعصب لغير الحق .
    ولهذا لايوجد في الإسلام سلطة كهونتيه بأي شكل من الأشكال . بل هو مبني على التوحيد الخالص المحرر للعباد من عبودية العباد إلى عبادة الله وحده . فليس هناك واسطة بين العباد وبين ربهم إلا الرسل على سبيل البلاغ لا على سبيل العبادة . وهذا لا يعني أن العقل والنظر، مطلق له العنان بحيث يدخل في كل أمر، حتى لو كان لا يحسنه، بل له ضوابط تضبط مسيرته، منها :
    1- أن العقل يدرك الأشياء بوجه جملي دون الإحاطة التامة والمعرفة الكلية .
    2- أن منزلة العقل من النقل بمنزلة الخادم من سيده، وهو بمنزلة البصر والنقل بمنزلة النور، فإذا فُقد النقل عجز العقل كعجز العين عند فقد النور .
    3- أن حقائق الأمور الغيبية لايدركها العقل إلا من جهة إثباتها ومعرفة ماتدل عليه الألفاظ المعبرة عنها من ألفاظ الشرع فقط .
    3) بيان أهمية عمارة الأرض :
    لقد خلق الله تعالى الانسان في الأرض ليقوم بالعبودية له فيها، ويعمرها وفق ماشرعه الله تعالى وأمر به، يقول تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنّ َ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّ َهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55) .
    لقد خلق الله تعالى الانسان وهو متحرك حركة دائمة إما في الخير وإما في الشر، وأمره تعالى أن تكون حركته في الخير وهو تحقيق ما أمر الله به وترك مانهى عنه وهذا أعظم ما تعمر به الأرض . "إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة لاعلى الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان" (5) .
    وعمارة الأرض يكون بما يلي : 1- عمارتها بإقامة دين الله تعالى فيها وتطبيق شرعه وتنفيذ أمره وإرادته في حياة الناس .
    2- إقامة العدل ورفع الظلم وإظهار التوحيد والعقائد الربانية الحقة التي لم يخالطها خرافة ولا غبش فكري مصدره من الأرض .
    3- بناء الحياة وأنماطها وجميع جوانبها في العقائد والأحكام والأخلاق وفي المال والحكم وفي الرجال والنساء وفي العلم والفكر وفي كل شيء على هدي الله ووحيه .
    ولهذا لو نظرنا نظرة فاحصة في خسارة الدنيا عندما استولى الكفار عليها لعرفنا بالتالي الحاجة الماسة إلى عمارتها وفق منهج الله تعالى . فإن ظهور الكفر والفجور ومحاربة الله تعالى مؤذن بفساد العالم وخرابه يقول تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41) .
    وينتج عن تفوق الكفار في عمارة الأرض، إعلاء أهواء العباد في قضايا الفكر والسلوك وإخفاء كلمة الله تعالى يشقي الناس بالحيرة والتيه والاضطراب والأمراض والتحلل الأخلاقي وتفكك عرى المجتمع وانقسامه إلى طبقات متصارعه وإضمحلال روح الإخاء الإجتماعي وبروز الأنانية وسيطرة الروح الفردية إلى غير ذلك مما يطالعه من يراقب حال العالم اليوم الذي سيطر عليه الغربيون وامتلكوا زمام التوجيه فيه .
    وينتج أيضاً عن ذلك هلاك الحرث والنسل بسبب غياب العدل والرحمة , ولعل الحرب العالمية شاهد واضح لما عانته الدنيا بسبب سيطرة الكفار عليها .
    ولهذا تظهر أهمية عمارة الأرض من قبل أهل الإسلام، وإقامة الدين فيها، وبنائها بناء مادياً يخدم الإنسانية، كما يدل علىذلك الحديث المشهور: (إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) .
    ومن خلال ما سبق يظهر لنا، حث الشريعة على العلم الصحيح الديني والدنيوي، وبيانه لأهمية استعمال العقل في مجاله الصحيح، وحثه على النظر والتفكر وعمارة الأرض يدل على أن إلتزام الشريعة نفسها يدعوا للعلم والمعرفة والإبداع . وبناءً على ذلك فليس هناك مجال للقول بضرورة (الانفتاح)، لأنه إذا أريد بالإنفتاح الاطلاع والعلم والمعرفة والابداع والاختراع فهذا ماتأمر به الشريعة وتحث عليه عندما يكون صحيحاً، وعلامة صحته أن يكون صحيحاً في ذاته وأن لا يعارض قطعياً من قطعيات الشريعة، ومعارضته للقطعي فيها دليل على عدم صحته .
    ------------------------------
    (1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص / 35 .
    (2) انظر المورد – للبعلبكي – مادة ( open ) .
    (3) انظر التطبيق الصرفي ص / 71 , ودروس التصريف ص / 76 .
    (4) انظر الصحاح ( مادة فتح ) , ولسان العرب ( مادة فتح )والقاموس المحيط ( مادة فتح ) .
    (5) في ظلال القرآن ص / 2529 .
    http://www.alqlm.com/index.cfm?metho...&contentID=141

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    14

    افتراضي

    تابع=
    ( 2/3 )

    __________
    وفيما يتعلق بموقف الشريعة الإسلامية من العلم والمعرفة، عدة مسائل لابد من الوقوف عندها:
    المسألة الأولى : الموقف الشرعي من علوم غير المسلمين ومخلفات حضارتهم :
    - علوم غير المسلمين نوعان :
    النوع الأول: علوم دينية سواءً كانت في أديانهم أو في دين الإسلام ، والموقف الشرعي من هذا النوع فيه تفصيل كالتالي :
    أ- العلوم الدينية التي ينقلونها عن أهل ملتهم، فالموقف الشرعي منها يختلف بحسب نوع التعامل معها :
    (1) فإن كان النقل منها لمعرفة دين أصحابها دون اعتقاد مضمونه فهذا لابأس به، إذا كان النقل عن مأمونٍ خبير فيما يتحدث فيه . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم التوراة فتعلمها في خمس عشرة يوماً، ولايزال العلماء ينقلون عن أهل الأديان من واقع مصنفاتهم لمعرفة حقيقة دينهم لبيان ما فيه من الباطل والتناقض . وهذا منهج علمي صحيح أن تنقل عن صاحب الشأن لا عن من نقل عنه وهومن العدل الذي أمرنا به في قوله تعالى: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } (المائدة: من الآية8) . ولكن لاينبغي الاشتغال بهذا لمن لم ينضج في فهم دين الاسلام وذلك سداً للذريعة . وسيأتي الإشارة لهذا في ضوابط الإنفتاح .
    (2) وإنْ كان النقل عنها للاستدلال بها والاعتماد عليها أو ترجمتها، فهذا لا يجوز؛ لأن في دين الاسلام غنية وكفاية في الدلائل والمسائل وفي العقائد والأعمال، وسيأتي الإشارة لهذا في الانفتاح الفكري المذموم .
    ب— العلوم الدينية التي ينقلونها عن الاسلام سواءً في العقيدة أو الفقه أوالعلوم المساعدة لها كاللغة والأصول والتاريخ ونحوها . وهذا مثل كتب المستشرقين في العلوم الاسلامية، فالموقف الشرعي المنع من الاستفادة منها، والنهي عن ذلك، لما يلي :
    (1) إن فيما كتبه علماء الاسلام غنية وكفاية في فهم قضايا الاسلام ولغته وتاريخه ، وهم أعلم به من الدخلاء الذين يكتبون عنه وهم خارجه .
    (2) إن من أصول الرواية عدم قبول رواية ونقل الفاسق المسلم، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (الحجرات:6)، فكيف برواية الكافر !
    (3) إنه ثبت من واقع كتب المستشرقين أن لهم أغراضاً خبيثة وأهدافاً سيئة يريدون نشرها من خلال كتبهم ، ويلوون أعناق النصوص ويبترونها ويفسرونها تفسيراً غريباً على التصور الإسلامي ويحرفون الكلم عن مواضعه ، فلاشك أن من كانت هذا حاله لاينقل عنه ، فكيف وروايته مجروحة ، وعندنا غنية وكفاية ؟!
    النوع الثاني: علوم دنيوية بحتة، مثل الصناعات والاختراعات العلمية :
    هذا لابأس من أخذه وقبوله، ويكون ذلك بعد إخضاعه لقوانين النقد العلمي وظهور صحته وصدقه، وهو إرث إنساني يمكن لأي أمة أن تطوره وتزيد فيه، وهو علم تراكمي شارك فيه عناصر من أديان متعددة، لكن ينبغي التنبه لما يلي:
    أ- التفريق بين الحقيقة العلمية الضرورية وبين النظرية الظنية، والتفريق بين العلوم المادية والانسانية لأن للأخير ارتباط بالتوجه والدين والأخلاق .
    ب- تصفية بعض المخترعات من المخزون الثقافي الذي تتضمنه، فكل تقنية لها ضلال ثقافي لا بد من تصفيته منها قبل نقلها، وتكييفها لتناسب الأمة المسلمة ذات الرسالة الربانية .
    ج- عدم الوقوف عند الأخذ والتلقي وتجاوز ذلك إلى التفكير والابداع والتطوير .
    د- كل الأمور المادية تدخل في الجواز سواءً كانت من الصناعات المادية أو غيرها مثل الفنون الإدارية والعسكرية مع أهمية تصفية ذلك مما يعلق فيه من المضامين الفكرية .

    هذا ما يتعلق بعلوم غير المسلمين .
    أما الآثار والمخلفات الحضارية للامم البائدة متنوعة، ويتنوع الحكم عليها بحسب نوعها (1):
    (1) مافيه فائدة علمية أو مادية مثل الوثائق والنقوش وقطع النقود والجسور والآبار والعيون والسدود والقناطر والطرق ونحوه . فهذه يستفاد منها، وقيمتها بقدر الخدمة التي تؤديها للناس ، وليس لها فائدة أكثر من ذلك . فلا يجوز الاهتمام بها باعتبارها أثراًلايقدم خدمة عملية ، ولايجوز تعظيمها أو تقديسها .
    (2) ما في وجوده منافاة للعقيدة الصحيحة، مثل التماثيل والصور والأصنام وبيوت العبادة لغير الله والمشاهد المبنية على القبور والمزارات ونحوها . فهذه يجب تحطيمها وإزالتها؛ لأنه ذريعة إلى الشرك .
    (3) ما لاينفع فيه ولا ضرر منه لذاته مثل المباني الخربة وبقايا الأسوار والحصون والبنايات الكبيرة كالأهرامات وإيوان كسرى وحدائق بابل ونحوها . فهذا يهمل كما أهمله الصحابة، ولا يعنى به لأنه أث ، لأن هذا نوع تعظيم له ولمن خلَّفه .
    وقد أرشدنا القرآن للمنهج الصحيح في دراسة الآثار وعرفنا القيمة الحقيقية لها، وهو أخذ العبرة والعظة من مصارع الذين هلكوا وظلموا أنفسهم، يقول تعالى: { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } (النمل:69) . ويقول جل ذكره: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } (القصص:58) .
    المسألة الثانية: مدى الحاجة إلى (الانفتاح) على الفكر الآخر .
    "إن الاسلام تصور مستقل للوجود والحياة، تصور كامل ذو خصائص متميزة، ومن ثمّّّ ينبثق منه منهج ذاتي مستقل للحياة كلها، بكل مقوماتها وارتباطاتها ، ويقوم عليه نظام ذوخصائص معينة . هذا التصور يخالف مخالفة أساسية سائر التصورات الجاهلية قديماً وحديثاً" (2) .
    وليس له حاجة في الانفتاح على أي فكرٍ آخر؛ لأن هذا الفكر الآخر إنساني والاسلام منهج رباني كامل . وإذا كان لايستوي الخالق مع المخلوق، فكذلك لاتستوي شريعة الخالق مع أوهام المخلوق . وكلمة (الفكر الآخر) كلمة فضفاضة يراد بها أنواعاً متعددة من الأفكار والأهواء، لكنها جميعاً تجتمع في خصيصة واحدة وهي أن مصدرها (بشري) أرضي .
    فإذا كان المقصود بالفكر: نتاج المعرفة الإنسانية فيما فيه منفعة دنيوية فهذا أمر مشترك بين سائر البشر يستفيد فيه بعضهم من بعض دون نكير . وإذا أريد بالفكر مايكون موافقاً لمعنى الدين مثل التفسير الفكري للكون والإنسان والحياة والغيب ونحوذلك ففي الإسلام غنية كافية وصادقة وهذا مانريد بمنع الانفتاح عليه لما فيه من الضرر والشك في الدين الحق .
    إذا عرفنا ذلك، وعرفنا منزلة العلم والنظر وعمارة الأرض في هذا الدين، وأدركنا إدراكاً جازماً بالفرق بين الخالق والمخلوق، ندرك حينها أنه ليس هناك أي حاجة للانفتاح على الفكر الآخر؛ إلا في دعوته إلى الحق وترك الضلال بالأدلة البرهانية المقنعة . فكل خصائص الكمال والتمام موجودة في الإسلام، لأنه منهج رباني ومصدره "إلهي"، فهو وحده مناط الثقة في أنه التصور المبرأ من النقص، والمبرأ من الجهل، والمبرأ من الهوى . وهذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري والتي نراها مجسدة في جميع التصورات التي صاغها البشر ابتداءً من وثنيات وفلسفات، أو التي تدخل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة ! ، وهو كذلك مناط الضمان في أنه التصور الموافق للفطرة الانسانية، الملبي لكل جوانبها، المحقق لكل حاجاتها . ومن ثم فهو التصور الذي يمكن أن ينبثق منه ، ويقوم عليه ، أقوم منهج للحياة وأشمله" (3) .
    إن القول بحاجة الفكر الاسلامي إلى أي فكر بشري آخر هو كالقول بحاجة الله تعالى للانسان، ولكن المنهزمون فكرياً ونفسياً لم يتصوروا أولاً : طبيعة الفكر الاسلامي وخصائصه ومميزاته ومصدره، ثم لم يعرفوا - ثانياً - الخلل الكبير الذي وقع فيه الفكر الانساني المبتعد عن الله تعالى في تصوره وقيمه وأدبياته . ونحن هنا لا نقصد أفكار آحاد المسلمين التي هي قابلة للأخذ والرد ولكن نريد الفكر الإسلامي المجمع عليه والمستند بقطعية ووضوح إلى الوحي الرباني .
    المسألة الثالثة : امتلاك الحقيقة المطلقة .
    لاشك أن الاسلام يملك الحقيقة المطلقة في الله تعالى والغيبيات والتشريعات، لأنه هو الحق، وغيره المخالف له هو الباطل: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } . هذا فيما يتعلق بالأمور الواضحة في النصوص الشرعية، أما فيما يتعلق بالأمور الخفية التي يختلف فيها المجتهدون من المسلمين فهذا لا يمكن فيه القول بامتلاك الحقيقة المطلقة لأحد من المجتهدين دون الآخر مع وجود الحقيقة في ذاتها ثابتة .
    وللمجتهد أن يخطِّئ مخالفَه، ويعتقد بصواب قوله، أما الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة في أمر خفي، فهذا غير صحيح لأنه يوحي بعدم إعذار المخالف له المنضبط في نظره واجتهاده . وهذا لا يعني أن الحق في قضايا الاجتهاد نسبي لا يوجد فيه حقيقة في نفس الأمر، بل الحقيقة ثابتة والحق يمكن الوصول إليه في قضايا الاجتهاد، ولهذا كان المصيب من الجتهدين واحد والآخر مخطئ، وهذا هو الصواب خلافاً لمن زعم أن كل مجتهد مصيب، ففي الحديث : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر) .
    وشعار "إمتلاك الحقيقة المطلقة" تهمة يرفعها أصحاب الملل المنحرفة، والمذاهب الزائفة في وجوه أهل السنة، ليقولوا لهم إنكم قد حكمتم على المخالف قبل الحوار فما هي فائدته ؟
    والحقيقة أنه ليس هناك حوار بين أهل الاسلام وأهل الأديان غير حوار الدعوة وإقامة الأدلة العقلية المقنعة على صحة الحق، وليس المقصود بالحوار التوصل إلى نقاط مشتركة والعمل من خلالها وترك نقاط الخلاف والاعذار فيها، أو إعادة النظر في المنهج الإسلامي من حيث صحته أوتطبيقه وهذا المعنى في الحوار مناقض للتسليم بصدق هذا الدين الذي هو شرط أساسي في صحة الإيمان . وهذا لا يعني أن أهل الاسلام غير قادرين على مناقشة غيرهم ، بل هم أهل الحجة والبرهان، ولكن الدخول في الحوار بمفهومه السابق منهج غير مرضي في الشرع، ويتضمن الشك في الدين وهو كفر بالاسلام إذ من شروطه الأساسية: (اليقين) .
    ضوابط الانفتاح الفكري
    سبق أن بينت أن مصطلح (الانفتاح) فيه غموض وضبابية، ويتضمن معان سلبية في فهم طبيعة الدين ومقوماته . ولكن سأستعمل هذا المصطلح بمعناه العام الذي يدل على معنى الاطلاع والاستفادة مما عند الآخرين وترك الانكفاء على الذات والانغلاق عليها . وهذا المعنى العام يمكن تطبيقه بشكل صحيح إذا روعي فيه الضوابط الآتية، ويمكن أن يطبق بشكل خاطئ عند عدم مراعاة الضوابط .
    ومن حيث المبدأ فإن الإنفتاح على العالم فكريا وثقافيا له آثاره المفيدة في العلوم الدنيوية اذا كان ممن إلتزم بدينه وعقيدته ولا يخاف عليه الضلال . أما المطالبة بشكل عام بالانفتاح على الآخر دون تحديد لنوعية القضايا التي يتم فيها الانفتاح، ونوعية المطالب به فليس كل أحد يقدر على أخذ المفيد وترك الزغل؛ فهذا لا شك في خطأه وبعده عن الصواب، ومنافاته للمحافظة على الخصوصية التي تميزبها المسلمون عن غيرهم . ولذا فلا بد من وجود ضوابط أثناء الانفتاح على الثقافة والمعارف بشكل عام، ولعلنا نوجزها في ما يلي :
    أولاً: أن يكون الانفتاح بعد العلم الشرعي:
    فإن العلم بالشريعة الإسلامية ضرورة لمعرفة دين الإسلام وتطبيقه والعمل به, وهو أيضاً ضرورة للانفتاح الفكري على الثقافات والآداب غير الإسلامية . فالانفتاح المفيد يكون بعد تصور عقيدة الإسلام وأحكامه تصوراً صحيحاً والثقة بها ورد كل ما يخالفها من عقيدة أو عمل . أما الانفتاح قبل العلم فإنه مزلق خطير يجعل صـاحبه يتخبط في الأفـكار والمناهج و الفلسفات, ويقع فيما يخالف ويناقض أصول دينه ومن أقل آثاره الشك في صحة دينه والشعور بالنقص نحوه . وهذا هو أحد أسباب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب والإنكار عليه عندما رأى في يده صحائف من التوراة فقال له : ( أ متهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة, والذي نفسي بيده, لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني ) [ رواه أحمد بسند صحيح ] . ومعنى ( متهوكون أي : متحيرون ) . فيكون هذا النهي عن قراءة كتب الأديان وعموم المعارف، دون علم بالشريعة، أو قراءتها للاهتداء بها . ويدل على ذلك رواية البيهقي وفيها: ( لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ) . ويوضح ذلك قول عمر رضي الله عنه - كما في رواية البيهقي -: ( إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا أ فترى أن نكتب بعضها ) . يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "فلم كان هذا الاشتداد في الإنكار ؟ ما ذلك إلاّ لأنه كان في مرحلة التأسيس والتكوين للعقيدة والملة, ولا ينبغي أنَّ يشوش عليها في هذه المرحلة الخطيرة حتى تترسخ أسسها, ويقوم بنيانها, ويخرج زرعها شطأه, وليستغلظ ويستوي على سوقه, ثم بعد ذلك تنفتح على ما شاءت من الديانات والثقافات والحضارات" (4) .
    ولا ريب أنّ ما ذكره الدكتور أمر معتبر، لكن ينبغي أنْ ينضاف إلى ذلك العلم الكافي المانع من الانسياق وراء الشبهات, كما أن مما يضاف إلى أسباب نهيه عن الاطلاع على التوراة قصد الاهتداء والانتفاع بما فيها, فالإسلام كان مغني في باب الهداية إلى الصراط المستقيم . أما الاطلاع على التوراة للرد على الباطل ونحو ذلك مما لا يقصد به الاهتداء بها فهذا أمر مباح في الأصل, وقد يكون مستحباً أو واجباً بحسب الحاجة لذلك ودفع الشبهة .
    ثانياً: أن يكون الانفتاح مع الالتزام بالإسلام .
    الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة الإنسانيّة: الروحية والمادية، الفردية والجماعيّة, العلمية والعملية, وهو دين ثابت في قواعده وعقائده، وقد صور الأستاذ سيد قطب كيفيّة ثبات الإسلام مع تطوّر الحياة وأنماطها المختلفة فقال : "إنه تصور رباني . جاء من عند الله بكل خصائصه, وبكل مقوماته, وتلقّاه الإنسان كاملاً بخصائصه هذه ومقوماته؛ لا ليزيد عليه من عنده شيئاً, ولا لينقص كذلك منه شيئاً . ولكن ليتكيّف هو به وليطبق مقتضياته في حياته . وهو - من ثَمَّ - تصور غير متطور في ذاته, إنما تتطور البشرية في إطاره وترتقي في إدراكه, وفي الاستجابة له، وتظل تتطور وتترقى, وتنمو وتتقدم, وهذا الإطار يسعها دائماً, وهذا التصور يقودها دائماً، لأنه المصدر الذي أنشأ هذا التصور هو نفسه المصدر الذي خلق الإنسان، هو الخالق المدبر, الذي يعلم طبيعة هذا الإنسان, وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان، وهو الذي جعل في هذا التصور من الخصائص ما يلبي هذه الحاجات المتطورة في داخل هذا الإطار" (5) .
    فالانفتاح والتطور والتجديد والعقل والإبداع ونحو ذلك، لا يمكن أن تصادم هذا الدين إذا كانت صحيحة وحقاً, أما إذا كانت باطلاً فمن الطبيعي أنْ يعارض الباطل الحق، والخطأ الصواب، وكل ما سبقت الإشارة إليه يعود إلى (العقل), وقد قرر العلماء استحالة ورود العقل الصريح مناقض للنقل الصحيح, فإما أن تكون دلالة العقل غير صحيحة فهي غير مقبولة أصلاً, وإما أن يكون النص غير صحيح أو غير صريح في دلالته, وحينئذٍ فالدين موافق للعقل لأن الجميع من عند الله تعالى (6) .
    لقد فطن شيخ الإسلام ابن تيميّة لأساس المشكلة عند دعاة الانفتاح والتطوير والتجديد وهو (تعظيم العقل), وسوء الظن بالنقل, ولهذا ردوه أو أولوه وحرفوه, فبين التوافق والانسجام للعقل مع النقل، وبين عظمة النقل واتساقه مع حاجات الإنسان النفسية والعقليّة والاجتماعية, وهذا ما لم يتصوره هؤلاء ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث فيه وإدراكه .
    وما زالت المشكلة قائمة إلى اليوم وإن اختلفت العبارات فكان الأقدمون يسمونها "تعارض العقل والنقل" أما المعاصرون فقد يغيرون كلمة ( العقل والنقل ) إلى ( العلم والدين ) أو ( الدين والمدنية ) أو ( الدين والتطور ) أو غير ذلك . والحقيقة أن كتاب "درء تعارض العقل والنقل" علاج لقضايا عصره وعصرنا, وكما أنه رد على الفلاسفة والمتكلمين فهو يصلح أن يكون رداً على دعاة التنوير و العصرانيين . نعم هناك اختلاف في الأمثلة والنماذج المضروبة لكنّ اللباب والقضيّة الجوهرية واحدة .
    والمهم أنه يمكن للإنسان الانفتاح والاطلاع والثقافة والإبداع في إطار الالتزام بالشريعة الإسلاميةعقيدة وعملاً ومنهجاً . وافتراض التعارض هو جهل بالشريعة نفسها أو جهل بحقيقة التطور والانفتاح والإبداع .
    ثالثاً: الانفتاح دون الانبهار بثقافة الغير .
    الانبهار بثقافة غير المسلمين وآدابهم وأفكارهم ومناهجهم دليل على عدم العلم بالإسلام والاعتزاز به والثقة المطلقة بصدقه ودلالته على الفلاح والهداية في الدنيا والآخرة . وهو من جهة أخرى يدل على ضعف شخصيّة المنبهر , وهزيمة نفسه , وقصور فكره . ومن كانت هذه حاله فلن يتجاوز التقليد المجرد . أما التجديد والتطوير والإبداع والابتكار فلا يمكن أن يحصلها المنبهر حتى يفوق من سكر انبهاره بالغير , ويقوم بنقده نقداً واعياً ليأخذ ما يفيده ويرد ما عداه .
    يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "ومن الانفتاح المحذور ... الانفتاح المبهور بثقافة الآخر, حين ينظر إليه مضخماً من شأنه, معظماً من فكره, شاعراً بالدونية تجاهه لسبب أو لآخر, فكل ما قاله هذا الآخر, فهو صدق, وكل ما رآه فهو صواب, وكل ما فعله فهو جميل ..." (7) .
    ويمكن للمسلم أن يطلع على ثقافات الأمم الأخرى بعد العلم, ومع الالتزام ودون انبهار ليعرف نعمة الله تعالى عليه, أو للاطلاع على الصناعات والمخترعات المفيدة في قوة المسلمين أو غيرها من المصالح المشروعة . وأي أمة جادة تريد تطوير نفسها لا يمكن أن تسمح بالانبهار بالآخر بين أبنائها . ولما ذهب جيل من اليابانيين إلى الغرب رجع وهو يلبس الجينز ويقلد الغرب في كل شئ ؛ ذبحهم حاكم اليابان وأرسل جيلاً آخر لم يتأثر بشيء من العادات أو الأفكار بل تعلم التقنية والتكنولوجيا وطورتها فأصبحت من الدول الصناعية المنافسة .
    -----------------------------------------
    الهامش :
    (1) انظر: منهج كتابة التاريخ الإسلامي، ص/192 .
    (2) سيد قطب، معالم في الطريق، ص 2 .
    (3) سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي، ص / 45 .
    (4) ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، ص / 72 ، ويشكل على هذا التعليل أن الواقعة كانت بالمدينة بعد مرحلة التأسيس .
    (5) خصائص التصور الإسلامي، ص / 4 .
    (6) انظر: درء تعارض العقل والنقل، 1/72 وما بعدها .
    (7) ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، ص / 76 .
    http://www.alqlm.com/index.cfm?metho...&contentID=156

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    14

    افتراضي

    تابع=
    ( 3/3 )
    نماذج من الانفتاح الفكري المنضبط
    المتأمل في التاريخ الإسلامي يجد أن الأمة الإسلامية تعاملت مع غيرها من الأمم من خلال الفتوحات الإسلامية الواسعة التي شملت دائرة واسعة من الأرض في زمن يسير .
    وعندما دخل المسلمون هذه البلاد الواسعة مع تنوع ثقافاتها واختلاف مناهجها وفهمها للإنسان والكون والحياة استطاعوا أخذ الأمور المفيدة وترك ما لا فائدة فيه .
    وأساس هذا الانفتاح هو أن المنهج الرباني يأمر بعمارة الأرض وبناء الحياة وتطويرها وفق منهج عقدي محدد، وبهذا استطاعوا الجمع بين الثبات على الإسلام عقيدة وشريعة مع أخذ المفيد من الحضارات المختلفة .
    وعندما انحرف طائفة من المسلمين في هذه المعادلة المتقنة وأخذوا من الأمم الجاهلية أموراً منافية لكتاب الله تعالى عابهم عامة الأمة وحذروا منهم وسموهم "أهل الأهواء" .
    ومن هنا نلاحظ أن الانفتاح المنضبط الذي حصل في الأمة الإسلامية نوعان :
    1- تشجيع الإبداع والاختراع بناء على أن هذه الأمة هي أمة العلم والفكر والبناء .
    2- الاستفادة مما لدى الأمم الأخرى من الإبداع الإنساني الذي لا يخالف الإسلام . وقد تقدم بيان تضمن الشريعة الإسلامية للحث على العلم والمعرفة والنظر والتفكر والعقل مما يدل على المرونة والسعة والانفتاح الذي تتمتع به .
    ولهذا استطاع جيل القرون الثلاثة المفضلة أن يضعوا قانوناً منضبطاً لحفظ العلوم الدينية وماله ارتباط بها مثل العلوم العربية والتاريخية وغيرها . وكذلك استطاعوا التعامل الصحيح مع أبناء البلاد المفتوحة مع اختلاف ثقافاتهم وتنوع أفكارهم .
    وفي هذا المبحث سنبين معالم (الانفتاح الفكري) الذي ظهرت آثاره في علوم السلف الصالح و مواقفهم .
    1- ضبط العلوم وتدوينها :
    لم ينته القرن الثالث الهجري إلا وقد ضبطت كافة العلوم الشرعية ضبطاً دقيقا، وكذلك ما يتعلق بها من العلوم . فقد تم وضع قواعد قبول الرواية وتفقدها وما يتعلق بمصطلح الحديث وما يتبع ذلك من الكلام في الرجال وقواعد الجرح والتعديل وفقه المتون المروية بما لم يوجد مثله في أي أمة من أمم الأرض . ولعل من يطالع موضوعات كتب المصطلح يعلم مدى الوعي الفكري الموجود عند علماء الحديث . وكذلك تم ضبط مناهج الاستدلال وطرقه وأساليبه مأخوذة من اللغة والقران وطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه . وأول من دون أصول الفقه هو الامام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى وكانت الأصول قبله لم تدون في كتاب . وكذلك الأمر في اللغة وحفظ لسان العرب من الاختلاط بغيره من الألسنة واستقراء وتتبع الكلمات العربية ورد النظائر بعضها إلى بعض واستخلاص القواعد المنظمة لها . وهكذا سائر العلوم وماله ارتباط بها .
    وعند النظر في قواعد و أصول كافة العلوم الإسلامية والعربية يدرك عمق الإبداع والوعي الفكري الموجود في الأمة . إن هذا الدور لا يمكن أن يقوم به مقلد أو متقوقع أو جامد أو غر غافل .
    والحقيقة أن أساس فلسفة الغرب ومنطقه الحديث الذي يفخر به على الإنسانية وعن طريقه استطاع اكتشاف المخترعات الحديث هو "الاستقراء العلمي" وصورته الإدراك واليقين بأن الكون مؤسس على العلل والأسباب وأنها مطردة. وبناء على ذلك فإن اكتشاف العلة عن طريق فرض الفروض واختبارها وتزييف الزائف منها ليخلص من خلاله إلى معرفة العلة الحقيقية لا يحتاج إلى استقراء تام وهو غير ممكن في الواقع .
    ولهذا سماه فرنسيس بيكون (استقراء الصبيان) (1) هذا الاستقراء هو ما سمي في مناهج البحث (المنهج الاستقرائي التجريبي) . وهذا المنهج موجود عند علماء السلف الصالح قبلهم، لا أقول ذلك تزكية لعلماء السلف من خلال وصفهم بما اتصف به هؤلاء بل لبيان أن هؤلاء لم يأتوا بجديد، ومع ذلك أوصلهم دعاة التنوير في العالم الإسلامي إلى مالا يستحقون في الوقت الذي لم يشعروا بقيمة سلف الأمة وأئمتها . فاستقراء الكلمات العربية جميعاً أمرٌ مستحيل لأن اللغة لا يحط بها إلا نبي، واستقراء أنواع الكلمات العربية إلى: اسم وفعل وحرف، استقراءٌ علمي قائم على الكفاية بالجزء للدلالة على الكل (2) . وهكذا الأمر في طرق الاستدلال الأصولي (3) .
    ولهذا اعتبر الدكتور علي سامي النشار وهو ممن له عناية بالفلسفة وتاريخها: أن أصول الفقه والتاريخ من أبرز الإبداع الفلسفي عند المسلمين (4) . وبغض النظر عن تسمية مثل هذه العلوم فلسفة أو مناقشته فيها إلا أنه يدل على شعوره بعمق الإبداع والاختراع والتألق فيها ممن درس كتب الفلسفة وتعرف على مداخلها ومخارجها . والمقصود هنا : أنَّ الإبداع الذي تم في تأسيس العلوم ووضع قواعدها يدل على أرقى درجات الوعي العلمي الذي وجد عند علماء المسلمين الأوائل .
    ولعل من أراد اكتشاف ذلك يكفيه أن يقرأ نشأة هذه العلوم وطرق تدوينها والأساس المنطقي لهذا التقعيد والتأسيس وهكذا . والمقصود هنا الإشارة وأخذ الدلالة فقط .
    2- سعة الاطلاع :
    من يقرأ تراجم علماء السلف يدرك التوسع الهائل عندهم في تلقي العلوم ودراستها، وقد رحلوا في سبيل ذلك وبذلوا الغالي والنفيس .
    قال الأزهري : "كان الدارقطني ذكيا، إذا ذكر شيء من العلم (5) وجد عنده منه نصيب وافر، لقد حدثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع الدارقطني دعوة، فجرى ذكر الأَكَلة، فاندفع الدارقطني يورد نوادر الأَكَلة حتى قطع أكثر ليلته بذلك" (6) .
    و محمد بن عبد الباقي الأنصاري المتوفى سنة 535 هـ لما أُسِرَ في أيدي الروم تعلَّم منهم اللغة الرومية والخط الرومي، ولهذا قال عن نفسه : "ما من علم في عالم الله إلا وقد نظرت فيه، وحصلت منه بعضه أو كله" (7) .
    يقول الصفدي - عن شيخ الإسلام ابن تيمية - : "أخبرني المولى علاء الدين علي بن الأموي، وهو من كبار علماء الحساب قال : دخلت يوما إليه أنا والشمس النفيس بيت المال - ولم يكن في وقته اكتب منه - فأخذ الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع، وعما بين الفذلكة واستقرار الجملة من الأبواب، وعن الفذلكة الثانية وخصمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الختم والتوالي، وعن ما يطلب من العامل، وهو يجيبه عن البعض ويسكت عن البعض، و يسأله عن تعليل ذلك ؟ إلى أن أوضح له ذلك وعلله، قال : فلما خرجنا من عنده قال لي النفيس : والله تعلمت اليوم منه ما لا كنت أتعلمه . انتهى ما ذكره علاء الدين" (8) .
    كل هذا الاطلاع في صحة عقيدة، وحسن تدين، وهذا يدل على أن الثقافة والاطلاع لا يلزم منها فساد العقيدة والتخبط فيها .
    يقول أبو البقاء السبكي : "أعرف عشرين علمًا لم يسألني عنها بالقاهرة أحد" (9) .
    وفي كتب التراجم عجائب من سعة الثقافة والاطلاع على العلوم عند علماء المسلمين الأوائل ممن لم يلج في البدع والعقائد الضالة المنحرفة . وقد وجد فيهم من الحرص والشغف بالكتب قراءةً وتحصيلاً الشي العجيب، فقد كانوا يكررون قراءة بعض الكتب المهمة مئات المرات، ويقرأون المطولات في المجالس المعدودة قراءة ضبط وتدقيق، ويدرسون الكتب مرات كثيرة وكذلك الأمر في نسخ الكتب وكتابتها .
    هذه بعض الإشارات التي تدل على مدى إبداع علماء السلف وعمق علومهم واطلاعهم .
    والمتأمل في علمهم وعملهم يدرك أن أبرز سبب في عمق علومهم هو انتهاجهم للمنهج الرباني، والسير على درب الأنبياء، وتعظيم حق الله تعالى ورسله وكتبه . فإن من جهل الله تعالى وحقه فهو بغيره أجهل؛ حتى لو تزين بلباس الثقافة والاطلاع، ومن عرف الله تعالى ودينه فان الله تعالى يعرفه ما سوى ذلك .
    نماذج من الانفتاح الفكري المذموم
    كان جيل الصحابة رضي الله عنهم هو أفضل جيل تلقى الشريعة الإسلامية وفهمه فهما صحيحاً وعمل بها وجاهد لأجلها . وهو بحق جيل فريد، وهو أيضاً الجيل القدوة الذي عايش الإسلام قولاً و عملاً وتصوره كما أراده الله تعالى . وكان لهذا التميز أسباب كثيرة منها : عدم فساد فطرته بالأفكار والمناهج و النظريات الفلسفية التي هي من خرص العقول، وأوهام التفكير البشري العاجز .
    ولما أُنزل القران الكريم عليهم فهموه فهماً طبيعياً بعيداً عن العُقَد الفكرية، والوساوس الشيطانية التي لعبت بعقول كثير من الأمم ممن كان حولهم مثل الرومان والفرس والهنود وغيرهم . وتمثلوا الشريعة واقعاً عملياً في كل جوانبها وأنحائها، ومنها الجانب الفكري الذي فتح آفاق الإبداع أمامهم على مصراعيه وفق أوامر الشريعة وتعليماتها .
    ولهذا لم يحتاجوا إلى أي أمة من الأمم حولهم، لشعورهم بكمال دينهم، ولمعرفتهم التامة به، ولعلمهم انه لا نجاة في كل جوانب الحياة — ومنها الفكر- إلا بهداية الله تعالى .
    والمتأمل في الوحي الرباني يجد فيه الإجابة الشافية على أعقد المعضلات الفلسفية، والإرادات النفسية الروحانية . والتصورات الفلسفية بين الأمم متفقةٌ في الموضوع، وان كانت مختلفة في الآراء والنتائج التي توصلت إليها، وفي الوحي المعصوم إجابات صادقة،موثوقة المصدر لكل موضوع فكري فلسفي مما تحتاجه الأمة ،وتريد معرفة وجه الحق فيه .
    ولم تحصل الانحرافات والضلالات عند فئات من المسلمين إلا بسبب عدم معرفة أحكام الإسلام وعقائده بصورة صحيحة ،أو عدم الثقة بها مع الانبهار والانهزامية أمام الآخر والشعور بقدرته على الحل لغوامض الأفكار ودقيقها .
    ثم ظهر بعد الصحابه - رضى الله عنهم - والقرون المفضلة أقوامٌ انحرفوا عن جادة الحق وتنكبوا الصراط المستقيم بأسباب كثيرة منها الانبهار بما لدى الأمم الأخرى من العلم والفكر والنظر، والانفتاح عليهم للتلقي و الاستمداد مما عندهم منه . ولأنهم من المسلمين اقتضى ذلك محاولة التوفيق بين ما تلقوه وما يدينون به فظهر التأويل كأداة فعاله للجمع والتوفيق، فألغوا دلالات النصوص، نزلوها على غير منزلها الصحيح . وقد دعاهم الانفتاح الفكري على أفكار الأمم الأخرى إلى إهمال نصوص الوحيين، والانشغال بعلوم من انفتحوا عليه .
    وفي هذا المبحث سأذكر نماذج لهؤلاء باختصار :
    1- الفلاسفة الإسلاميونوهم طائفة من المنتسبين للإسلام درسوا الفكر الإغريقي اليوناني وتشربوه وترجموا كتبه وشرحوها واعتنقوا نظريات الفلسفة اليونانية، ومن أولئك : الكندي، والفارابي، وابن سيناء، وابن رشد وغيرهم (10) . يقول الشهرستاني : "قد سلكوا كلهم طريقة أرسطوا في جميع ما ذهب إليه وانفرد به، سوى كلمات يسيره ربما رأوا فيها رأي أفلاطون" (11) .
    ومن المعلوم أن أرسطو وأفلاطون وثنيون ليس لهم دين رباني ولا كتاب معصوم، وكل عقائدهم من نتاج العقل فهو رسولهم ،وما أوصلهم إليه فهو دينهم (12) .
    وقد كفرهم الغزالي في تهافت الفلاسفة بثلاث مقالات :
    1- القول بقدم العالم .
    2- إنكار علم الله تعالى بالجزئيات.
    3- إنكار البعث الجسماني (13) .

    وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه طريقتهم في نصوص الأنبياء فقال: "فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة والنار، بل وعن الملائكة، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسمٌ عظيم، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيماً محسوساً، وأن الأمر ليس كذلك في نفس الأمر، لأن مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به ويتخيلون أن الأمر هكذا، وأن كان هذا كذباً فهو كذب لمصلحة الجمهور إذا كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق . وقد وضع ابن سيناء و أمثاله قانونهم على هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية" (14) .
    ثم منهم من يقول إن النبي يعلم الحق ولكن أظهر خلافه للمصلحة، ومنهم من يقول إنه كان لا يعلم الحق، ويفضلون نظار الفلاسفة عليه، ولهذا فالفارابي، ومبشر بن فاتك، وغيرهما يفضلون الفيلسوف الكامل على النبي (15) .
    وقد كان الفارابي يقول: ببقاء الأنفس و أحياناً يقول ببقاء الأنفس العالمة دون الجاهلة ()، وهذا إنكار صريح للبعث واليوم الآخر .
    وهؤلاء الفلاسفة درسوا الفلسفة اليونانية بدقه بالغة مع الإعراض عن الوحي، ولهذا نجد عامة مصنفاتهم في الفلسفة (17) .
    يقول ابن سينا: "وقرأت كتاب (ما بعد الطبيعة) فأشكل علي حتى أعدت قراءته أربعين مرة، فحفظته ولا أفهمه, فأيست, ثم وقع لي مجلد لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب (ما بعد الحكمة الطبيعية) ففتح علي أغراض الكتب ففرحت" (18) .
    قال الذهبي عن ابن سينا : "وقد كفّره الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال, وكفّر الفارابي، وقد تتلمذ هؤلاء الفلاسفة على النصارى والوثنيين , فالفارابي لقي (متّى بن يونس) صاحب المنطق, فأخذ عنه, وسار إلى حرَّان فلزم بها يوحّنا بن جيلان النصراني، وكان الفارابي مغنيا بارعاً في ضرب العود (19) . وبلغ من الإلحاد - عندهم - أنَّ الكندي كما يقال: "هَمّ بأن يعمل شيئا مثل القرآن, فبعد أيام أذعن بالعجز" (20) .
    وكل ما تقدم حصل لغرض الانفتاح الفكري على الأديان الأخرى و فلسفتها فكانت النتيجة الإلحاد وتعلم التنجيم والموسيقى والمنطق, والتتلمذ على النصارى والوثنيين مع الجهل بالعلوم الشرعية والعربية .
    2- المتكلمون :
    وهم طائفة من المسلمين اشتغلوا بمناظرة الفلاسفة وأهل الأديان الأخرى بنفس الطريقة والمنهج، مع الجهل بالشريعة الإسلامية أدى بهم ذلك إلى التزام لوازم فاسدة، فتكونت بذلك أصول بدعية في أغلب أبواب العقيدة . وكذلك تكونت أدلة بدعية أوصلتهم إلى مخالفة السنة في كثير من المسائل .
    ولعل من أبرز العوامل الـتي أثرت في انحراف المتكلمين: الالتقاء بأصحـاب الديانات والمذاهب الأخرى، والتأثر بها، ودخول الزنادقة من أبناء البلاد المفتوحة في الإسلام - نفاقاً - بغية الإفساد لعقيدة أهله .
    قال سليمان البلخي: "كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحاً، ولم يكن له نفاذ في العلم، فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج مدة، ثم خرج وقال: هو هذا الهواء مع كل شيء ، وفي كل شيء ،ولا يخلو منه شيء" (21) .
    وكان للترجمة أثرٌ بالغ الخطورة في تكون المناهج الكلامية، وليست الخطورة في الترجمة ذاتها بل في موضوعها وهو ترجمة الكتب الفلسفية (22)، ولاتخاذها مصدرا للتلقي . ورافق الانفتاح على الفكر اليوناني - بحجة النقد والرد والاطلاع - الجهل بالكتاب والسنة وعلومها .
    يقول ابن تيميه : "ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد الناس عن معرفة الحديث ...[ و ] هذا أمر محسوس بل إذا كشفت عن أصولهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله صلى الله عليه وسلم وأحواله وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرا من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه، وحديث مكذوب موضوع عليه ... حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القران وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية، فيقول: لا نسلم صحة الحديث ! وربما قال: لقوله صلى الله عليه وسلم كذا، وتكون آية من كتاب الله، وقد بلغنا من ذلك العجائب ، وما لم يبلغنا أكثر، وحدثني ثقة أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعض أئمة المتكلمين رجل يسمى شمس الدين الأصبهاني شيخ الإيكي فأعطوه جزءً من الربعة فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم . المص) حتى قيل له : ألف لام ميم صاد " (23) .
    ولا غرابة أن يقول الغزالي عن نفسه : "أنا مزجى البضاعة في الحديث" (24)، وهذا حالهم، وقد ذم العلماء علم الكلام وأهله ذماً شديداً، لا لكونه استعمل مصطلحات جديدة، بل لكون معانيه باطلة تتضمن ما يناقض الوحي .
    وللازدواجية المقيتة التي فرضها المتكلمون بين الوحي والعقل فقد اتسموا بالتناقض في الأقوال والآراء، وكثرة الجدل واتباع المتشابه، والتعسف في التأويل والغلو في تعظيم العقل واعتباره مصدرا للتلقي، وقلة تعظيم النصوص الشرعية، وكثرة الشك والتوقف والاضطراب والحيرة مما دعا كثيرا من كبار المتكلمين للرجوع عن مناهجهم الكلامية، وكثرة التفرق والاختلاف بينهم .
    كل هذه السمات وغيرها عند المتكلمين إنما حصلت بسبب البعد عن المنهج الشرعي والجهل العظيم بمفاهيم القران والسنة والانفتاح على أفكار ومناهج الضالين، التي هي من الشبهات المضلة، وبآثار الانفتاح المذموم ندرك ضرره وخطورته .
    وهذا يدل على أن فكرة الانفتاح فكرة قديمة تظهر بين الحين والآخر إما للجهل بالدين وتعظيم الآخر والانهزام بين يديه، أو للإعجاب بالنفس ومحاولة اكتشاف المجهول أو لأي داع من الدواعي الأخرى . وقد برزت آثارها فيهم واضحة لمن قرأ تاريخهم ومقالاتهم وما آلت إليه مناهجهم من الضلال والبعد عن الحق .
    ومن مقالاتهم :
    - تقديم العقل على النقل واعتباره المصدر الأول لتلقي العقيدة .
    - عدم قبول خبر الآحاد في العقيدة ، والقول بان الدلالات اللفظية لا تفيد اليقين إلا بتجاوز عقبات مثل نفي الاشتراك والمجاز والمعارض العقلي ونحو ذلك ، وبهذا يكونوا قد ردوا المتواتر و الآحاد في الاستدلال على العقيدة .
    - تأويل أسماء الله تعالى وصفاته أو بعضها .
    - القول بنفي القدر أو القول بالجبر في باب القضاء والقدر.
    - اعتبار الإيمان تصديق قلبي دون قول اللسان وعمل القلب والجوارح .
    - قول المعتزلة بوجوب الأصلح على الله تعالى ، وان الوجوب يكون بالعقل استقلالا .
    - حصر التوحيد في الربوبية والصفات وإهمال توحيد الألوهية وبناء على ذلك حصروا الشرك في الربوبية دون الألوهية ، وبرروا الشركيات العملية بكونه لا تقدح في التوحيد (أي الربوبية !) .
    - والقول بعدم التفريق بين النبي الصادق والمدعي الكاذب إلا بالمعجزة ، والقول بعدم الفرق بين المعجزة والسحر وغيره من الخوارق إلا بدعوى النبوة في الأول دون الثاني ولو ادعاها الثاني لسلب هذه الخوارق ولم تحصل له .

    ونحو ذلك من الأقوال المنحرفة عن السنة النبوية .
    3- التنوير والعصرانية :
    التنوير والعصرنة يراد بها تلك الحركة الفكرية المنفتحة على الحضارة الغربية وفكرها مما أدى إلى تأويل نصوص الوحي ليوافق متطلبات العصر وحاجاته .
    وهناك ثمة تشابه بين الفلاسفة والمتكلمين قديماً والتنوير والعصرانيين حديثاً في الانفتاح على الآخر (الفلسفة اليونانية قديماً أو الحضارة الغربية حديثاً) وتأويل النصوص وليّ أعناقها لتوافق الآراء والأفكار الجديدة الحادثة بسبب هذا الانفتاح .
    والفكر العصراني هو حركه تجديد واسعة نشطت داخل الأديان الكبرى ( اليهودية، والنصرانية، والإسلام) عرفت في الفكر الغربي باسم (modern ism) وهي مبنية على الاعتقاد بان التقدم العلمي والثقافة المعاصرة؛ يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم المعاصرة أو مفاهيم العقل عموماً, ومحاولة تأويل النصوص ليتوافق هذا القول أو ذاك .
    وجذور هذا الفكر يعود إلى الفلاسفة والمتكلمين كالمعتزلة ودعاه تقديم العقل على النص عموماً (24) .
    وهم أمشاج فكريه مختلطة: منهم العلماني اللاديني المتستر بالدين, ومنهم الإسلامي المنحرف في طريقة الاستدلال ومنهجه .
    وقد بدأت حركه التنوير, والعصرنة منذ بوادر النهضة في العالم العربي والإسلامي على يد المبتعثين الأوائل, ثم تطور منهج التنوير واختلف عن حاله الأول إلى أوضاع مأساوية مناقضة للإسلام من أصوله وجذوره .
    يقول الأستاذ محمد قطب: "نحسب الأجيال الأولى من (التنويريين) رفاعة الطهطاوي و أمثاله كانوا مخلصين, والله أعلم بهم ... لم يكن في قلوبهم ذلك الحقد الأسود على الإسلام, الذي اكتسبه المتأخرون منهم الذين يتحدثون عن المسلمين في شماتة ظاهرة لا حياء فيها, ويتحدثون عن الإسلام كأنه العدو الأكبر الذي لا بد من إزالته من الأرض ! ولكن الإخلاص وحده لا يغني إذا كان المنهج غير صحيح، لقد رأوا واقع أمتهم السيئ, وكانوا راغبين حقا في إنقاذ أمتهم: الأمة الإسلامية على وجه التحديد بصفتها تلك, لا بأي صفه سواها, وظنوا أن السبيل الأوحد للإنقاذ هو تقليد أوروبا . فكان خطؤهم في طريقه التفكير, وليس من فساد في الضمير، وكان الخطأ ناشئا من الهزيمة الروحية التي استولت على أرواحهم تجاه الغرب والحضارة الغربية، ولم يكونوا من أولى العزم ... لذلك لفتهم الدوامة وذهبت بهم كل مذهب فلم يقووا على مقارنتها وتحديد مسارهم الذاتي في داخلها، أما المحدثون فلهم شان آخر ! إنهم ليسوا حريصين على إنقاذ أمتهم (الإسلامية) بصفتها تلك، بل هم على العكس من ذلك حريصون على إبعاد هذه الأمة عن الإسلام، باعتبار أن هذا العلاج الذي لا علاج غيره لما أصاب الأمة من الأمراض، فهم سابحون مع تيار الغرب برغبة ووعي، ويعلمون على وجه التحديد ماذا يريدون ؟" (25) .
    لقد تبنى التنويريون كافة الإيديولوجيات الغربية بكل أطيافها فظهر فيهم : الشيوعي، و الليبرالي، و الحداثي، ونشروا هذه المناهج في العالم الإسلامي، وتعاونوا مع الاستعمار في بناء المؤسسات التعليمية والفكرية على نظريات غربية إلحادية في كافة المجالات الفلسفية والأدبية والنفسية والاجتماعية .
    حتى ظهر من يدعو لنظرية الارتقاء والتطور التي حاربها علماء الإحياء الغربيون المنصفون، وغطى هؤلاء كافة الوسائل الإعلامية كالصحافة والتلفاز والكتب، والمحاضن التربوية كالمدارس والمناهج والجامعات والمؤسسات العلمية المستقلة .
    ولعلي أُمثل لنموذج من هؤلاء وهو طه حسين حيث يقول : "إن سبيل النهضة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب" (26) . وهذا المؤصِل لمنهج الثقافة والحضارة المستقيم - حسب زعمه - ! يعتبر من رواد النهضة ورموزها المميزين .
    ولعل أبرز إنجازات حركة التنوير الكبرى كما يريدون هي :
    1- تحرير المرأة .
    2- حرية الفكر .
    3- الحرية السياسية .

    ونتائج هذه الإنجازات هي :
    1- إفساد المرأة وخروجها عن الفطرة والطبيعة الإنسانية في كينونتها .
    2- انتشار الكفر عن طريق تبني المذاهب الفكرية المعاصرة باسم حرية الفكر، وإعلان الإلحاد ومعارضة رب العالمين في خبره وأمره .
    3- الحكم بغير ما انزل الله، وتشريع الأهواء البشرية للحكم بين الناس، والعمالة للغرب الكافر، ومحاصرة الإسلاميين والضغط عليهم، وحماية الغرب الكافر عن طريق عدم الإعداد للخروج من المأزق الحضاري والعسكري والتبعية الحمقاء للغرب في كل شي وإن صغر .
    وإذا أردنا أن نتصور مناقضة دعاة التنوير لأصول الدين وقواعد فيمكن نأخذ نماذج لأقوالهم، ومن ذلك :
    يقول حسن حنفي : "يمكن للمسلم المعاصر أن ينكر كل الجانب الغيبي في الدين ، ويكون مسلما حقا بسلوكه" (27) .
    ويقول محمد احمد خلف الله : "فلقد حرر الإسلام العقل البشري من سلطان النبوة من حيث إعلان إنهائها كلية، وتخليص البشرية" (28) .
    ويقول خالص حلبي : "إن التحاكم القديم إلى النصوص لم يحل المشكلة، إن لم يكن قد زادها تعقيد" .
    ومن العصرانيين بعض الإسلاميين ممن يريد نصر الإسلام وعلوه، فيقوم بتنازلات منهجية يرى أنها تصحيح للمسار، ومعالجة للمشاكل الواقعية بطريقة تناسب العصر، وهؤلاء أصحاب نية حسنة ولكن أسرتهم الثقافة الغربية، ودراستهم الكلامية، واطلاعهم على أقوال الغربيين وأنماط حياتهم مع جهل بالعلوم الشرعية أو دراسة مجملة لها، فيقعون في التخبط والاضطراب في كثير من المفاهيم الشرعية ويحرفونها عن صورتها الصحيحة .
    ويمكن أنْ ندرك نماذج لذلك تبيّن أثر الانفتاح المزعوم على أقوالهم وأفكارهم، من ذلك :
    يقول حسن الترابي: "أما المصدر الذي يتعين علينا أن نعيد إليه اعتباره كأصل له مكانته فهو العقل" . وقد جعل الاكتفاء بالكتاب والسنة : "وهم شائع" (29) .
    ويقول فهمي هويدي في مقال بعنوان (وثنيون هم عبدة النصوص !): "وثنية جديدة ، وذلك أن الوثنية ليست فقط عبادة الأصنام فهذه صيغة الزمن القديم، ولكن وثنية هذه الأزمان صارت تتمثل في عبادة القوالب والرموز، في عبادة النصوص و الطقوس" (30) .
    ولعل من أبرز دعاة الانفتاح من الإسلاميين ومن الفقهاء هو الدكتور يوسف القرضاوي، وهذه جملة من أقواله تبين أثر الانفتاح عليه في مناقضة الشريعة وأصول الدين :
    يقول: "إن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها" (31) .
    وقد قرر أن العداوة بين اليهود والمسلمين من أجل الأرض لا من أجل الدين (32) .
    وأن الجهاد إنما هو للدفاع عن كل الأديان لا عن الإسلام فقط (33) .
    وجوز تهنئتهم بأعيادهم (34), وتوليتهم للمناصب و الوزارات (35) .
    وفي حديث: (إن أبي وأباك في النار) وهو في الصحيحين، يقول : "ما ذنب عبد الله بن عبد المطلب حتى يكون في النار وهو من أهل الفترة, والصحيح أنهم ناجون" (36) .
    وفي حديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) يقول : "هذا مقيد بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان الحكم فيه للرجال استبدادياً، أما الآن فلا" (37) .
    وغير ذلك من الأمثلة .
    وليس الهدف من ذكر هذه الأسماء هو التعيير والتشهير وإنما المراد هو بيان خطورة الانفتاح والتساهل في الضوابط الشرعية .
    كما أن لبعض هؤلاء - وأقصد الإسلاميين العصرانيين - جهود مشكورة في مقاومة أعداء الأمة من الخارج والداخل .
    ولعل هؤلاء يشبهون إلى حد كبير علماء الأشعرية الذين كان لهم جهد مشكور في الرد على الملاحدة والباطنية والنصارى مع بعض الآراء المبتدعة التي قالوا بها، ولم يمنع ذلك من نقد السلف لمنهجهم وطريقتهم كما هو موضح في كتب الاعتقاد .
    ـــــــــــــــ ــــــ
    الهوامش :
    (1) المنطق الحديث ومناهج البحث ص/57 .
    (2) يعرف علماء المنطق الحديث هذا النوع من الاستقراء بأنه : " الحكم على الكلي بما حكم به على بعض أفراده " .
    (3) المنطق التوجيهي ص/ 122 .
    (4) انظر : طرق الاستدلال ومقدماتها ص/ 29 .
    (5) انظر : نشأة الفكر الفلسفي (الجزء الأول) .
    (6) أي : أيَّ نوع كان من العلوم .
    (7) تذكرة الحفاظ 3/993 .
    (8) الذيل على طبقات الحنابلة 1/194 .
    (9) الوافي بالوفيات عن الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص/31 . وقد كان ابن تيميّة يجيد اللغة اللاتينيّة والعبريّة .
    (10) درة الحجال 2/132 .
    (11) نظر : أسماء آخرون في الملل والنحل 2/ 49 .
    (12) انظر : المصدر السابق 2/ 49 .
    (13) المصدر السابق 2/369 وقد أخرجهم من أقسام أهل الكتب السماوية والأديان التي أصلها رباني إلهي .
    (14) انظر : تهافت الفلاسفة .
    (15) درء التعارض 1/ 8 – 9 .
    (16) انظر : المصدر السابق 1/ 1 .
    (17) انظر : مجموع الفتاوى 2/86 .
    (18) انظر : في كتبهم : سير أعلام النبلاء (ابن سينا) 17/533 , (الفارابي) 15/ 418 , ابن رشد 21/ 39 .
    (19) سير أعلام النبلاء 17/532 .
    (20) المصدر السابق 15/ 417 , وهو مثل الكندي صاحب الموسيقى , المصدر السابق نفسه 12/ 337 .
    (21) المصدر السابق 12/ 337 , وقد كان منجماً .
    (22) ذكرها مطولة مفصلة الإمام أحمد في الرد على الجهمية ص/11, وانظر : فتح الباري 13/ 295 وعزاه للرد على الجهمية لابن أبي حاتم .
    (23) نظر : صون المنطق والكلام ص/ 7-8 .
    (24) نقض المنطق – مجموع الفتاوى 4/95 .
    (25) درء التعارض 1/5 .
    (26) انظر : جذور الاتجاه العصراني في :العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد الناصر .
    (27) قضية التنوير في العالم الإسلامي ص/ 33 – 34 .
    (28) مستقبل الثقافة في مصر ص/46 , القاهرة .
    (29) قضايا معاصرة ص/91 .
    (30) الأسس القرآنية للتقدم ص/ 44 .
    (31) تجديد الفكر الإسلامي ص/ 25 , 26 .
    (32) مجلة العربي عدد (235) من الأنترنت .
    (33) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ص/68 .
    (34) الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم ص/7 .
    (35) الجزيرة – برنامج الشريعة والحياة – بعنوان ( العلاقات الدولة ) بتاريخ 8 / 3 / 98م .
    (36) المصدر السابق – بعنوان ( غير المسلمين في ظل الشريعة الإسلامية ) بتاريخ 26 / 12 / 99م .
    (37) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ص/ 22 .
    (38) كيف نتعامل مع السنة النبويّة ص/97 .
    (39) برنامج في قناة (ART) بتاريخ 4/ 7/ 1418هـ , ورد عليه الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في (ردود ومناقشات حول تولي المرأة الولايات العامة ) .
    http://www.alqlm.com/index.cfm?metho...&contentID=173

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    10

    افتراضي

    جزى الله الشيخ عبدالرحيم خيرا وجزاك أخي الإكليل .

    والحقيقة نحن بحاجة لمثل هذه القضايا ، وأطالب من هذا المنبر أن يكون هناك برنامج في قناة فضائية عن الانفتاح الفكري الذي ينادي به كثير من صانعي القرار .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    14

    افتراضي

    أشكرك أخوي الناصح على المشاركة الناصحة ، وفعلاً نحن بحاجة الى ذلك .

    وأسأل الله تعالى أن يحفظ الشيخ عبدالرحيم ويوفقه ويبارك فيه .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    237

    افتراضي

    موضوع قيم
    سأعود بعد القراءة
    إِذَا مَرَّ بى يَـوْمٌ وَلمْ أَقْتَبِـسْ هُدَىً وَلَمْ أَسْتَفِدْ عِلْمَـاً ، فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِى !

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    5

    افتراضي

    أسأل الله تعالى أن يحفظ الشيخ عبدالرحيم ويبارك فيه ويجزيَه خيرا .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    33

    افتراضي

    موضوع رائع ومهم .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    28

    افتراضي

    وفق الله الكاتب والناقل

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    الدولة
    I'm from Iraq but right now I stay in Malaysia
    المشاركات
    2

    افتراضي رد: " الإنفتاح الفكري .. حقيقته وضوابطه " للدكتور عبدالرحيم بن صمايل السلمي{رائع ومؤص

    بارك الله فيك موضوع مهم وحيوي.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •