طليعة علم الحديث
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: طليعة علم الحديث

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي طليعة علم الحديث

    إن الحمد لله تعالى ،نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهدُ أن لا إله إلَّا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعدً : فإن خير الكلام ؛ كلام الله تعالى ، وأحسن الهدي ؛ هدي محمدٍ ،وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعةٍ ، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وبعدُ :
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
    الحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيِّماً بلا اعوجاج، وجعله عصمة لمن تمسك به وأعتمد عليه في الاحتجاج، وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك بإيضاح الشرعة والمنهاج، والصلاة والسلام على محمد الذي مزّق الله ظلام الشرك بما معه من السراج، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا أهل الكفر وباينوهم من غير امتزاج.
    أمَّا بعدُ :
    تكمن أهميةُ تعلمِ علمَ الحديثِ بصفةٍ عامةٍ ، وتعلمِ علمَ مصطلحِ الحديثِ بصفةٍ خآصَّةٍ ؛ في أنَّك لا تستطيع فهم الكلام النَّبوي ، أو استنباطِ الَّاحكام الشرعيَّةِ التى تتعلق بالحلالِ والحرامِ ، أو معرفةِ الضَّعيفِ الذي يعمل به في فضائلَ الأعمالِ ، والذي لا يعملُ به فيها؛ أو ِمعرفةِ الصَّحيحِ من سنَّةِ الرسول –صلى الله عليه وسلم – من سقيمها، إلَّاَ بعد تعلمِ علمَ القواعدِ ، التي تجعلُك تصلُ إلى حقيقةِ ماسبق ، وهذه القواعدُ تعرف عند علماءِ الحديثِ وجِهابذته بعلم ِ(مصطلحِ الحديثِ )أو (قوانين الروايةِ ).
    ولذا قسَّمَ علماءُ الحديثِ ، علمَ الحديثِ إلى قسْمين :
    الأول : علمُ الحديثِ درايةٌ
    والثاني : علمُ الحديثِ روايةٌ .
    فعلم الحديث روايةٌ ؛هو ماأضيف إلى النبي –صلى الله عليه وسلَّم – من قولٍ ، أو فعلٍ ، أو تقريرٍ ، أو صفةٍ ، خَلْقيةٍ ، أو خُلُقيةٍ ).
    وأمَّا علم الحديث درايةٌ : ( هو علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها)([1]) قاله ابن الأكفاني .
    قال السيوطي([2]) –رحمه الله- موضحاً كلام ابن الأكفاني :
    · فحقيقةُ الروايةِ : نقل السنَّة ونحوها، وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث ٍوإخبارٍ وغير ذلك .
    · وشروطُها: تحمل راويها، لما يرويه بنوعٍ منْ أنواع التحملِ من سماعٍ أو عرضٍ أو إجازةٍ ونحوها .
    · وأنواعُها: الاتصالُ والانقطاعُ ونحوهما .
    · وأحكامُها: القبولُ والردُ.
    · وحالُ الرواةِ : العدالةُ والجرحُ .
    · وشروطُهم : في التحملِ وفي الأداءِ .
    · وأصنافُ المرويَّاتِ : المصنفاتُ من المساندَ والمعاجمَ والأجزاءِ وغيرها . انتهى .

    ولقدالإمام النووي (ت 676هـ) –رحمه الله تعالى- = في مطلعِ كلامهِ في كتابهِ النفيس (ماتمسُّ إليه حاجة القاري لصحيح الإمام البخاري ) = كلمةً رائعةً إليك بيانُها كالتالي :
    (ومن أهمِ أنواعِ العلومِ تحقيقِ معرفةِ الأحاديثِ النبويَّات , أَعني معرفةَ متونها ؛ صحيحهِا ، وحسنهِا, وضعيفها متصلها ,و مرسلها ومنقطعها, ومعضلها ومقلوبها , ومشهورها وغريبها وعزيزها، متواترها وآحادها،و أفرادها معروفها وشاذها، و منكرها ومعللها ، وموضوعها ومدرجها, وناسخها ومنسوخها, وخآصِّها و عآمِّها, ومجملها ومبينها, ومختلفها وغير ذلك من أنواعها المعروفات , ومعرفة علم الأسانيد، أعني معرفة حال رجالها ، وصفاتهم المعتبرة , وضبط أسمائهم, وأنسابهم, و مواليدهم, و وفياتهم, وغير ذلك, ومعرفة التدليس والمدلسين, وطرق الاعتبار والمتابعات, ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد و المتون, والوصل و الإرسال, والوقف والرفع, والقطع والانقطاع, وزيادات الثقات, ومعرفة الصحابة والتابعين و أتباعهم, وأتباع أتباعهم ومن بعدهم - صلى الله عليه وسلم - وعن سائر المؤمنين والمؤمنات, وغير ما ذكرته من علومها المشهورات.

    ثمَّ قال : ( ...و دليلُ ما ذكرته ؛ أن شرعنا مبنيٌّ على الكتاب العزيز والسنن المرويَّات, وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيَّات, فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملاتٌ, وبيانها في السنن المحكماتِ .
    وقد اتفق العلماءُ على أنَّ من شرط القاضي والمفتي ، أن يكون عالماً بالأحاديث الحُكْميَّات ، فثبت بماذكرناه ؛ أنَّ الاشتغال بالحديث ، من أجلِّ العلوم الراجحات ، وأفضل أنواع الخير وآكد القرُبات ، وكيف لا يكون كذلك ؟ وهو مشتملٌ مع ما ذكرته على بيان حال أفضل المخلوقات -عليه من الله الكريم ، أفضل الصلواتِ والسلامِ والبركات .
    ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار الخاليات ، حتي لقد كان يجتمعُ في مجلس الحديث من الطالبين ألوفٌ متكاثرات، فتناقص ذلك وضعفت الهممُ ، فلم يبق إلاَّ رسومٌ من آثارهم قليلات ، والله المستعانُ على هذه المصيبة وغيرها من البليَّات !.

    وقد جاء في إحياءِ السنن المميتات ، جملٌٌ من الأحاديث المعلومات ، وقد أُمرنا بنشر الأحاديثِ وتبلغيها في جميع الحالات ، لا سيما في حال الفتور عنها ، وتعريضها للإلتحاق بالمنسيَّات .
    فينبغي الاعتناءُ بعلمِ الحديثِ والتحريضُ عليه لما ذكرناه من الدلالات ، ولأنَّه أيضاً؛ من النَّصيحةِ لله سبحانه وتعالى ، وكتابه ، ورسول الله –صلى الله عليه وسلم – وللأئمة ، والمسلمين ، والمسلمات ، وذلك هو الدين كما صحَّ عن سيِّد البريَّات –صلواتُ الله عليه وسلامه عليه وعلى آله وذريته وأزواجه الطاهرات )([3]).




    ·
    · وإليك كلمةٌ أخرى للإمام الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى
    - تبِّين لك عظمَ علمِ الحديثِ وأهميتَه، وهى كالتالي :
    قال الإمامُ : (فعلمُ الحديثِ خطيرٌ وَقْعُهُ ، كثيرٌ نفعُهُ ، عليه مدارُ أكثرِ الأحكامِ ، وبه يُعْرَفُ الحلالُ والحرامُ ، ولأهلهِ اصطلاحٌ لابدَّ للطالبِ منْ فَهْمِهِ فلهذا نُدِبَ إلى تقديمِ العنايةِ بكتابٍ في علمِهِ )([4]).

    ولمَّا كانت أهميةُ علمِ الحديثِ ، واضحةً كوضوحِ الشمسِ في رابعة النهار =أخذ أكابر أهل العلم من المحديين ، والأئمة المحقيقين ، الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن هذا الدين =بالذَّبِ عن سنة سيِّد المرسلين-صلوات الله وسلامه عليه أجمعين – فعمدوا إلى حمايةِ الشريعة المكرمةِ من انتحال المبطلين ، وتحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين ، ونفاق الطاعنين في سنة النبي الكريم ، فقالواجميعاً بلسان الحال والمقال ( إنَّ الإسناد من الدين ).

    ولذا حبذتُ الإشارةُ إلى بعض أقوال أكابر أهل العلم من المحدثين والمحققين ، الذين كانت أقوالهم سيفاً بتاراً يُستأصلُ بها شأفةُ أقوالِ المنافقين الزائغين ، ويَحُجَّ الباطلَ بالحق فيدمغه فإذا هو زاهقٌ دفينٌ ، ويظهر الحق لطالبيه وراغبيه ، ويُلْبس الحجج لمعانديه ورافضيه،يخرجُ منهاسهاماً تصيبُ كلَّ علمانيٍّ مأفون ، وكذا سهاماً أخرى تصيب كل ليبراليٍّ مغبون .
    فآن أوآنُها لجلاءِها وبيانها، فاعْتنمها طالب العلمِ ، وكنْ على دربِ قومها وعلمآءِها:
    قال عبد الله بن المبارك :( الإسنادُ من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ماشاء ) وةال أيضاً : ( بيننا وبين القوم القوائم )([5]) يعني الإسناد .
    · وعن ابن سيرين (ت 110هـ): (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمّا وقعت الفتنةُ، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنَّةِ، فيؤخذُ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم )([6]).
    وعن مجاهدٍ(ت104) قال : ( جاءَ بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه ، فقال : يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي ؛ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولا تسمع فقال ابن عباس : إنَّا كنَّا مرةً إذا سمعنا رجلاً يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من النَّاس إلا ما نعرف )([7]).
    · وقال الإِمام محمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ) : ( مثل الدي يطلبُ الحديثَ بلا إسنادٍ كمثلِ حاطبِ ليلٍ يحمل حزمة حطبٍ وفيه أفعي وهو لا يدري )([8] ) .
    · وقال الامامُ شعبة بن الحجاج (ت 160هـ) : ( كلُّ حديثٍ ليس فيه حدثنا، وأنبأنا فهو خلٌ أو بقلٌ )([9]).

    وساق الخطيب البغدادي (ت 461 هـ)في كتابه : (شرف أصحاب الحديث ) بسندٍ صحيحٍ عن محمد بن حاتمٍ بن المظفر أنَّه قال : « إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضَّلها بالإسناد ، وليس لأحد من الأمم كلها ، قديمهم وحديثهم ، إسنادٌ ، وإنما هي صحفٌ في أيديهم ، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم ، وليس عندهم تمييزٌ بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم ، وتمييزٌ بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوا عن غير الثقات . وهذه الأمة ؛ إنما تنص الحديث من الثقة المعروف في زمانه ، المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم ، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ ، والأضبط ، فالأضبط ، والأطول مجالسة ًلمن فوقه ممن كان أقل مجالسةٍ . ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهاً وأكثر حتى يهذبوه من الغلطِ والزللِ ، ويضبطوا حروفه ويعدوه عداً .

    فهذا من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمةِ ، نستوزع الله شكر هذه النعمة ، ونسأله التثبيت والتوفيق لما يقرب منه ويزلف لديه ، ويمسكنا بطاعته ، إنه ولي ٌّ حميدٌ، فليس أحدٌ من أهلِ الحديثِ ، يحابي في الحديث أباه ، ولا أخاه ، ولا ولده . وهذا علي بن عبد الله المديني ، وهو إمام الحديث في عصره ، لا يروى عنه حرف في تقوية أبيه بل يروى عنه ضد ذلك . فالحمد لله على ما وفقنا )([10] ) .
    وقال يزيد بن زريع(ت 182هـ) : (لكل دين ٍفرسان ، وفرسان ُهذا الدين أصحاب الأسانيد)([11]) .
    وقال الامام سفيان بن سعيد الثوري (ت 161هـ) : ( الإِسنادُ سلاح المؤمن فاذا لم يكن معه سلاح فبأي شيئ يقاتل )([12] ) .


    ([1]) قواعد التحديث لجمال الدين القاسمي (1/28).

    [2])) – المصدر السابق .

    ([3]) الكتاب المذكور ( ص15 ) .

    ([4]) انظر شرحه على ألفيته (1/36) .

    (([5]_ انظر مقدمة الأمام مسلم (1/83) .

    ([6]) المصدر السابق .

    ([7]) المصدر السابق : (1/78).

    [8])) _فتح المغيث شرح ألفية الحديث (3/4) للسخاوي.

    [9]))- المجروحين لابن حبان (1/92) .

    (([10]- شرف أصحاب الحديث (1/84) .

    ([11]) المصدر السابق (1/91) .

    [12])) المصدر السابق (1/88) .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    وتتلخص أهمية علم الحديث في التالي :
    أولاً : فهم القرآن موقوفٌ عليه الإلمام بالسنة النبوية !
    ودليلُ ذلك ؛ هو أنَّ العبد لا يستطيع فهم القرآن الإَّ بمطالعةِ السنَّةِ النبويَّةِ ، والإحاطةِ بها عِلماً ، وإنَّما كان ذلك كذلك : لأن كثيراً من الأحكام التي ذكرت في القرآن ‘َّإمَّا مجملةٌ فتحتاج إلى بيانٍ وتفصيلٍ ، وإمَّا مطلقةٌ فيُحتاح إلى النظر في السنَّةِ النبويَّةِ ،لمعرفةِ هل هى مقيدةٌ أمْ لا ؟، وإمَّاظاهرةٌ فيُحتاجُ إلى النظر في السنَّةِ لمعرفةِ هلْ هى مؤولةٌ أم لا؟!.
    وكذلك أيضاً؛ إذا كان الأمر يتعلقُ بورودِ سببَ نزولٍ للآية القرآنية ، فنحنُ في حاجةٍ لمعرفةِ هلْ صحَّ سببُ النزولِ هذا أم لا؟، وكذلك الأمرُ؛إذا كان يتعلق بالناسخِ والمنسوخِ ، وزُعم أنَّ في الأيةِ نسخٌ ، وأنَّ الناسخَ كونه من سنةَِّ النبي –صلى الله عليه وسلم –فنحنُ في حاجةٍ أيضاً لمعرفةِ هل صحَّ ثبوت هذا الناسخِ لللآيةِ عن النبي- صلى الله عليه وسلم – أم لا ؟.

    وسأَضرب مثالاً على ذلك أوضح به مقالتي :
    الله عزَّ وجل ،طلب من عباده في محكم تنزيله أن يقيموا الصلاةَ ، ولكنَّه لم يبيِّن لهم كيفيَّةِ إقامتها=(أيْ : لم يبن لهم مواقيتها، ولا عدد ركات كل صلاةٍ من الصلواتِ المفروضاتِ ، وشروطها ، وواجباتها، ونواقضها... إلخ )= فأَتى في سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم –بيانُ ذلك وتوضيحه، وكان الرجوع إلي السنَّة في هذا المقام وغيره؛ يعتبر رداً على شبهات القرآنين الذين يزعمون التحاكم إلى القرآن في كل الأمور ، وأنهم ليسوا في حاجةٍ مع القرآن لبيان ذلك من السنَّة النبويَّة.
    ولقد أشار النبي –صلى الله عليه وسلم – إلى هذه الطائفةِ المسماةِ زوراً بــــ(القرآنيِّ ن ) قائلاً : (لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لاَ نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ)([1])

    وقال أيضاً من حديث المقدام بن معدي كرب :(أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ ،أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ ، يَقُولُ :عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ ، وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا ، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ )([2]) .

    ولقدأخذ أبوبكر الآجري (ت360هـ) –رحمه الله – يسألُ هذا الزاعمَ بالاقتصارِ على القرآن في كل الأحكام وغيرها ، فيقول له : (يا جاهل ! قال الله تعالى : وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ ! . أين تجد في كتاب الله تعالى أنَّ الفجر ركعتان ، وأنَّ الظهر أربع ، والعصر أربع ، والمغرب ثلاث ، وأنَّ العشاء الآخرة أربع ؟ أين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها ، وما يصلحها وما يبطلها إلَّا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ومثله الزكاة ، أين تجد في كتاب الله تعالى من مائتي درهم خمسة دراهمٍ ، ومن عشرين ديناراً نصف دينارٍ ، ومن أربعين شاةً شاةً ، ومن خمس من الإبل شاةً ، ومن جميع أحكام الزكاةِ ، أين تجد هذا في كتاب الله تعالى ؟ وكذلك جميع فرائض الله ، التي فرضها الله في كتابه ، لا يعلم الحكم فيها إلَّا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا قولُ علماء المسلمين ، من قال غير هذا ؛ خرج عن ملةِ الإسلام ، ودخل في ملةِ الملحدين ، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته رضي الله عنهم مثل ما بيَّنتُ لك ، فاعلم ذلك )([3]).

    فيالها من كلامةٍ رائعةٍ من الآجري –رحمه الله - ، فلقد ألقمَ الخصمَ حجراً وبيَّن له ، أنَّه لا محيص له إلاَّ من العود الحميد للسنَّة النبويَّة ، لكيْ يستعانُ بها في فهم كلامِ ربِّ البريَّة .

    وبماضربناه من مثالٍ ، يتضحُ لناصدقَ مقالةِ علماءِ الشريعة : (بأنَّ السنَّةَ قاضيةٌ على القرآن )، ويتضحُ لنا أيضاً؛ أنَّه لا محيص للباحثِ عن الحقِ ، إلَّا بالاستعانة بالسنَّة النبويَّة الصحيحةِ ، لمعرفةِ ما أسلفناه من أمورٍ أتتْ في الكتاب العظيم مجملةً ، ثم فصَّلتها السنَّةُ ، وكذا أمورٌ أتتْ فيه معمَّمةً ، ثم خصصتها السنَّة ُ، وأمورٌ أتت فيه ظاهرةُ المعنى ثم قامت السنَّةُ بتأويلها، ولولا أنَّ المقام َ مقام إيجازٍ ، لأقمتُ الدلائلَ على ما زعمتُ من السنَّةِ المباركة ، وأقوال علماء السنَّةِ المشرَّفة، وماأشارتُ إليه ، ففيه كفايةٌ لكلِّ مسلمٍ عاقلٍ فطنٍ، وكماقالوا : واللبيب بالإشارة يفهم !

    ثانياً : بتعلمِ علمَ الحديثِ ؛ يصانُ المنبعان الصَّافيان أيْ : الكتابُ والسنَّةُ ) من التبديلِ لألفاظهما والتغيير والتحريفِ لمعانيْهما!
    وبماأنَّ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله ، أنَّ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ،(عليهم لعائن الله المتتاليةُ والمتواليةُ )، قدحرفوا ماأُنزل إليهم من ربهم فقال تعالى في سورة المائدة : { وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ }([4]) .

    واستطاع أحبارُ النَّصارى وعلماءهم ، أنْ يتلاعبوا بالكتاب المنزَّل على عيسى –عليه الصلاة والسلام – فمحوا هم واليهود ماذكرَ في كتابيْهما من نعت النبي ووصفه واسمه ، فقال تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([5]) ، فإنَّ الله تبارك وتعالى قد عصم هذا الكتاب الكريم ، من أن تمسَّهُ أيُّ يدي بالتحريفِ أو التبيديلِ أو التغييرِ ، قال جلَّ شأنه : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ([6]) .

    ومن لوازم حفظ الذكر (أيْ : القرآن الكريم )، حفظ الرسول العظيم ،- صلواتُ الله وسلامه عليه – الذي قال الله تبارك وتعالى له في محكم تنزيله : {بِالْبَيِّنَات وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ([7])
    ولقد قال بعض أهل التفسير ، في قوله تعالى : (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)،أ ْ : وإنَّا للنبيّ محمدٍ ممّن أراده بسوءٍ من أعدائه لحافظون . ([8])

    ومن معاني الحفظ ولوازمه ،تسليم النبيِّ-صلى الله عليه وسلم – في حياته من كيد الأعداء والمشركين ، الذين ودُّوا أن يفتكوا بالنبي –صلى الله عليه وسلم – وذلك ؛حتى يبلغ رسالةَ ربه –سبحانه وتعالى – للعالمين ،كذلك الآمرُ أيضاً؛ بعد وفاته ويكونُ ذلك : (بحفظ سنَّته ) - صلواتُ الله وسلامه عليه -، من أنْ يصيبها تحريفٌ أوتبديلٌ أو نسبةُ أي ِّفعلٍ أوقولٍ أو غير ذلك إليه ، وحتى لا يكونُ ذلك شرعاً وبياناً يتبعُ من بعدانقضاء حياته، ومِن ْثمَّ ؛ تتفوَّهُ به الَّالسنَةُ على أنَّه توضيحٌ وبيانٌ منه لمراد الله ، أو لمراده هو منهم ، وحتى لا يترتبُ على إثر ذلك أيضاً ؛ وجود الخلافات والإختلافات والتي تؤدى في النِّهاية إلى التحزب والتفرق المذموم ، ونشأة الفرق التى لا تتوارد على معينٍ واحدٍ ، لتُسقَى وتسقِيِ الناس منه، ومن أجل ذلك ؛ قال النبي-صلواتُ الله وسلامه عليه- (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) ([9]) .

    وبماأنَّ أعظمَ الطرق على الإطلاق إلى فهم القرآن الكريم وتفسيره ، بعد تفسير القرآن بالقرآن ، هي :( الدرايةُ والإحاطةُ بالسنَّةِ النبويَّةِ ) يستلزمُ ذلك من الباحثِ في فهم آيِّ الكتاب العظيم ، إلى معرفةِ ماصحَّ عن النبيِّ –صلى الله عليه وسلم – وما لم يصح ، حتى يستطيع أن ْ يبنى مفاهيمه المستقاة من آي الكتاب ، على أساسٍ سليم ٍ من الكلام النبويِّ ، الذي هو قاضٍ على الكتاب الربانيْ.

    وتجدرُ الإشارةُ بنامعاشر القرآء ، إلي ماوقع فيه ، بعض الفرق الضالةِ من الانحرف العقدي والسُّلوكي ، فمن ذلك ماوقعت فيه بعض الفرق والمسماة ( بالأشاعرةِِ )، من تأويلٍ فاسدٍ لصفة اليد المذكورة في الكتاب المنزَّل والسنَّة النبويَّة ، رغم كثرة النصوص الواردة في الكتاب المبارك ، فلم تغنيهم تلك النصوص الواضحات البيِّنات ، في إثبات صفة اليد لله –تبارك وتعالى-.
    ومن الأدلة من القرآن التي تدلُ على إثبات صفة اليد لله عزَّ وجلَّ : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء }([10]) ، {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ}([11])

    فردُّه تعالى علي اليهود الجاحدين بقوله : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } ، لأكبر دليلٍ على أنَّ لله تبارك وتعالي له يدان ، وليست قدرتان ، أو نعمتان ، كما زعمت الأشاعرة ، وذلك : لأنه لا يعبر ُعن أَنعم الله تبارك وتعالى بالقول : بـــ ( نعمتان ) ، وذلك ؛ لأن أنعم الله تبارك وتعالى لا تعدُ ولا تحصى ،وكذلك أيضاًَ لا يستقيم تفسيراً؛ أن نفسر الآية الثانية ونقول : أنَّه خلق آدم بنعمتىْ !
    وكذلك لا يستقيم تفسيراً وتعبيراً بأنَّ المعنيَّ بها ( القدرة ُ) ، ولقد أجمع المسلمون على أن الله موصوفٌ بصفة القدرة ،فهذا لا يستقيم من النَّاحيةِ اللُّغويَّة والبلاغيَّة ، التي نزل بها القرآن الكريم ، فإنَّه قد نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ!.

    فإذا افترضنا جدلاً ؛ أنَّ الأيات الواضحاتِ الزاهراتِ، أُ شكلت عليهم ، فلم يُبصروا صحة مدلولها ومنطوقها، فكان ينبغي عليهم حينئذٍ ! أنْ يستعينوا بالسنَّة النبويَّة في فهم كلام الله تعالى،خاصةً ؛ إذا كانوا بصددِ تقرير مسألةٍ اعتقاديَّة ما ، أو غير ذلك من أمور الشريعة المكرمة .

    ثم جال في خاطري ! حديثُ أبي هريرة عن النبي –صلى الله عليه وسلم – (إنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ؛ قَالَ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ) ([12]) .

    فقلت في نفسي حينئِذٍ، أَوقعتْ على أبصارهم الغشاوةِ ُ، فلم يُبصروا جيداً ماقاله النبي صلى الله عليه وسلم ، من توضيحٍ وبيانٍ نبويٍّ لصفة (اليد ) لله تبارك وتعالى في هذا الحديث ؟! عندما قال في صدره ( يمين الله ملأى لاتَغيْضُها ([13]) نفقةٌ سحَّاء الليلُ والنهار ) ، فماذا أفهمتهم أنفسهم مماسبق من بيانٍ ، فكدتُ أنْ أقول : هو (داء الحرمان )، الذي ابتلى الله به من تنطَّع في فهم آي القرآن ، حتى أدى به تنطُّعه إلى التأويل المذموم والبهتان.

    ثم قلتُ أيضاً : هَبْ أنهم غفلوا عن صدر الحديث الأول ، وأخذاوا يعزفون في قرارة أنفسهم على وتيرة التأويل والتضليل ، والتحريف والتعطيل ،... أَغفلوا عن مؤخرة الحديث ، والتي فيها إثبات اليد الأخرى لله تبارك وتعالى ، بقوله عليه الصلاة والسلام : ( وبيدهِ الأُخرى القبض يرفع ويخفض ).

    وبما ضربتُ من مثالٍ ، يوضحُ لنا أهمية الإلمام والإحاطة بالسنَّةِ النيويَّةِ المباركةِ ، لكى يستعانُ بها في رد شبه الخصوم ، ويستعان بها أيضاً لإثباتِ الحججِ المؤيدة للحق ونصره ، وإدماغِ الشبهِ المُلْبَسةِ لتزيين الباطلِ ودحضه .


    (1)_(حديثٌ صحيحٌ ) ، أخرجه ابن ماجة في سننه (13) وأبوداود في سننه (4607) ، والترمذي في سننه (2663)،وقال : (حسنٌ صحيحٌ )، ، والحاكم في مستدركه (1/108)، وقال : ( صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) جميعاً عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه مرفوعاًً ، ولقد صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود وغيره.

    ([2]) - (حديثٌ صحيحٌ )، أخرجه أحمد في مسنده (38/410) ، وأبوداود في سننه (4604) . صححه الألباني –رحمه الله – في صحيح الجامع (2643)، وكذلك في السلسلة الصحيحة (2870) .

    (2)_انظر كتاب ( الشريعة 1/104) له .

    [4]) ) المائدة (41) .

    (([5] -الأعراف (157)

    ([6]) - الحجر (9) .

    ([7]) – النحل (44) .

    ([8]) - انظر تفسير الطبري (17/79) .

    ([9]) - (متفقٌ عليه ). البخاري (2697) ، ومسلمٌ (1718) .

    [10]))-المائدة (64) .

    (([11]-ص (75) .

    ([12]) - (متفق عليه) ، أخرجه البخاري (7419) ، ومسلم (993).

    ([13]) - قال الفيروز آبادي في القاموس المحيط (1/838) : (غاضَ الماء يَغيضُ غَيْضاً ومَغاضاً : قَلَّ ونَقَصَ كانْغاضَ و ثَمَنُ السِلْعَةِ : نَقَصَ و الماءَ وثَمَنَ السّلْعَة : نَقَصَهُمَا كأغَاضَ وما تَغيضُ الأرْحامُ أي : ما تَنْقُصُ من سَبْعَةِ الأشْهُر )ِ ،.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع (3)
    ثالثاً :علم الحديثِ ضروري لتصحيح الأقوال والأفعال ، ومن ثم َّ قبولها عند الرحمن :
    قال الله تبارك وتعالى ، في محكم تنزيله : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}([1]).
    وقال تعالى :{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}([2] )
    قال السِّعدي في قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } :
    (قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "أخلصه وأصوبه"
    قيل يا أبا علي: "ما أخلصه وأصوبه" ؟.
    فقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً، لم يقبل.
    وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً.
    والخالصُ: أنْ يكون لوجه الله، والصوابُ: أن يكون متبعاً فيه الشرع والسنَّة، وهذا كما قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }( [3]).
    وقال النبي –صلى الله عليه وسلم - : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ )([4]) .

    قال ابن رجب الحنبلي (ت795هـ ) معلقاً على هذا الكلام النبوي الماتع :
    (وهذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ من أصول الإسلام ، كما أنَّ حديثَ الأعمالِ بالنيَّاتِ ؛ ميزانٌ للأعمالِ في باطنها ، فهو ميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أنَّ كلَّ عملٍ لا يرادُ به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثوابٌ ، فكذلك كلُّ عملٍ لا يكون عليه أمرَ الله ورسوله ،فهو مردودٌ على عامله ،وكلُّ من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله ؛ فليس من الدين في شيء)([5]) .

    وبما أنَّ أغلب الأحكامِ الشرعيَّة ِ قد فصَّلتها السنَّةُ ، فلزاماً على كلِّ امرئٍ مسلمٍ عاقلٍ ، أن يعود في جميع أحواله إلى السنَّةِ النيويَّةِ ، لمعرفةِ تفاصيل المسائل ، سواءٌ ماكان منها يتعلقُ بالجانب العقدي ، أو السلوكي ، أو الأخلاقي ، أو في جانب المعاملاتِ والعباداتِ ، لكى يعبد الله تبارك وتعالى على بصيرةٍ من أمره ،ويكون مثاباً على كلِّ أعماله بالقبول ، فلذا!فهو في حاجةٍ إلى معرفة ماصحَّ من سنة الرسول –صلى الله عليه وسلم – ممّالم يصحَّ !!.


    · رابعاً :علمُ الحديثِ يكسبُ المرءَ صمامَ أمانٍ من فتنة الشبهاتِ والشهوات "
    أقول : أنَّ السنَّةَ شأنها كشأن سفينة نوحِ –عليه الصلاةُ والسلامُ – من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك ، فبتعلم علم الحديث بقسميه : (الدراية والرواية ) ، يُعصمُ المرء من الزلل من الوقوع في الفتن بنوعيها.
    ويتبين لك ذلك ؛عندما تكون على علمِ بالسنَّةِ النبويَّةِ ، وتطرح لك شبهةٌ من الشبهات ،التى يطرحاالمبدَّعون عند أهل السنَّة والجماعةِ ، فيهون ُعليك الخطبُ ، ويسهلُ عليك الردُ على أباطيلهم ، وإنَّما كان ذلك كذلك ؛
    لأنَّ معك من البراهين العلميَّةِ ، والحججِ النبويَّةِ ، التى تدمغ بها شبه الخصومِ .

    فبتعلمك وعملك بالسنَّة، تستطيع أن تميزَّ الغث والثمين من الأقوال والأفعال ، وذلك من خلال عرضهاعلى الكتاب المنزَّل ، وعلى سنَّة الرسول المكرم-صلوات الله وسلامه عليه- ، فمثلاً : إذا قابلتك شبهةٌ من شبهات القبوريين ، الذين يجوزن الصلاة في المساجد التي بها (قبرٌ)، تستطيع أن تتخذ منهاموقفاً شرعياً، إمَّا بطرحها من ميدان الشريعة ، أو بأقرارها فيه .

    فإذا كان معك الدليلُ من سنَّةِ نبيِّك محمد -صلواتُ الله وسلامه عليه- ، لم تنطلي عليك هذه الشبهةُ أبداً ، وتجلى لك أخي القارئ ، قول النبي –صلى الله عليه وسلم - : (قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) ([6]).
    ويهون عليك الخطبُ في الرد كذلك ؛ على جميع شبهات الفرق الضالة التى خرجت عن جماعة المسلمين مثل : (شبهات المرجئة ، والمعتزلة ، والخوارج ، والأشاعرة ، والقرآنيين ، والرافضة ، والبهائيين ،..وغيرهم ).

    أمَّاعن الدور الذي يقوم به علمُ الحديثِ في سلامةِ المرءِ من الشهواتٍ ، فحدث ولا حرج عن دور السُنَّةِ في ذلك ، فمن جملةِ قوله- صلواتُ الله وسلامه عليه- : (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَلَيْكُمْ )([7]) .
    وقال أيضاً : ( إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ )([8]).
    فهذا الكلام النبوي الماتع ، يعلم كلَّ مسلمٍ ، أن يكون راضياً عن الله –سبحانه وتعالى و بماقسمه الله عزَّ وجل له من رزقٍ ؛وليعلم أن هذه دار ابتلاءٍ ، لادارَعافية ٍ، قال تعالى :{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}([9]

    · خامساً : يعصمك تعلمُ علم الحديثِ من الدخول في الوعيد النبويِّ "
    قال النبي –صلى الله عليه وسلم - : ( إِنَّ كذِبًا عليّ ليس ككذِبٍ على أحدٍ، مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ منَ النار ) ([10]) .
    فبعلمك بالحديث روايةً ودرايةً ، تستطيع أن تدرك ماصحَّ عن المصطفي –صلى الله عليه وسلم –فتحدث به نفسك وقومك، فتأخذعلى ذلك أجراً عند الله –تبارك وتعالى- ، وتدركُ أيضاً مالم يصحَّ عن النبيِّ –صلى الله عليه وسلم –فتتحاشاه وتتوقَّاه، خشية أن تكون بذلك قدحجزت مقعدك في نارجنهم .

    تنبيهٌ : الكذب عند الحجازيين ، يطلق على الإخبار بخلاف الواقعِ ( أي: بمعنى الخطأ)،سواءٌتُع ِّد ذلك أم لا ؟.


    ([1])- البينة : الأية (5).

    (2)- سورة الملك الأية (2)

    ([3])_في تفسير الكريم المنان له (1/377) .

    ([4]) متفق عليه ، أخرجه البخاري في صحيحه (2697) ومسلم في صحيحه (1718) من حديث عائشة .

    (([5] -جامع العلوم والحكم (1/59).

    ([6])- ( متفق عليه )، أخرجه البخاري (437)، ومسلم (530)، من حديث أبي هريرة.

    (([7]- (صحيحٌ) ، أخرجه أحمد في مسنده (12/418)،و مسلمٌ في صحيحه (2963)، والترمذي في سننه (2513)، وابن ماجه في سننه (4142) جميعاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً .

    [8]))- (متفق عليه )، أخرجه البخاري (6490)، ومسلم (2963)، من حديث أبي هريرة مرفوعاً .

    ([9]) –الأنبياء (35) .

    ([10]) - (متفق عليه )، أخرجه البخاري (1291)، ومسلمٌ (4) من حديث المغيرة بن شعبة ، وقدأخرجاه من حديث أبي هريرة ، وأنس ، وعلي، وهو حديثٌ متواترٌ عند أهل العلم .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع(4)
    · سادساً : علم الحديث ضروريٌ لكلِّ مشتغلٍ بالعلوم الشرعية" وممَّا لا مرْيةَ فيه ؛هو أنَّ العلوم الشرعيَّة يخدم بعضهابعضاً ، ويُحتاج بعضها إلى بعضٍ ، وأكثر العلوم خدمةً لغيره من العلوم الشرعيَّة= (الفقه ، العقيدة ، التفسير ، والسيرة ، والتاريخ ...إلخ )= هو (علم الحديث ومصطلحه )،ويتجلى ذلك بضرب الأمثلة " إن ْشاء الله تعالى "
    · أولاً : علم الفقه :
    فلزاماً على كلِّ مشتغل بالفقة ، ِأن يكون لديه درايةٌ بعلم الحديث ومصطلحه ،وذلك؛ لأن مسائلَ الأحكام التى تدورفي فلكِ الحلالِ والحرامِ، لابدَّفيهامن نصٍ ، إمَّا من الكتابِ ، وإمَّا من السنَّةِ ، أو اجماعاًثابتاً، أو قياساً جلياً واضحاً.
    ولا يغيبُ عن الباحثِ في علوم الشريعةِ ، أنَّ مراتب الأحكام الأربع ،(السالفةُ الذكر)، كلهاتحتاجُ إلى العود الضروري لبيان السنَّةِ، وذلك ؛لإثباتِ صحةِ الدليل الذي يترتب عليه صحة المدلول .

    وتجدرُ الإشارةُ بنا إلى سبب ماوقع من عصبيَّةٍ مذهبيةٍ ، بين أصحابِ المذاهبِ الأربعةِ وغيرهم ، هو عدم العنايةِ بعلمِ الحديثِ بقسميه : (رواية ودراية )، وبيان ذلك ؛ هو أنََّ كلَّ فريق منهم قديستندُ إلى أدلةٍ من الكتاب والسنَّةِ ،في تقرير الحكم الشرعي الذي قد يوافق فيه الجمهور أويخالفهم ، أو يوافق فيه خصمه في المذهب أو يخالفه ، فلربما استند صاحبُ المذهبِ ، وتبعه أصحابه على قوله ، على أدلةٍ ضعيفةٍ ، لا يُحتجُّ بمثلها في الأحكام ، ومسائل الحلِّ والحرام ِ، ومن ثمَّ وقعت الخصومات بينهم وبين من خالفهم ، وقد تصلُ في نهايتها ، إلى دُعاءِ بعضِهم على بعضٍ ، مثل مافعل ( أشهبُ بن ُعبدِالعزيز المالكيْ)، فلقد كان يدعو على الشافعي (رحمه الله )، كما ذكر ذلك الذهبي في السير فقال :
    (وعن ابن عبد الحكم قال: سمعتُ أشهب يدعو في سجوده على الشافعي بالموت، فمات والله الشافعي في رجب سنة أربعٍ، ومات أشهب بعده بثمانيةَ عشر يوماً، واشترى من تركة الشافعي عبداً، اشتريته أنا من تركة أشهب )([1]) .

    وحتى لا أتوغل في بيان ذلك وتوضيحه، سأكتفي بذكر أمثالةٍ لبعض أصحابِ المذاهبِ ، توضحُ صدق مقالتي وفحواها ،وكما قيل (الدعاوى مالم يقيموا عليها بيناتٍ ، فأربابهاأدعياءُ ) .
    ومن هذا المنطلق! إليك البيان كالتالي :
    عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ : (جَاءَ رجل فِي بَصَره سوءٌ فَدخل الْمَسْجِد وَرَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُصَلِّي فتردى فِي حُفْرَةٍ كَانَت فِي الْمَسْجِد فَضَحِك طوائفَ مِنْهُم ، فَلَمَّا قَضَى صلَاته أَمرَ من كَانَ ضحك أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة ) ([2]) .
    هذا هو مستندُ الحنفيَّةِ ، في إبطال صلاةِ ووضوءِ المرءِ، إذا وقعت القهقهةُ منه ، مخالفين في ذلك جماهير أهل العلم من الشافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة وغيرهم ،الذين رجحوا الضعفَ في الحديثِ ، ،بعدماتعددت طرقه واختلفت رفعاً وإرسالاً، وصوَّبُوا فيه الإرسالَ وقالوا : أنَّ كل طرق الحديث مآلها ومرجعها إلى ( أبي العالية ) كما قال ابن الجوزي : (هَذَا حَدِيثُ أبي الْعَالِيَة هُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُرْسلاً، و كل من رَفعه فقد غلط ، وَمن أرْسلهُ عَن غَيره فَإِنَّهُ يرجع إِلَيْهِ ) ([3]) .
    · وقال الدار قطني (ت385هـ )-رحمه الله- : ( رجعت هذه الأحاديث كلها التي قدمت ذكرها في هذا الباب ، إلى أبي العالية الرياحي ، وأبو العاليةُ ؛ أرسل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم ولم يسم بينه وبينه رجلاً سمعه منه عنه وقد روى عاصم الأحول عن محمد بن سيرين ، وكان عالما بأبي العالية وبالحسن فقال: لا تأخذوا بمراسيل الحسن ، ولا أبي العالية ، فإنَّهما لا يباليان عن من أخذا ) ([4]) انتهى .

    · وقال ابن رجب الحنبلي (ت795هـ ): (وأما مرسل أبي العالية الرياحي في الوضوءِ من القهقهةِ في الصلاة ، فقد ردَّهُ الشافعي وأحمدُ ، وقال الشافعيُّّ : (( حديث أبي العالية الرياحي رياحٌ )) ، يشير إلى هذا المرسلِ . وأحمد ردَّه بأنَّه مرسل ، مع أنَّه يحتج بالمراسيل كثيراً ، وإنَّما ردَّ هذا المرسل ؛لأنَّ أبا العالية وإن كان من كبار التابعين، فقد ذكر ابن سيرين : أنَّه كان يصدِّق كل من حدثه ، ولم يعضد مرسله هذا شئ ٌ مما يعتضد به المرسل ، فإنَّه لم يرْو من وجه متصلٍ صحيحٍ بل ضعيفٌ ، ولم يرْو من وجه آخر مرسل ، إلَّا من وجوهٍ ترجع كلها إلى أبي العالية ) ([5]) .

    · وقال أبوبكر ابن المنذر(ت 318هـ)-رحمه الله -: ( إذا تطهر المرء فهو علي طهارته ، ولا يجوز نقض طهارةٍ مجمعٌ عليها، إلَّا بسنةٍَّ أو اجماعٍ ، ولا حجه مع من نقض طهارته لما ضحك في الصلاه ، وحديثُ أبي العاليه ؛ مرسلٌ ، والمرسل من الحديث لا تقوم به الحجة ) ([6]) انتهى .

    وليست هذه هي المسألةُ الوحيدةُ التي انتقدها أهل العلم على أبي حنيفة (ت 150هـ)–رحمه الله-؛ بل هناك مسائلَ عديدةٌ خالف فيها أبو حنيفةَ الجمهورَ ،ولم يكنْ الصوابُ فيهاحليفه عند المخالفة = فليست كلُّ مخالفةٍ للجمهور أو غيرهم تعد(شاذةٌ )=، و لا أقولُ خالفَ فيها خصمه من مذهبٍ معينٍ ،فلربما هان الأمرُ وسَهُل .

    ولقد جمع أبوبكرٍ ابن أبي شيبةَ (ت 235هـ) في كتابه المصنف، جملةً كبيرةً من هذه المخالفات ، وأوصلها إلى خمسٍ وعشرينٍ ومائةَ مسألةٍ ، وذلك ؛ تحت كتابٍ عقدهُ خصيصاً لهذا ، واصطلح على تسميته بـــــ ( الردِّ على أبي حنيفة ) ([7]) ، فطالعها إنْ شئتَ غير مأمورٍ .



    [1]))-السير (9/502).

    ([2]) – (حديثٌ ضعيفٌ ) ، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (1/388) ، والدار فطني في سننه ( 603،605،606،607،608،609، 610،624،625،626،627،628، 629، 630 ،631،632،633،634،635،636 ،637،638،639،640،641،642 ،643،644 )، وابن أبي حاتم في العلل (1/261)، وابن عدي في الكامل (2/168)،وابن المنذر في الأوسط (1/226).والبيهقي في الكبري (1/146،147)، وقد نقل بعض أقوال أهل العلم في تضعيفه الشيخ الألباني في (إرواء الغليل (2/116) فطالعه إنْ شئت .

    ([3]) – ابن الجوزي في تحقيق أحاديث الخلاف (1/196) .

    ([4]) – سنن الدار قطني (1/314).

    ([5]) - شرح علل الترمذي (1/309) .

    ([6]) - الأوسط (1/228) .

    ([7]) – مصنف ابن أبي شيبة (14/148) .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع(5)
    · وأمَّاالشافعيَّ ةُ !
    فقد استدلوا على كراهيةِ الوضوء بالماء المشمس، بحديثٍ ضعيفٍ ، لا تقوم به الحجةُ في الاستدلال ، وهاك هو الحديث بين عينيك !
    عن عائشةَ –رضى الله عنها- قالت : (أسخنت مآءاً في الشمس ، فأتيت به النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتوضأ ، فقال : ( يا عائشةُ ، لا تفعلي ، فإن هذا يُورِثُ البياض )([1] )وفي روايةٍ : (يُورِثُ البرص )
    ومسنتدُالشَّافع يَّةِ في ذلك ( حديثٌ باطلٌ )، فقد حكم عليه بذلك، ابن الملقن في (البدرالمنير)،بع دماانتهى من سرد طرقه والتعليق عليها، وإليك كلامه بنصه :
    (فَتَلَخَّص : أَن الْوَارِد فِي النَّهْي عَن اسْتِعْمَال المَاء المشمس ، من جَمِيع طرقه بَاطِل ، لَا يصحّ ، وَلَا يحلُّ (لأحدٍ) الِاحْتِجَاج بِهِ . وَمَا (قَصَّرَ) ابنُ الْجَوْزِيّ فِي نسبته إِلَى الْوَضع فِي حَدِيث عَائِشَة وأَنس ، وَقَوله فِي كل مِنْهُمَا : هَذَا حَدِيث لَا يصحّ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
    وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) : (لَا يصحُّ ). وَقَالَ فِي (الْمعرفَة) (لايثبت الْبَتَّةَ ). وَقَالَ الْعقيلِيّ الْحَافِظ : (لَا يصحُّ ) فِي المَاء المشمس حَدِيث مُسْند ، إنَّما يرْوَى فِيهِ شَيْء عَن عمر بن الْخطاب من قَوْله )([2]) انتهى.
    ولولا أن الموطنَ يستلزمُ الإيجاز، لطوفتُ بكم ،مع المسائل التي انفرد بها مالكٌ ، وأحمدُ، وابن حزمٍ ، وغيرهم ، وتبيَّن عند التحرير العلمي ضعفهامن ناحية الإستدلال بالدليل النبوي ، ومن ثمَّ سقوط المدلول في هاوية عدم الإحتجاج به ،وإنَّما كان ذلك كذلك ؛ لصدق مقالةِ القائل : (ثبتْ العرش ثم انقش)،فهلاَّ ثبتنا العرش؟!.
    وأكتفي بماضربته من أمثلةٍ ، لأُدللُ بهاعلى أهميَّةِ علمِ الحديثِ وقوانينه، لكلِّ باحث في المسائل الفقيهة ، سواءً على الطريقة المذهبيَّة ، أواتباع الدليلِ ، فبأي المنهجين نهجَ الباحث ؛ سيسلم –إنْ شاء الله-مادام معه ( علم الحديث ).


    (([1]-(حديثٌ موضوعٌ ) أخرجه الطبراني في الأوسط (5854)
    السند :قال (طس ): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال : ثنا إسحاق بن إبراهيم بن مردانبه ، عن عمر بن أبي زياد القطواني قال : ثنا محمد بن مروان السدي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة
    التحقيق :
    هذا إسنادٌ ضعيفٌ جداً،فيه محمد بن مراون السُّدي الصغير ،قال أبوحاتم : ذاهب الحديث،متروك الحديث،لايكتب حديثه البته، وقال البخاري :لايكتب حديثه البته،وفي موضعٍ أخر:سكتوا عنه ، قال النسائي :متروك الحديث،انظر التهذيب (9/437).
    وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/502): (رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه محمد بن مروان السدي، وقد أجمعوا على ضعفه، وقال - الطبراني - : لا يروي عن النبي صلى الله عليه و سلم إلاَّ بهذا الإسناد)
    قلت :وتابعه عليه، وهب القرشي عن هشام به مرفوعاً، أخرج حديثه ابن حبان في المجروحين (3/75): قال أخبرناه ابن قتيبة قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد قال: حدثنا محمد بن حمير قال: حدثنا وهب القرشى عن هشام .وهذا إسنادٌ باطلٌ , فيه وهب بن وهب القرشي أبو البختري ، قال ابن الجوزي في كتابه الضعفاء (3/189ت3684) : (وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصي أبو البحتري القاضي المديني، يروي عن هشام بن عروة وجعفر بن محمد وابن عجلان ، قال أحمد (كان كذاباً يضع الحديث) ، وقال أبو بكر بن عياش وابن المديني والرازي : ( كان كذاباً) وقال يحيى (كذاب خبيث كان عامة الليل يضع الحديث ) ،وقال عثمان بن أبي شيبة (ذاك دجال) ، وقال السعدي: ( كان يكذب ويجسر )، وقال عمرو بن علي : (كان يكذب ويحدث بما ليس له أصل )، وقال مسلم بن الحجاج والنسائي .: (متروك الحديث) .
    وقال الدارقطني : (متروك كذاب )، قال العقيلي : ( لا أعلم له حديثاً مستقيماً كلها بواطيل).
    قلت :وقد تابعهما عليه أيضاً ؛ خالد بن إسماعيل أبو الوليد المخزومي،عن هشام ٍ به مرفوعاً،أخرج حديثه الدار قطني في سننه (68)،والبيهقي في الكبري (24) :من طريقين عن خالد بن إسماعيل عن هشامٍ به مرفوعاًً.إلاَّ أنه قال : (يورث البرص )بدلا ًمن (يورث البياض) .
    قلت :وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جداً،ءافته خالد بن إسماعيل هذا :
    -قال ابن الجوزي في الضعفاء (1/244) : (خالد بن إسماعيل أبو الوليد المخزومي المدني ، يروي عن هشام عن عروة وابن جريح وعبيد الله بن عمر العجائب ).
    وقال الدارقطني :( ضعيف متروك) وقال ابن عدي : ( يضع الحديث على ثقات المسلمين )، وقال ابن حبان : (لا يجوز الاحتجاج به بحال )،وقال الأزدي :( كذاب يحدث عن الثقات بالكذب ).وضعف هذا الحديث،الدار قطني فقال عقبه :غريبٌ جداً،وخالد بن إسماعيل (متروك الحديث)، وقال البيهقي عقبه : (وهذا لا يصح )ثم قال : وروي بإسنادٍ منكرٍ ، عن ابن وهبٍ ، عن مالكٍ ، عن هشام ٍ، ولا يصح ، ورواه عمرو بن محمد الأعشم ، عن فليح ، عن الزهري ، عن عروة ، أنا أبو بكر الفقيه ، أنا أبو الحسن علي بن عمر ، قال : عمرو بن محمد الأعشم منكر الحديث ولم يروه ، عن فليح غيره ، ولا يصح عن الزهري ).
    & قلت : وحديث الزهري،أخرجه الدار قطني في السنن (69)ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (2/80)قال الدارقطني : نا سعيد البزاز , نا عمرو بن محمد الأعشم , نا فليح , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة , قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ بالماء المشمس أو يغتسل به , وقال : " إنه يورث البرص " . ثم قال : (عمرو بن محمد الأعشم منكر الحديث , ولم يروه عن فليح غيره , ولا يصح عن الزهري ) .
    قلت : وله شاهدٌ أخرجه العقيلي في الضعفاء (3/490ت778)،ومن طريقه أبن الجوزي في الموضوعات (2/80) عن صالح بن شعيب حدثنا إسماعيل بن عبدالله بن زرارة حدثنا على ابن هاشم الكوفى حدثنا سوادة عن أنس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تغتسلوا بالماء الذى يسخن في الشمس فإنه يعدى من البرص "
    قال ابن الملقن في البدر المنير (1/428):
    (وَفِي الْبَاب - أَيْضا - فِي النَّهْي عَن المشمس : حَدِيث أنس ، وَله طَرِيقَانِ :
    أَولهمَا : عَن سوَادَة ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أنَّه سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : «لَا تغتسلوا (بِالْمَاءِ) الَّذِي يُسَخَّن فِي الشَّمْس ، فإنَّه يُعْدِي من البَرَصِ» .
    رَوَاهُ الْعقيلِيّ ، وَغَيره ، من حَدِيث : عَلّي بن هَاشم الْكُوفِي ، عَن سوَادَة ، بِهِ كَمَا تقدم ، ثمَّ قَالَ : سوَادَة مَجْهُول بِالنَّقْلِ ، حَدِيثه غير مَحْفُوظ .
    وَقَالَ البُخَارِيّ : كَانَ (عليٌّ وهَاشِم غاليين) فِي مَذْهَبهمَا . يَعْنِي التَّشَيُّع . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ (عليٌّ) غاليًا فِي التَّشَيُّع ، ويروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير .
    وَثَانِيهمَا : عَن زَكَرِيَّا بن حَكِيم ، عَن الشّعبِيّ ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : «لَا تغسلوا صِبْيَانكُمْ بِالْمَاءِ الَّذِي يسخن بالشمس ، فإنَّه يُورث البَرَص» .
    رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي ّ فِي الْجُزْء النيف والثمانين من (أَفْرَاد) ، كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الإِمام)، وَهِي طَريقَة غَرِيبَة ، (قَالَ الدَّارَقُطْنِي ّ : تَفَرَّد بِهِ زَكَرِيَّا بن حَكِيم ، عَن الشّعبِيّ ، وَلم يروه) عَنهُ (غير) أبي اليسع ، أَيُّوب بن سُلَيْمَان .
    قلت : زَكَرِيَّا هَذَا ضَعِيف بِمرَّة . قَالَ فِيهِ أَحْمد ، وَيَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وقَالَ مرّة : لَيْسَ بِثِقَة . وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ . وَقَالَ عليٌّ : هَالك . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِي ّ : ضَعِيف .
    وَأما أَيُّوب بن سُلَيْمَان ، الرَّاوِي عَنهُ : فَهُوَ المكفوف ، قَالَ الْأَزْدِيّ : غير حجَّة ).انتهى

    (([2] - المصدر المذكور (1/428) . وأماأثر عمر المشار إليه ، أخرجه الشافعي في الأم ومن طريقه البيهقي في الكبرى (1/6-12) والمعرفة له (1/143-116)
    قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن مُحَمَّدٍ عن صَدَقَة َ بن عبد اللَّهِ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جَابِرِ بن عبد اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ كان يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وقال إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ
    &وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جداً،له ثلاثةُ علل:
    الأولى :عنعنة أبي الزبير المكي، ( محمد بن مسلم بن تدرس )وهو مدلس ٌ.
    الثانية :صدقة بن عبد الله، وهو أبومعاوية السَّمين، قال الحافظ في التقريب (ضعيفٌ).
    الثالثة : إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى –أبو إسحاق المدني-شيخ الشافعي-قال عنه الحافظ (متروك)،ثم إنَّه مدلسٌ مع ضعفه ،وها هو قد عنعنه.
    @ قلت :ورواه حسان بن أزهر أيضاً عن عمر، أخرج حديثه الدار قطني في سننه (1/39-4)قال: نا أبو سهل بن زياد نا إبراهيم بن الحربي نا داود بن رشيد نا إسماعيل بن عياش حدثني صفوان بن عمرو عن حسان بن أزهر أن عمر بن الخطاب : قال لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص
    @ قال ابن الملقن في البدر (1/443) :( وَهَذَا إسنادٌ جيدٌ ، وَإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، فِيهِ مقَال ، تَقَدَّم فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث (هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ) . وَقد قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه : إِذا رَوَى عَن أهل حمص يكون حَدِيثه صَحِيحاً .
    وَصَفوَان بن (عَمْرو) هَذَا : حمصي ، لَا جرم ، قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ (فِي (شَرحه ) : إنَّ إِسْنَاده صَحِيحٌ .
    قلت : وَلم ينْفَرد إِسْمَاعِيل بِهِ ، بل تُوبع عَلَيْهِ ، قَالَ ابْن حبَان فِي (ثقاته)، فِي تَرْجَمَة حسان بن أَزْهَر هَذَا : (ثَنَا) مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خَالِد ، (ثَنَا) عبد الْأَعْلَى بن سَالم الكتاني ، ثَنَا [ أَبُو الْمُغيرَة عبد القدوس ] بن الْحجَّاج ، ثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو ، ثَنَا حسان بن أَزْهَر ، عَن عمر بن الْخطاب ، قَالَ : لَا تغتسلوا بِالْمَاءِ المشمس ، فإنَّه ينْزع إِلَى البَرَصٍ ]
    قلت :ولكني لم أظفر على ترجمة ٍلحسان بن أزهر عند ابن حبان، في الطبعات التي بين يدي ، ولعله سقط منها والله أعلم.ولقد ذكره ابن أبي حاتم ،في الجرح والتعديل مقلوب الاسم فقال (2/313-1175) أزهر بن حسان السكسكى روى عن عمر بن الخطاب في الماء المشمس روى عنه صفوان بن عمرو. وعلي هذا فهو مجهولٌ، وإن كان ابن حبان ذكره في الثقات ، فهو قد عُرف بالتساهل ).

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع(6)
    ثانياً : (علم العقيدة):
    ومن المعلوم من منهج الفرقة النَّاجية ،بالضرورة ، ألاَّ يُحتجُّ بالأحاديثِ الضعيفةِ والموضوعةِ في تقرير المسائل العقديَّة ، وذلك ؛ لأنَّ العقيدةَ تتعلقُ بالإيمان بالله وكتبه ورسوله واليوم الأخر وغير ذلك من الأمور الغيبيَّات اليقينيَّات، فلا ينبغي للعبد أنْ يعقد قلبه ويربطه على مسألةٍ عقديَّة لا تثبت إلاَّ بدليلٍ ضعيفٍ أو موضوعٍ ، ولذا؛ ذهب جماعةُ العلماء من المتقدمين والمتأخرين ،من أهل السنَّةِ والجماعة ، إلى عدم الإِحتجاج بالأحاديثِ الضعيفةٍ ، بكافة صورها ، في تقرير المسائل العقديَّةِ ، وإلاَّ يُحتجُّ إلاَّ بما كان مقبولاً عند أهل العلم بالحديث وعلومه.
    وكما هو معلومٌ عند أهل العلم ، أنَّ العبادات توقفيَّةٌ ، كذلك القول عندهم في تقريرِ المسائلِ العقديَّةِ ، ومن هذا المنطلق؛ حصر أهل العلم مصادرَ التلقي عند الاستدلالِ والتدليلِ على المسائل العقديَّة وتقريرها، على منبعين صافيين ، لا يجوز للمرء أنْ يتجاوزهما إلى غيرهما،ألا وهما : ( الكتاب والسنَّة ) .

    والقولُ بأنَّ التدليل على المسائل العقديَّة ، أمرٌ توقيفيٌّ ، على ما أتى به النصُ من الكتابِ والسنَّةِ ، هو القولُ الحق ، الذي لا ينبغي العدول عنه إلى غيرة " .
    · قال النَّووي (ت676هـ) –رحمه الله – (وأسماءُ الله تعالى توقيفيَّةٌ ، لا تطلق إلاَّ بدليلٍ صحيحٍ ) ([1]) .
    · قال ابن تيميَّةَ (ت728 هـ) –رحمه الله - ( ثمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ : أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ ؛ الْأَوَّلُونَ ، لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ .
    قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَا يُوصَفُ اللَّهُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ ) ([2]) .
    وقال البدر العيني (ت855هـ) –رحمه الله – ( قيل : إنَّ معرفة أسماء الله تعالى وصفاته ،توقيفيَّةٌ ، تعلم من طريق الوحي والسنةِ ، ولم يكن لنا أن نتصرفَ فيها، بما لم يهتد إليه مبلغ علمنا، ومنتهى عقولنا، وقد منعنا عن إطلاق ما لم يرد به التوقيف في ذلك ، وإن جوزه العقل ،وحكم به القياس كان الخطأ في ذلك ، غير هينٍ والمخطيءُ فيه غير معذورٍ والنقصان عنه ؛ كالزيادةِ فيه غير مرضي ! ) ([3]) .
    · قال الحافط ابن حجر(ت 825هـ) –رحمه الله – (وقال أبو القاسم القشيري : الأسماءُ تؤخذ توقيْفاً من الكتاب والسنَّةِ والإجماع ِ ، فكلُّ اسمٍ ورد فيها، وجب إطلاقه في وصفه ، وما لم يرد لا يجوز ولو صحَّ معناه ) ([4])

    فلذا قال جماعةُ العلماءِ من السَّلفِ : ( أنََّّه لاينبغي للمرءِ العاقلِ أنْ يعتقد مسألةً ما، قبل أن يعلمَ صحة دليلها ومدلولها) ، فقبل أن تعتقدْ؛ يجبُ عليك أنْ تعرف الدليل أولاً ، ثم بعد ذلك تنظر في صحة الدليل الذي يترتب عليه صحة المدلول .

    فإذا كانت المسألةُ التي أنت بصدد تحقيقها، مستندُها الشرعي ، من الكتاب والسنَّة الثابتة معاً، أو الكتاب بمفرده ؛ فهنيئاً لك صحةَ المستندِ، ثم يبقى عليك أن تدقق النظر جيداً ، فيما فاله أهل العلم المختصين البارعين في الجانب العقدي، والذين هم( أهلة )، في مدلول هذا الدليل ، وإذا كانت المسألةُ دليلها السنَّة فقط ، فهنايتطلب الأمر منك أنْ تشمِّر عن ساعديك لمعرفة صحة هذا الدليل من السنَّة من عدمه ، وهنا تأتي أهميةُِ علم الحديث ومصطلحه للباحثِ عن الحقِ في إقرار المسائلِ وإثباتها، فمن كان عالماً بقوانين الداريةِ والروايةِ ، سيستطيع أن يحرر المسألة تحريراً علميَّاً دقيقاً ، ومِنْ ثمَّ يكون اعتقاده في النهاية سليماً صحيحاً، إذا قدَّر الله وشاء له ذلك .

    وجديرٌ بنا أنْ نوضح ما قلناه من قواعدَ وأصولٍ = ينبغي على الباحث عن الحق أن يجعلها نصب عينيْه ، عند إثبات مسألةٍ عقديَّةٍ ما أو إبطالها=؛بمثال ٍ في أعظمِ مبحث من مباحثِ الأمورِ العقديَّةِ ، عظيمٌ نفعه ، جليلٌ قدره ، ألا وهو : (بابُ الأسماءِ والصفاتِ ) .

    · تحريرُ اسم الله ( الحنَّان )!
    ولقدْ اطلقتُ القول مسبقاً؛ بأنَّ المسائل العقديَّة كها توقفيةٌ ،وبناءً عليه يدخل مبحثُ الأسماءِ والصفاتِ برمتهِ جزءاً وتفصيلاً ، فيما يتوقف فيه على النصّ ِمن الكتابِ المنزَّلِ والسنَّةِ الثابتةِ عن الرسولِ المكرم –صلواتُ الله وسلامه عليه-، فقبل أنْ نتبث للمولى- جلَّ وعلا- اسماً أوصفةً ، ينبغي علينا أن نبحث عن المسنتد الشرعي وصحته كماأسلفت القول مسبقاً .
    ولقد نُسبَ لله – جلَّ وعلا –أسماءاً وصفاتاً ، لم يَنصُّ عليها في الكتابِ المنزَّل ، ولا السنَّةِ الثابتةِ عن الرسول المكرم –صلواتُ الله وسلامه عليه-، ومن جملةِ هذه الأسماء : ( اسم الله الحنَّان ).
    فاسمُ الله الحنان ؛ لم يأت به دليلٌ من الكتاب الحكيم ، ولكنْ أتى ذكره في بعض الأحاديث الضعيفةِ التى لا تسلم من مقالٍ عند أهل العلم بالحديث ، وإنِّي ذاكرٌ لك أحد أدلةِ الإثبات لهذا الاسم " :
    عن خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ ابْنُ أَخِي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ،عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : ( كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي الْحَلْقَةِ ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي ، فَلَمَّا رَكَعَ سَجَدَ وَتَشَهَّدَ ، دَعَا ، فَقَالَ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ ، يَا حَيُّ يَا قَيَّامُ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ. ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى )([5]) .
    وبعد أنْ حكم العلامةُ الألباني على الحديثِ بالصحةِ ، أشارَ إلى شذوذ لفظة ( الحنانِ ) قائلاً :
    ( وزيادة: " الحنان " شاذةٌ باعتبارين:
    · أحدهما: عدم ورودها مطلقاً في حديث الترجمة وغيره، كما سبق ([6]) .
    · والآخر: مخالفتها لكل الطرق الدائرة على (خلف)، فليس فيها الجمع المذكور. ومما يؤكده أن راويه في "صحيح ابن حبان" عن (خلف) هو قتيبة بن سعيد، وعنه رواه النسائي دون الزيادة، فكان هذا مما يرجح ما في "زوائد ابن حبان " على ما في "الإحسان ".

    من أجل ذلك؛ يبدو جلياً خطأ المعلقين الثلاثة الذي سكتوا في تعليقهم على "الترغيب" عن هذه الزيادة، وليس ذلك غريباً عنهم؛ فإنهم لا يحسنون غيره لجهلهم، ولكن الغريب أن يلحقها بـ "زوائد ابن حبان" (2/1075- طبع المؤسسة) المعلقان عليه، ويجعلاها بين معكوفتين:[الحنان]،وهي لا تصح لشذوذها ومخالفتها للطرق عن (خلف)، ومنها طريق قتيبة، و لمباينتها لسائر الطرق على أنس، وبخاصة طريق حديث الترجمة )([7] ) .

    ولقد ورد لهذا الحديث طرقٌ أُخرى ، عن أبي هريرة ، وجابر ، وأبي ذرٍ ، وحذيفة ، ولكنَّها لا تخلو من مقالٍ ([8]).
    ولذا ذهب جماعةٌ من أهل التحقيق إلى عدم إثبات هذا الإسم ( أيّ : الحنَّان ) لله تبارك وتعالى ، فمنهم :
    · الخطابي –رحمه الله – قال : (ومَّما يدعو به النَّاسُ خاصُّهم وعامُّهم ، وإن لم تثبت به الرواية عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قولهم : الحنَّان ) ([9]) .

    · قال القرطبي –رحمه الله- : (لم يردْ في القرآنِ ، ولا في حديثٍ صحيحٍ، بل ورد في طرقٍ لا يعوَّل عليها ) ([10])


    ([1]) - انظر شرحه على مسلم (7/188) .

    ([2]) -مجموع الفتاوى (5/26) .

    ([3]) - انظر عمدة القاري (21/39) .


    ([4]) – فتح الباري (11/223) .

    ([5]) –(حديثٌ صحيحٌ ) عدا لفظة ( الحنان)، أخرجه هكذا أحمد في مسنده (20/61) ، وابن حبان في صحيحه (893)، بذكر لفظة ( الحنان )، وأخرجه بدونها ؛ أحمد في مسنده (20/61)، وابن ماجه (3858) ، وأبي داود (1497) ، والترمذي (3544) و قال : ( حسٌ غريبٌ )، والنسائي (1300) ، والحاكم في مستدركه (1/503)، وقال : (على شرط مسلمٍ ، ولم يخرجا ه) ، والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماحه (2848) ،و أبي داود (1495). مع إعلاله للفظة : ( الحنَّان ).

    (-([6] يقصد الشيخ ، الحديث الذي جعله أصلاً للحكم عليه في السلسلة الصحيحة .

    ([7]) - انظر السلسلة الصحيحة (14/23).

    ([8]) - ولقد اطَّلعتُ على بحثٍ طيبٍ للشيخ : (سلطان بن فهد الطبيَّشي )، في ملتقى أهل الحديث ، جمع فيه كل طرق هذا الحديث ، وتكلم عليها بكلامٍ علميٍّ متين ، وانتهى فيه بتضعيف كل الطرق لهذا الحديث ، فطالعه إنْ شئت .

    ([9]) كتاب شأن الدعاء له ( ص 105 ) .

    ([10]) – المقصد الأسنى في شرح أسماء الله وصفاته الحسنى له (1/265) .

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع(6)
    · ثالثاً : ( علم التفسير ).
    لا أعلم خلافاً بين أهل العلم قاطبةً، أن أفضل مافُسِّر به (القرآن الكريم ) بعد تفسير القرآنِ بالقرآنِ ، ماصحَّ عن النبيِّ –صلى الله عليه وسلم –وذلك مصداق قوله تعالى : {بِالْبَيِّنَات وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ([1]) .

    ولذا لا يجدُ الباحثُ في آي الكتاب المبارك بُدَّاً ،من الاعتناءِ بعلمِ الحديثِ (درايةً وروايةً) ، حتى يستطيع أن يصل إلى مآربه ، من فهم أيآت الذكرِ الحكيمِ ، ويعلم ماصحَّ من تفسير الرسولِ المكرم –صلواتُ الله وسلامه عليه -لآي الكتابِ ، ممَّا لم يصحَّ ، وكما هو معلومٌ عند أهل العلم بالحديثِ والتفسيرِ ، أن َّ الذي لم يتسلحْ بعلمِ الحديثِ ، سوف يقع في تفسير آي الكتاب ، خبطَ عشواءٍ ، وذلك ؛ لأنَّ كتب التفسير مشحونةٌ بالإسرائِيْليات ، والأحاديث الموضوعاتِ ، وما لا يصح نسبته إلى النبيَّ –صلى الله عليه وسلم – ولا إلى الصحابة ولا إلى التابعين –رضوانُ الله عليهم أجمعين - فقد ينسبُ إلى النبيِّ –صلواتُ الله وسلامه عليه – قولاً في تفسير الآية ؛ ولم يقله ، أو سببَ نزولٍ وهوضعيفٌ ، أو ينسبُ إلى صحابي من الصحابةِ –رضوانُ الله عليهم –ما لم يقله ، وكذلك الشأنُ مع التابعي !،

    فلا يحتجُّ محتجٌّ ؛ أنَّ هذه الرويات قد أوردها أهل التفسير في كتبهم ! فإنَّ شأنهم في مرويَّات التفسير التساهلُ في الرواية وإيرادها ، كمارويا عن الإمام أحمد –رحمه الله- أنَّه قال : (ثلاثةٌ علومٍ لا أصل لها، التفسيرُ ، والمغازي ، والملاحم ) ([2]) ، وهذا لم يمنع المحققين من تطبيق قواعد الجرج والتعديل عليها ، حتى لا نتقوَّلَ على الرسول المكرم –صلى الله عليه وسلم- ولا على الصحابةِ الكرام ، ولا غيرهم مالم ينطق به لسانهم .

    ولا أريدُ أن أترك قلمي يسيل بالأدلةِ على صدقِ مقالتي ، ولكن سأقتصر على مثالين اثنين أُوضحُ بهما ، مكانة السنَّةِ النبويَّةِ ، وعلمِ مصطلحِ الحديثِ ، للباحثِ في علوم القرآن وتفسيره .

    · المثالُ الأولُ : عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ :( لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ {لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} بِشِرْكٍ أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}) ([3])
    فقدْ أُشكلَ على الصحابةِ –رضوانُ الله عليهم – معنى الظلم المنصوصُ عليه في الآية ، فالقرآن كما أعلمنا الربُّ الكريم ،أنَّه نزل بلسانٍ عربيٍ مبينٍ ، تحدَّى الله به أهل اللِّسانِ والفصاحةِ والبيان ِ من قبائلَ العربِ، ولذا لم يخطيء الصحبُ –رضوانُ الله عليهم – في معنى (الظلم ) من ناحية اللغة ، إذ معناه عند أرباب اللسان العربي : (هو الجور ومجاوزةُ الحد، ووضع الشيءِ في غير موضعه ) ([4]) .

    ففهم الصحابة من اللفظة التى أتتْ نكرةً تفيد العموم َ، أنَّ الإنسان المسلم ؛ إذا غَبَّر إيمانه أيَّ ظلمٍ صَغُر أم كَبُر ، سيكونُ مآله إلى غياب الأمن عنه في الدنيا والأخرة ، ولم يكن من المهتديين ، طبقاً لمفهوم المخالفةِ للآية ، ولذا شقَّ ذلك عليهم ! ، فأخذ المعلم المربي (رسولُ الله) –صلواتُ الله وسلامه عليه – يبيَّن لهم المعنى الشرعي للظلم المعنيُّ في الآية ، بقوله : ( أَولمْ تسمعوا قول لقمان لابنه ...ثم ذكر الآية ليوضحَ لهم ما أُشكلَ عليهم .

    · المثالُ الثاني : (قصة ماشطة بنت فرعون )"
    قال الإمام أحمد-رحمه الله -حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ (3) رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا " . قَالَ: " قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا ؟ قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللهِ . فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي ؟
    قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللهُ . قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ قَالَتْ: نَعَمْ . فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلانَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ . فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً . قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَتَدْفِنَنَا . قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الحَقِّ " . قَالَ: " فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَاحِدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، كَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّهْ، اقْتَحِمِي، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ " قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ صِغَارٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ ) ([5]) .
    وهذه القصةُ ، أوردها ابن كثير ([6]) وصاحب الدرر المنثور ([7]) في تفسيرهما، في تفسير قوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ([8]) .
    لقد دارعلى ألسنة الخطباء والوعاظ وغيرهم ، ممَّن ليسوا عندهم القدرة على التحرير العلمي للمرويَّات بصفةٍ عامةٍ ، ولمرويَّات التفسير بصفةٍ خاصةٍ ، هذه القصة ( قصة ماشطة )، آخذين في دفع قول من ناصحهم بالحجة والبرهان وحسن البيان ، بقولهم : هكذا وجدناها في تفسير ابن كثير ، وصاحب الدرر المنثور .
    ولقد أوتوا هؤلاءجميعاً من ضعفهم الشديد بعلمِ الحديثِ وقوانينهِ ، وكيفيَّةِ نقدِ المرويَّاتِ .

    وبما مثَّلتُ من أمثلةٍ ، يستطيع أنْ يدرك طالبُ العلم ، والناظرُ في العلوم الشرعية دراسةً وتدريساً ،( أهمية علم الحديث ) ومكانتة بين العلوم الشرعية ، فلم يبق عليه إلاَّ أنْ يشمِّر عن ساعديه ، ليكون من أهلة ، وطالبيه.



    ([1]) – النحل (44) .

    ([2]) – الجامع لأخلاق الراوي وأداب السامع (2/162) للخطيب البغدادي .

    ([3]) - ( متفق عليه ) ، البخاري (3360) ، ومسلم (124) .

    ([4]) - لسان العرب (12/373) .

    ([5]) - ( حديثٌ ضعيفٌ ). أخرجه أحمد في مسنده (5/31) ، وابن حبان (2903) ، والحاكم في مستدركه (2/496) وقال : ( هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ، وقد ذكره الشيخ الألياني في الضعيفة (13/911)،وانتهى فيه إلى الحكم عليه بالنكارة ، فطالعه إنْ شئت.

    ([6]) – تفسير القرآن العظيم (5/29) .

    ([7]) - الدرر المنثور في التفسير بالمأثور (9/198) .

    ([8]) - الإسراء (1) .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع(7)
    · سابعاً : الإطلاعُ على أقوال أهل العلم ، في حجيتة السنَّةِ النبويَّةِ ، سواءٌ ماكان منهامتواتراً، أو أُحاديِّ الطريق)
    وأعْني بالأُحادي : (المشهور ، والعزيز ، والغريب ) ، وكذلك الردُ على من قال من أهل البدع بأنَّ الأحاديث الأُحاديَّة ، لا يُحتجُّ بها في تقرير المسائل العقديَّة ، ممَّا أدى بهم في النهايَّة ، إلى القول : (بعدم إثباتِ عذابِ القبر).



    · ثامناً : تمييز الحق من الباطل ، ومن ثمَّ الثبات عليه، وتمتع صاحب السنة بنضارةٍ في الوجه "
    عن مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذلِكَ ) ([1]) .
    · قال الإمام أحمد (ت242هـ ) –رحمه الله- : (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحابُ الحديثِ ؛ فلا أدري من هم ) ([2]) .
    · قال أبو عبد الله الحاكم (ت405هـ):
    ( وفي مثل هذا قيل : من أمرَّ السنَّةَ على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحق فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أنَّ الطائفةَ المنصورةَ التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة ؛ هم أصحابُ الحديثِ ، ومن أحقُّ بهذا التأويلِ من قوم سلكو محجَّة الصالحين ، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين ، بسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى آله أجمعين، من قوم آثرو قطع المفاوز والقِفار، على التنعم في الدمن والأوطار، وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار؛ بوجود الكِسر والأطمار، قد رفضوا الإلحاد الذي تتوق إليه النفوس الشهوانية ، وتوابع ذلك من البدع والأهواء والمقاييس والآراء والزيع ، جعلوا المساجد بيوتهم ، وأساطينها تكاهم ، وبواريها فرشهم ) ([3]) .

    ثمَّ ساق الحاكم بسنده إلى عمر بن حفص بن غياث قال : سمعت أبي وقيل له :( ألا تنظر إلى أصحاب الحديث وما هم فيه ؟ قال : ( هم خير أهل الدنيا ) ([4]) .
    ثم ساق بسنده أيضاً عن أبي بكر بن عياش أنَّه قال : ( إني لأرجو أن يكون أصحاب الحديث خير الناس ؛ يقيم أحدهم ببابي ، وقد كتب عني ، فلو شاء أن يرجع ويقول : حدثني أبو بكر جميع حديثه فعل إلَّا أنَّهم لا يكذبون ) ([5]) .

    · ثمَّ قال أبو عبد الله معلقاً على قوليهما:
    ( ولقد صدقا جميعاً ؛ أنَّ أصحابَ الحديثِ ؛ (خيرُ النَّاسِ ) وكيف لا يكونون كذلك وقد نبذوا الدنيا بأسرها ورائهم ، وجعلوا غذائهم الكتابة ، وسمرهم المعارضة ، واسترواحهم المذاكرة وخلوقهم المداد، ونومهم السهاد ، واصطلاءهم الضياء ، وتوسدهم الحصى ، فالشدائدُ مع وجودِ الأسانيد العالية عندهم؛ رخاءٌ ، ووجود الرخاءُ مع فقد ما طلبوه عندهم بؤسٌ ، فعقولهم بلذاذةِ السنَّةِ غامرةٌ ، تعلم السنن سرورهم ، ومجالس العلم حبورهم ،وأهل السنَّة قاطبةً إخوانهم ، و أهل الإلحادِ والبدعِ بأسرها أعداؤهم ) ([6]) انتهى.

    · ومن ثمرة تعلم علم الحديث وتبليغه ؛ (نضارة الوجه)، قال النبي –صلى الله عليه وسلم – ( نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ سَامِعٍ ) ([7]) .
    قال السِّندي : قالَ الْخَطَّابِيُّ :( دَعَا لَهُ بِالنَّضَارَةِ وَهِيَ النِّعْمَةُ ، يُقَال نَضَّرَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَهُوَ أَجْوَد وَفِي النِّهَايَة يُرْوَى بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف مِنْ النَّضَارَة ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ؛ حُسْن الْوَجْه وَالْبَرِيق ، وَأَرَادَ حُسْن قَدْره ، وَقِيلَ رُوِيَ مُخَفَّفًا وَأَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ يَقُول بِالتَّثْقِيلِ ،وَالْأَوَّل الصَّوَابُ وَالْمُرَادُ أَلْبَسهُ اللَّه النَّضْرَة وَهِيَ الْحُسْن وَخُلُوص اللَّوْن أَيْ جَمَّلَهُ وَزَيَّنَهُ وَأَوْصَلَهُ اللَّه إِلَى نَضْرَة الْجَنَّةِ، أَيْ نَعِيمهَا وَنَضَارَتهَا قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ : مَا مِنْ أَحَد يَطْلُب الْحَدِيثَ ، إِلَّا وَفِي وَجْهه نضرة لِهَذَا الْحَدِيث .وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّب الطَّبَرِيُّ : رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَام فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَنْتَ قُلْت نَضَّرَ اللَّه اِمْرَأَ ،وَتَلَوْت عَلَيْهِ الْحَدِيث جَمِيعه وَوَجْهُهُ يَتَهَلَّل فَقَالَ لِي نَعَمْ أَنَا قُلْته ) ([8]) .













    ([1]) - (متفق عليه ) . البخاري (3614) ، ومسلم (1037) .

    ([2]) – معرفة علوم الحديث للحاكم (1/35) .

    ([3]) - المصدر السابق .

    ([4]) - المصدر السابق .

    ([5]) - المصدر السابق (1/36) .

    ([6]) - المصدر السابق .

    ([7]) (حديثٌ صحيحٌ )،أخرجه أحمد في مسنده (7/221)، وابن ماجة (232)، والترمذي (2657) وقال : ( حسن ٌ صحيح ٌ ) ،جميعاً من حديث عبد الله بن مسعودِ ، وله شاهدٌ من حديث أنس ، وجبير بن مطعمٍ .

    ([8]) في (حاشيته على ابن ماجه 1/214).

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع(8)
    · كلمات الأكابر في بيان ماهيَّةِ علمِ الحديثِ .
    · قال ابن الصلاح المتوفى (643هـ )كلاماً رائِعا ([1]) ً :
    ((إن َّعلم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة،وأنفع الفنون النافعة،يحبه ذكور الرجال وفحولتهم،ويُعنى به محققو العلماء وكَمَلَتُهُم ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم ([2]) وسَفِلَتُهم. وهو من أكثر العلوم تولجاً في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء،وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء.
    ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيماً،عظيمةً جموع طلبته،رفيعةً مقادير حفاظه وحملته، وكان علومه بحياتهم حية، وأفنان فنونه ببقائهم غضة،ومغانيه بأهله آهلة، فلم يزالوا في انقراض ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العدد، ضعيفةُ العُدَد، لا تُعنى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلاً، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلاً، مطَّرِحين علومه التي بها جل قدره، مباعدين معارفه التي بها فُخِّم أمره))

    · الإمام أَبوعبد الله الذهبي-رحمه الله- (748هـ) :
    وفي القرن الذي يليه شكا الإمام الذهبي رحمه الله المتوفى سنة (748هـ ) من كسلِ طلبة الحديث، وعدم بذلهم الجهد اللازم للتأهل في هذا العلم، كما شكا من تجرئ غير المتأهلين له على ولوج ميادينه وأبوابه، فقال في كتابه القيم تذكرة الحفاظ ([3]) ينصح طلبة الحديث: ((.... ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نَقَلة الأخبار ويجرحهم جهبذاً إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ، والفهم مع التقوى، والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان، وإلاَّ تفعل:
    فدعْ عنك الكتابة لست منها ولو سوَّدتَّ وجهك بالمِدادِ
    قال الله عز وجل:{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.

    فإن آنست يا هذا من نفسك فهماً،وصدقاً،ود يناً،وورعاً،وإل اَّ فلا تتعنَّ ، وإنْ غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مُخلِّطٌ مُخبِّطٌ مُهْمِلٌ لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البَهْرج،ويَنْك ُبُ الزَغَل،ولا يحيقُ المكرُ السَّيء إلاَّ بأهله، فقد نصحتك.فعلمِ الحديثِ صَلِفٌ ([4]) ، فأين علم الحديث؟وأين أهله؟كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب )).

    · وقال في موضع آخر يتأسف على ما آل إليه أمر هذا العلم ([5]) :
    ((فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا،وتبدل الناس بطلبة يهزأ بها أعداء الحديث والسنة، ويسخرون منهم)).

    · وشكا أيضاً-مما نشكو منه نحن اليوم- من تطاول البعض على أئمة المحدثين وجهابذتهم، وتنقصه منهم
    فقال ([6]) : ((...فبالله عليك يا شيخ، ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاءِ الحفاظِ النظر الشَّزْر، ولا تَرْمُقنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا، حاشا وكلا!! فما فيمن سَمَّيتُ أحد ولله الحمد إلا وهو بصير بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسِبك لفرط هواك ؛تقول بلسان الحال إن أعْوَزَك المقال: من أحمدُ؟ وما ابنُ المديني؟ وأي ُّشيء أبو زرعةَ وأبو داودَ؟ هؤلاءِ محدثون ، ولا يدرون ما الفقه وما أصوله؟ ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله بالدليل، ولا هم من فقهاء الملة.

    ثمًّ آخذ الذهبي في النصح لهذا الجاهل المأفون قائلاً :
    ( اسكت بحلمٍ، أو انطق بعلمٍ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاءِ، ولكنَّ نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديثِ. فلا نحن ولا أنت. وإنَّما يعرف الفضلُ لأهلِ الفضلِ ذو الفضلِ فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه. ومن تكلم بالجاه وبالجهل أو بالشر والبأو ([7]) فأعرضْ عنه، وذره في غَيِّه، فعقباه إلى وبال. نسأل الله العفو والسلامة)).



    ([1]) - كتاب علوم الحديث ( ص5 )

    ([2]) –قال الحافظ ابن حجر في النكت على مقدمة ابن الصلاح (1/226): ( وهو بضم الراء بعدها ذالٌ معجمة - والرذالةُ - ما انتفى جيده، فكأنه هنا وصف محذوف أي طائفة رذالة.
    والرذال بغير تا ء: الدون الخسيس، والردئ من كل شيء، فيحتمل أن تكون التاء في هذه للمبالغة. ولم أر في جمع رذل رذالة. وإنما ذكروا أرذال ورذول ورذلاء وأرذلون ورذال . والله أعلم.

    ([3]) – تذكر ة الحفاظ (1/4) .

    ([4]) - قال صحاب لسان العرب (9/169) : ( الصَّلَفُ ؛ مُجاوَزَةُ القَدْر في الظَّرْف والبراعةِ والادِّعاءُ فوق ذلك تكبّراً صَلِفَ صَلَفاً فهو صَلِفٌ) )

    ([5]) - تذكرة الحفاظ (2/529) .

    ([6]) – المصدر السابق (2/627) .

    ([7]) - قال ابن الأثير في النِّهاية (1/91)،# البأو : هو : ( الكبر والتعظم )

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    تابع(9)
    · قال العلامةُ النووي (ت676هـ) –رحمه الله- :
    ولقد أحسن القائل ( من جمع أدوات الحديثٍ ؛ استنارَ قلبهُ ، واستخرج كنوزه الخفيات وذلك ؛ لكثرة فوائده البارزات والكامنات ،وهو جدير بذلك ، فإنه كلام أفصح الخلق ومن أُعطى جوامع الكلمات صلى الله عليه وآله وسلم صلواتٌ متضاعفات ) ([1]) .




    · وقال العلامة الشهاب أحمد المنينى الدمشقي الحنفي في القول السديد ([2]) :
    (إن َّعلم الحديث ؛ علم رفيع القدر، عظيم الفخر، شريف الذكر، لا يعتني به إلَّا كل حبرٍ ولا يحرمه إلَّا كلُّ غمرٍ، ولا تفني محاسنه على ممر الدهر، لم يزل في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة ، وكم عزَّ به من كشف الله له عن مخبآت أسراره وجلاله ، إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين، ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين ، ومنه يدري شمائل من سما ذاتاً ووصفاً واسماً ، ويوقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عرباً وعجماً، وتمتد من بركاته للمعتني به موائد الإكرام من رب البريَّة ، فيدرك في الزمن القليل من المولى الجليل المقامات العلية ، والرتب السنيَّة ، من كرع من حياضه أو رتع في رياضه ؛ فليهنه الأنس يجني جنانه السنَّة المحمديَّة ، والتمتع بمقصورات خيام الحقيقة الأحمديَّةِ ، وناهيك بعلم من المصطفى بدايته وإليه مستنده وغايته ، وحسب الراوي للحديث شرفاً وفضلاً وجلالة ونبلاً ؛ أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول ، وإلى حضرته الشريفة بها الإنتهاء والوصول ، وطالما كان السلف الصالح يقاسون في تحمله شدائد الأسفار ، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة ولا يقنعون بالنقل من الأسفار ، فربما ارتكبوا غارب الاغتراب بالارتحال إلى البلدان الشاسعة لأخذ حديثٍ عن إمامٍ انحصرت روايته فيه ، أو لبيان وضع حديثٍ تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه ، وتأسي بهم من بعدهم من نقلة الأحاديثِ النبويَّةِ ، وحفظة السنَّةِ المصطفويَّةِ فضبطوا الأسانيدَ ، وقيدوا منها كل شريدٍ ، وسبروا الرواة بين تجريحٍ وتعديلٍ ، وسلكوا في تحرير المتن أقوم سبيل ، ولا غرض لهم إلَّا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى وأفعاله ، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله ، فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها الهمم العوالي ، والمأثرة التي يصرف في تحصيلها الأيام والليالي)


    · وقال الإمام أبو الطيب السيد صديق حسن خان الحسيني الأثري عليه الرحمة والرضوان قي كتابة ((الخطة: ([3])
    (إعلم أن آنف العلوم الشرعيَّةِ ومفتاحها، ومشكاةَ الأدلةِ السَّمعيَّةِ ومصباحها ، وعمدة المناهج اليقينيَّة ورأسها، ومبني شرائع الإسلام وأساسها، ومستندُ الروايات الفقهيَّةِ كلها، ومآخذ الفنون الدينيَّةِ دقها وجلها ، وأسوةُ جملةِ الأحكامِ وأسُّها، وقاعدةُ جميع العقائد وأُسُّطقسها، وسماء العبادات وقطب مدراها ، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها ، هو (علم الحديث الشريف)، الذي تعرف به جوامع الكلم ،وتنفجر منه ينابيع الحكم ،وتدورعليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل نهى وأمر ، ولولاه لقال من شاء ما شاء ، وخبط الناس خبط عشواء ،وركبوا متن عمياء.

    فطوبي لمن جدَّ فيه ، وحصَّل منه ، على تنويه يملك من العلوم النواصي ، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي ، ومن لم يرضع من دره ،ولم يخض في بحره ، ولم يقتطف من زهره ، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام ؛ فقد جار فيما حكم .وقال على الله تعالى ما لم يعلم كيف وهو كلام رسول الله والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين ، وقد أوتى جوامع الكلم ،وسواطع الحكم ،من عند رب العالمين، فكلامه أشرف الكلم وأفضلها ، وأجمع الحكم وأكملها ، كما قيل : (كلام الملوك ملوك الكلام) ، وهو تلو كلام الله العلَّام ، وثاني أدلة ِالأحكامِ.

    فإن َّعلوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها ، وأحكام الشريعة المطهَّرة بتمامها ، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها ، وكذا الكشفيات والعقليَّات بنقيرها وقطميرها ، تتوقف على بيانه ، فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم ، ولم تضرب على ذلك المعيار القويم ، لا يعتمد عليها ولا يصار إليها ، فهذا العلم المنصوص والبناء المرصوص ، بمنزلة الصراف لجواهر العلوم عقليها ونقليَّها ، وكالنَّقاد لنقودِ كلِّ الفنون اصليها وفرعيها ، من وجوه التفاسير والفقهيَّات ، ونصوص الأحكامِ ، ومآخذ عقائد الإسلامِ ، وطرق السلوك إلى الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام ،فما كان منها كامل العيار في نقد هذا الصراف ، فهو الحري بالترويج والاشتهار ، وما كان زيفاً غير جيد عند ذاك النقاد ، فهو القمين بالردِّ والطرد والإنكار ، فكلُّ قولٍ يصدقه خبر الرسول ؛ فهو الأصلحُ للقبولِ ؛ وكلُّ ما لا يساعده الحديث والقرآن ، فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان .

    فهي مصابيحُ الدُّجى ومعالم الهدى ، وبمنزلةِ البدرِ المنير ، مَن انقاد لها ؛ فقد رشد واهتدى ، وأوتى الخير الكثير ،ومن أعرض عنها وتولى ؛ فقد غوى وهوى ، وما زاد نفسه إلا التخسير ، فإنه نهى وأمر وأنذر وبشر وضرب الأمثال وذكَّر ، وإنَّها لمثل القرآن ، بل! هي أكثرُ .

    وقد أرتبط بها اتباعه الذي هو ملاك سعادة الدارين ، والحياة الأبدية بلا مين ،كيف ؟!
    وما الحق إلا فيما قاله أوعمل به أو قرره أو أشار إليه ، أو تفكر فيه أو خطر بباله أو هجس في خلده واستقام عليه .
    فالعلمُ في الحقيقةِ ؛ هو علم السنَّةِ والكتابِ ، والعملُ العملُ بهما في كل إياب وذهاب ، ومنزلته بين العلومِ منزلةِ الشمس بين كواكب السَّماء ، ومزية أهله على غيرهم من العلماء ، مزية الرجال على النساء، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء }، فياله من علمٍ ؛ سِيط بدمه الحق والهدى ، ونيْط بعنقه الفوز بالدرجاتِ العلى ، وقد كان الإمامُ محمد بن علي بن الحسين، - رضي الله عنه- يقول : (إنَّ من فقه الرجل ؛ بصيرته أو فطنته بالحديثِ). ولقد صدق فإنَّه لو تأمل المتأملُ بالنظر العميق ، والفكر الدقيق لعلمٍ ، أنَّ لكل علمٍ خآصيَّةٌ ، تتحصلُ بمزاولته للنفس الإنسانيَّة كيفيَّةٌ من الكيفيَّاتِ الحسنةِ أو السيئة ، وهذا علمٌ تعطى مزاولته صاحب هذا العلم ؛ معنى الصحابيَّة ؛ لأنَّها في الحقيقة هي الاطلاعُ على جزئيات أحواله ، ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وعند بعد الزمان؛ يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول ، ويرتسم في خياله ،بحيث يصير في حكم المشاهدةِ والعيان ، وإليه أشار القائل بقوله
    أهل الحديث هموا أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
    ويروى عن بعض الصلحاء أنَّه قال :(أشدُ البواعثِ وأقوى الدَّواعي لي على تحصيل علم الحديث ؛ لفظ(قال رسول الله)صلى الله عليه وسلم.

    فالحاصلُ؛ أن َّأهلَ الحديثِ كثر الله تعالى سوادهم ورفع عمادهم ، لهم نسبةٌ خآصةٌ ومعرفة مخصوصة بالنبي ، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين، فضلا عن النَّاس أجمعين ؛ لأنَّهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا، وأحواله الكريمة ، وشمائله الشريفة على لسانهم ، ولم يبرح تمثال جماله الكريم ، وخيال وجهه الوسيم ،ونور حديثه المستبين ، يتردد في حاق وسط جنانهم ، فعلاقة باطنهم بباطنه العلي ؛ متصلةٌ ، ونسبةُ ظاهرهم بظاهرة النقي مسلسلةٌ ، فأكرم بهم من كرام ، يشاهدون عظمة المسمي حين يذكر الأسم ، ويصلون عليه كل لمحةٍ ولحظةٍ بأحسن الحد والرسم ) انتهى .







    ([1]) -كتاب ماتمسُ إليه حاجة القاري (1/18) . .

    ([2]) – قواعد التحديث (1/7) لجمال الدين القاسمي .

    ([3]) - قواعد التحديث (1/8) .
    abo_asem80@hotmail.com
    هاتف :01147785345_01011162815

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,719

    افتراضي رد: طليعة علم الحديث

    هذا البحث كان مقدمةٌ أوليَّه ، كتبتها سريعاً لطلبة العلم عندي ، وإن شاء الله تعالى ، سأصغوها صياغةً جديدةً في حلة قشية .
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •