قساوة القلب
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قساوة القلب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    814

    Lightbulb قساوة القلب

    قساوة قلبهم
    مع الآية 74 من سورة البقرة:
    قال تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }
    وفي تفسير ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل، وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى، وإحيائه الموتى: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ } كله، فهي كالحجارة التي لا تلين أبداً، ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد: 16] قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: لما ضرب المقتول ببعض البقرة، جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني، ثم قبض، فقال بنو أخيه حين قبضه الله: والله ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد أن رأوه، فقال الله: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك، يعني: أبناء أخي الشيخ، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، وإن لم يكن جارياً، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [الإسراء: 44] وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن، وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس { وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق { وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وقال أبو علي الجياني في تفسيره: { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } هو سقوط البرد من السحاب، قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال؛ فإن هذا خروج عن اللفظ بلا دليل، والله أعلم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب يعني: ويحيى بن يعقوب، في قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ } قال: كثرة البكاء { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ } قال: قليل البكاء { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } قال: بكاء القلب من غير دموع العين، وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة؛ كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: { يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } [الكهف: 77] قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة؛ كما في قوله تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَاُ } [الأحزاب: 72] وقال:
    { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } [الإسراء: 44] الآية، وقال: { وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } [الرحمن: 6] { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ } [النحل: 48] الآية، { قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [فصلت:11] { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ } [الحشر: 21] الآية: { وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ } [فصلت: 21] الآية، وفي الصحيح: " هذا جبل يحبنا ونحبه " وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: " إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن " وفي صفة الحجر الأسود: إنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه، وحكى القرطبي قولاً أنها للتخيير، أي: مثلاً لهذا وهذا وهذا، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين. وكذا حكاه الرازي في تفسيره، وزاد قولاً آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب، كقول القائل: أكلت خبزاً أو تمراً، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: كل حلواً أو حامضاً، أي: لا يخرج عن واحد منهما، أي: وقلوبكم صارت كالحجارة، أو أشد قسوة منها، لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم.
    (تنبيه) اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: { فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } بعد الإِجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: أو: ههنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة، كقوله تعالى:
    { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً } [الإنسان: 24] { عُذْراً أَوْ نُذراً } [المرسلات: 6] وكما قال النابغة الذبياني:
    قالَتْ أَلا لَيْتَما هذا الحَمامُ لنا إلى حمامَتِنا أَوْ نِصْفُهُ فَقَدِ
    تريد: ونصفه، قاله ابن جرير، وقال جرير بن عطية:

    نالَ الخِلافةَ أو كانَتْ لَهُ قَدَراً كَما أَتى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ
    قال ابن جرير: يعني: نال الخلافة، وكانت له قدراً، وقال آخرون: أو ههنا بمعنى بل فتقديره: فهي كالحجارة، بل أشد قسوة، وكقوله:
    { إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } [النساء: 77]، { وَأَرْسَلْنَـٰه إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [الصافات: 147]،
    { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } [النجم: 9] وقال آخرون: معنى ذلك: { فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } عندكم، حكاه ابن جرير، وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، كما قال أبو الأسود:
    أُحِبُّ مُحَمَّداً حُبّاً شديداً وعَبّاساً وحَمْزَةَ والوَصِيّا
    فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْداً أُصِبْه وليسَ بمُخْطِىءٍ إن كان غَيّا
    وقال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكاً في أن حب من سمى رشد، ولكنه أبهم على من خاطبه، قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات، قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله، ثم انتزع بقول الله تعالى: { وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } [سبأ: 24] فقال: أو كان شاكاً من أخبر بهذا من الهادي منهم ومن الضال؟ وقال بعضهم: معنى ذلك: فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة. قال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة؛ وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره (قلت): وهذا القول الأخير يبقى شبيهاً بقوله تعالى: { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } [البقرة: 17] مع قوله: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [البقرة: 19] وكقوله: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } [النور: 39] مع قوله: { أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ } [النور: 40] الآية، أي: إن منهم من هو هكذا، ومنهم من هو هكذا، والله أعلم، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج حدثنا علي بن حفص حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله: القلب القاسي " رواه الترمذي في كتاب الزهد من جامعه عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج صاحب الإمام أحمد به، ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب به، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم، وروى البزار عن أنس مرفوعاً: "أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا ".

    مع الآيات 42-47 من سورة الأنعام :
    قال تعالى:{ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } * { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } * { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } * { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } * { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }
    وفي تفسير ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى أنه الفعَّال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل، يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: { قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ } أي: أتاكم هذا أو هذا { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي: لا تدعون غيره؛ لعلمكم أَنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: { إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي: في اتخاذكم آلهة معه { بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } أي: في وقت الضرورة، لا تدعون أحداً سواه، وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم؛ كقوله: { وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ } [الإسراء: 67] الآية، وقوله: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ } يعني: الفقر والضيق في العيش، { وٱلضَّرَّاءِ } وهي الأمراض والأسقام والآلام؛ { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } أي: يدعون الله، ويتضرعون إليه ويخشعون، قال الله تعالى: { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك، تضرعوا إلينا، وتمسكنوا لدينا، ولكن { قَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: ما رقت ولا خشعت { وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } أي: من الشرك والمعاندة والمعاصي، { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } أي: أعرضوا عنه، وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى، وإملاء لهم، عياذاً بالله من مكره، ولهذا قال: { حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ } أي: من الأموال والأولاد والأرزاق، { أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً } أي: على غفلة، { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } أي: آيسون من كل خير، قال الوالبي عن ابن عباس: المبلس: الآيس، وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه، فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له، ومن قتر عليه، فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } قال: مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم، ثم أخذوا، رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط، إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون، رواه ابن أبي حاتم أيضاً.
    وقال مالك عن الزهري: { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } قال: رخاء الدنيا ويسرها، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين - يعني: ابن سعد أبا الحجاج المهري - عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام ابن عمار، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء، رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعاً، فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة " { حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } كما قال: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِين } ، ورواه أحمد وغيره.

    مع الآيتين 182-183 من سورة الأعراف
    قال تعالى: { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُه ُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } * { وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ }
    وفي تفسير ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى: { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُه ُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } ـ ومعناه أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا حتى يغتروا بما هم فيه، ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِين } [الأنعام: 44-45] ولهذا قال تعالى: { وَأُمْلِى لَهُمْ } أي: وسأملي لهم، أي: أطول لهم ما هم فيه، { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } أي: قوي شديد.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    814

    افتراضي رد: قساوة القلب

    قسوة قلوبهم
    (تابع)

    مع الآية 16 من سورة الحديد
    قال تعالى: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } * { ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }
    وفي تفسير ابن كثير رحمه الله : يقول الله تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له وتطيعه؟ قال عبد الله بن المبارك: حدثنا صالح المري عن قتادة عن ابن عباس أنه قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ }؟ الآية، رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن حسين المروزي عن ابن المبارك به. ثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، يعني: الليثي، عن عون بن عبد الله عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ }؟ الآية، إلا أربع سنين. كذا رواه مسلم في آخر الكتاب، وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب به. وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مثله، فجعله من مسند ابن الزبير، لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب عن أبي حازم عن عامر عن ابن الزبير عن ابن مسعود، فذكره.
    وقال سفيان الثوري عن المسعودي عن القاسم قال: ملّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى:
    { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } [يوسف: 3] قال: ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى: { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ }
    [الزمر: 23] ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ }. وقال قتادة: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ } ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أول ما يرفع من الناس الخشوع " وقوله تعالى: { وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد، بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد، { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة؛ كما قال تعالى:
    { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَٰضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } [المائدة: 13] أي: فسدت قلوبهم فقست، وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية.
    وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش، حدثنا حجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر عن الربيع بن أبي عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثاً ما سمعت أعجب إلي منه إلا شيئاً من كتاب الله، أو شيئاً قاله النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه، تركناه، ومن كره أن يتابعنا، قتلناه، ففعلوا ذلك، وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون، عمد إلى ما يعرف من كتاب الله، فكتبه في شيء لطيف، ثم أدرجه، فجعله في قرن، ثم علق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل، قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم أفشيتم القتل في بني إسرائيل، فادعوا فلاناً فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تبعكم، فسيتابعكم بقية الناس، وإن أبى فاقتلوه، فدعوا فلاناً ذلك الفقيه، قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال: وما فيه؟ اعرضوه علي، فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال: نعم آمنت بما في هذا، وأشار بيده إلى القرن، فتركوه، فلما مات فتشوه فوجدوه معلقاً ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن " قال ابن مسعود: وإنكم أوشك بكم إن بقيتم، أو بقي من بقي منكم، أن تروا أموراً تنكرونها لا تستطيعون لها غيراً، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره.
    وروى أبو جعفر الطبري: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود، فقال: يا أبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفاً، ولم ينكر قلبه منكراً؛ إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم، اخترعوا كتاباً من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القرن بين ثندوتيه، فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويومىء إلى القرن بين ثندوتيه، ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن.
    وقوله تعالى: { ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال.

    مع الآية 13 من سورة المائدة

    قال تعالى: { وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوه ُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّك ُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } * { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِين َ } * { وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }
    وفي تفسير ابن كثير رحمه الله : لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالقيام بالحق، والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه، أعقبهم ذلك لعناً منه لهم، وطرداً عن بابه وجنابه، وحجاباً لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع، والعمل الصالح، فقال تعالى: { وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً } يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى عليه السلام لقتال الجبابرة، فأمر بأن يقيم نقباء، من كل سبط نقيب، قال محمد ابن إسحاق: فكان من سبط روبيل شامون بن زكّور، ومن سبط شمعون شافاط بن حري، ومن سبط يهوذا كالب بن يوفنا، ومن سبط أبين ميخائيل بن يوسف، ومن سبط يوسف، وهو سبط إفرايم يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين فلطمي بن رفون، ومن سبط زبولون جدي بن سودي، ومن سبط يوسف وهو منشا بن يوسف جدي بن سوسى، ومن سبط دان حملائيل بن جمل، ومن سبط أسير ساطور بن ملكيل، ومن سبط نفثالي نحي بن وفسي، ومن سبط جادجو لايل بن ميكي.
    وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل، وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم، قال فيها: فعلى بني روبيل الصوني بن سادون، وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا يحشون بن عمبيا ذاب، وعلى بني يساخر شال بن صاعون، وعلى بني زبولون الياب بن حالوب، وعلى بني إفرايم منشا بن عمنهود، وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين أبيدن بن جدعون، وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أسير نحايل بن عجران، وعلى بني حاز السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي أجزع بن عمينان.
    وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيباً: ثلاثة من الأوس: وهم أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، ويقال بدله: أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زراة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمر بن خنيس، رضي الله عنهم، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق رحمه الله، والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة.
    قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اثنا عشر؛ كعدة نقباء بني إسرائيل " هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً " ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي، فسألت، أي: ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: " كلهم من قريش " وهذا لفظ مسلم. ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل وقد وجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطىء اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض؛ لجهلهم وقلة عقلهم.
    وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام، وإن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيماً، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر، فيتشيع كثير منهم جهلاً وسفهاً؛ لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    وقوله تعالى: { وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ } أي: بحفظي وكلاءتي ونصري { لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى } أي: صدّقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، { وَعَزَّرْتُمُوه ُمْ } أي: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق، { وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته، { لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ } أي: ذنوبكم، أمحوها وأسترها، ولا أؤاخذكم بها، { وَلأُدْخِلَنَّك ُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود.
    وقوله: { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } أي فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشده، وجحده، وعامله معاملة من لا يعرفه، فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضلال. ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ } أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم، أي: أبعدناهم عن الحق، وطردناهم عن الهدى، { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي: فلا يتعظون بموعظة؛ لغلظها وقساوتها، { يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } أي: فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذاً بالله من ذلك، { وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } أي وتركوا العمل به رغبة عنه. وقال الحسن: تركوا عرا دينهم، ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها. وقال غيره: تركوا العمل، فصاروا إلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة، { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ } يعني: مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك. وقال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم { فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } وهذا هو عين النصر والظفر؛ كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِين َ } يعني به: الصفح عمن أساء إليك. وقال قتادة: هذه الآية: { فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } منسوخة بقوله: { قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } [التوبة: 29] الآية.
    وقوله تعالى: { وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ } أي: ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى متابعون المسيح بن مريم عليه السلام، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود، ولهذا قال تعالى: { فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم قال تعالى: { وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب عز وجل وتعالى وتقدس عن قولهم علواً كبيراً؛ من جعلهم له صاحبة وولداً، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    814

    Lightbulb رد: قساوة القلب

    قسوة قلوبهم (تابع)
    مع الآية 53 من سورة الحج:
    قال تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } * { لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } * { وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
    وفي تفسير ابن كثير رحمه الله : قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة؛ ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع: { أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } [النجم: 19 ــــ 20] قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }. رواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى { أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ } [النجم: 19] وذكر بقيته، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ثم رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية وعن السدي مرسلاً، وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلاً أيضاً.
    وقال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه: وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأها، فزلت بها ألسنتهم، فأنزل الله: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ } الآية، فدحر الله الشيطان، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبِي، حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال:
    { أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ }
    [النجم: 19 ــــ 21] ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً، فرفع على كفه تراباً، فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما المسلمون، فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثهم به الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين؛ عثمان بن مظعون، وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال الله: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِين لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم، وهذا أيضاً مرسل.
    وفي تفسير ابن جرير: عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " ، فلم يجز به موسى بن عقبة، ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة (قلت): وقد ذكرها محمد بن إسحاق في " السيرة " بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، والله أعلم. وقد ساقها البغوي في " تفسيره " مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل ههنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا من رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
    وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء لهذا، وأجاب بما حاصله أنها كذلك؛ لثبوتها. وقوله: { إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ } هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي: لا يهيدنك ذلك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء. قال البخاري: قال ابن عباس: { فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ }: إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، { ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ }. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ } يقول: إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه. وقال مجاهد: { إِذَا تَمَنَّىٰ } يعني: إذا قال، ويقال: أمنيته: قراءته { إِلاَّ أَمَانِىَّ } [البقرة: 78] يقرؤون ولا يكتبون. قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: { تَمَنَّىٰ } أي: تلا وقرأ كتاب الله { أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىۤ أُمْنِيَّتِهِ } أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل:
    تَمَنَّى كتابَ اللّهِ أولَ ليلةٍ وآخرَها لاقى حِمامَ المَقادرِ
    وقال الضحاك: { إِذَا تَمَنَّىٰ }: إذا تلا. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله: { فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ } حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان. وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته. وقوله: { وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية { حَكِيمٌ } أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال: { لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي: شك وشرك وكفر ونفاق؛ كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان. قال ابن جريج: { ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } هم المنافقون، { وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } هم المشركون.
    وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود، { وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِين لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب، { وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع، الذي يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم{ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت: 42]. وقوله: { فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } أي: يصدقوه وينقادوا له، { فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } أي: تخضع وتذل له قلوبهم، { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.

    مع الآية 22 من سورة الزمر:

    قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } * { أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }
    وفي تفسير ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى: أن أصل الماء في الأرض من السماء؛ كما قال عز وجل: { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً }
    [الفرقان: 48] فإذا أنزل الماء من السماء، كمن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال تبارك وتعالى: { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } قال: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } فمن سره أن يعود الملح عذباً، فليصعده، وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: إن كل ماء في الأرض فأصله من السماء، وقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج، يعني: أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها. وقوله تعالى: { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ } أي: ثم يخرج بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض، زرعاً مختلفاً ألوانه، أي: أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه { ثُمَّ يَهِـيجُ } أي: بعد نضارته وشبابه يكتهل، فتراه مصفراً قد خالطه اليبس، { ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً } أي: ثم يعود يابساً يتحطم، { إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } أي: الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا، تكون خضرة نضرة حسناء، ثم تعود عجوزاً شوهاء، والشاب يعود شيخاً هرماً كبيراً ضعيفاً، وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيراً ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء، وينبت به زرعاً وثماراً، ثم يكون بعد ذلك حطاماً؛ كما قال تعالى: { وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا } [الكهف: 45] وقوله تبارك وتعالى: { أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب، بعيد من الحق؟ كقوله عز وجل:
    { أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } [الأنعام: 122] ولهذا قال تعالى: { فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ } أي: فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم { أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •