الروائي الأنصاري : ذكرت الله فارتج المجلس الأدبي ضاحكا
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الروائي الأنصاري : ذكرت الله فارتج المجلس الأدبي ضاحكا

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    250

    افتراضي الروائي الأنصاري : ذكرت الله فارتج المجلس الأدبي ضاحكا

    بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله :
    هذه المقالات للروائي الأستاذ ( عبد الواحد الأنصاري ) نقلا عن ( المثقف الجديد )

    (1)
    خرافاتهم وواقعنا .. الحفظ يطلق ملكة التفكير
    ***


    في 2011 نشرت صحيفة الشرق الأوسط خبراً مفاده أن حلقات تحفيظ القرآن الكريم تتصدر قوائم التحصيل في الدرجات النهائية في الثانوية وفي اختبارات القدرات، وهذا الأمر ليس جديداً، على رغم أنه عصيّ دمع كثير من المتحمسين للنظريات التربوية الحديثة التي تحارب الحفظ وتضادّه. فلحفظ القرآن وتعليمه دوره في إطلاق الملكات الفكرية والذهنية والاستيعابية لدى الطلاب في سنيّ عمرهم الأولى, ما يؤكد أن نظريّة أن الحفظ هو العدوّ الأوّل للتلميذ (لا أدري على أي دراسة بني ذلك) غير صادقة فيما تدّعيه، بل هي أقرب ما تكون إلى الأسطورة. وذلك لسبب جليّ هو أن التركيز على الحفظ في المجالات التي تحتاج إلى الحفظ لا يمكن أن يكون آتياً إلا بنتائج إيجابيّة، وعدم توافر شرط الحفظ في هذه المجالات يكون –حتماً- سبباً في تخلف معرفي لدى الطالب.ولنأخذ على ذلك مثالاً: جدول الضرب، لا شك أن جميع الطلاب الذين يحفظون جدول الضرب هم أقدر على التفوق في جميع المراحل الدراسية من أولئك الذين لا يحفظونه، وهم أقرب إلى فهم عمليات القسمة والكسور وغيرها من مسائل الرياضة الأوليّة التي لا بد منها، وعدم حفظ الطالب لجدول الضرب يؤدي إلى ضعف شديد لديه، يجعله عرضة للجلوس طيلة الفصول الدراسية المقبلة (حتى وإن حصّل درجات جيدة) بحيث يكون عالة على مقاعد الدراسة، على الأقل على مقاعد الرياضيات. وكذلك في مادّة الكيمياء، فإن الطالب الذي يحفظ جدول العناصر الدوري يكون أكثر قابلية للتفوّق على بقية التلاميذ، ويكون الطلاب الآخرون الذين لم يستطيعوا حفظه أكثر عرضة للإخفاق في المادّة.ولهذا السبب فإن بعض معلمي مادة الكيمياء لجؤوا إلى الطرق القديمة التي كان يستخدمها قدماء العرب في تحفيظ طلابهم، من طريق الرموز والمنظومات، ليستطيعوا حفظ بعض المعلومات التي يحتاجون إليها دائما في مسيرتهم العلمية. وثمة مقاطع يوتيوب وصور عدّة توضّح ذلك، يلجأ فيها المعلمون إلى اختصار أوائل أحرف العناصر ووضعها في كلمات لحفظها، تماماً كما كان يصنع علماء القراءات والتجويد ليحفظ تلاميذهم القراء الذين اعتمدوا هذا اللفظ، أو ليستطيعوا بسرعة أن يستعرضوا الحروف المنتمية إلى نوع من أنواع الأحكام التجويدية، في حين يعتمد آخرون أسلوب الخرائط الذهنية، الذي هو أيضاً أحد أساليب التحفيظ، التي يجيدها التلاميذ الذين وهبهم الله ملكة الحفظ، وإن لم يكونوا يعرفون التسمية الاصطلاحية لها.


    ناهيك عن أمثلة أخرى كثيرة تدل على وجوب تمكين الطالب من ملكة الحفظ والتذكّر، سواء للنصوص، أو للأرقام، أو للرموز، أو للصور، مما لا يمكن لأي طالب أن يستمر في عمليته التعليمية استمراراً يحصل به المخرجات المطلوبة منه بوصفه متعلماً محققاً للمهارات المطلوب تحققها فيه إلا بأن يكون الحفظ أحد العناصر الأساسيّة في ذلك.لنتخيّل على سبيل المثال طالباً متخرجاً من القسم الأدبي في الثانوية وهو لا يحفظ بيتاً للمتنبي، ولا مائة آية من القرآن ولا عشرة أحاديث، ولا يعرف سنة ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ولا تاريخ بدء الحرب العالمية الأولى والثانية ونهايتهما، ولا يعرف كم عدد حكام السعودية حتى الآن ولا يعرف عدد الصحاري في المملكة وغير ذلك من المعلومات الأساسيّة؟ إن ذلك الطالب مهما حاولتَ أن تقول إنك درّبته وأكسبته من المهارات فهو في النهاية ينتهي طالباً جاهلاً.


    وعلى الضفة الأخرى لنتخيل طالباً متخرجاً من الثانوية في القسم العلمي وهو لا يحفظ جدول الضرب، ولا معادلة النظرية النسبيّة، ولا العصور الجيولوجية ولا المراحل الجنينيّة، إلى غير ذلك من المعلومات الأولية التي يوصف أي شخص جاهل بها بأنه جاهل بالأوليات فضلا عن أن يكون مخرجاً تعليميّاً مشرفاً!
    نتيجة للهجمة الشرسة على الحفظ، وعدم القدرة على تنمية مهارات التعليم الأخرى أخرج التعليم الشرعي في كليات شرعية كبرى في أشهر الجامعات الإسلامية خريجي جامعات في العلم الشرعي يحملون شهادات بكالوريوس مع مرتبة الشرف وأحدهم لا يستطيع أن يقرأ سورة الملك أو البينة عن ظهر قلب، ولا يستطيع أن يذكر لك الاسم الكامل لصحيح البخاري أو لصحيح مسلم أو لتفسير الطبري، فضلاً أن تجد هذا الطالب الشديد الفرح بشهادته يعرف طبقات القراء أو المفسرين أو المحدثين، أو يعرف خمسة من شيوخ أحمد وخمسة من تلاميذه، وهو إمام المذهب في الجامعة الشرعية التي يدرس فيها.

    وعطفاً للعجز على الصدر، أعود فأقول: إن الخبر الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط قبل ما يقرب من عام عن أنّ طلبة تحفيظ القرآن هم أصحاب الدرجات الأعلى والقدرات الأكبر في نتائج الثانوية العامّة ليدفعنا إلى التساؤل: إذا كان الحفظ عائقاً في التعلّم، فلماذا كانت أمتنا على رأس الحضارات في كل المجالات التي من بينها الهندسة والرياضيات والتجارب العلمية الأخرى، لماذا كانت أمتنا سيدة الأمم آنذاك مع كون علمها ذلك محفوظاً في الصدور كما هو مرقوم على السطور؟!


    ولهذا فإنني لا أستقبح أن يواجه الاتهام من يعادي طريقة الحفظ برمّتها ويحاربها من المنظرين التربويين، حتى في المواد التي تعد مهارة الحفظ أساسية في تحصيلها- أقول: لا أستقبح أن يُرمى من يكن للحفظ العداء بهذه الطريقة بأقسى الاتهامات، وهو: أنه يريد أن يحول بين الآباء والمعلمين والمربين وبين سعيهم لأن يحفظ أبناؤهم كتاب ربهم وسنة نبيه في صدورهم، لتكون ماثلة أمامهم رطبة بها ألسنتهم في العشي والإبكار! ليخلف من بعد هذا الجيل خلف لا يحفظ سورة من كتاب ربّه، ولا لفظاً من كلام نبيه. فمن المستفيد أيها السادة من أن يأتي جيل لا يوجد فيه من يحفظ عشرَ سور من القرآن.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    250

    افتراضي رد: الروائي الأنصاري : ذكرت الله فارتج المجلس الأدبي ضاحكا

    (2)
    علمانيون يكفرون علمانيين
    ***


    في حديث الردّة حديث ذو شجون وشجون، هذا ما يَعلمه الرائي قبل المتأمل في هذه الأيام، إذ أصبحت عبارات "الكفر" تطاير كالفيروسات في الهواء أو في الأجهزة الإلكترونية، وكذلك مفردة "التكفير" صارت تهمة جاهزة لكل من يستنكر عبارة كفريّة عبرت به في هذا الأثير المتلاطم.وفي هذا الأمر تجد من لا يكاد يقر بأن ثمة "كفراً" إلا من باب إطلاق المعاني الذهنية المطلقة التي لا حقيقة لها في الخارج الكوني، وفي الوقت نفسه تجد الشخص نفسه الذي لا يقبل أن يسمي أي قول كفراً، تجده يعدّ أي قول ينتقد هذا القول "الكفري" ويصفه بـ"التكفيري"، حتى وإن لم يرد فيه لفظ التكفير أصلاً.

    كلنا نعلم أن وصف "الكفر" يطلق على نوع معين من العبارات التي تحتوي مثلاً ملزومات إنكار وجود الله تعالى أو إنكار لليوم الآخر أو إنكار علم الله تعالى بما خلق علماً تفصيلياً (وهو مثلث تكفير الغزالي للفلاسفة)، ومعلوم أن لفظ "الكفر" في الوعي الجماعي للأمة تشمئز منه النفوس ويعد إخراجاً كاملاً ونفياً للذي يتم تكفيره من المجموعة الإسلامية، فهو لا يرث ولا يورث ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، لذلك فإنه حتى حينما يطلقه بعض العلماء أو أنصاف المتعلمين أو العوامّ فإنهم يعون خطورة هذا الإطلاق.لكن بالعكس: بات وصف "التكفير" سلاحاً يشهره المهرطقون والمجدفون على كل من يستنكر تجديفهم أو عباراتهم غير اللائقة أو إساءاتهم للذوات المقدسة أو لمشاعر المسلمين، دون أن يعوا خطورة هذا الإطلاق، أو وهم يعون خطورته للضغط على العلماء والمقلدين والعوام دفعة واحدة، لا لوجود التكفير بالضرورة لديهم، ولكن للحيلولة بينهم وبين استنكار أي عبارة كفرية، بحيث أصبح الواقع الثقافي لكلمة "التكفير" يفرض أن استنكار موبقات الكبائر كالزنى وشرب الخمر والربا أسهل بكثير من استنكار العبارات الكفرية التي ترد في نصوص بعض المثقفين والمثقفات بعلم أو بغير علم. وأصبحت الآية مقلوبة والميزان ذا تطفيف: استنكار الكبائر أسهل من استنكار الكفر، وهذا ما يقود في حقيقة الأمر إلى مآل تكفيري، لأن العقيدة التكفيرية ببساطة هي: جعل المعاصي والكبائر التي دون الكفر فوق منزلته. وهذه هي النتيجة المتأتية من هذه الثقافة المنتشرة في الوقت الحالي.ومع تواطؤ كثير من المنتمين إلى التيارات الإلحادية أو العلمانية أو الليبرالية على اتهام كل من يستنكر كفراً أو إلحادا أو هرطقة بأنه "تكفيري" فإننا نجد خروقاتٍ لهذه القاعدة لدى بعض رموز هؤلاء أنفسهم، إن على مستوى التكفير العام، أو تكفير الأعيان، وخير مثال نضربه لذلك هو الكاتب علي حرب في كتابه: "الاستلاب والارتداد، الإسلام بين روجيه غارودي ونصر حامد أبو زيد" (المركز الثقافي العربي، ط1، 1997)، ففي الوقت الذي نجد فيه كثيراً من المنتمين إلى التيار الإسلامي المناهض لفكر نصر حامد أبو زيد يترفعون عن وصفه بالمرتدّ، بل يقولون: لديه عبارات كفرية، أو يقولون: حكم القضاء المصري عليه بالردّة. فإن علي حرب لا يجد في وصفه بالارتداد أو تسميته "مرتداً" بالمعنى الاعتقادي أي غضاضة.

    بل إن حرب يبالغ في توضيح ذلك بوصفه نصر حامد أبو زيد بأنه مرتد عن الإسلام والإجماع والجماعة كما أن روجيه غارودي مرتد عن النصرانية والإجماع والجماعة في فرنسا، ولا مراء في ذلك عند المفكر علي حرب، بل ويوضح علي حرب العلاقة التي تجمع بين غارودي أبو زيد قائلا: "والإسلام هو الذي يجمع هنا بين مثقفين، أحدهما يدخل إليه من خارجه، والآخر يخرج عليه من داخله، عنيت بهما روجيه غارودي ونصر حامد أبو زيد". (ص10).فهل تجرأ المثقفون والفلاسفة العرب والعلمانيون والليبراليون على وصف علي حرب بـ"التكفيري"؟ أو أن الأمر يحتاج إلى توضيح أكثر؟!

    إن كان كذلك فهاهوذا علي حرب يصور ارتداد غارودي، ثم يصور ارتداد أبو زيد مع ذكر السبب في هذا الارتداد، ومع تحديد البديل الذي ارتد إليه، ويتجاوز ذلك ليسمي نصر حامد أبو زيد شخصيا بالحرف: "مرتداً".

    يقول علي حرب بعد صفيحات: "وأبو زيد يفعل من جهته الشيء نفسه، وإن بصورة معكوسة: فهو يقف موقف الرفض من الواقع الإسلامي، إذ يتهمه بالتخلف والجهل والظلامية؛ من هنا آثر الخروج، مرتداً، إلى البداية الحديثة لعصر التنوير، معتبرا أن قيم هذا العصر هي الأهداف التي ينبغي التقدم بها والنهاية التي تحمل الخلاص. وهكذا كلا الاثنين يمارسان الارتداد، بسبب الشعور بالاستلاب، إما من جانب حداثة الغرب المدمرة، أو من جانب أصولية الإسلام الخانقة". (ص23). ولمزيد من إزالة أي لبس أو شك في أنه يصف نصر أبو زيد بالردة الدينية يعلق علي حرب في الحاشية على الكلام السابق بقوله: "لا يخفى أنني أستخدم هنا مصطلح "الارتداد" بمعنييه. الارتداد الزمني نحو الماضي، والارتداد العقائدي بوصفه خروجاً على الهوية والجماعة" (ص23).

    بل ويصفه بأحد الأوصاف المتفق على أنها وصف تكفيري بلا نزاع، مثل وصفه بأنه "ناقد القرآن" (ض 97)، وكقوله: " أبو زيد شأنه شأن سائر الدهريين العرب" (ص97).

    إن علي حرب في وصفه لنصر أبو زيد بأنه مرتد بالمعنى الزمني، وبالمعنى العقدي الذي يشمل الخروج عن الهوية والجماعة أيضاً لا يدع مجالاً حتى لمن لا يرون تطبيق حد الردّة على المرتد، لأنهم يقولون: الحديث جاء فيه أن المرتد لا يقتل إلا إذا كان خارجاً عن الجماعة، وهو الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، فحتى على قول المؤولين لحد الردة بأنه يشترط فيه أن يكون تارك دينه خارجاً عن الجماعة، ويعدون هذا الوصف شرطاً زائداً على الردّة، أقول: حتى على هذا التأويل وهذا الاشتراط فإن علي حرب لم يترك لهم مجالاً، لأنه وصف صاحبهم بأنه مرتد، زمنياً، وعقائديا، وخارجاً على الهوية، وخارجاً على الجماعة.لكن لماذا يسكت المثقفون عن "تكفير علي حرب" ويتهمون عبدالصبور شاهين بأنه "كفّر نصر حامد أبو زيد"؟ السبب أنهم يستنكرون تبعات الردة القضائية والجنائية.

    لكن هؤلاء فاتهم أن علي حرب يعد كثيراً من المثقفين دهريين ومرتدين، ويستغرب أن يكون أبو زيد مخصوصاً من بينهم بمعاملة مختلفة، بل ويستنكر على المثقفين أنفسهم أنهم يدافعون عن نصر أبو زيد ولا يدافعون عن غيره مثل أدونيس، ويعتبر ذلك تناقضاً منهم ونفاقاً.يقول حرب: "إذا كان يحق لنصر حامد أبو زيد أن يتعامل مع هويته وإسلامه وتراثه بالطريقة التي يمليها عليها اجتهاده وتقديره فإنه يحق لأدونيس، هو الآخر، أن يتعامل مع هويته بجانبها المتعلق بالموقف من الآخر، على الأقل على صعيد الفكر، بما يمليه عليه اجتهاده وتقديره. وإذا كانت دراسات أبو زيد ينبغي أن تعامل بمنطق السجال، لا بعقلية محاكم التفتيش، فإن مواقف أدونيس ينبغي أن تعامل هي أيضاً بالمنطق نفسه، أي بوصفها قابلة للنقاش لا أكثر. ولكن المثقفين المناضلين من أجل الحقوق والحريات يطالبون بأشياء ويسكتون عن أشياء. إنهم يهاجمون هذا النظام العربي، فيما هم يسكتون على أنظمة أخرى يحاصر حكامها شعوبهم أو يسومونها سوء العذاب" (115).

    والنتيجة من هذا المثال الواضح على وجود "التكفير" والحكم به على بعض المفكرين العرب من أمثالهم ممن يمتلكون الشجاعة الأدبية للاعتراف بذلك، النتيجة أن ذلك يستوجب على بقية المثقفين الذين لم يدركوا ذلك أن يتعلموه، وعلى الذين يدركونه: إما أن يعودوا على خطابهم بالنقض، فيرجعوا على مآلات التكفير بالإبطال، ويقروا به، وإما أن يستنكروا على علي حرب تكفيره الصريح ويطلقوا عليه اسم: "التكفيري" كما يطلقونه مجاناً ويتبرعونه به على كل من أنكر كفراً أو إيذاء لله ورسوله فيما نراه ونسمعه كل يوم من هذه الأيام.

    وهذا يبين أن من الجهل الشديد ما يردده البعض من أن "السلفيين" ""الإسلاميين"ه الذين كفروا نصر حامد أبو زيد، أو أن "الوهابية" هي التي حكمت بردّته، متجاهلين أن المفكرين العلمانيين العرب مضافا إليهم الدستور المصري الوضعي حكموا بردته أيضاً باستقلاليتهم المطلقة وليس رجوعاً إلى السلفية ولا إلى "الوهابية".

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    250

    افتراضي رد: الروائي الأنصاري : ذكرت الله فارتج المجلس الأدبي ضاحكا

    (3)
    هل خطبة الجمعة تضطهد الليبراليين؟
    ***

    قبل أن أدخل في لب الموضوع أحبّ أن أرسم صورة لمعاناة السلف مع أخطاء الخطباء وتطاولاتهم:

    الخبر الأول:أخرج أبو داود في سننه بإسناده "عن عاصم قال: سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول: (اتقوا الله ما استطعتم) ليس فيها مثنوية، (واسمعوا وأطيعوا) ليس فيها مثنوية، لأمير المؤمنين عبد الملك. والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من أبواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم. والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً. ويا عذيري من عبد هذيل، يزعم أن قراءته من عند الله، والله ما هي إلا رجز من رجز الأعراب، ما أنزلها الله على نبيه عليه السلام. وعذيري من هذه الحمراء، يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول: إلى أن يقع الحجر قد حدث أمر. فوالله لأدعنهم كالأمس الدابر. قال: فذكرته للأعمش فقال: أنا والله سمعته منه".

    الخبر الثاني:
    أخرج الإمام مسلم في صحيحه بإسناده أن: "أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".من الخبر الأوّل نرى كيف أن الحجاج بن يوسف كان يستغلّ صبر السلف على سماع تطاولاته وادعاءاته وعباراته المستفزة التي يهدد فيها عموم القبائل، وبعض الصحابة، وينكر فيها قراءتهم للقرآن، وغيرها من عبارات قد يصل بعضها إلى الكفر –وإن لم يحكم أحد من الصحابة بكفره، فلو كانوا يعتقدون كفره ما صلوا خلفه- ويتحملون ذلك البلاء من أجل أداء فريضة الجمعة خلف الإمام، وقد أمروا بأن يصلوها خلف الإمام الفاسق والفاجر، كما أخرجه الإمام البخاري بإسناده عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم".

    ومن الخبر الثاني نرى كيف أن مروان بن الحكم استطاع أن يتغلب على انصراف الناس عنه في خطب الأعياد بأن يجعل الصلاة قبل الخطبة، فأراد أن يجبرهم على حضور الخطبة، بأن خالفَ السنّة، وجعل الصلاة بعد الخطبة، ليجبرهم على الجلوس للخطبة وسماعها، من أجل حرصهم على عدم فوات صلاة العيد مع جماعة المسلمين.وبعد هذا التقديم: فإن المتابع لما يجري في بعض المنتديات والفيسبوك وتويتر، يلحظ أن كثيرا من الليبراليين يتعاملون مع خطبة الجمعة مثل تعامل السلف مع خطب الحجاج، ويعيشون معها شعوراً بالاضطهاد والظلم، أو مثل شعور الصحابة والتابعين -ومنهم أبو سعيد الخدري- حين بدل مروان بن الحكم ترتيب خطبة العيد وجعلها قبل الصلاة ليجبر الناس على سماعها.

    وشعور الليبرالي بالاضطهاد الشديد في خطبة الجمعة عائد في نظري إلى انعدام صفتين رئيسيتين في جو خطبة الجمعة، وووجود صفتين رئيسيتين أخريين فيه.

    فالصفتان المعدومتان في خطبة الجمعة هما:

    1- انعدام حرية الرأي والرأي الآخر؛ فالخطيب يعرض رأياً دينيّاً محافظاً، ينتقد فيه الأفكار الليبرالية دون أن يستطيع الليبرالي الرد عليه لأنه: "من مس الحصا فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له"، بل وقد يختم خطبته بقوله: "اللهم عليك بالعَلمانيين والتغريبيين" ولا يملك الليبرالي إلا "التأمين" على دعائه عليه، أو "السكوت" لكيلا تبطل جمعته! ولا يوجد في الجامع سوى منبر واحد، ولا يمكن أن يكون في الجامع منبران ولا خطيبان، وهذا في عرف الليبرالي يعد اضطهاداً فكرياً.

    2- انعدام العَلمانية في خطاب خطبة الجمعة؛ فالخطيب إنما يتحدث في شؤون الحياة وفي السياسة، فهو يأمر بالحجاب، وينهى عن التبرج والسفور، وأوضاع المواطنين وقضايا المسلمين، ويهزّ أركان الليبرالي بنصوص القرآن والسنة وإجماعات القرون الثلاثة، ويقرأ فتاوى العلماء في ذلك، ويتحدث في شؤون اجتماعية وسياسيّة، وهذا ما يجعل المسجد في خطبة الجمعة "محضناً مقدّساً" لأشد الأفكار والقواعد عداوة للفكر الليبرالي.


    أما الصفتان الرئيسيتان اللتان يعد الليبرالي خطبة الجمعة اضطهاداً له بسببهما، فهما:
    1- أنه مهما بلغ اختلاف أفراد المجتمع مع رجال الدين أو رموزه، فإنهم يوقّرون خطيب الجمعة، ويحترمون خطابه، ويتعاملون معه بإكرام وتبجيل، وهذه سلطة رمزيّة لا يمكن لليبرالي مقاومتها إلا بإلغائها أو بأن يحقق لنفسه مثيلة لها، وأنى له ذلك؟!

    2- أنه مع تلك السلطة التي يمتلكها الخطيب في الجمعة، فإن المجتمع يحكم حكماً قاسياً على من لا يرضى لنفسه بأن يكون من الحضور المستمعين إليه (تعبداً لله)، فمن لا يحضر الجمعة من أفراد الحي ومجتمعه فثمة وثيقة مسطورة بحروف عرفيّة تفيد بأنه –بغض النظر عن الرؤية الدينية- "شخص سيئ"، أو "لا خير فيه"، أو على الأقل "يعاني من خطب ما".

    من أجل هذا كلّه يعيش الشخص الليبرالي من حياته على الأقل بنسبة "السبُع" (1/7) يوماً من الاضطهاد في كل أسبوع، أي سنة واحدة من كل سبع سنين، وإذا أمد الله في عمره وعاش 70 سنة على هذا الوضع، فسيكون قد عاش منها 10 سنين كاملة تحت الاضطهاد الفكري والاجتماعي – حسب اعتقاده -، بسبب خاصية أبدية من خصائص المجتمع لا يتميز بها إلا أولئك المنتمون إلى التيار المعادي له.

    ومما يؤكد حضور هذا الشعور بالاضطهاد في وعي الليبراليين أن بعضهم يبدؤون في إعلان مخاوفهم من خطب الجمعة قبل صلاة الجمعة ببضع ساعات في بعض المنتديات والفيسبوك وتويتر، بخاصة عند حصول بعض الأحداث الاجتماعية التي قد تلفت جمعاً من الخطباء إليها للحديث عنها، فلا يكون أمامهم إلا تضييع فريضة الجمعة، أو الحضور إلى صلاة الجمعة والاستسلام لسياط الخطبة وهي تلهبهم وتلهب أفكارهم ومعتقداتهم؛ من غير حرية لهم أثناء ذلك في إبداء الرأي أو المعارضة، ومن غير قدرة لهم على تحويل الخطاب الديني الموجه اجتماعياً وسياسياً إلى خطاب عَلماني لا علاقة له بالدين.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    250

    افتراضي رد: الروائي الأنصاري : ذكرت الله فارتج المجلس الأدبي ضاحكا

    (4)
    الفضائيات تتخلى عن المرأة مقابل الدولار
    ***

    لا شكّ أن قضية المرأة في العالم الإسلامي والعربي، وفي الدول الغنية كدول الخليج وليبيا مطروحة في جميع الوسائل الإعلامية بالصورة التي تميل إلى ترجيح كفة الانفتاح على كفة المحافظة، التي لا تزال راجحة في تلك البلدان تحديداً.
    ومن أجل ذلك فإن الإعلام العربي (والخليجي بخاصة) يبث أنواعاً من البرامج بأطياف متعددة، كلها تصبّ في حلحلة المحافظة فيما يتعلق بالمرأة، سواء الإذاعي منه، أو المرئي، أو الورقي، لكننا هنا نهتم بالمرئي منه، سواء في المسلسلات، أو الأفلام، أو البرامج الحوارية.

    ففي هذه البرامج يشتد الضغط على فكر المجتمعات العربية الغنيّة المحافظة من أجل توجيهها إلى الانفتاح في شأن قضايا المرأة، وتُفتح ملفات عدّة تجسد ذلك الاهتمام، كملف قيادة المرأة السيارة، وملفّ تحديد صلاحيات الزوج في الأحوال الشخصية كالطلاق، وملف وجوب مشاركة المرأة للرجل ومزاحمتها إياه جنبا إلى جنب في ميادين العمل وفي التخصصات كافّة، وملف وجوب مشاركة الرجل للمرأة في عملها المنزليّ، واعتباره شريكاً في الحياة الزوجيّة لا "شريكاً وقوّاماً عليها"، بل ويتجاوز الأمر أحياناً إلى فتح ملفات حساسة بطرق مستفزّة، كالفروق في الميراث والتعدد... إلى غير ذلك.


    وكل ذلك تحت عناوين: القضاء على العنف ضد المرأة، والتمييز ضدها، ومساواتها بالرجل، وإشراكها في العمل، وإشراكه في عملها.
    ولذلك فعلى سبيل المثال فإن برامج الواقع في مختلف الدول العربية تصور لنا الرجال وهم يشاركون النساء في الطبخ، وفي تنظيم المنزل، وتنظيفه، وتنتقد بشدّة مبالغة الرجل "الشرقي" في تقديره لذاته، وترفعه عن المهمات المنزلية، كالغسل والطبخ وتربية الأبناء، وما إلى ذلك. كما تقدم لنا البرامج الحوارية جدالات محتدمة بين محافظين ومعتدلين في قضايا الأسرة كلها تصب في دعم المرأة، وأما المسلسلات فحدث عنها ولا حرج، فهي تقدم الرجل التقليدي في صوره الطغيانية الكثيرة التي تعد تكرارا وتكراراً منذ ثلاثية نجيب محفوظ في شخصيته الشهيرة "سي السيد".

    فما الإشكال؟
    الإشكال أن هذه القنوات نفسها إنما تدعم المرأة وتعد نفسها نصيراً لها في المجال الفكري والاجتماعي دون المجال الدعائي.
    فهذه القنوات الفضائية (وهي النموذج الذي نتحدث عنه في هذا المقال) وفي أثناء تلك البرامج والمسلسلات، تقطع تراسل وتسلسل أفكار المتلقي بما يسمى "الفاصل الإعلاني"؛ لنجد أنها تنتقل إلى الضفة المعاكسة تماماً، فهي في هذا الشقّ تميل لصالح التيار المحافظ، بل لصالح تيار توزيع المهمات بصورة فاصلة تماماً بين الرجل والمرأة في القضايا التي تدعم برامج هذه القنوات اشتراكهما فيها! بمعنى أن رسالة المادة الإعلانيّة لهذه القنوات تكاد تكون معاكسة تماماً للرسالة الفكرية والبرامجية للقنوات المشار إليها.


    لا شك أن ثمة أشياء تخص الرجل بطبيعته الذكورية مثل "أمواس الحلاقة" وتلك التي تخص المرأة مثل "مساحيق التجميل" وما شابه، وثمة إعلانات دعائيّة لتسويق بعض المأكولات لدى الرجال والنساء مثل أصابع الشوكلاتة وغيرها.
    لكن فيما يتعلق بدعايات منظفات السجاد، فإن الشخصيات المعناة بها في هذه الدعايات هي النساء، وكذلك منظفات الأواني، ومنظفات دورات المياه (وأنتم بكرامة)، فلم تعرض أي قناة من هذه القنوات دعاية لرجل وهو يغوص بأنفه ويدخل وجهه في مرحاض دورة المياه (وأنتم بكرامة مرة أخرى) وتظل تصر على إظهار المرأة دائماً في هذا المشهد، مع أن برامج هذه القنوات المعنية بالقضايا الاجتماعية إنما تنتقد هذه الصورة.


    كذلك، عندما تقوم هذه القنوات بإنتاج دعاية عن نوع من الأطعمة، فإنها دائماً تقدم المرأة في دور "الطباخ" والرجل في دور "المتذوق"، وأحياناً تكون الصورة أظهر وأشد قسوة حين يكون ذلك التقويم وتلك النظرة العلوية للرجل بحضور "الحماة"! والزوجة المسكينة تقف لتظهر كفاءتها في الطبخ، من خلال المنتج الذي تتم الدعاية له في هذه القناة، ولا يجيب الزوج إلا بقوله: "يسلمو يدينك" أو أي عبارة أخرى شبيهة.
    أليس هذا هو التمييز بعينه؟!


    وحتى في الدول التي تقود فيها المرأة السيارة (كبقية دول الخليج) فإن دعاية السيارة إنما تُقدم والإطار يجلس خلفه رجل، وتكون المرأة جالسة بجواره، أو تكون السيارة له وحده، ولا يؤتى في هذه الدعايات لا بالمرأة وهي تقود، ولا بابنها الكبير! ولا بابنتها، ولا حتى بالسائق! وإنما بالرجل، والرجل وحده، ودائماً!
    إن السبب في تخلي هذه القنوات عن رسالتها في مسائل المرأة حين تقدم الدعايات، وبراءتها منها (وإن بلسان الحال) إنما تعود إلى أنها تعلم إلى أين تتجه القناعات الجمعية في المجتمع، وبالتالي فهي لا تحاول استفزازها في حال التسويق الإعلاني، وهذه خيانة فكرية وثقافية وأخلاقية معاً، بل إن القنوات التابعة لجهات محافظة تكون أكثر أخلاقية من القنوات التي نشير إليها في هذا المجال، فتلك المحافظة لا تعرض صوراً غير مناسبة لتوجهها المحافظ أو حتى التقليدي من أجل استجلاب الإقبال على الموادّ المسوّقة، بل إنها تخسر كثيراً من الناحية المادّية من أجل ذلك. في حين تقوم القنوات المنفتحة في برامجها بممارسة "التقية الفكرية" في إعلاناتها التجاريّة، وتعرض دعاياتها في قالب اجتماعي محافظ تقليدي، وكأنها تعقد هدنة مع العقل الجمعي للمجتمع أثناء بث الدعاية، ريثما ينتهي الفاصل الإعلاني، لتعود إلى مهاجمة قناعة ومحافظة وتقليدية "زبائنها" في برامجها من جديد!

    وبعيداً عن كل ذلك "التخلف" الذي تكرسه القنوات الفضائية بمهادنتها لبعض الأعراف غير الدينية من أجل نجاح تسويقها لبعض المنتجات، فإن مثال الأخلاق العالية لرب الأسرة هو أنه قوّام عليها، ومسؤول عن نفقتها، ومشارك لها في أعمالها المنزليّة كذلك، وقائم بعبادته لربه في ذلك. فقد روى البخاري في صحيحه أن عائشة رضي الله عنها سئلت: "ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله ، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة".
    وليس ذلك شأن النبي صلى الله عليه وسلم وحده، بل كان شأن أصحابه وسواد رجال ذلك المجتمع "الراقي" رضوان الله عليهم، تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذ روى البخاري في الأدب المفرد (وصححه الألباني) أن عائشة لمّا سئلت عما يفعل رسول الله صل الله عليه وسلم في بيته: قالت: يخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته. وفي رواية: قالت: ما يصنع أحدكم في بيته: يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخيط".

    ولنضع ألف خط تحت عبارة: "ما يصنع أحدكم في بيته" لنعرف أي المجتمعات أرقى، المجتمع الغربي، أو المجتمع الذي تمارس القنوات الفضائية معه "التقية"، أو المجتمع الذي كان يفعل رسول الله عليه وسلم ما يفعله رجاله فيه؟!

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    250

    افتراضي رد: الروائي الأنصاري : ذكرت الله فارتج المجلس الأدبي ضاحكا

    (5)
    عندما قال لي صديقي :"هل هذه الآية في القرآن؟!"
    ***


    اخترت في هذا المقال أن أتحدث عن قصتين واقعيتين جرتا لي، لهما مناسبة بقرب حلول شهر رمضان المبارك، جعلنا الله وإياكم فيه من عتقاء الرقاب، لا من راغمي الأنوف.أما القصة الأولى، فقبل أعوام قليلة جمعتني جلسة شبابية لطيفة مع مجموعة من المثقفين، الروائيين والقصاص منهم خاصة. وكنا نتحدث عن الأعمال الروائيّة وأهم الكتب الصادرة آنذاك، وكان الكتاب المستحوذ على اهتمامي يومئذ هو ترجمة دار المدى لرواية جيمس جويس "يوليسيس"، وهي الرواية التي يكاد يعجز قارئها عن قراءتها واستكمالها إلا بمساعدة حواشٍ لا توجد إلا في تلك الطبعة التي أصدرتها دار المدى تواً في ذلك الوقت على ما أذكر، وفي تلك الليلة حدث أمرٌ غير مجريات نظرتي إلى الثقافة والإبداع اللذين كانا شغلي الشاغل، وكانت العناية بهما هجّيراي (كما يقال).


    انضممت إلى المجلس المثقف: كان في منزل واحد من هؤلاء الأصدقاء، على مبعدة يسيرة شرق شارع التخصصي (وأنا أستعير هذا التعبير من رواية لمضيفنا ذاك، فالوصف ينطبق كذلك على منزله)، ودار نقاش عن الإقبال المحتدم على الرواية وكتابتها، وأفضل الأعمال العالمية والعربية والمحليّة في ذلك.
    لم تكن ليلة مقمرة، لأنها كانت في أواخر شعبان، من تلك الليالي التي تشعر فيها بأن السماء تزداد دكنة. واستشعرت ذلك الأمر أو معنى قريباً منه، وعندئذ أخطأت الخطأ الذي لا يغتفر، فيا ترى ما ذلك الخطأ؟

    الخطأ أنني ذكرت الله! فقط! قلت: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله والله أكبر.
    وما أن حدث ذلك حتى انفجر المجلس، إي نعم، انفجر المجلس ضحكاً بي واستهزاءً وكأنني تفوّهت بطرفة.دارت بي الأرض في لحظة كل دوراتها التي تدورها حول نفسها في العام، وتغشاني شيء كالسمادير، وراح ذهني يعمل ويستفهم: أي مشهد شبيه لهذا شهدته في حياتي؟ إنه شعور يعتري الإنسان حين يحدث له شيء غريب، ومع استغرابه منه وحدوثه له للمرة الأولى فإنه يخيل إليه أنه رآه من قبل.
    وما هي إلا هنيهة وتذكرت، وعلمت السبب في حيرتي، وهو أن هذا المشهد لم أكن رأيته في الحياة الواقعية، وإنما رأيته في حياة متخيلة، أو على وجه الدقة: في مشهد متخيل، في مشهد من مشاهد المسلسلات العربية القديمة التي تمثّل قصص المشركين وكيف كانوا يستهزئون بذكر الله ويشمئزون منه.
    لم أكن آنذاك أحمل التوجه الفكريّ الذي أنا عليه الآن، رغم أني تلقيت تربية دينية صارمة، أو لنقل ربما لأنني تلقيت تربية دينية صارمة، ومع ذلك فإنني لم أستلطف الأمر، ولم يضحكني، بل أثار اشمئزازي.


    وكان أشد ما أثار اشمئزازي يومئذ أنهم استمروا في السخرية، حتى قال صغيرهم السفيه هازئاً بهذا اللفظ: "الأخ يسخّن لرمضان"!
    أضمرتها في نفسي، وقلت: هؤلاء شباب أخذتهم السكرة الثقافية المحرضة على جميع الزندقات الممكنة، فلعلي أمهلهم حتى تنقشع سكرتهم ثم أذكرهم بذلك. ولعلي أذكر صاحب العبارة الهازئة في وقت تكون سكرته فيه قد فرغت منه، أو يكون هو قد فرغ منها.


    وذلك ما حدث فعلاً، فقد ذكرته بمقولته في تلك الليلة تعليقاً على ذكري لله، فادعى أنه نسيها، والله أعلم بصدقه وبسريرته.
    هذا الموقف –للحق- كان له دور كبير في تحويل بوصلتي إلى الوجهة الفكرية، وفي تحوّلي من الرغبة في دراسة الأدب والنقد إلى دراسة العقيدة والاهتمام بها، ثم إنه صدمني صدمة شديدة بالثقافة والمثقفين والأدباء، إذ إن الأمر تعدّى الاعتقاد الشخصي إلى الاستهزاء بذكر الله تعالى وتحويله إلى موقف مضحك يستقطب التندر.

    تلك هي القصة الأولى، وقد جرت قبل بضعة أعوام.

    وأما القصة الثانية فقد جرت لي قبل بضعة أشهر، ومضمونها قريب من هذا، لكنها جمعتني بأحد الأصدقاء الإعلاميين الذين لهم إصدارات وكتابات، ولا يخلو من خير، وهو بخلاف أولئك الأصدقاء السابقين، ممن أشهد لهم بالصلاة وفعل الخير، وحسن الخلق، وبالتواضع، وحسن المعشر، وفوق ذلك رقة هي خليقة بأن تغشى قسمات الإنسان المؤمن. لكن مع ذلك كله، لم أعدم منه موقفاً ذكرني بالموقف السابق، واستدعاني الآن ونحن على مشارف رمضان (مرة جديدة) ,لأن أكتب الحادثتين. فأما الحادثة الأخيرة فهو أن صاحبي أقبل عليّ وأنا أقتعد مقعداً ,فسألني مستغرباً: ما قصّة هذا المصحف الموجود على مكتبك؟! وكان هذا الصديق الإعلامي يعتقد أنه يمزح، ثم قال: أمر مثير للاستغراب، فلم يكن مني إلا أن قلت له: اقترب مني لكي أريك ما ذا أريد أن أصنع بالمصحف، وكنت أنوي أن أقرأ عليه بعض الآيات، فما كان منه إلا أن أشاح وأدبر مازحاً، فقرأت عليه وظهره إلي هذه الآية: "وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفوراً".

    وكأنني صدمته، أو أن حالة النسيان التي أصابت صديقي في القصة الأولى أصابته هذه المرة على عجل، فقال لي: "وهل هذه الآية في القرآن"؟ قلت له نعم هي في سورة الإسراء.


    فلم يكن منه إلا أن انصرف من دون أن يعقّب، ولم ألقه بعد ذلك.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •