خواطر مع ابن حزم في (البيوع)
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: خواطر مع ابن حزم في (البيوع)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي خواطر مع ابن حزم في (البيوع)

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذه خواطرنا على ابن حزم رحمه الله في (كتاب البيوع) نرجو من الله أن يعيننا على ترتيبها وتهذيبها وإخراجها بعد أن أتتمنا خواطرنا على (كتاب الصيام).

    نسألك اللهم من عونك وتوفيقك :

    خاطرة (1) قال ابن حزم رحمه الله 8/337 مسألة (1411) : (... وأما بيع سلعة غائبة بعينها مرئية موصوفة معينة فيه خلاف ، فأحد قولي الشافعي المنع من بيغ الغائب جملة ..)
    ثم قال ص 339 - 338 : (وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ فَإِنَّ أَصْحَابَهُ احْتَجُّوا لَهُ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَعَنْ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَة ِ، لَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ إذَا وُصِفَ عَنْ رُؤْيَةٍ، وَخِبْرَةٍ، وَمَعْرِفَةٍ، وَقَدْ صَحَّ مِلْكُهُ لِمَا اشْتَرَى، فَأَيْنَ الْغَرَرُ؟)
    أقول : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر) كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو يشمل كل بيع فيه جهالة ، ولا يخرج عن هذا العموم إلا أحد أمرين الأول : ما جاء النص باستثنائه ، والثاني : ما لا يمكن تجنب الغرر فيه مع الحاجة فيه إلى المعاملة ، إذ لا تعلق للتكليف بما لا يستطاع كما في بيع السلم والخرص.
    وعليه نقول : بيع الغائب إما أن يجوز أن يأتي على خلاف الصفة أو لا يجوز.
    فإن قال : يجوز.
    قلنا : فهذا غرر يمكن تجنبه بالرؤيا ، فهو باطل للنهي المتقدم.
    وإن قال : لا يجوز أن يأتي على خلاف الصفة. قلنا : هذا مكابرة للحس ، وقد قلتم ببطلان البيع إن جاء المبيع على خلاف الصفة ، وهو مبني على إمكان ذلك ، وقلتم بجواز البيع وإن كذب المشتري المبيع في وصفه وأجزتم أن يبيعه اعتماداً على وصف البائع وهو كذب عنده ، وكل ذلك يخالف دعوى أنه لا يجوز مجيئه على خلاف الصفة.
    ونقول أيضاً : قد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله : (وليس الخبر كالمعاينة) فأثبت صلى الله عليه وسلم فرقاً بين المعاينة وبين الخبر وهو يعم الخبر الكائن عن خِبْرَة ورؤية سابقة ، فبطلت تسوية ابن حزم ونفيه للغرر ، لأن ذلك الفرق جهالة ما ، فهو غرر.
    قال رحمه الله ص 340 : (وَأَمَّا الْمُنَابَذَةُ، وَالْمُلَامَسَة ُ - فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَة ِ» ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُك ثَوْبِي بِثَوْبِك، وَلَا يَنْظُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَى ثَوْبِ الْآخَرِ وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ لَمْسًا وَالْمُنَابَذَة ُ أَنْ يَقُولَ: أَنْبِذُ مَا مَعِي وَتَنْبِذُ مَا مَعَك لِيَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمْ مَعَ الْآخَرِ، وَنَحْوٌ مِنْ ذَا ". وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ ... عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُلَامَسَة ُ لُبْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ - وَعَنْ الْمُنَابَذَةِ، وَالْمُنَابَذَة ُ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا حَرَامٌ بِلَا شَكٍّ، وَهَذَا تَفْسِيرُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَهُمَا الْحُجَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَاللُّغَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ، وَلَيْسَ هَذَا بَيْعَ غَائِبٍ أَلْبَتَّةَ، بَلْ هُوَ بَيْعُ حَاضِرٍ - فَظَهَرَ تَمْوِيهُ مَنْ احْتَجَّ مِنْهُمْ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ)
    أقول : المراد بالغائب ما غاب عن النظر ، لا ما غاب عن مجلس العقد لصحة تسمية ذلك غائباً أيضاً ، ثم إن تسمية بيع الغائب اصطلاح ، والأحكام لا تتعلق بها ، وإنا تتعلق على المعاني وقد فسر أبو هريرة وأبو سعيد بيع المنابذة والملامسة ببيع ما لم يرى ، وهو مشترك بين بيع ما حضر مجلس العقد وما غاب عنه ، لاشتراكهما في المعنى الذي فسرا به الحديث.
    سلمناه ، فهو مقيس عليهما فبطل قوله : (فَظَهَرَ تَمْوِيهُ مَنْ احْتَجَّ مِنْهُمْ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ) لأنه لم يبنى على تمويه بل القياس بغض النظر عن كون الاحتجاج به صحيح في نفس الأمر أو باطل ، فإن من قاس يعتقد صحة الاحتجاج به ، ولا يسمى هذا تمويهاً .
    وأيضاً قوله : (وَهُمَا الْحُجَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَاللُّغَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ)
    نقول : فهي علة منصوصة ، وتعميمها في مظانها ليس بقياس عند كثيرين منهم داود الظاهري .
    فإن قيل : الصحيح أنه قياس .
    قلنا : القياس حجة عند جمهور الأمة ، وبعض من أبطله صحح القياس فيما نص على علته.
    ثم نقول : هو من قياس الأولى ، وبيانه أنه إن بطل بيع ما لم يُرَ مع حضوره لهذه الأحاديث ، فبيع ما لم يُرَ مع غيابه أبطل .
    وقال رحمه الله ص 337 : (وَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ الْغَائِبَاتِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ النَّقْدَ فِيهَا جُمْلَةً فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ -: رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ - وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ النَّقْدَ فِي الضِّيَاعِ وَالدُّورِ - قَرُبَتْ أَمْ بَعُدَتْ - وَأَمَّا الْعُرُوض فَإِنَّهُ أَجَازَ النَّقْدَ فِيهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ بَعِيدًا)
    أقول : وتمام وصف مذهبه أنه إن وصفَ صح البيع ولزم ولا خيار إلا أن يأتي على خلاف الصفة ، وإن لم يوصف لم يصح إلا أن يشترط خيار المشتري.
    ثم قال رحمه الله ص 339 : (وَأَمَّا قَوْلَا مَالِكٍ جَمِيعًا فَكَذَلِكَ أَيْضًا سَوَاءً سَوَاءً، وَلَا نَعْلَمُهُمَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَمَا لَهُمْ شُبْهَةٌ أَصْلًا، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ ادَّعَى الْعَمَلَ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا عَنْهُ قَوْلَانِ كَمَا ذَكَرْنَا كِلَاهُمَا مُخَالِفٌ لِصَاحِبِهِ - فَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَدْ خَالَفَ الْعَمَلَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ، وَخِلَافُ الْمَرْءِ لِمَا يَرَاهُ حُجَّةً قَاطِعَةً فِي الدِّينِ عَظِيمٌ جِدًّا، وَلَيْسَ فِي الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى كِلَيْهِمَا)
    قوله (فكذلك) يريد هي أقوال فاسدة غير مأثورة عن أحد من أهل الإسلام قبله كما قاله في الأقوال المنقولة عن أبي حنيفة.
    فيقال : إن أراد أن مجموع كلامه لا يُؤْثَرُ مجموعاً عن أحد ممن سلف ، فالله أعلم .
    ولكن لا يضره ، إذ هي مسائل مختلفة فإن وجدت في كلام من تقدمه كفاه ، ولا يشترط أن توجد مجموعة عنهم ، وإنما يضره ذلك إن وجدت لهم أقوال مجموعة على خلاف قوله ، فيشترط أن لا يخرج كلامه عن مجموع كلامهم.

    وكل هذا لم يكن. وذلك أنهما بيعان ، بيعٌ يُنقد معه ثمن المبيع الغائب وبيع لا ينقد معه ثمنه ، وصحح ابن حزم الجميع ، وقول مالك بجواز بيع الغائب ونقد ثمنه إن كان موصوفاً لا يتغير أو كان قريبا فهذا وافق فيه كثير ممن تقدمه ومن تأخر عنه كابن حزم.
    فبقي قوله بعدم جواز النقد جملة في القول الأول ، وبعدم جوازه فيما بَعُدَ ولم يؤمن تغيره ، وكل من منع من بيع الغائب مطلقاً موافقٌ له في المنع في هذه الصورة خاصة لدخوله ضمن ما منعوه من البيوع.
    فإذاً ليس هناك قولٌ قاله مالك انفرد به عن أحد من الناس.
    وقوله بحسب اختيارات ابن حزم أمتن وأقرب إلى الظاهر ، فقد قال مالك : (وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ وَلَا يَدْرِي هَلْ تُوجَدُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَلَى مَا رَآهَا الْمُبْتَاعُ أَمْ لَا) وهذا حق وهو بيع غرر ، والحديث عام يشمل الغرر الحاصل ببيع الغائب مطلقاً ، وقد خرج ما لم يُنْقد ثمنه بما ذكره ابن حزم من أنه إذا وصفه المالك عن خبرة ورؤية سابقة فلا غرر ، فبقي ما نُقِدَ ثمنه فيه غرر زائد وهو ما ذكره مالك من جواز خروج المبيع على خلاف الصفة فيرجع المشتري على البائع بالثمن ويكون قد أنفقه فيتنازعا ، ولا دليل على إخراجه عن عموم الحديث فبقي مشمولاً به.
    فبان أن مالك وافق من تقدمه في عامة قوله وعمل بالحديث.
    فبقي أن يقول : لا يجوز أن يصح قولي مالك معاً ، فأحدهما باطل لا محالة.
    قلنا : لم تبينه ، وقد تكلم فيه المالكية ورجحوا ، ولا كلام لنا معهم هنا.

    أما مذهب أبي حنيفة ، فقد سرد منه مسائل مختلفة متعلقة بشراء الغائب وخيار الرؤية فيه وأطال مع أنه فرقها في كتابه ، فقال رحمه الله ص 337: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَيْعُ الْغَائِبَاتِ جَائِزٌ مَوْصُوفَةً وَغَيْرَ مَوْصُوفَةٍ، وَالنَّقْدُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إذَا رَأَى مَا اشْتَرَى، فَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ، وَأَنْ يُمْضِيَهُ سَوَاءٌ وَجَدَهُ كَمَا وُصِفَ لَهُ، أَوْ وَجَدَهُ بِخِلَافِ مَا وُصِفَ لَهُ.
    وَلَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَوْ إمْضَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَا اشْتَرَى.
    وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ مَالَهُ مِنْ الْخِيَارِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَمْضَى الْبَيْعَ وَالْتَزَمَهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ بِالْخِيَارِ كَمَا كَانَ - فَإِذَا رَأَى وَجْهَ الْجَارِيَةِ الَّتِي اشْتَرَى وَهِيَ غَائِبَةٌ وَلَمْ يُقَلِّبْ سَائِرَهَا فَقَدْ لَزِمَتْهُ وَسَقَطَ خِيَارُهُ، وَلَا يَرُدُّهَا إلَّا مِنْ عَيْبٍ - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْعَبْدِ سَوَاءً سَوَاءً.
    قَالَ: فَإِنْ اشْتَرَى دَابَّةً غَائِبَةً فَرَأَى عَجُزَهَا لَزِمَتْهُ وَإِنْ لَمْ يَرَ سَائِرَهَا وَلَا يَرُدُّهَا إلَّا مِنْ عَيْبٍ - وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ حَاشَا بَنِي آدَمَ.
    قَالَ: فَإِنْ اشْتَرَى ثِيَابًا غَائِبَةً أَوْ حَاضِرَةً مَطْوِيَّةً فَرَأَى ظُهُورَهَا وَمَوَاضِعَ طَيِّهَا وَلَمْ يَنْشُرْهَا فَقَدْ لَزِمَتْهُ وَسَقَطَ خِيَارُهُ وَلَا يَرُدُّهَا إلَّا مِنْ عَيْبٍ. قَالَ: فَإِنْ اشْتَرَى ثِيَابًا هَرَوِيَّةً فِي جِرَابٍ أَوْ ثِيَابًا زُطِّيَّةً فِي عِدْلٍ، أَوْ سَمْنًا، فِي زُقَاقٍ، أَوْ زَيْتًا كَذَلِكَ، أَوْ حِنْطَةً فِي غِرَارَةً، أَوْ عُرُوضًا مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، أَوْ حَيَوَانًا وَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: فَإِنَّ لَهُ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ حَتَّى يَرَى كُلَّ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ.
    وَلَوْ رَأَى جَمِيعَ الثِّيَابِ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا أَوْ جَمِيعَ الدَّوَابِّ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ إنْ شَاءَ، وَسَوَاءٌ وَجَدَ كُلَّ مَا رَأَى كَمَا وُصِفَ لَهُ [أَوْ] بِخِلَافِ مَا وُصِفَ لَهُ، إلَّا السَّمْنَ وَالزَّيْتَ، وَالْحِنْطَةَ، فَإِنَّهُ إنْ رَأَى بَعْضَ ذَلِكَ فَكَانَ مَا لَمْ يَرَ مِنْهُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى: فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَسَقَطَ خِيَارُهُ.
    قَالَ: فَإِنْ ابْتَاعَ دَارًا فَرَآهَا مِنْ خَارِجِهَا وَلَمْ يَرَهَا مِنْ دَاخِلٍ: فَقَدْ لَزِمَتْهُ وَسَقَطَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَلَا يَرُدُّهَا إلَّا مِنْ عَيْبٍ - وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ: أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ إلَّا حَتَّى يَرَى مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا
    )
    وقال : (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ إذَا رَأَى مَا ابْتَاعَ إلَّا بِمَحْضَرِ الْبَائِعِ، فَلَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ شِرَاءً وَاحِدً غَائِبًا فَرَأَيَاهُ فَرَدَّ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَأَجَازَهُ الْآخَرُ فَلَا يَجُوزُ الرَّدُّ إلَّا أَنْ يَرُدَّاهُ مَعًا. قَالُوا: فَإِنْ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَقْبِضَ لَهُ مَا اشْتَرَى فَرَأَى الرَّسُولُ الشَّيْءَ الْمَبِيعَ وَقَبَضَهُ فَالْمُشْتَرِي بَاقٍ عَلَى خِيَارِهِ، فَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فَرَأَى الْوَكِيلُ الشَّيْءَ الْمَبِيعَ وَقَبَضَهُ فَقَدْ سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَسْقُطْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّةً: الْخِيَارُ أَيْضًا لِلْبَائِعِ إذَا بَاعَ مَا لَمْ يَرَ كَمَا لِلْمُشْتَرِي، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ)
    وقال في جوابه عن مذهب أبي حنيفة ص 338 : (فَأَمَّا أَقْوَالُ أَبِي حَنِيفَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا فَأَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لَا تُؤْثَرُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَهُ - نَعْنِي الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يُسْقِطُ الْخِيَارَ مِمَّا يَرَى مِنْ الرَّقِيقِ، وَمِمَّا يَرَى مِنْ الدَّوَابِّ، وَمِمَّا يَرَى مِنْ الثِّيَابِ الزُّطِّيَّةِ فِي الْوِعَاءِ، وَمَا يَرَى مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي عِدْلٍ، وَمَا يَرَى مِنْ السَّمْنِ، وَالزَّيْتِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالدُّورِ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَسَاوِسُ لَا حَظَّ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْعَقْلِ، وَلَا لَهَا مَجَازٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَا السُّنَنِ، وَلَا الرِّوَايَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ - لَا جَلِيٍّ وَلَا خَفِيٍّ - وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ حَظٌّ مِنْ السَّدَادِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ الْقَوْلُ بِهِ
    )
    هذا عامة ما ذكره عن أبي حنيفة ، ونلخص مذهب الأحناف فنقول : يجوز بيع الغائب ، وللمشتري الخيار دون البائع ، وصف أو لم يوصف ، ولو جاء على خلاف الوصف ، ولا يسقط خياره بإسقاطه حتى يرى، ويكفي في الجميع رؤية المقصود منه فإن كان مثلياً كفت رؤية بعضه وكذا ما تتساوى أجزاؤه ككثير من الثياب، فيسقط الخيار بذلك البعض ، إلا أن يخرج باقيه أردأ ، وفي العبد رؤية وجهه وفي الدابة رؤية كفلها ، فإن رأى ذلك انقطع خيار الرؤيا دون خيار العيب .
    وابن حزم رحمه الله أطال وفصل كأنه أراد بذلك التشنيع ، فهو كثيراً ما يجعل ذلك من مقاصد كلامه رحمه الله، وقبل مناقشة مذهب الأحناف نعرض مذهب ابن حزم في بيع الغائب لنقارن بينه وبين مذهب الأحناف فنقول :
    يجوز عنده بيع الغائب بشرط وصفه ولو كذباً ، فلو وصفه البائع جاز البيع وإن اعتقد المشتري كذبه في الصفة ولم يكن يعرف الصفة في نفس الأمر ، وإن كان غير البائع اشترط أن يصدقه المشتري ، ولا خيار للبائع ولا المتشري بعد التفرق سواء خرجت السلعة كما وصفت أو بخلاف ما وصفت ، ولكن البيع يلزم في الأول دون الثاني ، وتكفي صفة بعض المبيع إن كان ذلك البعض هو الظاهر كما لو باع لحماً بجلده ، ورآه كبيع الكبش حياً .
    ثم نقول : أبو حنيفة أسعد بظواهر النصوص من ابن حزم رحمهما الله ، وبيانه أن ما يدل على عامة المعاملات التي ذكرها الأحناف قوله سبحانه {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وقال سبحانه : {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}
    وقد قال ابن حزم رحمه الله ص341 : (فَبَيْعُ الْغَائِبِ بَيْعٌ دَاخِلٌ فِيمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي التِّجَارَةِ الَّتِي يَتَرَاضَى بِهَا الْمُتَبَايِعَا نِ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ إلَّا بَيْعًا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ.
    وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يُحَرِّمُ عَلَيْنَا بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ فَيُجْمِلُ لَنَا إبَاحَةَ الْبَيْعِ جُمْلَةً وَلَا يُبَيِّنُهُ لَنَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَأْمُورِ بِالْبَيَانِ، هَذَا أَمْرٌ قَدَّمْنَاهُ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} .
    وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَمَا أَحَلَّهُ لَنَا، وَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا، إلَّا بِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ
    )
    فإن قال : (لَا يُمْكِنُ أَصْلًا وُقُوعُ التَّرَاضِي عَلَى مَا لَا يُدْرَى قَدْرُهُ وَلَا صِفَاتُهُ) ص 343.
    قلنا : إنما اشترط سبحانه الرضى بالتجارة لا الرضا بالمبيع ، فإن كانت هذه التجارة مرضية عند البائع والمشتري دخلت في دلالة الآية. سلمنا أن العلم بالمبيع شرط ، فقد شرطه الأحناف للزوم البيع ، فلا دليل على أنه شرط لجواز إبرام العقد بل للزوم البيع ، إذ الغرر الذي يتصور فيه النزاع هو ذلك.
    فإن قال : بل قد يتنازعان بعد العقد وقبل اللزوم ، وهذا غرر.
    قلنا : دعوى غير مسلمة ، ولو سلمناها بطل اعتراضكم على المالكية بتمشية البيع ومنع النقد في العروض البعيدة ، لأنه إنما منعها لمنع هذا الغرر ، فإن لم يكن غرر فالقول قولنا ـ أي الأحناف ـ .
    والتفرقة بين ما يدل بعضه على بعضه الآخر وبين ما ليس كذلك لا يرتاب فيه ذو نظر ، فدعواه أن لا نظر صحيح نظر غير صحيح .
    هب أنه لا يجري هذا النظر على أصول مذهب ابن حزم أو الظاهرية جملة ، فكان ماذا ؟

    أما الإكتفاء برؤية وجه العبد والجارية وكفل الداية فهذه هي المقصودة بالرؤيا، فماذا يمنعه وهو بيع داخل في جملة ما دلت عليه الآية؟
    إن قال : قد يأتي غير الوجه والكفل رديئاً فيكون غرراً.
    قالوا : مذهبنا أنه يرده إن خرج الباقي أردأ مما رأى في المثليات وإن خرج الباقي معيباً فيها وفي غيرها ، وإنما يصح الإعتراض بهذا لو أنا أبطلنا كل خيار بالرؤية ، ولكنا نثبت له خيار الرد بالعيب ، فأين الغرر.
    فإذا أنت تبين لك هذا بقي أن نسأل ابن حزم عما ذهب إليه من أن بالبيع بصفة كذبَ فيها البائع واعتقد المشتري أنه كاذب فيها أنه يجوز ، وأن له أن يبيع هذه السلعة قبل أن يقبضها أو يراها مع اعتقاده بكذب البائع في وصفه ، وأن عليه أن يصفها بذلك الوصف الذي يعتقده كذباً .
    وتفريقه بين وصف البائع ووصف غير البائع ، فيجوز البيع بوصف البائع ولو اعتقد كذبه ، ولا يجوز بوصف ثالث إن اعتقد كذبه. من ممن خلق الله من البشر أو الجن ؛ إن عُرِفَ قول بعضهم ، من أمتنا أو غيرها من الأمم ، إن أمكنه استقراء أقوالهم ، قال بهذا القول ، وعلى أي نظر اعتمد أو قياس إن كان استعمل منه شيئاً هنا .
    أما النصوص فيكفيك قوله سبحانه {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} والكذب من أبطل الباطل ، وقد أبحتم للمشتري أن يبيع السلعة بوصف هو يعتقده كذباً ، فأبحتم له بذلك أكل الثمن بالباطل.

    وقال صلى الله عليه وسلم : (من غش فليس منا) ، وهذا المشتري الذي أبحتم له أكل السلعة أو بيعها وأكل ثمنها معتمداً على صفة هو يعتقدها كذباً غشاش.
    ونهى صلى الله عليه وسلم عن الغرر ، وأي غرر فوق هذا؟! سلعة غائبة لا يعلم المشتري من صفتها شيئاً إلا وصف لبائع لا يصدقه في وصفه ، ثم يبيعها ولا يعلم من صفتها إلا ما يعتقده كذباً ، ثم أبحتم له أن يقبض الثمن ويأكله بذلك.
    ما كان له رحمه الله أن يشنع على غيره وهو قائل بمثل هذا ، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم : (يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِهِ)

    هذا والله أعلم

    ... يتبع ...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر مع ابن حزم في (البيوع)

    استدركات :
    (1) قوله رحمه الله : (وَمَا نَعْلَمُ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبَاتِ الْمَوْصُوفَاتِ سَلَفًا.
    فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ قَوْلُ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ آنِفًا؟
    قُلْنَا: إنَّهُمَا لَمْ يَمْنَعَا مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ، وَإِنَّمَا مَنَعَا مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي يَوْمَ الشِّرَاءِ - وَقَدْ يَرَاهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَيَغِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ - فَلَمْ يَشْتَرِطَا حُضُورَهُ فِي حِينِ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مَا لَمْ يَقُلْ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ
    )
    أقول : الرواية عن الحكم وحماد كما نقلها ابن حزم رحمه الله هي : (ومن طريق شعبة عن الحكم وحماد فيمن اشترى عبداً قد رآه بالأمس ولم يره يوم اشتراه ، قالا جميعاً : "لا يجوز حتى يراه يوم اشتراه") فهذا تصريح بأن الرؤيا السابقة ليوم العقد لا تكفي فضلاً عن الوصف من غير رؤيا، وهذا بعينه مذهب الشافعي ، فهما سلف له ، وما زعمه رحمه الله فرقا لا وجود له ، فإنه لم ينقل عن الشافعي اشتراط حضور المبيع حين العقد ، بل اشتراط رؤيته فقط ، لذا قال أصحابه إن رآه قبل العقد في زمن لا تتغير فيه السلعة عادة كفى.
    فلا فرق حينئذٍ بين المذهبين سوى ما في الرواية عنهما من تقييد الرؤية بيوم العقد ، فإن هذا التقييد غير موجود عند الشافعي ، على أنه ليس بفرق صريح أيضاً.
    فبان أنهما سلف للإمام الشافعي في قوله ، ومن بين الأقوال التي أوردها ابن حزم وانتقدها لا نعلم قولاً ليس لأحد فيه سلف سوى قول ابن حزم رحمه الله كما قدمناه.
    (2) نقل رحمه الله عمن أوجب خيار الرؤيا احتجاجهم بما رُوِّيَه مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى بَيْعًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَنْظُرَ إلَيْهِ»
    واعترضه بالإرسال ، وقال : (ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ إذَا وَجَدَهُ كَمَا وُصِفَ لَهُ، وَظَاهِرُهُ قَطْعُ الْخِيَارِ بِالنَّظَرِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة جُمْلَةً)
    أقول : أما الإرسال ، فلا يضره عند الأحناف ، وموضع الكلام على المرسل كتب الأصول.
    ثم إن من يعلل بالإرسال ، يقويه إذا جاء ما يعضده ، وهو هنا مرسل مكحول وما روي عن عثمان وغيره من الصحابة من العمل بمقتضاه. فزال الإشكال ، وهذا بالبناء على كلام ابن حزم نفسه رحمه الله فيما يرفعه الثقة أو يصله. وإلا فالصحيح في حديث الحسن البصري الوقف ، وأن الحديث ضعيف . والله أعلم.
    وقوله : (ليس فيه أن له الخيار إذا وجده كما وصف له) مخالفة لعموم الحديث ، فإنه لم يُقيد بما إذا جاء المبيع على وفق الوصف أو ألغى خلافه ، بل جاء عاماً فنبقيه على عمومه.
    أما قوله : (وظاهره قطع الخيار بالنظر) فهذا لا يصح إلا إذا قلنا بمفهوم المخالفة ، وهو عنده وعند الأحناف باطل ، فبطل اعتراضه عليهم به وبطل اعتراضه عليهم جملة.
    أما الشافعية فمن احتج منهم بالحديث ، فقد شملهم ما تقدم ، ومن لم يحتج به فيمكنه الاحتجاج بقياس مجلس الرؤيا بمجلس العقد بجامع أن العلة في ثبوت الأخير دفع الندم ، وهو لا يمكن عند غياب المبيع ، فيثبت إذا حضر.
    فإن قيل : القياس باطل.
    قلنا : دعوى يقابلها قولنا : إبطاله هو الباطل ، وموضع ذلك كتب الأصول.
    والله أعلم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر مع ابن حزم في (البيوع)

    خاطرة (2) : قال رحمه الله 8/ 341 – 342 مسألة 1412 : (مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ وَجَدَ مُشْتَرِي السِّلْعَةِ الْغَائِبَةِ مَا اشْتَرَى كَمَا وُصِفَ لَهُ فَالْبَيْعُ لَهُ لَازِمٌ، وَإِنْ وَجَدَهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِتَجْدِيدِ صِفَةٍ أُخْرَى بِرِضَاهُمَا جَمِيعًا.
    بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ اشْتَرَى شِرَاءً صَحِيحًا إذَا وَجَدَ الصِّفَةَ كَمَا اشْتَرَى كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، فَإِنْ وَجَدَ الصِّفَةَ بِخِلَافِ مَا عُقِدَ الِابْتِيَاعُ عَلَيْهِ فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ تِلْكَ السِّلْعَةَ الَّتِي وَجَدَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَةً بِصِفَةِ كَذَا، لَا سِلْعَةً بِالصِّفَةِ الَّتِي وَجَدَ، فَالَّتِي وَجَدَ غَيْرَ الَّتِي اشْتَرَى بِلَا شَكٍّ مِنْ أَحَدٍ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهَا فَلَيْسَتْ لَهُ.
    فَإِنْ قِيلَ: فَأَلْزِمُوا الْبَائِعَ إحْضَارَ سِلْعَةٍ بِالصِّفَةِ الَّتِي بَاعَ؟ قُلْنَا: لَا يَحِلُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ عَيْنًا مُعَيَّنَةً لَا صِفَةً مَضْمُونَةً، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ إحْضَارَ مَا لَمْ يَبِعْ - فَصَحَّ أَنَّ عَقْدَهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا
    )

    أقول : قوله : (فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ تِلْكَ السِّلْعَةَ الَّتِي وَجَدَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَةً بِصِفَةِ كَذَا، لَا سِلْعَةً بِالصِّفَةِ الَّتِي وَجَدَ، فَالَّتِي وَجَدَ غَيْرَ الَّتِي اشْتَرَى بِلَا شَكٍّ مِنْ أَحَدٍ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهَا فَلَيْسَتْ لَهُ)
    هذا ليس بشيء ، ودعوى الاتفاق وعدم الشك من أحد ضرب خيال ودعوى محال ، بل كل من صحح البيع وجعل الخيار للمشتري فهو يجعل البيع واقعاً على تلك السلعة الغائبة بعينها ، وأن المخالفة وقعت في صفتها فقط.
    ولو جاء البائع ببقرة يراها المشتري فقال البائع : هذه بقرة حلوب كثيرة الدر ، قوية على الحرث تضع كل عامٍ بطناً ، وكان كاذباً في جميع ذلك ، فإنه لا خلاف أنه يتكلم عن البقرة المتعينة الحاضرة المشاهدة المشار إليها من غير نظر إلى صحة الوصف من كذبه .
    وإذا جاز في الشاهد جاز في الغائب ولا فرق ، وإلا فليبينه.
    ويرده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً في قوله : (من اشترى شاة محفلة ...) الحديث ، فإنه لم يفرق بين كون البائع وصفها بكثرة اللبن والدر أو لم يصف ، وبين كونها حاضرة وقت البيع أو غائبة معينة، فيدخل فيه ما لو وصفها وهي غائبة واكتشف البائع أنها كانت محفلة ، فله حينئذٍ الخيار.
    فإذا أنتَ فهمت هذا ، فاعلم أن البيع وقع على سلعة معينة متفق على عينها ظاهراً ، وأن الوصف إن خرج كاذباً لم يبطل ذلك كون البيع واقعاً على تلك السلعة ، والعقد بعد تمامه برضا من البائع والمشتري لا يلغيه إلا فسخه من أحدهما في المجلس أو بخيار عيب أو شرط ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (البيعان بالخيار) و(إلا أن تكون صفقة خيار) وكذا خيار الرؤيا عند من قال به ، وقد أثبت صلى الله عليه وسلم الخيار في التدليس في المحفلة كما تقدم.

    ثم إنه رحمه الله قدر اعتراضاً بأن قال : (فَإِنْ قِيلَ: فَأَلْزِمُوا الْبَائِعَ إحْضَارَ سِلْعَةٍ بِالصِّفَةِ الَّتِي بَاعَ؟)
    أي إن كان البائع لم يبع العين الغائبة لمخالفة الصفة تلك العين ، فقد باع موصوفاً غير متعين ، فألزموه إحضاره.
    وأجاب عن هذا الإعتراض بقوله : (لَا يَحِلُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ عَيْنًا مُعَيَّنَةً لَا صِفَةً مَضْمُونَةً، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ إحْضَارَ مَا لَمْ يَبِعْ)
    وفيه نظر على مقتضى نظر ابن حزم من كون البائع بمخالفته الموصوف لم يبع تلك العين المعينة، من جهة أنه قبل عقده كان يعلم أنه لا يبيع سلعة على ذلك الوصف المذكور ، بل هو حينئذٍ يعقد على الصفة المذكورة فقط ، ويدلس على المشتري ويوهمه أنه يبيع تلك السلعة الغائبة.
    فإن قال : فإن المشتري إنما عقد البيع على تلك الغائبة لا على الصفة.
    قلنا : هذا خلاف قولكم بأنه يجوز له أن يشتري سلعة يصفها مالكها ولو لم يصدقه في وصفه ، فإنه يعلم أن الوصف مخالف لتلك السلعة المعينة ، ويقتضي على نظر ابن حزم أنه يعلم أنه لا يعقد على تلك السلعة بل على الوصف فقط ، لأنه يعلم أنه وصف لا موصوف له معين في علم المشتري.
    ومثله من لا يدري أتكون تلك العين على وفق الوصف أو مخالفة ، فإنه لا يعلم ألهذه الصفة موصوف متعين أم لا ، وغايته أن يريد عيناً بتلك الصفة.
    وهكذا من يظن ظناً صدق البائع ، فإنه يُجَوِّزُ أن تكون السلعة على خلاف الوصف ، أي أنه يجوز أن لا يكون للوصف مبيع معين في نفس الأمر ، ولكنه يعتمد الوصف في رد المبيع إن لم يأتِ على الوصف المذكور ، فهو أيضاً يعتمد في إبرام عقده على الصفة.
    فإن كان كل من البائع والمشتري يعقدان معتمدين على الوصف ، فإما أن يصح بيعهما هذا في نفس الأمر أو يبطل ، فإن صح ، فقد لزم العوض الموصوف في ذمة البائع ، ووجب أن يأتي به من حيث شاء كما في البيع على وصف مضمون في الذمة. فصح الإعتراض.
    ولو صح الجواب بأن البائع إنما باع معيناً ، فقد بطل قولكم أنه بوصفه المخالف لذلك المعين باع غير المعين؛ لأنه ببطلان ببطلان التعيين لم يبقَ في المعقود عليه سوى الوصف.
    وإن لم يصح البيع في نفس الأمر فقد صح قول الشافعي ومن وافقه في المنع من بيع العين الغائبة إلا أن يتيقن المشتري صحة الوصف برؤيا سابقة أو بغيرها مما يورث العلم اليقيني ويكون مع ذلك قاصداً بالعقد تلك العين الغائبة لا مجرد الوصف، ويصدق البائع في وصفه.
    ونقول أيضاً : إن القول بأن الوصف إذا خالف الموصوف كان المبيع غير ذلك الموصوف ، يورث بيع الغائبِ غرراً كثيراً ، فهو داخل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ، فيبطل كما هو مذهب الشافعي.
    ويبطله عليه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ: الْبَائِعُ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ) ، فإن هذا عام يشمل ما إذا كان الخلاف في صفة المبيع ، فيكون فيه الخيار بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لو كان المبيع على خلاف وصف البائع في نفس الأمر لعموم كلامه صلى الله عليه وسلم ، ولما تقدم من حديث بيع المحفلات.
    فإن قيل : فهذا فيما إذا اختلفاً.
    قلنا : إن صح البيع مع الاختلاف وكان للمشتري خيار إمضاء البيع ولو كان المبيع على خلاف الصفة، فهو مع عدم الإختلاف أولى بالصحة.
    وأيضاً ، إن صح البيع هنا مع اختلافهم في الصفة ، فنستصحب ذلك التصحيح حيث لم يختلفا ولا ننزل عنه إلا بدليل صحيح يبين أن حكم ما لم يختلفا فيه من الصفات حكم ما اختلفا فيه.
    وهذا كما قاله بعض الظاهرية في بيع أمهات الأولاد ، حيث استصحب حكم الصحة في الإماء في بيعهن متى ولدن وصرن أمهات أولاد.

    خاطرة (3) قال رحمه الله 8/ 342 : (مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ بِيعَ شَيْءٌ مِنْ الْغَائِبَاتِ بِغَيْرِ صِفَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا عَرَفَهُ الْبَائِعُ لَا بِرُؤْيَةٍ وَلَا بِصِفَةِ مَنْ يُصَدَّقُ مِمَّنْ رَأَى مَا بَاعَهُ وَلَا مِمَّا عَرَّفَهُ لِلْمُشْتَرِي بِرُؤْيَةٍ، أَوْ بِصِفَةِ مَنْ يُصَدَّقُ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، لَا خِيَارَ فِي جَوَازِهِ أَصْلًا.
    وَيَجُوزُ ابْتِيَاعُ الْمَرْءِ مَا وَصَفَهُ لَهُ الْبَائِعُ صَدَّقَهُ - أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ
    )
    وقال مستدلاً لقوله : (وَالْبُرْهَانُ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِ مَا لَمْ يُعْرَفْ بِرُؤْيَةٍ وَلَا بِصِفَةٍ: صِحَّةُ «نَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» وَهَذَا عَيْنُ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا اشْتَرَى أَوْ بَاعَ)
    وهذا كلام ينقض آخره أوله ، فإن من اشترى ما وصفه له البائع ولم يصدقه ثم باعه فهو لا يدري ما اشترى وما باع .
    فإن لم يشمل حديث النهي عن الغرر ما ابتاعه المرأ ووصفه البائع ولم يصدقه ، فلا يشمل ما بيع ولم يوصف بالضرورة.
    فإن قيل : إن الصورة الأولى تُسْتَدْركُ بإبطال البيع إذا خرجت السلعة على خلاف الصفة.
    قلنا : مع ما في هذا من المخالفة لما قدمناه ، فإن الصورة الثانية تستدرك بالخيار ، ويؤيد قولنا دون قولك قوله صلى الله عليه وسلم ( إِذَا أَنْتَ بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا).
    فإن قيل : إن ذلك لمنقذ بن عمر خاصة ، أو من كان في مثل حاله.
    قلنا : لا دليل على تخصيصه ، فهو باطل.
    وبهذا يسقط اعتراضه على الحنفية عموماً ، ومع ذلك فقد نقل عنهم حجج صحيحة واعترضها ، من ذلك احتجاجهم بحديث : (أنه نهى عن بيع الحب قبل أن يشتد) وذلك أنه غيى النهي بحصول الإشتداد ، ويقيناً لا معنى للتغيية إن كان حكم ما بعدها كحكم ما قبلها.
    والقول بهذا المفهوم عند كثيرين هي من دلالات النص ، فإن لم يكن ، فإلى تفيد استمرار الحكم إلى النتهاء الغاية ، فقد انتهى المنع باشتداد الحب.
    فإن قيل : وما بعدها مسكوت عنه.
    قلنا : فهو داخل في عموم قوله سبحانه (وأحل الله البيع).
    ولو سلمنا عدم دخوله فهو ينقض عليكم قولكم 8/341 في حديث (من اشترى بيعاً فهو بالخيار حتى ينظر إليه) أنه ظاهره قطع الخيار بالنظر، فإنها دلالة مفهوم أيضاً ، وهو عين ما أبطلتموه هنا.
    والكلام على المفهوم مبسوط في كتب الأصول ، ولعلنا نتعرض له إن نحن شرعنا في خواطر أخرى مع ابن حزم في أصوله.
    والله أعلم.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: خواطر مع ابن حزم في (البيوع)

    خاطرة (4) قال رحمه الله 8/350 : (وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَّا بِلَفْظِ الْبَيْعِ، أَوْ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ، أَوْ بِلَفْظِ التِّجَارَةِ، أَوْ بِلَفْظٍ يُعَبَّرُ بِهِ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ عَنْ الْبَيْعِ ...
    بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] .
    وقَوْله تَعَالَى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] . وقَوْله تَعَالَى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] .
    فَصَحَّ أَنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، فَمَتَى أُخِذَ مَالٌ بِغَيْرِ الِاسْمِ الَّذِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَخْذَهُ كَانَ بَاطِلًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
    )
    أقول : أما أن ما حرم الله تعالى فهو حرام وما أحل فهو حلال ، فلا خلاف فيه لكن ليس في الآيات أن البيع يحرم أخذه بغير لفظ البيع والتجارة وأنه لا يحل أكل المال إلا بهذين اللفظين ، بل ليس في الآيات المذكورة تعرض لتلفظ البائع والمشتري بأي لفظ أبداً، ليس فيها سوى حل البيع وحل أكل المال بالتجارة من غير تعرض إلى التلفظ بلفظ معين ، بيانه أن لفظ البيع والتجارة في اللغة التي نزل بها القرآن يطلقان على نفس المعاوضة المعروفة لا على التلفظ باسميهما ، فلو قال رجل لعبده بع هذا الشعير ، فذهب إلى السوق وقال بعت الشعير ثم عاد إلى سيده هو والشعير ، لم يصح أن يقال أنه امتثل الأمر لأنه تلفظ بلفظ (بعتُ) في السوق من غير أن يعاوض ، وهكذا لو قال له : لا تبع الشعير ، فذهب إلى السوق وقال : من يريد هذا الشعير فأعطاه رجل عشرة دراهم فسلمه العبد الشعير فرجع إلى سيده ، لا يصح أن يقال : إنه لم يخالف سيده لأنه لم يتلفظ بلفظ البيع حين عاوض عنه. بل لو حصلت المعاوضة بين البائع والمشتري من غير لفظ بحسب العرف الجاري فقد أكل البائع والمشتري السلعة والثمن بالبيع والتجارة ، وهو ما أحله الله بالآيات السابق ذكرها.
    لذا لم يعول الشافعية في المعتمد عندهم على ما احتج به ابن حزم هنا مع موافقتهم له في اشتراط الصيغة ، بل على قوله سبحانه {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} قالو : فإن الرضى أمر قلبي لا اطلاع عليه فوجب إقامة ما يدل عليه وهو اللفظ.
    والذي يترجح دليلاً عدم اشتراط الصيغة كما قال به الجمهور وهو وجه في مذهب الشافعي اختاره ابن الصباغ والبغوي والمتولي والنووي والسبكي وغيرهم.

    في مسألة التفرق بالأبدان والخيار برقم 1417 قال رحمه الله : (وقال أحمد كما قلنا ، إلا أنه لا يعرف التخيير ، ولا يعرف إلا التفرق بالأبدان فقط)
    أقول : المعروف في مذهب سقوط الخيار بالتخيير. والله أعلم.

    خاطرة (5) قال رحمه الله 8/367 مسألة 1420 : ( مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ تَنَازَعَ الْمُتَبَايِعَا نِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: تَفَرَّقْنَا وَتَمَّ الْبَيْعُ، أَوْ قَالَ: خَيَّرْتنِي، أَوْ قَالَ: خَيَّرْتُك فَاخْتَرْتَ أَوْ اخْتَرْتُ تَمَامَ الْبَيْعِ - وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ مَا تَفَرَّقْنَا حَتَّى فَسَخْتُ وَمَا خَيَّرْتنِي وَلَا خَيَّرْتُك، أَوْ أَقَرَّ بِالتَّخْيِيرِ وَقَالَ: فَلَمْ أَخْتَرْ أَنَا، أَوْ قَالَ: أَنْتَ تَمَامُ الْبَيْعِ -: فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ الْمَبِيعَةُ مَعْرُوفَةً لِلْبَائِعِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِعِلْمِ الْحَاكِمِ وَلَا نُبَالِي حِينَئِذٍ فِي يَدِ مَنْ كَانَتْ مِنْهُمَا وَلَا فِي يَدِ مَنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْهُمَا - أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ إلَّا أَنَّهَا فِي يَدِهِ وَالثَّمَنُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي - فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي كُلِّ هَذَا قَوْلُ مُبْطِلِ الْبَيْعِ مِنْهُمَا - كَائِنًا مَنْ كَانَ - مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ عَقْدُ بَيْعٍ لَا يُقَرُّ بِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
    فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَهِيَ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ لِلْبَائِعِ وَكَانَ الثَّمَنُ عِنْدَ الْبَائِعِ بَعْدُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُصَحِّحِ الْبَيْعِ مِنْهُمَا - كَائِنًا مَنْ كَانَ - مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ نَقْلُ شَيْءٍ عَنْ يَدِهِ، وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَهُوَ فِي الْحُكْمِ لَهُ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ.
    فَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ وَالثَّمَنُ مَعًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
    وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَبَايِعَا نِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: ابْتَعْته بِنَقْدٍ، وَيَقُولَ الْآخَرُ: بَلْ بِنَسِيئَةٍ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِكَذَا أَوْ كَذَا، أَوْ قَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَكْثَرُ - أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِعَرَضٍ وَقَالَ الْآخَرُ: بِعَرَضٍ آخَرَ، أَوْ بِعَيْنٍ.
    أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِدَنَانِيرَ، وَقَالَ الْآخَرُ بِدَرَاهِمَ - أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا بِصِفَةِ كَذَا وَذَكَرَ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْبَيْعُ وَقَالَ الْآخَرُ.
    بَلْ بَيْعًا صَحِيحًا -: فَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِ أَحَدِهِمَا إقْرَارٌ لِلْآخَرِ
    بِزِيَادَةٍ إقْرَارًا صَحِيحًا أُلْزِمَ مَا أَقَرَّ بِهِ وَلَا بُدَّ -: فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْبَائِعِ وَالثَّمَنُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، فَهُنَا هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعًى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاَللَّهِ مَا بِعْتُهَا مِنْهُ كَمَا يَذْكُرُ وَلَا بِمَا يَذْكُرُ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا بَاعَهَا مِنِّي بِمَا يَذْكُرُ وَلَا كَمَا يَذْكُرُ، وَيَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ طَلَبِ، الْآخَرِ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَا مِنْ الْبَيْعِِ
    )
    أقول : حاصل مذهبه رحمه الله أن اختلاف المتبايعين إما أن يكون في تمام البيع ، كالاختلاف في الخيار والفسخ ، أو يكون اختلاف فيما بعد ذلك كالاختلاف في قدر الثمن أو قدر السلعة أو صفة البيع ونحو ذلك.
    أما الأول فالقول قول الذي يدعي ما تحت يده ، سواءً أبطل البيع كما لو كان الثمن بيد المشتري والثمن بيد البائع ، أو صحح البيع كما لو كان الثمن في يد البائع والسلعة في يد المشتري.
    أما الصورة الثانية ، فالقول فيها قول من يدعي ما تحت يده إن كان الثمن في يد البائع والمبيع في يد المشتري فقط . أما إن كان الثمن في يد المشتري والمبيع في يد البائع فكل مدعاً عليه يحلف على بطلان دعوى خصمه.
    هذا حاصل مذهب ابن حزم . والله أعلم.
    وحجته في تصحيح دعوى من يدعي ما تحت يده ، أن اليد تفيد الملك، فو كان مشترياً مثلاً فدعواه صحة البيع حيث كانت تحت يده السلعة أو بطلانه حيث كان تحت يده الثمن موافق لما تفيده اليد من الملك، وخصمه دعواه مردودة لمخالفته لما تفيده اليد ولا بينه عنده تفيد عكس ذلك سوى دعواه ، فإذا لم تكن له بينة رجعنا إلى المدعى عليه ليحلف لقوله صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
    فإذا خبرت هذا فنقول : إن قوله (لأنه مدعى عليه عقدا لا يقر به) يفيد أن عليه اليمين ، ولا يفيد أنه ليس بمدعٍ على خصمه ، فإنه حيث ادعى أنه لم يختر تمام البيع أو اختار الفسخ ، فإنه مقر بحصول البيع وإن خالف في تمامه ، وحيث أقر بحصول البيع ، فالأصل عدم الفسخ ، فدعواه الفسخ تحتاج إلى بينة كدعوى حصول البيع .
    أما حيث ادعى صاحب اليد صحة البيع ، فإنه مقر بأن يده استفادت الملك بالبيع ، وهذه دعوى على خصمه ، فلا تفيد يده الملك حتى تصح ، ولا بينة عنده ، وهي معارضة بدعوى خصمه بطلان البيع ، ويؤيده أصل بقاء ملكه ، وقد أقر بملك خصمه قبل البيع لكنه ينازع في استمراره والأصل يعارض هذه المنازعة.
    فحصل أن اليد لا تفيد شيئاً في هذا النزاع وأن كل مدعٍ ومدعاً عليه.
    ثم أقول : حيث كان الخلاف في الخيار والفسخ ، إن أراد به خيار المجلس ـ كما يدل عليه السياق ـ فلا نزاع فيه مع الأحناف ولا المالكية لأنهم لا يقولون به. وحيث أراد خيار الشرط فلا يتصور فيه نزاع معهم أيضاً ، لأنه إن قارن عقد البيع فالبيع باطل عند ابن حزم ، فلا نظر إلى دعوى الخصمين أصلاً، وحيث تأخر عنه أو تقدم ولم يقارن فالشرط باطل عنده أيضاً ، والعقد صحيح ولا نظر إلى دعوى الخصمين أصلاً.
    أما اختلاف المتبايعين في ثمن المبيع وقدره وصفته وما شاكل ، فقد تقدم معك مذهب ابن حزم فيه ، ولم ينقله عن أحد من السلف ولا الخلف ، ولم أره لأحد ، فإن لم يكن هناك من قال به ، فهو باطل بناءً على المنع من إحداث قول ثالث.
    وهو باطل إيضاً لما قدمناه من خطأه في الاعتماد على إفادة اليد الملك في نفي التحالف.

    ثم نقل رحمه الله مذاهب الناس فقال : (وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْبَيِّعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا تَرَادَّا الْبَيْعَ دُونَ أَيْمَانٍ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ)
    أقول : أما أحمد فعنه روايات ، منها رواية الأثرم إذا اختلف المتبايعان تحالفا ، وفي رواية محمد بن العباس : إن كانت السلعة قد استهلكت فالقول قول المشتري مع يمينه ، وفي رواية ابنه عبدالله : إن لم يتفقا فالقول قول البائع مع يمينه أو يترادا. وفي مذهبه تفاصيل لعله يأتي بعضها لاحقاً.
    ثم قال رحمه الله : (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَحْمَدَ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرنَا فِيهِ - وَرُوِّينَاهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَهُوَ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَا نِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ» فَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ رُوِّينَاهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
    1. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -
    2. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَيْسٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ – 3. مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ نا ابْنُ أَبِي لَيْلَى - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي - عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ -:
    4. وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّانِي فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ.
    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُ؛ 1. لِأَنَّهَا كُلَّهَا مُرْسَلَاتٌ .
    2. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَسْعُودٍ كَانَ لَهُ - إذْ مَاتَ أَبُوهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سِتُّ سِنِينَ فَقَطْ، لَمْ يَحْفَظْ مِنْهُ كَلِمَةً.
    3. وَالرَّاوِي عَنْهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ –
    4. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ - ظَالِمٌ مِنْ ظَلَمَةِ الْحَجَّاجِ - لَا حُجَّةَ فِي رِوَايَتِهِ - .
    5. وَأَيْضًا فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَبُو عُمَيْسٍ شَيْئًا لِتَأَخُّرِ سَنِّهِ عَنْ لِقَائِهِ -.
    6 و 7. وَأَيْضًا فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ - وَهُوَ مَجْهُولُ ابْنُ مَجْهُولٍ - .
    8. وَأَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -: فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِ جُمْلَةً
    .)
    أقول : لا يضر هذا التعليل في شهادة بعض هذه الطرق لبعض ، إذ ليس ثمة ضعف شديد يوجب اطراح هذه الطرق بالكلية
    أما تعليله الأحاديث بالإرسال ، فيضر عند من لا يحتج بالمرسل ، لكنهم قبلوا المرسل متى تعضد إما بمسند آخر أو مرسل آخر أو عمل الصحابة .
    وطريق أبي عميس عن عبد الرحمن بن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده تقبل التحسين على أصول كثير من أهل الحديث كابن حبان وابن معين والنسائ وغيرهم فإنهم يقبلون رواية التابعين وتابعيهم إن روى عنهم ثقة ولم يكن في حديثهم ما ينكر، وقد حسنها البيهقي وحكم باتصالها وصححها الحاكم ، ولا أعلم أحد يعلل هذا الإسناد إلا من اشترط التنصيص على العدالة مطلقا كابن القطان الفاسي وابن حزم ويجاريهم الشيخ الألباني في هذا كثيراً ، لكنه يفرق بينما إذا كان الراوي معروف برواية الثقات عنه أو لا.
    أما الإنقطاع بين محمد بن الأشعث وابن مسعود ، فلا انقطاع ، فقد تعاصرا وصرح البيهقي باتصال السند وجزم الذهبي بسماعه منه.
    فإن لم نحسن هذه الطريق لذاتها فلا أقل من الاستشهاد بها ويشهد لها طريق عون بن عبدالله عن ابن مسعود ، وهو منقطع ولكنه في الشواهد.
    وما ذكره من كون عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ظالم من ظلمة الحجاج ، لا يدرى ما هذا وما يفيد؟ وهو مخالف للمعروف من كون الحجاج قتله ف سنة تسعين ، وقد كان أبوه من الخارجين على الحجاج.
    وكذا يشهد لها طريق أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عنه أبيه ، وهو منقطع ولكنه في الشواهد.
    وخير أسانيده ما رواه ابن الجارود في (المنتقى) والدارقطني في (سننه) من حديث محمد بن سعيد بن سابق ثنا عمرو بن قيس عن عمر بن قيس الماصر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه . الحديث.
    وقد تابع ابن أبي ليلى عمر بن قيس عن القاسم بن عبد الرحمن كما تقدم عن ابن حزم. وأعلها ابن حزم بضعف ابن أبي ليلى ، والإنقطاع بين عبد الرحمن وأبيه.
    أما ضعف ابن أبي ليلى ، فقد توبع كما تراه والعمدة حديث عمر بن قيس .
    أما الإنقطاع فقد نص البخاري على سماع عبد الرحمن من أبيه ، ولا يضره أن يكون سمع من أبيه صغيراً بخلاف ما زعمه ابن حزم ، ولو لم يكن سمع من أبيه فهو في الشواهد أيضاً ، فتقوي هذه الطرق بعضها وبعضاً ويصح الحديث.
    وراجع تخريج الألباني لهذا الحديث في (الإرواء) 5/166 برقم 1322 و(السلسلة الصحيحة) 2/432 برقم 798.
    فقد صح اعتماد مخالفيه عليه في الجملة.

    قال رحمه الله ص369 : (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْوَالِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا، لَا سِيَّمَا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ السِّلْعَةِ الْقَائِمَةِ وَالْمُسْتَهْلِ كَةِ)
    أقول : قد رويت التفرقة ، وذلك من حديث ابن أبي ليلى عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فِي الْبَيْعِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ كَمَا هِيَ بِعَيْنِهَا لَمْ تُسْتَهْلَكْ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ»
    فمن يقول بدلالة المفهوم ، يحتج به.
    ولكنه حديث ضعيف.
    أما من جهة المعنى ، فقد قال بعض من فرق أن المشتري منكر ، وليس بمدعٍ لأن السلعة سلمت له ملكاً ويداً ، ولا حاجة له بأن يدعي على البائع بشيء، ولكنه ينكر دعوى البائع عليه فعليه اليمين.
    وهذا نظر معتبر حسن ، لا يصح رده بمجرد استهجانه وعدم استحسانه.
    أما قوله ص 369 : (وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ، فَخَالَفُوا الْمُرْسَلَ الْمَذْكُورَ، وَخَالَفُوا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)
    أقول : لا تناقض ، إذ ليس في الحديث أكثر من كون القول قول البائع بيمينه إذا اختلف مع المشتري ، وليس فيه أن البائع إذا ادعى على المشتري فإن المشتري لا يحلف ، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله (ولكن اليمين على المدعى عليه) وهذا عام يشمل المشتري إذا ادعى عليه البائع ، فحملنا حديث ابن مسعود على ما إذا لم يكن في اختلاف المتبايعين دعوى من البائع على المشتري أو أن المشتري مخير بين الرد أو القبول أو الدعوى ، عملاً بجميع الروايات.
    والله أعلم.
    وقوله رحمه الله ص 369 : (وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِقَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: لَمَّا كَانَ كِلَاهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْيَمِينُ جَمِيعًا، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا أَوْ عَقْدًا لَا يُقِرُّ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَلَى الْبَائِعِ عَقْدًا لَا يُقِرُّ بِهِ الْبَائِعُ.
    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ هَذَا فِي كُلِّ مَكَان كَمَا ذَكَرُوا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ لَا يَعْرِفُ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ: هَذَا لِي بِعْته مِنْك بِمِثْقَالَيْنِ ، وَقَالَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ: بَلْ ابْتَعْته مِنْك بِمِثْقَالٍ وَقَدْ أَنْصَفْتُك، فَإِنَّ الَّذِي الشَّيْءُ بِيَدِهِ لَيْسَ مُدَّعِيًا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ أَنَّ كُلَّ مَا بِيَدِ الْمَرْءِ فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ ادَّعَى فِيهِ مُدَّعٍ: حَلَفَ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ وَبَرِئَ وَلَمْ يُقِرَّ لَهُ قَطُّ بِمِلْكِهِ إقْرَارًا مُطْلَقًا، فَلَيْسَ الْبَائِعُ هَهُنَا مُدَّعًى عَلَيْهِ أَصْلًا)
    أقول : قد تقدم الكلام عليه ، والصورة المذكورة فيها إقرار المشتري بأن ملكه المبيع وقع بالبيع ، لكنه يدعيه بثمن لا يقره عليه البائع ، فصح أنه مدعٍ . ولا حاجة إلى التكرار.
    ونقل عن أبي صور والظاهرية قولهم : (إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ، وَعَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا لَا يُقِرُّ لَهُ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا أَشْبَهُ بِأُصُولِ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّ ينَ: مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي الْإِقْرَارِ.
    قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ هَذَا أَيْضًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوَافِقْ الْمُشْتَرِيَ قَطُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا أَقَرَّ لَهُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ وَبِالْبَيْعِ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمُشْتَرِي بِإِقْرَارٍ هُوَ مَكْذُوبٌ لَهُ
    )
    إن المشتري لم يكذب البيع بصفة ، بل أكذب البائع في الصفة فقط ، ووافقه في نفس البيع ، فكان هذا القول قوياً في الجملة.
    ... يتبع ...

    تنبيه : لم أحقق النظر في مسألة اختلاف المتبايعين ، ووضعته كما هو مكتوب عندي.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المشاركات
    185

    افتراضي رد: خواطر مع ابن حزم في (البيوع)

    ليتك يا أخي وضاح تفرد كل مسألة لوحدها حتى يسهل مراجعتها والتدقيق فيها والإنتفاع بها وبتعقيباتك عليها تقبل مروري

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •