الشيخ: محمد ناصر الحزمي
ظهر على السطح طافياً بعض الغثاء الناتج من فتات الفكر الغربي، ومن هذا الغثاء ما يسمى بالقرآنيين أو العقلانيين مع أن القرآن منهم براء لما سأورده من أدلة قرآنية دامغة رداً على حيض ألسنتهم، وكذلك خواء عقولهم، وينطبق عليهم قول الله عز وجل: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال:22-23].


ذهبوا إلى (تمجيد العقل وإكباره) فجعلوه حكماً قهرياً على عدد ليس بالقليل من النصوص الشرعية الإسلامية، وعرضوا الحاكمية في الشريعة على العقل، وعرضوا الحدود والجنايات على العقل وعرضوا الولاء والبراء في الإسلام على العقل، وعرضوا بعض المسلمات في قضايا المرأة المسلمة وشؤونها على العقل، حتى صار ذلك لوثة نعوذ بالله من تبعات قسماتها، بل هذا هو الجنون بذاته، لقد ذهب الشافعي رحمه الله إلى ذلك حين قال: "متى عرفت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ولم آخذ به فأنا ‏أشهدكم أن عقلي قد ذهب".

‏ثم نقول لأمثال هؤلاء: إن أردتم إقحام العقول في فرز الشريعة فعقل مَن مِن البشر نُحكم؟ أهو عقل زيد أم عقل عمرو؟ أعقل رجل أم عقل امرأة؟ أعقل متزن أم عقل صاحب هوى؟
‏ألا إن دلائل العقل قلما تتفق، بل عقل كل واحد يرى صاحبه غير ما يرى الآخر، وهذا بين الحمد لله، ‏وقديماً قيل: "لو سكت الذي لا يعلم لما كان هناك خلاف"، ومن لم ير الهلال فعليه أن يُسلم لأناس رأوه بأبصارهم.
‏إن هذه نبتة غريبة انحدرت من سلالات هجينة جامعة من شبهات عقول المضلين، من منتسبي الملة، رسمها (العقلانية التنويرية) ومعهم من لفّ لفهم ممن حمل لواء تجديد التراث بالتياث، ولقد صدقت الحكمة القائلة: "عقول الناس على قدر زمانهم" إن ظهورها هذه الأيام هو لوجود سند وظهر يحتمون ويستقوون به، إنها أمريكا التي ركبوا صهوة دولارها، وهذا القول ليس من باب التجني بل هم يعرفون أنهم يديرون منظمات بدعم من الكونجرس الأمريكي وبعض المؤسسات في الغرب وسأكشفها بالتفاصيل والوثائق فيما بعد إن شاء الله حتى يستبين المسلم خطرهم.
‏وباسم الحرية وحقوق الإنسان ‏أظهروا عفن فكرهم وتجرءوا على المجاهرة به بقصد حب الشهرة، وقد وجدنا أن أسهل طريق للشهرة والبروز هو أن تهاجم الإسلام كإسلام أو تهاجم النصوص أو كما يفعل هؤلاء بمهاجمة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولانبهارهم بالحضارة الغربية وشعورهم بالهزيمة النفسية فقد ذهبوا يلوون النصوص ليّا، ويبحثون عن الأقوال الشاذة والقصص الخرافية، التي صدرت عن البعض عبر التاريخ الإسلامي ليجعلوها مطية إلى الشهرة الزائفة والتجارة الخاسرة؛ ولأنها لم تؤثر في تلك الأيام؛ لأن نهر الإسلام كان جارياً فظنوا أن نهر الإسلام راكد هذه الأيام، فأرادوا بغثائهم التأثير فيه فزادوا على من سبقهم بكثير من المفاهيم والمصطلحات تحت شعار كل مسلم مجتهد، حتى لو كان خمّاراً معتوهاً أو لصاً ماكراً أو جاهلاً أحمقا، أو زانياً فاحشاً أو زنديقاً متاجراً فخرجوا كالفئران من جحورهم.
مدعين أن مصدر اجتهادهم تراكم المعارف الإنسانية والأفكار العقلانية، وهل يعرف الحق الذي جاء من عند الله عن طريق المعارف الإنسانية أم بالرسالة المحمدية؟! فما هذا الخلط العجيب؟ هل من اكتنز معارف إنسانية هو عندهم المؤهل لمعرفة الإسلام وأصول الفقه واستنباط الأحكام؟ وإذا كانوا عقلانيين كما يدعون، فلماذا يلغون التخصص، أليس المريض يذهب إلى الطبيب، والجاهل يذهب إلى العالم، فإذا أقروا أن كل مريض هو طبيب نفسه، فلا حاجة لنا للأطباء، لن نقر لهم بأن كل جاهل هو عالم نفسه؛ لأن هذا منطق المجانين وليس العقلانيين.
محتجين بالقول كيف يرقص الباليه من أصيب بالشلل؟! وأنا أقول لهم: كيف يشعر بالدفء من أصيب بالبلل؟! فالذي لم يصطبغ بالإسلام لا يعرف حلاوته وقيمته قال تعالى: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة:138] ولذلك لا غرابة أن يبيعه في سوق النخاسة وصدق من قال: "إن عدم تقديرك للجوهرة هو إهانة لعقلك وليس انتقاصاً لقدرها".
يدعون أنهم لا يهاجمون السنة بل يرفضون الحديث، وأنا أقول: ما هو الحديث؟ أليس هو قول النبي وفعل النبي وإقرار النبي وهذه بمجملها سنته صلى الله عليه وسلم: {..كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:5] وقد زعموا أن كلام ‏النبي صلى الله عليه وسلم من اجتهاده الشخصي وليس من الوحي، وهذا القول يترتب عليه أمور عظام:
أولها: رد قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجم:3-4].
قال ابن القيم رحمه الله: "ولم يقل: (وما ينطق بالهوى) لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به؟ فتضمن نفي الأمرين، نفي الهوى عن مصدر النطق، ونفيه عن نفسه، فنطقه بالحق ومصدر الهدى والرشاد لا الغي والضلال" [بدائع التفسير 672/4].
ونحن نعلم أن وحي القرآن وحي لفظ ومعنى، ووحي السنة وحي معنى ترك للنبي صلى الله عليه وسلم صياغة لفظة.
ثانيها: ومن قولهم: أن كلام النبي اجتهاد، فمعنى ذلك أن النبي يصيب ويخطئ؛ لأن هذه ميزة المجتهد، ومن هنا نسألهم أين أصاب وأين أخطأ؟ ومن الذي يرجع إليه ليحدد صوابه وخطؤه، ويستدلون بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف:110]، وهذه حجة عليهم لا لهم، فما يميز النبي صلى الله عليه وسلم عن بقية البشر هو الوحي إليه الذي ينكرونه.
فإن قالوا: إنهم مؤمنين بالسنة الفعلية ويتركون القولية، فنقول: كيف وصلت إليكم؟ وأين أنتم من قول الله عز وجل:{..وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا..} [الحشر:7] فكيف كان ينهى النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارات أم بالكلمات؟ وأين أنتم من قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ..} [النساء:59] كيف نطيع الله، أليس باتباع أمره واجتناب نهيه، وكذلك الرسول كيف نطيعه، ومن أين نعرف أمره ونهيه، أليس من سنته، وأين هم من قوله تعالى: {..فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ..} [النساء:59] وهذا خطاب للمؤمنين في كل زمان، كيف سنرد أمرنا إلى الرسول ونحن قد أنكرنا سنته؟
هم يدعون أن حد الرجم للزاني خرافة يهودية، محتجين بورودها في التوراة، وأرادوا الدليل على أنها شرع إسلامي، وهذا احتجاج عليهم لا لهم، فهم يعلمون أن شريعة اليهود سماوية، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم ينسخه الإسلام.
ثالثها: إذا كانوا ينكرون السنة بأكملها، فكيف سأقنعهم بحكم من أحكامها؟
رابعها: يزعمون أن الحد هو الجلد فقط وهو ما ورد في القرآن للمحصن وغير المحصن، فنقول لهم: في نظركم هذا عدل؟ أن يستوي في العقوبة المحصن مع غير المحصن حاشا لله {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16] وإلى لقاء آخر إن شاء الله.

منبر علماء اليمن:
http://olamaa-yemen.net/main/article...rticle_no=3251