بقلم/ سامح عسكر

ولكم في حسن الترابي عِبرة

دخلت السودان من قبل في تجربة الحُكم.."الإسلام "..ودخل معها السودانيون في خِضم أحلامٍ لا تتوقف عند طلب المعيشة بل إلى تنفيذ حُكم الله، أقاموا الحدود وقطعوا الأيادي والأرجل، ثم سرعان من انقلب البشير على الترابي كجزاء لمن يضع الشعوب لخيار إما القلم أو القوة ، قد لا يجد الإنسان صعوبة لديه في الاختيار إذا ما كانا متصارعين في السر والعلن، ولكن عند رؤية التحالف ثم الإنفصال ينحاز المواطن إلى القوي، هذه التجربة حاضرة من قبل في زمن عبدالناصر ، فكما حدث مع الترابي والبشير حدث مع عبدالناصر والإخوان، وكأن ضريبة القمع والسجن أصبحت عقاباً لمن تسوّل له نفسه أن يسلك سلوك السلطة بمباركة القوي .

أرى أن سلوك السلطة لن يكون نزيهاً وقائما قياماً صلباً إلا بعملية كبرى للإصلاح الديني والفكري تخرج منها المجتمعات من حالة إلى حالة، أما أن نعتقد بأن ما نحن عليه هو الحق وأن الباطل قليل لهو الحَمَقُ بعينه، فما من فشلٍ حضاري شامل إلا ورافقه الجهل والانحطاط الخُلقي والثقافي، بالضبط كما حدث في المجتمع السوداني حيث ابتهجت نفوس الإسلاميين في المنطقة بقدوم هذا المارد الذي سينقل السودان من الانحطاط والجهل إلى مصاف الدول المتقدمة ، ولكن تناسى هؤلاء بأن هناك فراغاً فكرياً وثقافياً يعاني منه الشعب السوداني بأسره ،فمن تخبطه على أعتاب الأضرحة إلى استقطاب المجتمع السوداني دينياً وعِرقياً وصل السودانيون إلى مرحلة اللاعودة، فتقمست البلاد وخضعت الأقاليم لسُلطة كبار الطوائف وضعفت الدولة المركزية فكانت النتيجة أن انتشرت الجرائم السياسية والعِرقية .

بالتأكيد كانت هذه الجرائم مُخبّأة قبل ظهور المشروع الإسلامي في السودان وكانت فقط تنتظر اللحظة لخروجها للعلن فور استدعائها إما بجهل وسطحية أصحاب المشروع الإسلامي، أو بتورط خصوم الإسلاميين في التحريض ضد الدولة المركزية وعدم التعاون مع الحاكم، كانت أكثر تجربة مريرة عاني منها إسلاميو السودان هي فتنة السُلطة، حيث أتذكر حواراً مع الترابي منذ عامين قال فيه بأن معيار الإختيار الذي كنا نسلكه كان هو معيار الثقة ، وأن الرجل لم يكن ليتقدم لموقع المسئولية إلا بالثقة في أخلاقه وطاعته والتزامه، ففوجئنا بعد حينٍ من الزمن بأن ما كنا نُقدّمه في الماضي لم يكن إلا مشروعاً لدكتاتور فَتَنَته السلطة ، فسُرعان ما كان يُقصي خصومه حتى أنه لم يشعر بما هو عليه ولجأ كعادة أكثر الإسلاميين إلا التبرير.. ومن هذا المشهد سقطت دولة السودان بين رُحى الإستبداد..

من شهادة الترابي أرى أن تجربتهم التي عانوا منها ليست بعيدة عن المشهد العربي وبالأخص في مصر وتونس فهما مُعرّضين لنفس التجربة أو أخف أو أشد وطأة، فارق كبير بين التنظير العقلي بين مشروعين سياسيين أحدهما يُدخل الدين عنوة في كل صغيرة وكبيرة، وبين مشروعين سياسيين يعتمدان على معيار الأكفأ لضمان البقاء والإستمرارية..فا لأول سيُنتج مجموعة يعتريها الجهل بالقانون والحياه وما حادثة الدستور أولاً أو الإنتخابات أولاً في مصر ببعيدة، حيث لا زالت خيبة الإسلاميين وفشلهم في رصد ما حِيك للثورة ولأنفسهم حاضرة في الأذهان، فرفعوا سلاح التخوين لكل من يرفض مبدأ الإنتخاب أولاً، بل وصل الأمر ببعضهم إلا إطلاق أحكام الطاعة والمعصية لله إذا لم يُقدم الشعب على اختيار مبدأ الإنتخاب..وياسبح ان الله تمر الأيام والشهور ويَثبت للجميع بأن مبدأ الإسلاميين قد أوقع البلاد في أزماتٍ سياسية عانى منها الإسلاميون أولاً، فحَمَل ذلك بعضهم على الإعتراف بالخطأ..ولكن ظلت أحكام الطاعة والمعصية لله التي أطلقها هؤلاء سبّة في جبينهم ولا يزالون يُكررون نفس الخطأ بكل عنجهية حتى حمل البعض منهم بأن اختيار أي مرشح بخلاف مرشح الإخوان فهو عاصي لله، وأن ما فعله حرامٌ شرعاً.

في حوار سابق مع زميل لي في العمل كان مؤيداً لشفيق، وكان يعرف أنني أميل للدكتور مرسي رغم قدومي على انتقاده مراتٍ عِدّة ، قال لي بأنه إذا كان من سينتخب الدكتور مرسي سيدخل الجنة حسب أقوال المشائخ، فما هو مصير المسيحي الذي سينتخب الدكتور مرسي، هذا السؤال ليس بجديدٍ عليّ إذ سبق وأن تعرضت لنفس السؤال، حيث يُقدم خصوم الإخوان على تحميل أخطائهم وأخطاء المشائخ لكافة الكوادر المحسوبة على الإخوان سواءاً من كانوا في التنظيم أو من خرجوا ، في المحصلة لن يجد المدافع إلا سلوكين لا ثالث لهما، إما أن يلجأ للتبرير كعادته وحينها ستتفاقم الأزمة بدلالة عدم الرصد،وإما سيعترف بالخطأ ولكن مع توالي الأخطاء فسيُصبح وجود هذا الكادر في الإخوان على المحكّ.