الواجب الأول ....معرفة العبد ربه
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الواجب الأول ....معرفة العبد ربه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4

    افتراضي الواجب الأول ....معرفة العبد ربه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال تعالى :" فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك "

    قال الشيخ محمد بن الوهاب رحمه الله :

    "فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟

    فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمد .

    فإذا قيل لك:من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه."

    هذه مختارات اخترتها من " سلسلة الأسماء والصفات" للشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله أحببت أن يستفيد الآخرون منها ويكون في الإطلاع عليها وتعلمها جزءاً من القيام بهذا الواجب واجب معرفة العبد ربه ومولاه .
    في كل مرة سأختار- إن شاء الله - صفة من الصفات وكلام الشيخ عليها مع الإشارة إلى أن هذه السلسلة هي عبارة عن شرح لمنظومة في العقيدة بعنوان " مَنظُومَةُ جُملَةُ العَقَائِدِ عَلَى طَريقِ السَّلفِ الأمَاجِدِ" للشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله .

    صفة الرحمة (1)

    هذه صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وهي صفة الرحمة, وهي صفة عظيمة كتبها الله على نفسه, فالله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالرحمة في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:2-3] , ومع ذلك ذكر الرحمة التي هي فعله في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54] , وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعاً وتسعين رحمة لعبادة المؤمنين في الجنة, وأنزل رحمة واحدة في الدنيا فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها) , فهذه الرحمة المخلوقة ليست هي الصفة, وإنما هي متعلق الصفة وأثرها؛ لأنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها) .

    أما الرحمة غير المخلوقة فهي صفة الله، وهي المذكورة في قوله: (إن رحمتي سبقت غضبي) , وفي رواية: (تغلب غضبي) ورحمة الله سبحانه وتعالى هي من أكثر صفاته أثراً, وصفات الله لها آثار في خلقه, فما يتعلق منها بالخلق له آثار, لكن رحمته هي أوسعها أثراً، ولهذا قال الله فيها: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156] , ولذلك عدّ الله من آثارها شيئاً عظيماً فقال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73] , فالليل والنهار وما سكن فيهما كل ذلك من رحمة الله, ولهذا قال في المطر: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم:50] , فكل هذا من آثار رحمة الله؛ ولهذا إذا نظرنا إلى ما فيه أهل الأرض من المعايش والخيرات والبركات التي جعلها الله في هذه الأرض، ومن أعظمها هذا الأكسجين الذي يتنفسون به، والماء الذي يشربونه, وستر الله الجميل الذي يجعل بعضهم يركن إلى بعض ويميل إليه, وجبل قلوبهم على الألفة والمحبة وغير ذلك، كل هذا أثر من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى, ومع ذلك فما في الدنيا من رحمة الله المخلوقة إلا رحمة واحدة من مائة رحمة.

    ويذكر عن عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه دخل على هارون الرشيد , فوعظه فبكى هارون بكاءً شديداً, وكان في غزو، وكان هارون يغزو في كل سنة، وكان عبد الله بن المبارك كثيراً ما يغزو معه، فسأله أن يحدثه بما يزيده طمعاً فيما عند الله تعالى وترغيباً لما عنده, فقال: يا هارون! ما نصيبك في هذه الدنيا من رحمة الله؟ قال: أوفر نصيب، فقد منّ الله علي بالإيمان والعقل والحكمة والعلم وإمارة المؤمنين، وأن ملكي شمل مشارق الأرض ومغاربها، وامتن علي بالمال والأولاد وصالح الأهل، وغير ذلك من أنواع ما يرغب فيه, فقال: هذا حظك من رحمة واحدة قسمت بين أهل الدنيا كلهم برهم وفاجرهم أولهم وآخرهم, فما ظنك بنصيبك من تسعة وتسعين رحمة يوم القيامة؟! نلت من هذه الرحمة الدنيوية هذا النصيب, وهي رحمة واحدة، فكيف سيكون نصيبك من تسع وتسعين رحمة يوم القيامة؟!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: الواجب الأول ....معرفة العبد ربه


    صفة الهداية والإضلال لله عز وجل (2)


    فالله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء, فمن هداه فبفضله ومن أضله فبعدله: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] , وهداية الله سبحانه وتعالى صفة من صفات الأفعال, لكنها تنقسم إلى قسمين: هداية إرشاد وهداية توفيق: فهداية الإرشاد هي إرساله للرسل وإقامته للحجة بالدليل العقلي والعلمي, فيهدي عبده بأن يريه الطريق, وهذه الهداية لا تقتضي نجاته, بل قد يعمل الإنسان بمقتضاها فينجو، وقد يخالفها فلا ينجو؛ ولذلك قال الله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت:17] ، وهداية الإرشاد هذه كثيراً ما يقابلها العمى في القرآن.وقد أثبتها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52] .


    وأما الهداية الثانية: فهي هداية التوفيق، وهي من صفات الله المختصة به فلا يتصف بها من سواه، ولذلك نفاها عن رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56] , ولذلك ينبغي لمن يقرأ الفاتحة أن ينوي في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6] , هداية التوفيق لا هداية الإرشاد؛ لأن هداية الإرشاد قد حصلت، ويبقى أن يسأل الله هداية التوفيق, وهي الاستقامة بعد أن عرف المنهج، فهداية الإرشاد معناها مجرد أن تقوم عليك الحجة, وقد قامت عليك بهذا الكتاب الذي تقرؤه وبالرسول الذي جاء به، وهداية التوفيق هي التي تسألها الله، فتسأله أن يوفقك لما يرضيه ولسلوك طريق الذين ارتضاهم.

    * هذه الهداية يقابلها الإضلال، والهداية والإضلال يترتبان على المحبة والكره, فمن أحبه الله هداه، وكل من تعلقت به صفة المحبة لابد أن يهديه الله, وكل من تعلق به المقت والبغض لابد أن يضله الله.

    * الناس ينقسمون في الآخرة إلى سعداء وأشقياء فقط: فالسعداء هم الذين هداهم الله حين أحبهم، والأشقياء هم الذين أضلهم الله حين مقتهم.

    * في الدنيا ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: إلى مؤمن ومنافق وكافر، لكن في الآخرة هم قسمان فقط, {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود:105] , فالشقي: يشمل الكافر والمنافق، والسعيد: هو المؤمن الذي مات على الإيمان.


    * الإضلال يشمل إضلالين:
    إضلالاً عاماً: وهو من بداية عمر الإنسان إلى أن يموت على ضلالته.

    وإضلالاً خاصاً: وهو الإضلال في الخواتيم, وهو أن يختم الله له بالضلالة، نسأل الله السلامة والعافية.

    * لا اعتراض على الله سبحانه وتعالى في اختياره: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68] ، وقال تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف:51] , فيختار من شاء للهداية على أساس حكمته وعلمه الذي لا إخلاف فيه ولا تناقض، ويختار من شاء -نسأل الله السلامة والعافية- للضلالة, فيضله ويحول بينه وبين الهداية, حتى لو قامت عليه كل الحجج وجاءته الهداية -هداية الإرشاد- فإنه لا ينتفع بها كما قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام:109-111] , فهذا يدلنا على أن هداية التوفيق منحة ربانية, فليست راجعة إلى عقل ولا إلى علم, وإنما هي منحة ربانية يهبها لمن يشاء؛ ولذلك قال الله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13] , فهذا اختيار رباني.

    وقد جاء في حديث المهدي أنه يصلحه الله في ليلة, فهو لم يكن مهتدياً ولكن الله يهديه ويصلحه في ليلة واحدة.

    تابع ( إن شاء الله )

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: الواجب الأول ....معرفة العبد ربه


    صفة الوسع ( 3)

    قد وصف نفسه بأنه هو الواسع، وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة من الأسماء التسعة والتسعين، والمقصود به أن عطاءه يتسع لحوائج الناس، فيعطي قبل المسألة، ويعطي بعدها ولا ينقص ذلك شيء من عطائه وفضله، ففضله هو الواسع المحيط بكل من يحتاج، والفضل هنا المقصود به الكرم والبذل، وذلك أن جميع نعم الله سبحانه وتعالى هي من التفضل الذي يتفضل به على عباده. وليس شيء من نعم الله مستحقاً على الله، فقد ذكرنا أن من القواعد المهمة لدى أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء. وهذا مخالف لمذهب المعتزلة كما سبقت الإشارة إليه، وسنذكر هنا مزيد إيضاح له، فإنهم يرون وجوب الصلاح والأصلح على الله سبحانه وتعالى، ولما كان سبحانه وتعالى يتفضل على الناس بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقتضى ذلك أن نعلم أن الجنة لا يمكن أن تنال بالأعمال، ولا يمكن أن يدخل أحد الجنة بعمله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) والآيات الكثيرة التي فيها: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] ، تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] فالباء التي فيها ليست للعوض، وإنما هي للسببية. والباء ترد لأربعة عشر معنىً قد أشرنا لها من قبل، فمن معانيها السببية، فهذا العمل سبب لدخول الجنة، وهو الكسب الذي كان يكسبه بعمله، فيكون سبباً لدخول الجنة، وذلك مثل أعمالنا اليوم فإنها ليست عوضاً لرزقنا، وإنما الرزق بفضل الله سبحانه وتعالى والأعمال هي سبب في الرزق فقط. فالأعمال لا تضمن الرزق للإنسان، بل نشاهد كثيراً من الناس يعملون، ولا يتركون مجالاً من مجالات الارتزاق إلا تعبوا فيه، ومع ذلك لا ينالون شيئاً، ونجد أن آخرين يرزقون من دون أن يبذلوا أي سبب، كم رأينا من الناس ممن أتعب عمره وأفناه في طلب الرزق فما حصل على فائدة، وكم رأينا من الناس ممن جاءته نفحة من نفحات الله وهو غير متسبب في أي شيء، وكم شاهدنا من أنواع الحيوانات التي لا تقدر على أي اكتساب ومع ذلك يأتيها رزقها في مكانها: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60]. فإذا كان الأمر كذلك؛ فإننا نعلم أن الأسباب التي نتسبب بها كحراثة الأرض، وكالبناء، والأعمال إنما هي أسباب فقط، لكنها لا تضمن مسبباتها. وكذلك الأعمال الصالحة الأخروية فهي بمثابة الأعمال الدنيوية في أنها سبب للنجاة يوم القيامة، وسبب لدخول الجنة لكنها لا تضمنها، فمن يضمن لك قبول عملك، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يتقبل ما يشاء ويرد ما يشاء: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41] ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] ولو عاش الإنسان عمراً في طاعة الله، لم يجب على الله أن يتقبل شيئاً من عمله؛ لأن العبرة بالخواتيم فقد يكون غير مخلص، وقد يبتلى بسوء الخاتمة، ويكون ذلك سابقته التي علم الله في الأزل، ومن هنا علم أن الباء في الآيات كلها للسبب، وأن الباء في الحديث للعوض: (لن يدخل أحد الجنة بعمله) أي عوض عمله. (يسع بفضله الخلق): والخلق المقصود به المخلوقات، فهو مصدر في الأصل لكنه يطلق على اسم المفعول، والمقصود به: كل ما خلق الله، فكل ما خلق الله يسعه بفضله، حتى الكفار فإن الله تعالى لديه من أنواع العذاب الأليم وتعجيله ما صرف عنهم، فقد أخر عنهم العذاب في الدنيا وأملى لهم: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183] فنالوا حظهم بفضله، حيث تفضل عليهم بخلقه، وبالعافية، وبالمال والأولاد وغير ذلك، لكن عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ومنهم إبليس فقد عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وسلط على من سلط عليه من أهل الدنيا؛ لكنه لا حظ له يوم القيامة.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: الواجب الأول ....معرفة العبد ربه

    صفة الرؤية (4)

    قال الناظم رحمه الله : [يرى ولا يراه منا ذو بصر حتى يموت مثلما جاء الخبر]

    قوله: (يرى) وفيه إثبات صفة الرؤية لله سبحانه وتعالى، فإن الله يرى كل شيء، ولا يخفى عليه أي شيء: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] فلذلك لا تخفي عنه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، فكل ذلك يراه. ولكن رؤيته تنقسم إلى قسمين: الأول: رؤية علم وإحاطة وبصر ونظر، والثاني: رؤية تقدير وحفظ، فرؤية التقدير والحفظ هي التي يعبر عنها بالنظر، ولذلك قال الله تعالى: لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ [آل عمران:77] أي: لا ينظر إليهم بعين رحمته وحفظه؛ لكن مع ذلك لا يخفون عليه بل هو يراهم، وكذلك قوله عز وجل لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] فهذه الرؤية المخصوصة المقصود بها مع إثبات النظر والإبصار: الحفظ والإحاطة أيضاً، فهو حافظ لهما، عاصم لهما من فرعون وجنوده. ثم الصفة السلبية هي قوله: (ولا يراه منا ذو بصر حتى يموت): وهذه الصفة السلبية متضمنة لإثبات أيضاً؛ لأنها مغياة بغاية، فنفي الرؤية عن المخلوق ليس نفياً مطلقاً، بل هو في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فقد أثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أن المؤمنين (سيرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته) وجاء في كثير من الآيات ما يدل على ذلك، مثل قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] فهذه الرؤية الأخروية ثابتة بالنصوص ويجب الإيمان بها، وقد أنكرها المعتزلة فكثر الرد عليهم، ومن الذين ألفوا في الرد عليهم: الإمام الدارقطني فألف كتابه في إثبات الرؤية، وقد كان كثير من السلف يمتحن بها توبة ورجوع الجهمية عن جهميتهم، فمن أثبت منهم الرؤية وأقر بها فهذا دليل على توبته. أما الرؤية الدنيوية فإنه لا يمكن أن تدركه الأبصار لقول الله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103] ولذلك فإن موسى سأله رؤية دنيوية حين كلمه بكلامه: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] ولن هنا للنفي؛ لكنها لا تقتضي التأبيد .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •