بسم الله الرحمن الرحيم
الأزهر ومواقفه المتميعة

في فتواه الأخيرة حذر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب من التقاعس عن الإدلاء بالتصويت في الانتخابات، وقال: "تقاعس أي مواطن عن الإدلاء بصوته في الانتخابات الرئاسية مع قدرته على ذلك حرام شرعا" مناشدا المصريين "حسن اختيار رئيسهم الجديد للجمهورية الثانية" وفقا لما نقلته وكالة الأنباء المصرية الرسمية.
لكن فضيلة الإمام الأكبر سكت بالطبع عن ترجيح أحد المترشحين، سواء المرشح الإسلامي د. محمد مرسي أو مرشح الفلول الفريق أحمد شفيق، وهذا من منطلق أن الأزهر دوما ملتزم بالحيادية تجاه هذه المواقف!!، وهذا من عجيب التصرفات للأزهر وشيخه، لأن الحيادية -كما يعلم جيدا- ليس هذا موطنها على الإطلاق، بل هي مسألة حياة أمة أو موتها، وحياة ثورة تطوق للحرية أو إجهاضها، وهي مسألة دماء أريقت وبيوت خربت وأمة دمرت على مدار ثلاثين سنة، وهي مسألة أمانة منوطة بالعلماء أن يبينوا للناس طريق الرشاد.
وفي حين أن صحف وقنوات الفلول الإعلامية تتبارى في تضليل الرأي العام، يتميع شيخ الأزهر ويتسربل بسربال السلبية ويسميه تضليلا «حيادية»، لكنه في واقع الأمر التميع الذي عودنا عليه الأزهر وشيوخه طيلة عهدهم إلا من رحم ربي، وإن كان لهذا التميع في عهد الأنظمة السابقة له ما يعذره، فما الذي يمنع شيخ الأزهر اليوم في أجواء الحرية الثورية من أن يحسم أمره ويقوم بالواجب المفروض عليه، من الانحياز للثورة والشعب ودعم مرشح التيار الإسلامي الذي هو راعيه والمسئول عنه أمام الله والوطن والتاريخ.
وفي حين أعلن كافة العلماء الفضلاء من أبناء الدعوة الإسلامية المباركة، وعلى رأسهم علماء الهيئة الشرعية للتغيير والإصلاح.. أعلنوا دعمهم الصريح والعلني لمرشح التيار الإسلامي، بل أفتى بعضهم -جزاهم الله عنا خيرا- حرمة التصويت لمرشح الفلول، وهذا من قبيل حسم الأمور وردها إلى نصابها الصحيح وتوفية للأمانة التي جعلها الله تعالى في عنق العلماء .. هذا في الوقت الذي يتوارى فيه شيخ الأزهر ورجاله كما عودونا في جلائل الأمور أن يكونوا بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
وإن كان الأزهر وشيخه قد التزم الحيادية وتنازل عن واجبه الشرعي، بل أصدر أوامر صريحة للدعاة بعدم الترويج لأي مرشح في المساجد وعلى المنابر، فلماذا لم يتم شيخ الأزهر تميعه ويمنع رجال الأزهر من عدم الإدلاء بأي تصريحات إعلامية في هذا الأمر، حيث ذكرت صحيفة المصري اليوم وصف الشيخ الأزهري (السيد الزغبي) الفريق أحمد شفيق بأنه «رجل رباني» أرسله الله لمصر ليخلصها مما هي فيه. وقال الزغبي، على هامش مسيرة نظمها مئات من أنصار الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسي بالغربية، إن نسب شفيق يعود إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه ينتمي للأشراف، مضيفا «شفيق رجل عفيف اللسان، لا يعرف العيب ولا يخطئ في أحد من منافسيه، على الرغم من تعمدهم الإساءة له وسبه على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد».
وأضاف «لا سبيل لمصر أن تخرج مما هي فيه وتستقر أمنيا واقتصاديا إلا بوجود رجل مثل شفيق ليكون رئيسا، لها ولن يسمح المصريون بأن يتولى غيره مسئولية البلاد».
كما أشاد الزغبي بدور الجيش المصري ووزارة الداخلية في الحفاظ على مصر من أيدي المخربين الذين يريدون تسليم مصر لدول خارجية، وفق ما قال.
ولماذا أيضا لم يكف شيخ الأزهر أخيه عن توزيع منشورات بالأقصر تؤيد مرشح الفلول (شفيق)، ودعواه أن وصول الإخوان للحكم سيحول مصر إلى أفغانستان جديد.
مواقف شيخ الأزهر المتميعة وتميع المؤسسة الدينية الرسمية بمصر أشهر من أن تذكر، هذا الشيخ الذي ضرب أقبح الأمثلة في التميع بانضمامه للجنة السياسات بالحزب الوطني السابق، والذي حارت معه عمامته ولحيته، فعندما كان رئيس لجامعه الأزهر كان حليق اللحية غير معمم ويلبس البدل الأنيقة، ولما تولى مشيخة الأزهر أطلق لحيته ولبس العمامة الأزهرية الشهيرة، وكأنها تلونات وتغيرات لا عقائد وشرائع وقناعات.
لكن كل ما يستطيعه شيخ الأزهر هو الكلام الفضفاض، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، من قبيل: (وأكد الدكتور الطيب في بيانه أن الأزهر الشريف سيبقى بيتا للوطنية، وموئلا للمناضلين، وذخرا للعمل الوطني المخلص على مر الأيام بوطننا العزيز، مناشدا الجميع عدم الاختلاف أو التنازع بما يفتت قوتهم ووحدتهم).
إن الشعب المصري العظيم لا تنطلي عليه هذه المواقف الباهتة، ولا تستهويه هذه السلبية، لذلك لا غرابة أن يتراجع دور الأزهر وشيخه، ويسقط من أنظار الجماهير، وفي حين تندفع الجموع العريضة نحو وجهتها الصحيحة في دعم مرشح الثورة، ما زال الأزهر يبطن غير ما يعلن، ولم يحسم أمره في وقت الكل في حاجة لمواقف واضحة وجريئة، ترضي الله تعالى وترضي الجماهير، والصدق مع النفس أشهر من أن يذكر أو يمدح، فمتى يصدق رجال المؤسسة الدينية مع أنفسهم ويخرجوا خبيئة معتقداتهم، والله يتولى السرائر، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
د/ خالد سعد النجار

كاتب بالقدس العربي اللندنية
alnaggar66@hotmail.com