الشيخ: أحمد برعود.

ما أحوجنا إلى تعلّم أخلاق التعامل مع الناس والعمل بها، ويتأكد ذلك عندما يكون الإنسان صاحب قضيّة يحتاج إلى كسب مزيد من الأنصار والمتعاطفين مع قضيّته.


فصاحب القضيّة يحتاج إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: تعلّم أخلاق التعامل مع الناس وتطبيقها ليتحقق له كسبهم إلى صفّه، وهو ما يسمى اليوم بكسب الرأي العام أو كسب الشارع.
الأمر الثاني: مراعاة الزمان والمكان فليس كل ما يصلح في زمن ما أو مكان ما، يصلح في زمن غيره أو مكان غيره فلكل مقام مقال.
الأمر الثالث: الالتزام بضوابط المبدأ أو الطريق الذي اختاره لنصرة قضيّته وهما طريقان:
الطريق الأول: طريق الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن
وعرض الحجج والبراهين على مشروعيّة قضيّته، وأنه صاحب حق مشروع، وهذا الطريق سلكه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم ومواجهتهم للظلم والطغيان، وكان ذلك بتوجيه من الله تعالى بوحيّه إليهم، فنوح عليه السلام حاور قومه وعرض عليهم ما جاءه من الحق كما قال الله عنه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا * قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا * مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا * وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِي نَ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 5-28].
وإبراهيم عليه السلام حاور قومه كما قال تعالى عنه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 69-82].
وموسى عليه السلام حاور الطاغية فرعون، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل حاور قريشاً، وكان يعرض دعوته للناس والقبائل في موسم الحج، وكان لذلك أثر كبير في كسب المؤيدين والأنصار.
الطريق الثاني: طريق المواجهة وهي إمّا أن تكون سليّمة أو تكون عنيفة
فالسلميّة تعني طرح القضية من غير إحداث قلاقل ومصادمات عنيفة أو اعتداءات أو تخريب ممتلكات خاصة أو عامة أو أي مظهر من مظاهر العنف واستخدام القوة، مع مقابلة الأذى بالصبر والتواصي به كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وامتثال أصحابه رضي الله عنهم للأمر الرباني: {كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} [النساء:77].. وقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 199-201].
وطريق المواجهة السلميّة والتزامه له ايجابيات كثيرة من أبرزها إظهار القضية وعرضها على الرأي العام، وكذلك كسب الأنصار، وكسب تعاطف الرأي العام والوقوف مع القضيّة.
ومراعاة الرأي العام معتبر شرعاً من غير التماس رضا الناس بسخط الله، والأدلة على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «يا عائشة لولا قومك حديثو عهدهم بكفر، لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون».
وعندما أراد عمر رضي الله عنه قتل عبد الله ابن أبي سلول رأس المنافقين، وقال: «يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال النبي صلى الله عليه سلم: دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» [رواه البخاري].
وكذلك ما رواه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال: اذهب فاصبر، فأتاه مرتين أو ثلاثاً فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق، فطرح متاعه في الطريق فجعل الناس يلعنونه: فعل الله به، وفعل، وفعل، فجاء إليه جاره فقال له: ارجع لا ترى مني شيئاً تكرهه». والأدلة على ذلك كثيرة.
وأما المواجهة العنيفة فهي بين غالب ومغلوب، وإذا لم يكن لها حظ من التوعيّة للقضيّة وأرضية الانطلاق فإنها غالباً تقابل بالاستنكار والصد.
فأصحاب الحق ابتداءً لا يختارون المواجهة العنيفة، ولكن إذا فُرضت عليهم فليثبتوا كما قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم فاصبروا» [متفق عليه].
هكذا كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الحق التي بدأها من مكة ثم انتقلت إلى المدينة حتى خضعت لها الجزيرة العربية وغيرها.
لقد كانت تحاط بعناية ربانيّة وتوجيهات إلهيّة حققت للمجتمع المسلم الاستقامة والسعادة حيث أرست التوجيهات الإلهيّة قواعد في التعامل بين الناس جاءت في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 199-200].
فالآيتان اشتملتا على قواعد أربع في التعامل بين الناس:
الأولى: أخذ العفو.
الثانية: الأمر بالمعروف.
الثالثة: الإعراض عن الجاهلين.
الرابعة الاستعاذة بالله من نزغ الشياطين.
وهذه القواعد أجمع لمكارم الأخلاق، وقد رُوي عن جعفر الصادق رحمه الله تعالى من أجلاّء التابعين أخذ عنه العلم أبو حنيفة ومالك أنه قال: "ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها".
ووجهوه بأن الأخلاق ثلاثة بحسب القوى الإنسانية:
عقليّة، وشهويّة، وغضبيّة:
فالعقليّة: الحكمة، ومنها الأمر بالمعروف.
والشهويّة: العفّة ومنها أخذ العفو.
والغضبيّة: الشجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلية.
قال السعدي رحمه الله في تفسيره: "هذه الآية جامعة، لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم".
وقال سيد قطب في ظلال القرآن: "هذه التوجيهات الربانيّة في مواجهة تلك الجاهليّة الفاحشة، هذه البشرية الضالّة، تدعو صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها بغير تعقيد ولا تشديد والإعراض عن الجاهلية، فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر".
وقال المراغي في تفسيره: "هذه الآية تشمل أصول الفضائل فهي من أسس التشريع التي تلي في المرتبة أصول العقيدة المبنيّة على التوحيد الذي تقرر، ثم قال في الإيضاح: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199].
أمر الله نبيّه في هذه الآية بثلاثة أشياء هي أسس عامة للشريعة في الآداب النفسيّة والأحكام العمليّة:
1- خذ العفو:
وهو السهل الذي لا كلفة فيه من آداب الدين وقواعده اليسر وتجنب الحرج وما يشق على الناس، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرها.
2- الأمر بالمعروف:
وهو ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه، وإجمال القول فيه: أنه اسم جامع لكل ما عُرِفَ من طاعة الله والتقرّب إليه والإحسان إلى الناس.
3- الإعراض عن الجاهلين:
وهم السفهاء بترك معاشرتهم وعدم مماراتهم، ولا علاج للوقاية من أذاهم إلا الإعراض عنهم: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} [الأعراف:200] النزغ: كالنخس والنغز، والوكز: إصابة الجسد برأس محدّد كالإبرة والمهماز والرمح، والمراد به هنا: نزغ الشيطان بإثارته داعية الشر والفساد في النفس بغضب أو شهوة؛ بحيث تلجئ صاحبها إلى العمل بتأثيرها كما تُخنس الدابة بالمهماز لتسرع" ا.هـ مختصراً.
إن أساس بناء المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمتى هُدِم هذا الأساس، انقلبت معه قيم المجتمع وموازينه التي تُبنى عليها تصوراته ومناهجه.
ويتم ذلك وفق مراحل:
الأولى: انتفاء الكره والبغض للمنكرات، وهي درجة الإنكار بالقلب.
الثانية: إذا تمادى المجتمع في غفلته فيستقبل بعض المنكرات ويسكت عليها، إما جهلاً أو تخاذلاً؛ لفساد المجتمع وهلاكه قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78-79].
الثالثة: إذا تمادى المجتمع في سكوته عن المنكرات فسيتحوّل المنكر إلى أمر واقع، ومع مرور الزمن سيظن عامة الناس أنها أعراف وعادات، وسيصعب عند ذلك تغييرها، بل ويُستغرب الذي ينكرها.
الرابعة: أن يصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، وحينئذ يعلو شأن المفسدين وتعلو مكانتهم في المتجمع ويصبحون هم قادته وروّاده ومنكروه وسيخفت صوت المصلحين(1).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحمي المجتمع من الهدم ويقيم فيه البناء السليم، ثم هناك وقاية أخرى للأفراد والجماعات والأمة دفع شر الجاهلية بالإعراض ما لم يتعدّوا محارم الله تعالى، فإذا تعدّوا فينبغي مواجهتهم؛ صيانة للدين، وكذلك دفع شر الشيطان ونزغاته بالاستعاذة بالله عز وجل والقول الحسن، كما قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53].
وينبغي أن لا نحتقر نزغة الشيطان، فإنها قد تحدث بلاء عظيماً وفساداً كبيراً وفتنة تأكل الأخضر واليابس، وتزهق أرواحاً بريئة، والشواهد على ذلك كثيرة قديماً وحديثاً منها ما حدث بين المهاجرين والأنصار حتى تنادوا عصبيّة: "يا للمهاجرين! ويا للأنصار!" فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم، دعوها فإنها منتنة».
وما حدث قريباً في مدينة الشحر يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من فبراير من فتنة كادت تحدث مقتلة رهيبة لولا لطف الله تعالى وعنايته، ثم تداعى ثلة من المصلحين، وكان قبيل المغرب، وهو الوقت الذي تنتشر فيه الشياطين، وبالتحديد في مركز مدرسة بافضل الانتخابي بعد إطلاق نار كثيف أودى بحياة الشاب رشاد أحمد علي بن بكر العوبثاني رحمه الله تعالى، وجرح اثنين أحدهما جراحه بليغة. نسأل الله لهما الشفاء العاجل.
فتداعى شباب قبيلة العوبثاني بالشحر وما جاورها وأحاطوا بالمدرسة بأسلحتهم مطالبين بتسليم الجاني، وفرضوا حصاراً قوياًّ فتداعى الجيش في المحور، وتحركت الدبابات والأسلحة الثقيلة لفك الحصار المفروض على الجنود، فلولا فضل الله ولطفه ثم عقلانية قائد المحور محمد علي محسن، وضبطه للجيش، وتحركه معهم، والعمل سريعاً على التفاوض؛ لكانت تصير كارثة في مدينة الشحر لا يعلم أحد إلا الله منتهاها، فتداعى المصلحون، وكنت أحدهم، وهم مدير المديرية الأستاذ حسين باداهية، والشيخ سالم السعدي، والمحامي قيس الجريري، وعقال من قبيلة العوبثاني، وأولياء الدم.
وكانت الأجواء تزداد سخونة حيث تمركز الجيش عند نقطة مدخل الشحر الغربيّة في استعداد قتالي وقوّة لفك حصار مدينة، والقائد يضبط حركتهم ويهدّئ من ثورتهم فجلسنا جميعاً مع القائد ومعاونيه في ذلك الموقع، والجنود يحيطوننا من كل مكان، وكانت الجلسة غلب عليها شيء من التفاهم والاحترام وإن كان شابها شيء من غير القائد، ولكن القائد أزاله وتم الاتفاق على الآتي:
1- سحب المسلحين المحاصرين للجنود بالمدرسة.
2- تستلم لجنة الصلح الجنود وتسلمهم لمدير الأمن بمديرية الشحر الذي بذل جهداً مضنياً لإخماد فتيل القتال بمحضر ومن ثم تسليمهم إلى البحث الجنائي بالمحافظة؛ لتتخذ القضية مجراها، فتوجهنا إلى المدرسة المحاصرة وأعطي شباب العوابثة توجيه من عاقلهم بالانسحاب فانسحبوا مباشرة، وبقي مجموعة من أبناء المدينة تمَّ إقناعهم بجهد لعدم اقترابهم من الموقع، وإقناع الجنود الذين بالداخل بتسليم أسلحتهم، وبعد أخذ ورد مع القيادة تحقق ما جرى في الاتفاق وُسلّموا إلى البحث الجنائي.
وظننا أن الأمر قد انتهى والقضيّة تأخذ مجراها، فإذا فتنة أطلّت برأسها قد تؤدّي إلى انشقاق بين الجيش بسبب تسليم القائد الجنود، فطلبت القيادة من قبيلة العوبثاني ومن المصلحين إدراك الموقف وحقن أي دماء، فجلسنا مساء الخميس ليلة الجمعة، وحضر قائد الضبة ومعه آخر وقال: إن القائد يحكّمكم يا آل العوبثاني في قتيلكم، فكان الموقف المفاجئ والمشرّف لقبيلة العوبثاني ليثبت أنها تعمل للخير وتترفع أن تكون وقوداً لفتنة وإسالة دماء؛ وتقديراً لموقف قائد المحور الذي تحمّل كل المعاناة من أجل الوفاء لما صالح عليه.
ردّت قبيلة العوبثاني أن الحكم برأس القائد فكان الرد من القائد تلفونياً بأنه سيكون خلال أربع وعشرين ساعة، ولكم ما يرضيكم يا آل العوبثاني، وكذلك بقناعة أولياء الدم ورضاهم، ثم تمّ التوقيع على ذلك وإطلاق سراح الجنود، وكذلك تم الاتفاق على تبني علاج المصابين باغريب وباوافي، وتحمل نفقات العلاج، وتم تسليم الموكّلين عنهم مبالغ أولية للعلاج، وبذلك تكون قد طويت صفحة فتنة كادت تعصف بمدينة الشحر.
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
______________________________ __________
(1) للمزيد انظر: الفساد الخلقي للدكتور ناصر التركي.


منبر علماء اليمن:
http://olamaa-yemen.net/main/article...ticle_no=13449