بيعتين في بيعة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: بيعتين في بيعة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    3

    افتراضي بيعتين في بيعة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
    فقد استأذنت شيخي الشيخ دبيان بن محمد الدبيان المستشار الشرعي بوزارة الشؤون الإسلامية في تنزيل بعض الأحاديث التي فيها علل .
    وهذا أول حديث تم تنزيله
    حديث النهي عن بيعتين في بيعة حديث معلول، وليس في تفسيره نص مرفوع.
    فقد رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة،
    عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة، وعن لبستين: أن يشتمل أحدكم الصماء في ثوب واحد، أو يحتبي بثوب واحد، ليس بينه وبين السماء شيء([1]).
    [تفرد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بزيادة (في بيعة) وقد رواه أصحاب أبي هريرة بلفظ: نهى عن بيعتين وعن لبستين، وهو المحفوظ]
    وله علتان:
    الأولى: محمد بن عمرو وإن كان يذهب كثير من العلماء إلى تحسين حديثه إلا أن روايته عن أبي سلمة فيها تخليط، وقد انتقد ابن معين روايته عن أبي سلمة، فقال حين سئل عنه: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له؟ وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
    العلة الثانية: علة المخالفة.
    فالحديث قد رواه جماعة عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: نهى عن بيعتين ولبستين بدون زيادة لفظ (في بيعة) فلا يشك الباحث في شذوذ هذه اللفظة، وممن خالف محمد بن عمرو:
    الأول: حفص بن عاصم كما في صحيح البخاري (584، 588) وأكتفي بالبخاري عن غيره.
    الثاني: محمد بن سيرين كما في صحيح البخاري (2145)، وأكتفي بالبخاري.
    الثالث: الأعرج، كما في صحيح البخاري (2146)، وصحيح مسلم (1511) وأكتفي بهما عن غيرهما.
    الرابع: عطاء بن ميناء، كما في صحيح مسلم (1511).
    الخامس: ذكوان أبو صالح السمان، كما في مسند أحمد (2/380)، وسنن أبي داود (4080)، وسنن الترمذي (1758)، ومشكل الآثار للطحاوي (5476، 5475).
    السادس: محمد بن عمير، كما في سنن النسائي الكبرى (9667)، وشرح معاني الآثار (4/363)، ومعجم ابن المقرئ (665)، وتاريخ دمشق (7/134).
    فلو كانت زيادة (في بيعة) محفوظة لذكرها أصحاب أبي هريرة، فلما تفرد بها محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، وكل من رواه عن أبي هريرة رواه بلفظ: نهى عن بيعتين وعن لبستين تبين لي شذوذ ما رواه محمد بن عمرو.
    هذا من حيث الرواية، أما الحديث من حيث الدراية:
    فلم يرد في الشرع بحسب البحث القاصر ما يفسر معنى الحديث ، وليس هناك في اللغة أو في العرف تفسير له يمكن التحاكم إليه، وقد اختلف العلماء في تفسيره على أقوال كثيرة ، وصلت إلى أكثر من ستة أقوال ، واختلافهم يدل على أنه ليس في المسألة نص عن الشارع، وإليك هذه النقول: التفسير الأول: أن يبيع الرجل السلعة بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة، فيفترق المتبايعان دون تعيين أحد الثمنين. وبهذا فسره السلف ، وأكثر أهل العلم، ونقل ذلك الترمذي في سننه([2])، وهي صورة من صور بيعتين في بيعة عند الحنفية([3])، وهو أشهر التأويلين في مذهب الشافعية([4])، وقول طاووس والثوري وإسحاق([5])، وقول في مذهب الحنابلة([6]). فقد وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا وكيع، أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله . عن أبيه: صفقتان في صفقة ربا ، أن يقول الرجل : إن كان بنقد فبكذا، وإن كان بنسيئة فبكذا([7]). ورجاله ثقات. وبهذا أيضاً فسره سماك بن حرب ، رواه أحمد من طريق شريك. عن سماك بن حرب، قال: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنسأ بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا([8]). [و شريك سيء الحفظ ]. (ث-140) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا الثقفي، عن أيوب . عن محمد أنه كان يكره أن يستام الرجل السلعة يقول: هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا([9]). وسنده صحيح . وقال النسائي في المجتبى : شرطان في بيع : وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة إلى شهر بكذا، وإلى شهرين بكذا. وقال أيضاً : بيعتين في بيعة: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً ، وبمائتي درهم نسيئة([10]). وقد قال الحكم، وحماد، وإبراهيم النخعي حين سئلوا عن الرجل يشتري الشيء بكذا نقد، وإن كان إلى أجل فبكذا، قالوا: لا بأس إذا تفرقا على أحدهما. والإسناد إليهم صحيح ([11])، وكذا رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن الزهري وقتادة([12]). ونوقش هذا التفسير: لم يقبل ابن القيم هذا التفسير، وقال: «هذا التفسير ضعيف ، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا ، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين »([13]). التفسير الثاني: بيعتين في بيعة: أن يقول الرجل: هذا بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة، ويكون البيع لازماً بأحد الثمنين، فإن وقع على وجه التخيير فلا حرج، وهذا قول مالك([14])، وربيعة، ويحيى بن سعيد([15]). التفسير الثالث: بيعتان في بيعة هو أن يبيعه الشيء ويشترط عليه عقداً آخر من بيع أو سلف، أو قرض، أو صرف، أو إجارة ، أو شركة، وكذا كل ما كان في معنى ذلك ، مثل أن يقول: بعتك داري بكذا على أن تزوجني ابنتك ، أو على أن أزوجك ابنتي، وكذا على أن تنفق على عبدي، أو دابتي، ونحو ذلك، وهذا هو مذهب الحنفية([16])، وقول للشافعي([17])، والمشهور من مذهب الحنابلة([18])، وقول لابن حزم ([19]). التفسير الرابع: معنى بيعتين في بيعة أن يبيعه إحدى سلعتين مختلفتين بثمن واحد، كثوب وشاة بدينار على اللزوم، فشرط المنع كون البيع على اللزوم للمتبايعين أو لأحدهما للغرر، إذ لا يدري البائع بم باع، ولا المشتري بم اشترى، فإن لم يكن على اللزوم جاز([20]). التفسير الخامس: معنى بيعتين في بيعة أن يقول رجل لآخر: اشتر لي هذه السلعة التي بعتها له بخمسة عشر لأجل بعشرة نقداً ، وأنا أخذها منك بها، أو بربح دينار. وهذا التفسير صورة من صور بيع العينة ، وهو قول عند المالكية ([21]). وما دام أن الحديث معلول، والتفسير إنما هو اجتهاد فيمكن القول بأن معنى بيعتين في بيعة ليس محصورًا في صورة واحدة، بل يدخل في ذلك: كل عقدين جمعا في عقد واحد وترتب على جمعهما محذور شرعي، ومنه ما ذكره ابن تيمية وابن القيم في صورة بيع العينة، ومنه لو باع عليه ذهباً، واشترط عليه أن يشتري منه بثمنه ذهباً آخر، فإنه حيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، ومنه كذلك لو باع عليه سلعة بشرط أن يقرضه، فإنه يدخل في القرض إذا جر نفعاً، وهكذا، ولا يدخل في ذلك العقدان الذي لم يترتب على جمعهما محذور شرعي، كما لو باعه سيارته بشرط أن يبيعه داره، لأنه لا مفسدة ولا محذور في جمع العقدين في عقد واحد، كما لا يدخل في ذلك إذا عرض عليه السلعة بنقد بكذا ، وبنسيئة بكذا ، لأن العقد في الحقيقة واحد، والله أعلم.


    أخوكم/ فهد بن عبدالعزيز الجوعي
    fhgwai@gmail.com
    حساب توتر @fhgwai


    ([1]) المسند (2/432).

    ([2]) سنن الترمذي (3/533).
    ([3]) بدائع الصنائع (5/158) ، المبسوط (13/8) ، أحكام القرآن للجصاص (1/638)، فتح القدير (6/262).
    ([4]) المهذب (1/266، 267)، التنبية (ص: 89)، أسنى المطالب (2/30)، وقال الغزالي في الوسيط (3/71): «نهيه عن بيعتين في بيعة، ذكر الشافعي رضي الله عنه تأويلين، أحدهما: أن تقول: بعتك بألفين نسيئة، أو بألف نقداً. أيهما شئت أخذت به، فأخذ بأحدهما فهو فاسد؛ لأنه إبهام وتعليق. والآخر أن تقول: بعتك عبدي على أن تبيعني فرسك، وهو فاسد؛ لأنه شرط لا يلزم، ويتفاوت بعدمه مقصود العقد، وقد نهي مطلقاً عن بيع وشرط، وكذلك نهى عن بيع وسلف، ومعناه: أن يشترط فيه قرضاً ». وقال النووي في المجموع (9/412): «والأول أشهر، وعلى التقديرين: البيع باطل بالإجماع». وقال الشافعي في الأم (7/291): «ونهى النبي عن بيع الغرر، ومنه أن أقول: سلعتي هذه لك بعشرة نقداً، أو بخمسة عشر إلى أجل، فقد وجب عليه بأحد الثمنين؛ لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم ». فقوله: ( فقد وجب عليه بأحد الثمنين ) وقوله: ( لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم) كله يدل على أن المشتري لم يأخذه بأحدهما. وعلل بطلان البيع بالجهالة صاحب مغني المحتاج (2/31)، وصاحب كتاب فتح الوهاب (1/283)، مما يدل على أن الثمن مجهول، وإذا أخذه بأحدهما لم يكن الثمن مجهولاً.
    ([5]) المغني (4/161)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج، مسألة: (2141)، وجاء في الاستذكار (20/180) عن الثوري ، قال: «إذا ذهب به المشتري على وجه واحد، نقداً كان أو نسيئة فلا بأس بذلك ».
    ([6]) الفروع (4/63)، الإنصاف (4/350).
    ([7]) المصنف (4/307)، وهذا إسناد حسن إن كان عبد الرحمن سمعه من أبيه، وقد أثبت له ابن المديني السماع من أبيه . ولعله في حكم المتصل وإن لم يسمعه فقد سمعه من أهل بيته . انظر جامع التحصيل (ص: 223). ورواه أيضاً ابن أبي شيبة ، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن أبي عبيدة أو عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن ابن مسعود.

    ([8]) المسند (1/398).
    ([9]) المصنف (4/307)، ومصنف عبد الرزاق (14628).
    ([10]) المجتبى (7/295).
    ([11]) مصنف ابن أبي شيبة (4/307).
    ([12]) المصنف (14630).
    ([13]) تهذيب السنن (5/106).
    ([14])جاء في المدونة (4/151): «أرأيت إن قال له: اشتر مني سلعة، إن شئت بالنقد فبدينار، وإن شئت إلى شهرين فبدينارين ، وذلك في طعام أو عرض، ما قول مالك في ذلك ؟ قال: قول مالك في ذلك: إن كان هذا القول منه، وقد وجب البيع على أحدهما، ليس له أن يرجع في البيع، فالبيع باطل، وإن كان هذا القول منه، والبيع غير لازم لأحدهما، إن شاءا أن يرجعا في ذلك رجعا؛ لأن البيع لم يلزم واحداً منهما، فلا بأس بأن يأخذ بأي ذلك شاء، إن شاء بالنقد، وإن شاء بالنسيئة». وانظر الموطأ (2/663)، والتمهيد لابن عبد البر (24/390)، مواهب الجليل (4/364-365)، المنتقى للباجي (5/39).
    ([15]) جاء في المدونة (3/412): «ذكر يونس بن يزيد، أنه سأل ربيعة ما صفة البيعتين اللتين تجمعهما بيعة ؟ قال ابن وهب: هما الصفقة الواحدة قال: يملك الرجل السلعة بالثمنين عاجلٍ وآجلٍ، وقد وجبت عليه بأحدهما كالدينار النقد والدينارين إلى أجل، فكأنه إنما بيع أحد الثمنين بالآخر، قال: فهذا مما يقارب الربا, فكذلك قال الليث عن يحيى بن سعيد قال: البيعتان اللتان لايختلف الناس فيهما ثم فسر لي من نحو ما قال ربيعة أيضا، وكذلك فسر مالك , وقد كره ذلك ابن القاسم وسالم وسليمان بن يسار »..
    ([16]) المبسوط (13/16)، الهداية (3/48). ويدخل في الصفقتين في صفقة عند الحنفية: كل شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، كما لو باعه عبداً على أن يستخدمه شهراً، أو داراً على أن يسكنها، أو على أن يقرضه المشتري درهماً، أو على أن يهدي له هدية.
    ([17]) انظر العزو إلى كتب الشافعية في القول الأول.
    ([18]) الفروع (4/63)، الإنصاف (4/350)، كشاف القناع (3/193).
    ([19]) ذكر ابن حزم أكثر من صورة، ويراها أنها داخلة في النهي عن بيعتين في بيعة، قال ابن حزم رحمه الله في المحلى (7/501): «ولا يحل بيعتان في بيعة, مثل: أبيعك سلعتي بدينارين على أن تعطيني بالدينارين كذا وكذا درهماً . أو كمن ابتاع سلعة بمائة درهم على أن يعطيه دنانير، كل دينار بعدد من الدراهم، ومثل: أبيعك سلعتي هذه بدينارين نقداً، أو بثلاثة نسيئة. ومثل: أبيعك سلعتي هذه بكذا وكذا، على أن تبيعني سلعتك هذه بكذا وكذا. فهذا كله حرام مفسوخ أبداً محكوم فيه بحكم الغصب».
    ([20]) الثمر الداني (ص: 512)، الفواكه الدواني (2/95)، الكافي لابن عبد البر (ص: 366).
    ([21]) منح الجليل (5/81).

  2. #2
    أبو زُرعة الرازي غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    الدولة
    غزة - صانها الله -
    المشاركات
    1,649

    افتراضي رد: بيعتين في بيعة

    قال ابن عبد البر في الإستذكار : [ هذا الحديث مسند متصل عن النبي صلى الله عليه وسلم عن حديث ابن عمر ، وحديث ابن مسعود ، وحديث أبي هريرة ، وكلها صحاح من نقل العدول ، وقد تلقاها أهل العلم بالقبول إلا أنهم اتسعوا في تخريج وجوه هذا الحديث على معان كثيرة ، وكل يتأول فيه على أصله ما يوافقه ، وسنذكر من ذلك هنا ما [ ص: 172 ] فيه كفاية إن شاء الله تعالى .

    ومن أحسن أسانيد هذا الحديث : ما حدثناه سعيد بن نصر ، ويحيى بن عبد الرحمن ، قالا : حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم ، قال : حدثنا ابن وضاح ، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني أحمد بن زهير ، قال : حدثني يحيى بن معين ، قال : أخبرني هشيم ، قال : أخبرنا يونس بن عبيد ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة .

    ورواه محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
    ورواه سماك بن حرب ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ذكرنا كثيرا من طرق الأحاديث في " التمهيد " ] . أهـ . قلتُ : هو من المكثرين عن أبي سلمة رحمه الله تعالى وإن كان في حديثهِ شيء من ناحية الحفظ قال الجرجاني : [ له حديث صالح، وأرجو أنه لا بأس به، ومرة: ليس بالحافظ عندهم ] ، وقال أبي الفتح الأزدي : [ حديثه محبوب إلي أهل الحديث، وليس بالقوي، حمل عنه الناس ] ، وقال أبو حاتم الرازي : [ صالح الحديث يكتب حديثه وهو شيخ ] ، وقال ابن حبان : [ يخطئ ] ، وقال النسائي : [ ليس به بأس، وقال مرة: ثقة ] ، وقال ابن حجر العسقلاني : [ صدوق له أوهام، ومرة: مشهور من شيوخ مالك احتج به الجماعة، صدوق تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه ] ، وقال شعبة : [ أحب إلي من يحيى بن سعيد الأنصاري في الحديث ] وقال القطان : [ سأله عنه علي بن المديني فقال: تريد العفو أو تشدد؟ فقال علي: لا بل تشدد، قال يحيى ليس هو ممن تريد، ومرة: صالح ] وقال ابن معين : [ ما زال الناس يتقون حديثه، ومرة: ثقة، ومرة: ليس بحجة، ومرة: أحب إلي من محمد بن إسحاق ] وقال يعقوب بن شيبة : [ وسط، وإلي الضعف ما هو ] فإن كنت تريدُ رواية محمد بن عمرو الليثي عن أبي سلمة فهي مما تكلم فيها بن معين رضي الله عنهُ ، وقد صحح الرواية بن عبد البر في الإستذكار . والله أعلم .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: بيعتين في بيعة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
    فقد استأذنت شيخي الشيخ دبيان بن محمد الدبيان المستشار الشرعي بوزارة الشؤون الإسلامية
    في تنزيل بعض الأحاديث التي فيها علل

    وهذا أول حديث تم تنزيله
    حديث النهي عن بيعتين في بيعة حديث معلول، وليس في تفسيره نص مرفوع.
    فقد رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة،
    عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة، وعن لبستين: أن يشتمل أحدكم الصماء في ثوب واحد، أو يحتبي بثوب واحد، ليس بينه وبين السماء شيء([1]).

    [تفرد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بزيادة (في بيعة) وقد رواه أصحاب أبي هريرة بلفظ: نهى عن بيعتين وعن لبستين، وهو المحفوظ]

    وله علتان:

    الأولى: محمد بن عمرو وإن كان يذهب كثير من العلماء إلى تحسين حديثه إلا أن روايته عن أبي سلمة فيها تخليط، وقد انتقد ابن معين روايته عن أبي سلمة، فقال حين سئل عنه: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له؟ وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

    العلة الثانية: علة المخالفة.

    فالحديث قد رواه جماعة عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: نهى عن بيعتين ولبستين بدون زيادة لفظ (في بيعة) فلا يشك الباحث في شذوذ هذه اللفظة، وممن خالف محمد بن عمرو:
    الأول: حفص بن عاصم كما في صحيح البخاري (584، 588) وأكتفي بالبخاري عن غيره.
    الثاني: محمد بن سيرين كما في صحيح البخاري (2145)، وأكتفي بالبخاري.
    الثالث: الأعرج، كما في صحيح البخاري (2146)، وصحيح مسلم (1511) وأكتفي بهما عن غيرهما.
    الرابع: عطاء بن ميناء، كما في صحيح مسلم (1511).
    الخامس: ذكوان أبو صالح السمان، كما في مسند أحمد (2/380)، وسنن أبي داود (4080)، وسنن الترمذي (1758)، ومشكل الآثار للطحاوي (5476، 5475).
    السادس: محمد بن عمير، كما في سنن النسائي الكبرى (9667)، وشرح معاني الآثار (4/363)، ومعجم ابن المقرئ (665)، وتاريخ دمشق (7/134).

    فلو كانت زيادة (في بيعة) محفوظة لذكرها أصحاب أبي هريرة، فلما تفرد بها محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، وكل من رواه عن أبي هريرة رواه بلفظ: نهى عن بيعتين وعن لبستين تبين لي شذوذ ما رواه محمد بن عمرو.

    هذا من حيث الرواية، أما الحديث من حيث الدراية:

    فلم يرد في الشرع بحسب البحث القاصر ما يفسر معنى الحديث ، وليس هناك في اللغة أو في العرف تفسير له يمكن التحاكم إليه، وقد اختلف العلماء في تفسيره على أقوال كثيرة ، وصلت إلى أكثر من ستة أقوال ، واختلافهم يدل على أنه ليس في المسألة نص عن الشارع، وإليك هذه النقول:

    التفسير الأول:
    أن يبيع الرجل السلعة بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة، فيفترق المتبايعان دون تعيين أحد الثمنين.
    وبهذا فسره السلف ، وأكثر أهل العلم، ونقل ذلك الترمذي في سننه([2])، وهي صورة من صور بيعتين في بيعة عند الحنفية([3])، وهو أشهر التأويلين في مذهب الشافعية([4])، وقول طاووس والثوري وإسحاق([5])، وقول في مذهب الحنابلة([6]).
    فقد وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا وكيع، أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله .
    عن أبيه: صفقتان في صفقة ربا ، أن يقول الرجل : إن كان بنقد فبكذا، وإن كان بنسيئة فبكذا([7]).
    ورجاله ثقات.
    وبهذا أيضاً فسره سماك بن حرب ، رواه أحمد من طريق شريك. عن سماك بن حرب، قال: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنسأ بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا([8]). [و شريك سيء الحفظ ]. (ث-140) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا الثقفي، عن أيوب . عن محمد أنه كان يكره أن يستام الرجل السلعة يقول: هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا([9]). وسنده صحيح . وقال النسائي في المجتبى : شرطان في بيع : وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة إلى شهر بكذا، وإلى شهرين بكذا. وقال أيضاً : بيعتين في بيعة: وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً ، وبمائتي درهم نسيئة([10]). وقد قال الحكم، وحماد، وإبراهيم النخعي حين سئلوا عن الرجل يشتري الشيء بكذا نقد، وإن كان إلى أجل فبكذا، قالوا: لا بأس إذا تفرقا على أحدهما. والإسناد إليهم صحيح ([11])، وكذا رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن الزهري وقتادة([12]).
    ونوقش هذا التفسير: لم يقبل ابن القيم هذا التفسير، وقال: «هذا التفسير ضعيف ، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا ، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين »([13]).

    التفسير الثاني:

    بيعتين في بيعة: أن يقول الرجل: هذا بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة، ويكون البيع لازماً بأحد الثمنين، فإن وقع على وجه التخيير فلا حرج، وهذا قول مالك([14])، وربيعة، ويحيى بن سعيد([15]).
    التفسير الثالث
    :

    بيعتان في بيعة هو أن يبيعه الشيء ويشترط عليه عقداً آخر من بيع أو سلف، أو قرض، أو صرف، أو إجارة ، أو شركة، وكذا كل ما كان في معنى ذلك ، مثل أن يقول: بعتك داري بكذا على أن تزوجني ابنتك ، أو على أن أزوجك ابنتي، وكذا على أن تنفق على عبدي، أو دابتي، ونحو ذلك، وهذا هو مذهب الحنفية([16])، وقول للشافعي([17])، والمشهور من مذهب الحنابلة([18])، وقول لابن حزم ([19]).

    التفسير الرابع:

    معنى بيعتين في بيعة أن يبيعه إحدى سلعتين مختلفتين بثمن واحد، كثوب وشاة بدينار على اللزوم، فشرط المنع كون البيع على اللزوم للمتبايعين أو لأحدهما للغرر، إذ لا يدري البائع بم باع، ولا المشتري بم اشترى، فإن لم يكن على اللزوم جاز([20]).

    التفسير الخامس:

    معنى بيعتين في بيعة أن يقول رجل لآخر: اشتر لي هذه السلعة التي بعتها له بخمسة عشر لأجل بعشرة نقداً ، وأنا أخذها منك بها، أو بربح دينار. وهذا التفسير صورة من صور بيع العينة ، وهو قول عند المالكية
    ([21]).

    وما دام أن الحديث معلول، والتفسير إنما هو اجتهاد فيمكن القول بأن معنى بيعتين في بيعة ليس محصورًا في صورة واحدة، بل يدخل في ذلك: كل عقدين جمعا في عقد واحد وترتب على جمعهما محذور شرعي، ومنه ما ذكره ابن تيمية وابن القيم في صورة بيع العينة، ومنه لو باع عليه ذهباً، واشترط عليه أن يشتري منه بثمنه ذهباً آخر، فإنه حيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، ومنه كذلك لو باع عليه سلعة بشرط أن يقرضه، فإنه يدخل في القرض إذا جر نفعاً، وهكذا، ولا يدخل في ذلك العقدان الذي لم يترتب على جمعهما محذور شرعي، كما لو باعه سيارته بشرط أن يبيعه داره، لأنه لا مفسدة ولا محذور في جمع العقدين في عقد واحد، كما لا يدخل في ذلك إذا عرض عليه السلعة بنقد بكذا ، وبنسيئة بكذا ، لأن العقد في الحقيقة واحد، والله أعلم.



    أخوكم/ فهد بن عبدالعزيز الجوعي

    fhgwai@gmail.com
    Twitter@fhgwai


    ([1]) المسند (2/432).

    ([2]) سنن الترمذي (3/533).
    ([3]) بدائع الصنائع (5/158) ، المبسوط (13/8) ، أحكام القرآن للجصاص (1/638)، فتح القدير (6/262).
    ([4]) المهذب (1/266، 267)، التنبية (ص: 89)، أسنى المطالب (2/30)، وقال الغزالي في الوسيط (3/71): «نهيه عن بيعتين في بيعة، ذكر الشافعي رضي الله عنه تأويلين، أحدهما: أن تقول: بعتك بألفين نسيئة، أو بألف نقداً. أيهما شئت أخذت به، فأخذ بأحدهما فهو فاسد؛ لأنه إبهام وتعليق. والآخر أن تقول: بعتك عبدي على أن تبيعني فرسك، وهو فاسد؛ لأنه شرط لا يلزم، ويتفاوت بعدمه مقصود العقد، وقد نهي مطلقاً عن بيع وشرط، وكذلك نهى عن بيع وسلف، ومعناه: أن يشترط فيه قرضاً ». وقال النووي في المجموع (9/412): «والأول أشهر، وعلى التقديرين: البيع باطل بالإجماع». وقال الشافعي في الأم (7/291): «ونهى النبي عن بيع الغرر، ومنه أن أقول: سلعتي هذه لك بعشرة نقداً، أو بخمسة عشر إلى أجل، فقد وجب عليه بأحد الثمنين؛ لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم ». فقوله: ( فقد وجب عليه بأحد الثمنين ) وقوله: ( لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم) كله يدل على أن المشتري لم يأخذه بأحدهما. وعلل بطلان البيع بالجهالة صاحب مغني المحتاج (2/31)، وصاحب كتاب فتح الوهاب (1/283)، مما يدل على أن الثمن مجهول، وإذا أخذه بأحدهما لم يكن الثمن مجهولاً.
    ([5]) المغني (4/161)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج، مسألة: (2141)، وجاء في الاستذكار (20/180) عن الثوري ، قال: «إذا ذهب به المشتري على وجه واحد، نقداً كان أو نسيئة فلا بأس بذلك ».
    ([6]) الفروع (4/63)، الإنصاف (4/350).
    ([7]) المصنف (4/307)، وهذا إسناد حسن إن كان عبد الرحمن سمعه من أبيه، وقد أثبت له ابن المديني السماع من أبيه . ولعله في حكم المتصل وإن لم يسمعه فقد سمعه من أهل بيته . انظر جامع التحصيل (ص: 223). ورواه أيضاً ابن أبي شيبة ، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن أبي عبيدة أو عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن ابن مسعود.
    ([8]) المسند (1/398).
    ([9]) المصنف (4/307)، ومصنف عبد الرزاق (14628).
    ([10]) المجتبى (7/295).
    ([11]) مصنف ابن أبي شيبة (4/307).
    ([12]) المصنف (14630).
    ([13]) تهذيب السنن (5/106).
    ([14])جاء في المدونة (4/151): «أرأيت إن قال له: اشتر مني سلعة، إن شئت بالنقد فبدينار، وإن شئت إلى شهرين فبدينارين ، وذلك في طعام أو عرض، ما قول مالك في ذلك ؟ قال: قول مالك في ذلك: إن كان هذا القول منه، وقد وجب البيع على أحدهما، ليس له أن يرجع في البيع، فالبيع باطل، وإن كان هذا القول منه، والبيع غير لازم لأحدهما، إن شاءا أن يرجعا في ذلك رجعا؛ لأن البيع لم يلزم واحداً منهما، فلا بأس بأن يأخذ بأي ذلك شاء، إن شاء بالنقد، وإن شاء بالنسيئة». وانظر الموطأ (2/663)، والتمهيد لابن عبد البر (24/390)، مواهب الجليل (4/364-365)، المنتقى للباجي (5/39).
    ([15]) جاء في المدونة (3/412): «ذكر يونس بن يزيد، أنه سأل ربيعة ما صفة البيعتين اللتين تجمعهما بيعة ؟ قال ابن وهب: هما الصفقة الواحدة قال: يملك الرجل السلعة بالثمنين عاجلٍ وآجلٍ، وقد وجبت عليه بأحدهما كالدينار النقد والدينارين إلى أجل، فكأنه إنما بيع أحد الثمنين بالآخر، قال: فهذا مما يقارب الربا, فكذلك قال الليث عن يحيى بن سعيد قال: البيعتان اللتان لايختلف الناس فيهما ثم فسر لي من نحو ما قال ربيعة أيضا، وكذلك فسر مالك , وقد كره ذلك ابن القاسم وسالم وسليمان بن يسار »..
    ([16]) المبسوط (13/16)، الهداية (3/48). ويدخل في الصفقتين في صفقة عند الحنفية: كل شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، كما لو باعه عبداً على أن يستخدمه شهراً، أو داراً على أن يسكنها، أو على أن يقرضه المشتري درهماً، أو على أن يهدي له هدية.
    ([17]) انظر العزو إلى كتب الشافعية في القول الأول.
    ([18]) الفروع (4/63)، الإنصاف (4/350)، كشاف القناع (3/193).
    ([19]) ذكر ابن حزم أكثر من صورة، ويراها أنها داخلة في النهي عن بيعتين في بيعة، قال ابن حزم رحمه الله في المحلى (7/501): «ولا يحل بيعتان في بيعة, مثل: أبيعك سلعتي بدينارين على أن تعطيني بالدينارين كذا وكذا درهماً . أو كمن ابتاع سلعة بمائة درهم على أن يعطيه دنانير، كل دينار بعدد من الدراهم، ومثل: أبيعك سلعتي هذه بدينارين نقداً، أو بثلاثة نسيئة. ومثل: أبيعك سلعتي هذه بكذا وكذا، على أن تبيعني سلعتك هذه بكذا وكذا. فهذا كله حرام مفسوخ أبداً محكوم فيه بحكم الغصب».
    ([20]) الثمر الداني (ص: 512)، الفواكه الدواني (2/95)، الكافي لابن عبد البر (ص: 366).
    ([21]) منح الجليل (5/81).

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: بيعتين في بيعة

    أشكر أخي أبا زرعة على مشاركته القيمة.

    وأحب أن أناقش معه ما ورد فيها:

    أولاً: الإطالة في ترجمة محمد بن عمرو بن علقمة وبيان أنه لا بأس به إلا أنه خفيف الضبط لم يكن له حاجة؛ لأنه ليس محل الخلاف؛ وذلك لأني اعتبرت زيادته شاذة، ولم أعتبرها منكرة، والشاذ مخالفة الثقة أو الصدوق لمن هو أوثق منه.

    الأمر الثاني: الانتقاد موجه لرواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة. والنقول في ترجمة محمد بن عمرو كانت في روايته مطلقًا، فكانت الدعوى أخص من الجواب.
    هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن محمد بن عمرو لو كان ثقة تام الضبط لم تحتمل مخالفته لمن هو أوثق منه.
    فالثقات يروون الحديث في الصحيحين وفي غيرهما من طرق عن أبي هريرة بلفظ: نهى عن بيعتين وعن لبستين.
    ويرويه محمد بن عمرو بلفظ: نهى عن بيعتين في بيعة، وعن لبستين.
    فزاد كلمة (في بيعة) وقد تفرد بهذه الزيادة في حديث أبي هريرة، فهل تحتمل مخالفته، خاصة أن روايته عن أبي سلمة فيها كلام، ومن تتبع روايات محمد بن عمرو عن أبي سلمة تأكد له وجود التخليط فيها.
    ويحضرني مثال تعرضت له بالتخريج قريبًا رواه أحمد (2/357)، والنسائي (3752، 3753) وابن ماجه (2379)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/92)، وابن حبان (5131) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا عمرى، فمن أعمر شيئًا فهو له.
    وقد تفرد محمد بن عمرو عن أبي سلمة بجعله من مسند أبي هريرة.
    وقد رواه البخاري (2625) ومسلم (1625) من طريق يحيى بن أبي كثير.
    ورواه مسلم (1625 ) من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر.
    ويحيى بن أبي كثير والزهري لا يقارنان بمحمد بن عمرو.
    وقد أخترت حديث أبي هريرة في النهي عن بيعتين في بيعه؛ لأنه أصح ما ورد في الباب كما سيتبين لك، ومع ذلك هو حديث شاذ حسب اجتهادي القاصر، وإذا كان شاذًا فإنه لا يعتبر به؛ لأن الشاذ خطأ من روايه، والخطأ ليس محلًا للاعتبار في الشواهد، فنخرج حديث أبي هريرة من الاعتبار للننظر في حديثي ابن مسعود، وابن عمر وفقك الله.

    تخريج حديث ابن مسعود:
    مدار حديث ابن مسعود على سماك بن حرب، وقد اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه على وجهين:
    الوجه الأول: سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
    فيرويه شريك القاضي، وهو سيء الحفظ كما في مسند أحمد (1/398)، ومسند البزار (2017).
    وسعيد بن سماك بن حرب، وهو متروك كما في المعجم الأوسط للطبراني (1610) روياه عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي ق.
    الوجه الثاني: سماك بن حرب عن عبدالرحمن عن أبيه موقوفاً : رواه شعبة كما في مسند الإمام أحمد (1/393)، وابن حبان (1053).
    وإسرائيل كما في مصنف عبد الرزاق (14633، 14636).
    وأبو الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (20454). ثلاثتهم (شعبة وإسرائيل وأبو الأحوص) عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه موقوفاً.
    ورواه الثوري، واختلف عليه فيه:
    فرواه عبد الرزاق (14636)
    وأبو عبيد القاسم بن سلام كما في نصب الراية (4/27) عن عبد الرحمن بن مهدي،
    وأبو نعيم كما في المعجم الكبير للطبراني (9609) ثلاثتهم (عبد الرزاق وابن مهدي وأبو نعيم) عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب به موقوفًا كرواية شعبة، وإسرائيل، وأبي الأحوص عن سماك.
    ورواه عمرو بن عثمان الثقفي، عن الثوري، واختلف عليه:
    فرواه البزار كما في البحر الزخار (2016).
    وابن خزيمة (176).
    وأحمد بن يحيى بن زهير كما في صحيح ابن حبان (1053).
    ثلاثتهم عن عمرو بن عثمان، عن الثوري، عن سماك به موقوفًا كرواية الجماعة.
    ورواه العقيلي في الضعفاء الكبير (3/288) عن محمد بن عمرو بن عثمان الثقفي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان، عن سماك به مرفوعًا.
    قال العقيلي: عمرو بن عثمان الثقفي عن الثوري لا يتابع عليه.
    وقال: الموقوف أولى.
    فلا يتوقف الباحث في أن حديث ابن مسعود مرفوعًا حديث منكر.
    أولاً: أن من وقفه أكثر وأحفظ، ويكفي أن فيهم شعبة، وقد تابعه إسرائيل وأبو الأحوص، والثوري في المحفوظ عنه.
    ثانيًا: وجود متابعة لعبد الرحمن على وقفه، فقد أخرجه عبد الرزاق (14637) من طريق عامر الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله موقوفاً عليه.
    وإذا كان حديث أبي هريرة السابق حديثًا شاذا كما بينت في الطريق السابق، وأن الشاذ لا يقبل الاعتبار، فإن المنكر أشد ضعفًا من الشاذ؛ لأنه مخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، وهو لا يقبل الاعتبار أيضًا وهذا يعني طرح المرفوع من حديث أبي هريرة والمرفوع من حديث ابن مسعود من الاعتبار.

    يبقى معنا حديث ابن عمر الثالث:
    وهو ما رواه أحمد، وابن الجارود في المنتقى (599)، والترمذي (1309) والطحاوي في مشكل الآثار (2754) من طريق يونس بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر ، قال: مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على مليء فليتع، ولا تبيع بيعتين في بيعة.
    فهذا الحديث معلول أيضًا فقد أعله البخاري كما في العلل للترمذي (345) قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث ، فقال: ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع، وروى يونس بن عبيد، عن ابن نافع، عن أبيه حديثًا.
    وجاء في شرح مشكل الآثار (7/178): «حدثنا ابن أبي داود قال: قال لي يحيى بن معين في حديث يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (مطل الغني ظلم) قال يحيى قد سمعته عن هشيم، ولم يسمعه يونس من نافع. قال لنا ابن أبي داود: قلت ليحيى: لم يسمع يونس من نافع شيئا؟
    قال: بلى , ولكن هذا الحديث خاصة لم يسمعه يونس من نافع.
    وفي ترجمة يونس بن عبيد في تهذيب التهذيب (11/445) قال أحمد وأبو حاتم: لم يسمع من نافع شيئًا.
    وقال الشيخ مقبل الوادعي في كتابه أحاديث معلة ظاهرها الصحة (ص: 244) عن حديث ابن عمر ما نصه:
    «هذا الحديث إذا نظرت إلى سنده وجدتهم رجال الصحيح، ولكن في "تهذيب التهذيب" في ترجمة يونس بن عبيد وقال ابن أبي خيثمة قلت: لابن معين سمع يونس من نافع؟ قال: لا. - وفيه أيضا- وقال أحمد وأبو حاتم لم يسمع من نافع شيئا. - وفيه أيضا- قال الترمذي قال البخاري ما أراه سمع من نافع.
    وما ذكر في جامع التحصيل أن أبا زرعة قال: أتوهم أن في حديثه شيئا يدل على أنه سمع منه. فلا يقبل التوهم مع التصريح من أحمد وابن معين وأبي حاتم أنه لم يسمع منه. والله أعلم. انتهى كلام الشيخ مقبل رحمه الله.
    أما تصحيح الإمام ابن عبد البر يرحمه الله، فإن كان المقصود من نقله أن الحديث مختلف فيه، فلا شك في ذلك، وهناك غيره من صححه أو حسنه، ولا أحب إذا كان لي اجتهاد في الحديث خالفت فيه غيري أن أعقب على كلام العلماء منتقدًا أو مصوبًا معاذ الله، وهذا عملي في كل الأحاديث الذي كان لي فيها رأي لم أوجه النقد لأي عالم، ولا أرى أن المفضول إذا أوقفه الله على صواب أن يكون من شكر هذه النعمة أن ينتقد من سبقه من العلماء، فليذكر اجتهاده وليمض مبينًا حجته، فإن كان صوابًا فهو توفيق من الله سبحانه، وإن كان خطأ فحسبه أنه بذل وسعه.
    وإن كان المقصود من ذكر حكم ابن عبد البر معارضة الاجتهاد بالاجتهاد فالمعارضة إنما تكون بالحجة لا غير، والمفضول لا يحجب عن الصواب، وكله بتوفيق الله سبحانه وتعالى.

    هذا ما أحببت التنبيه عليه وأشكر الأخ الذي كنى نفسه بأبي زرعة على مشاركته، ولولا هذه المشاركة لما اكتمل طرح البحث بهذه الصورة، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

  5. #5
    أبو زُرعة الرازي غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    الدولة
    غزة - صانها الله -
    المشاركات
    1,649

    افتراضي رد: بيعتين في بيعة

    بارك الله فيك كم تسعدني مناقشتك لنا حفظك الله تعالى .

    أولاً : الفائدة من ذكر ترجمتهِ هو بيانُ من تكلم في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، وقد قلتُ أنا أخي الفاضل : [ فإن كنت تريدُ رواية محمد بن عمرو الليثي عن أبي سلمة فهي مما تكلم فيها بن معين رضي الله عنهُ ] فإن ذكري لترجمتهِ من باب معرفة سبب إطلاقك الشذوذ على رواية محمد بن عمرو أخي الكريم فهد الجوعي ولعلني أفصلُ في رؤيتي ، إن ذكر ترجمتهِ وإن حمل على عموم روايتهِ يبينُ العلة في مخالفتهِ للثقات ، فإن كان ممن يغلط في روايته يتبينُ الحكمُ عليها بالشذوذ فلو أنك فصلت وأصلت في البحث لبينت حالهُ وبينت أنهُ ممن خالف الثقات وإن كانَ حسنَ الحديث ، فإن رؤياك بعدم خصوصية ذكر ترجمته بالجواب هذا ليس في محلهِ ولعل الصوابُ ذكرها من باب أولى لبيان علة الشذوذ كما ذهبت أخي الكريم .

    # التخريج .
    أخرجه أحمد 2/432(9582) و2/475(10153) قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان . وفي 2/503(10542) قال : حدثنا يزيد . و"الدارمي" 1372 قال : أخبرنا يزيد بن هارون . و"الترمذي" 1231 قال : حدثنا هناد ، حدثنا عبدة بن سليمان . و"النسائي" 7/295 ، وفي "الكبرى" 6183 قال : أخبرنا عمرو بن علي ، ويعقوب بن إبراهيم ، ومحمد بن المثنى ، قالوا : حدثنا يحيى بن سعيد . و"أبو يعلى" 6124 قال : حدثنا أبو موسى ، حدثنا عبد الوهاب . و"ابن حبان" 4973 و5426 قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أخبرنا عبدة بن سليمان.
    فرواهُ يحيى ، ويزيد ، وعبدة ، وعبد الوهاب الثقفي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمةَ بهِ .

    # دراسة السند .
    أما حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ورواية محمد بن عمرو رواهُ عنهُ :
    1- يحيى بن سعيد القطان ( ثقة إمام حافظٌ قدوة ) .
    2- يزيد بن هارون ( قال علي بن المديني : ما رأيت أحفظ من يزيد بن هارون ) ، ( وقال يحيى بن يحيى التميمي : هو أحفظ من وكيع ) ، ( وقال أحمد بن حنبل : كان يزيد حافظا متقنا ) ، ( وقال زياد بن أيوب : ما رأيت ليزيد كتابا قط ، ولا حدثنا إلا حفظا ) ، ( وقال علي بن شعيب : سمعت يزيد بن هارون يقول : أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بالإسناد ولا فخر ، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث لا أسأل عنها ) ، ( قال أبو حاتم الرازي : يزيد ثقة إمام ، لا يسأل عن مثله ) ، ( وقال مؤمل بن يهاب : سمعت يزيد بن هارون يقول : ما دلست حديثا قط إلا حديثا واحدا عن عوف الأعرابي ، فما بورك لي فيه ) ، ( قال أبو بكر بن أبي شيبة : ما رأيت أحدا أتقن حفظا من يزيد بن هارون ) .
    3- عبدة بن سليمان ( ثقة ثبت ) .
    4- عبد الوهاب الثقفي ( ثقة إختلط ولم يحدث في إختلاطه بحديث كما قال أئمة الحديث ) فإختلاط عبد الوهاب الثقفي لا يقدحُ في روايته وهو ثقة من الأثبات الحفاظ عند أهل الحديث ، وقد حجب الناسُ عنهُ حال إختلاطه فهؤلاء الأربعة قد رووا الحديث وهم من الثقات الحفاظ عن محمد بن عمروا الذي قلت حفظك الله تعالى بشذوذ روايتهِ عن رواية الثقات ، فكلهم تابعوا بعضهم البعض في روايتهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة الحديث فكيف يقال بشذوذ روايتهِ ..!

    قال الترمذي : [ حسنُ صحيح ] .
    قال ابن عبد البر في التمهيد (24/388) : [ وهذا يتصل ويستند من حديث ابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه صحاح وهو حديث مشهور عند جماعة الفقهاء معروف غير مرفوع عند واحد منهم حدثنا سعيد بن نصر ويحيى بن عبد الرحمن قالا حدثنا محمد ابن عبد الله بن أبي دليم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا يحيى بن معين حدثنا هشيم أخبرنا يونس عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن بيعتين في بيعة ] ، وقد تابعهم في روايتهم الأربعة عن محمد بن عمرو يحيى بن أبي زائدة قال ابن عبد البر : [ وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم ابن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن بيعتين في بيعة ] وتابعهُ الدارودي عن محمد بن عمرو عند ابن عبد البر في التمهيد ويحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بهِ .
    قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 6943 في صحيح الجامع . وفي التنوير : [ مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة وصله الشافعي عن الداروردي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة وورد أيضا من حديث بن عمر وابن مسعود ] .
    قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 5 / 419 : [ رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 6 / 120 / 502 ) و عنه ( 3461 ) و ابن حبانفي " صحيحه " ( 1110 ) و كذا الحاكم ( 2 / 45 ) و البيهقي ( 5 / 343 ) : أخبرنا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا .قلت : و هذا سند حسن و قد صححه الحاكم ، و وافقه الذهبي ، ثم ابن حزم في " المحلى " ( 9 / 16 ) . و رواه النسائي ( 7 / 296 - الطبعة الجديدة ) و الترمذي( 1 / 232 ) و صححه ، و ابن الجارود ( 286 ) و ابن حبان أيضا ( 1109 ) و البغويفي " شرح السنة " ( 8 / 142 / 211 ) و صححه أيضا ، و أحمد ( 2 / 432 و 475 و503 ) و البيهقي من طرق عن محمد بن عمرو به بلفظ : " نهى عن بيعتين في بيعة " و قال البيهقي : " قال عبد الوهاب ( يعني : ابن عطاء ) : " يعني : يقول : هو لك بنقد بعشرة ، و بنسيئة بعشرين " . و بهذا فسره الإمام ابن قتيبة ، فقال في "غريب الحديث " ( 1 / 18 ) : " و من البيوع المنهي عنها ... شرطان في بيع ، و هو أن يشتري الرجل السلعة إلى شهرين بدينارين و إلى ثلاثة أشهر بثلاثة دنانير و هوبمعنى بيتعتين في بيعة " . و الحديث بهذا اللفظ مختصر صحيح ، فقد جاء من حديثابن عمر و ابن عمرو ، و هما مخرجان في " الإرواء " ( 5 / 150 - 151 ) . و لعل في معنى الحديث قول ابن مسعود : " الصفقة في الصفقتين ربا " ] وينظر تتمة كلام الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة .

    قال الإمام الألباني عقب الكلام في هذا : و بهذه المناسبة أنصح القراء بالرجوع إلى رسالة الأخ الفاضل عبدالرحمن عبد الخالق : " القول الفصل في بيع الأجل " فإنها فريدة في بابها ،مفيدة في موضوعها ، جزاه الله خيرا ... قال الهيثمي في المجمع : [ رواه أحمد والبزار ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، ورجال أحمد رجال الصحيح ] فخلاصة الحديث أن رواية محمد بن عمرو صحيحة وقد حدث بها عنهُ 7 من الثقات الأثبات في الحديث ، فالإختلاف في تفسير المسألة عند الفقهاء لا يدفعُ لتضعيف الرواية بهذه الطريقة فلا نعلمُ أحداً أعلها بتفرد محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ووصفها [ بالشذوذ ] إلا الأخ الكريم والله تعالى المستعان وبارك الله فيكم على صبركم ونفع بكم . والله أعلم .

    حرر المسألة /
    أبو زرعة الرازي
    غفر الله له ولوالديه ولمشائخه .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •