زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2011
    المشاركات
    22

    افتراضي زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!

    حقيقة ما اختص الله به إنما هو طلاقة العلم والقدرة
    وقد أقدر الله بعض خلقه على أشياء فصار الفعل ينسب لهم حقيقة ويطلب منهم ، وهذا لا ينافي أن الله هو واهب خلقه هذه القدرة وهو خالق أفعالهم .
    ولما كانت قدرة هؤلاء الخلق إنما هي عطاء لهم ، وهي سبب في حصول المطلوب لم يجز التوكل عليها أو تعلق القلب بها ، وإن جاز مباشرتها كسبب شرعي ( بحكم الله الشرعي أو بحكمه القدري الذي اقتضى حصول العادة)
    ومتى حصل التوكل على السبب حصل الشرك بالله تعالى ، ومهما كان القلب متعلقا بالسبب كانت المعصية مالم يصل إلى حد التوكل .
    فإن التوكل من أفعال العبيد التي خص بها سبحانه نفسه ، إذ هو فعل من العبد تجاه من له القدرة المطلقة وبيده تصريف الأمور ، ولا يكون من العبد إلا لمن كان على هذه الصفة ، فمتى صرف العبد توكله على غير الله كان مسويا بالله غيره ، مشركا بهذا الغير مع اللله فيما استحقه سبحانه من التوكل عليه وحده لما اتصف به من طلاقة العلم والقدرة .
    وبيان ذلك :
    أن الله خلق للإنسان قدرة وإرادة تقع بهما أفعال الإنسان .
    هذه القدرة مقيدة في نفسها غير مطلقة ، ناقصة بما يناسب إفراد الله وحده بالكمال المطلق ، ثم هي مشروطة بعطاء الله إعداداً وإمداداً فمن شاء الله أقدره إعداداً وعلى ماشاء سبحانه أقدره توفيقاً إمداداً ، توفيقاً لما أراده الله له بإرادته – أي العبد – إياه ، وإمداداً بتهيئ الأسباب لحصول ذلك الفعل بعينه .
    فمن حيث أن الفعل وقع بقدرة الإنسان الطبيعية ، وإرادته نُسب الفعل إلى الإنسان حقيقةً واستحق عليه الثواب والعقاب والمدح والذم ، وهذا أمر محسوس ملموس .
    ومن حيث أن قدرته وإرادته مخلوقتان لله إعداداً بالأصل وإمداداً للفرع كان ما يحصل من الإنسان من أفعال هو إرادة الله وتقديره ( خلقه ) ، وهو فعل الإنسان حقيقة .
    أما من وقع منه فعل بغير إرادة منه ، فإنما هو منفعل أو مفعول به وليس بفاعل ولا ينسب إليه الفعل إلا مجازاً كقوله تعالى (( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال )) وكقولنا النعناع يشفي آلام البطن ، فهذه نسبة مجازية لا حقيقية ، إذ فعل به ولا فعل له ، ومثل تلك النسبة كرهها العلماء إلا إذا أتبعت بإذن الله ، قَالَ الشافعي فِي " الْأُمّ " : مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا عَلَى مَا كَانَ بَعْض أَهْلالشِّرْك يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَة الْمَطَر إِلَى أَنَّهُ مَطَر نَوْء كَذَا فَذَلِكَ كُفْر كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ النَّوْء وَقْت وَالْوَقْت مَخْلُوق لَا يَمْلِك لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا ، وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِكَذَا عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْت كَذَا فَلَا يَكُون كُفْرًا ،وَغَيْره مِنْ الْكَلَام أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ ، يَعْنِي حَسْمًالِلْمَاد َّةِ "

    ومن هذا الباب يدخل فعل الملائكة عليهم السلام الذين يدبر الله بهم أمور الكون من إحياء وإماتة وتوزيع رزق وغير ذلك مما هو فعل الله عزوجل حقيقة وينسب للملائكة مجازاً إذ لا يقع منهم عليهم السلام بإرادتهم وإنما فعل بهم ما أراده الله ، قال تعالى واصفاً حال ملائكته (( بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون )) وقال تعالى (( فالمدبرات أمراً )) قال القرطبي (وعلى أن المراد بالمدبرات الملائكة , فتدبيرها نزولها بالحلال والحرام وتفصيله ; قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما
    وهو إلى الله جل ثناؤه , ولكن لما نزلت الملائكة به سميت بذلك ; كما قال عز وجل : " نزل به الروح الأمين "
    وكما قال تعالى : " فإنه نزله على قلبك "
    يعني جبريل نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم , والله عز وجل هو الذي أنزله وروى عطاء عن ابن عباس : " فالمدبرات أمرا " : الملائكة وكلت بتدبير أحوال الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك )

    قال القرطبي ((وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله ))

    وقال في الوسيط (وقوله : ( فالمدبرات أَمْراً ) المقصود به طائفة خامسة من الملائكة ، من وظائفهم تدبير شأن الخلائق وتنظيم أحوالهم بالطريقة التي يأمرهم سبحانه بها ، فنسبة التدبير إليهم ، إنما هى على سبيل المجاز ، لأن كل شئ فى هذا الكون إنما هو بقضاء الله وتقديره وتدبيره ) ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك الذي في الصحيح (( إن اللّه عز وجل وكل بالرحم ملكا فيقول‏:‏ أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد اللّه أن يقضي خلقها قال الملك‏:‏ أي رب، ذكر أم أنثى ‏؟‏ شقي أو سعيد ‏؟‏ فما الرزق فما الأجل‏؟‏ فيكتب كذلك في بطن أمه‏ )) فالملك هنا منفذ لأمر الله تعالى ، وقضاء الخلق من الله .

    ومن حديث حذيفة بن أسيد، وهو من أفراد مسلم، ولفظه‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏‏((‏إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث اللّه إليها ملكًا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها‏.‏ ثم يقول‏:‏ يا رب، أذكر أم أنثى ‏؟‏ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول‏:‏ يارب، رزقه‏؟‏ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك؛ ثم يقول‏:‏ يا رب، أجله‏؟‏ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص )) ومع ذلك فلا يسوغ سؤال ذلك الملك بتحسين تصوير الجنين ، لأن المصور حقيقة هو الله جل وعلا كما قال تعالى (( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء )) لا كما يشاء الملك ، فتوجب إفراده سبحانه بشؤال ذلك ، إذ لا معنى لسؤال الملك ذلك إلا عاتقاد أنه يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء لا الله!!

    فالملائكة عباد لله يرسلهم تعالى في تدبير شئون مملكته جل وعلا ، فالتدبير له جل وعلا حقيقة ولهم ينسب مجازاً كمن يتولى من الخدم مباشرة صرف زكاة صاحب المال لمستحقيها ممن أمره صاحب المال بإيصالها له ، فلا يوصف هذا الخادم بأنه معط الزكاة إلا مجازاً حيث جرى الفعل على يديه ، فصار مفعولا به من قبل المعطي الحقيقي ، وهو صاحب المال الذي استحق المدح على إعطائه الزكاة والثواب عليها .
    وإلا فلا يقدر هذا الخادم أن يعطي زكاة من ماله هو ، كما لا يقدر على إعطاء المال لغير من أمره صاحب المال بإيصاله له ، ولذلك لم يكن هذا الفعل من الخادم – إعطاء الزكاة – منوطا بإراته بحيث إذا شاء أعطى وإذا شاء لم يعطي ومن شاء أعطى ومن لم يشأ لم عطي ، ومن ثم لا ينسب إليه فعل الإعطاء إلا مجازا .
    وبالتالي فلا قدرة حقيقة لمثل هذا المفعول به ، إذ لا يوصف بقدرة حقيقية عليه إلا إذا كانت قدرته هذه منوطة بإرادة منه وطالما أن ذلك الفعل الذي حصل منه إنما يحصل بغير إرادته هو ، فلا قدرة له حقيقية على إيقاعه ، ليس هو الفاعل حقيقة ، وإنما ينسب إليه الفعل مجازاً والقدرة كذلك ، والفاعل الحقيقي لذلك هو من فعَل به ، وأراد مافعله به ، ولذلك لا يقال أن الإنسان يقدر على أن يحلُم بكذا وكذا ، إذ لا إرادة له في حصول ذلك وبالتالي فلا قدرة قدرة حقيقية له عليه ..
    وكذلك قد يقال هذه الأريكة تقدر على حمل 4 أشخاص ، وهذه النسبة نسبة مجازية لا حقيقية وإنما القادر الحقيقي هو الذي حمل ال4 أشخاص بخشب هذه الأريكة (( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا )) فالرجل يسأل نجارا صُنع أريكة تحمل 4 أشخاص أو خمسة أو ما شاء والنجار يلتمس من الخشب الذي يحمل الله به هذه العدد المطلوب ، فهنا فعلان حقيقيان وفعل واحد مجازي .
    أما الفعلان الحقيقيان : فصنع النجار الأريكة ، حيث يحصل هذا من النجار بإرادة وقدرة عليه عطائيتين ، فصح نسبة صنع الأريكة إلى النجار فعلا حقيقياً ، وترتب على ذلك جواز سؤال النجار ذلك الفعل ،ومدحه على جيد صنعه لها ، وذمه إذا أساء ومن ثم مجازاته على كل حال ، ووجب على النجار شكر الله على ما أعطاه له ، وسؤاله سبحانه العون والمدد .
    والفعل الثاني الحقيقي : ففعل الله بالخشب ( الحمل ) فالله سبحانه حمل ال4 أشخاص بخلقه هذا الخشب على تلك الهيئة والطبيعة ، فاستحق سبحانه الشكر على ماخلق والحمد والثناء .
    وأما الفعل المجازي فهو المنسوب إلى الخشب ( الحمل ) فلا ينسب له حقيقة إذ لا إرادة له فيه وبالتالي لا قدرة حقيقية له عليه ، وإذا قيل هذا الخشب أحسن من هذا فليس ذلك ثناء على الخشب لذاته إذ لا يستحق الخشب المدح ولا الذم وإنما هو إخبار عن الأنسب لأن يُفعل به ، وكذلك ذمه فليس إلا إخبار عن أنه لا يناسب أن يفعل به ، وإلا فعلى كل حال فإن خالقه سبحانه ( الفاعل به جل جلاله ) محمود على بديع خلقه له .
    فالحاصل أن ما لاقدرة للشئ عليه هو ما لا يتوقف على إرادته ، وإنما على إرادة شئ آخر ، فيكون هذا الآخر هو القادر حقيقة ، ولذلك نسأله إرادة حصول الفعل فإن أراد حصول الفعل أقدر المفعول به عليه قدرة مجازية يقع معها الفعل من الفاعل الحقيقي الذي ارتبط وقوع الفعل بإرادته .
    وبالتالي فلا ينسب إلى هذا المفعول به هذا الفعل إلا مجازاً ، ولا يترتب عليه سؤاله منه بل ليس إلا دالٌّ على أنه من الفاعل الحقيقي كما أن الخشب بهذه القدرة المجازية على الحمل دال على أنه من القادر الحقيقي على ذلك .
    يتبع إن شاء الله

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2011
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!

    إذا علمت ذلك انجلى لك حقيقة مايشكل به الصوفية من عدم اختصاص الله بفعل من الأفعال وإنما هو الاستقلال فقط .
    حيث أن المسيح خلق من الطين كهيئة الطير وأحي الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، قالوا إذاً فنفس الفعل لا يختص الله به وإنما يختص فقط بالاستقلال وعليه فمن نسب الفعل إلى غير الله عطاء فلا شئ عليه وعلى مقتضى نسبة ذلك الفعل إليه استحق من الذل والخضوع له ما يقتضيه حال المتصف بذلك الفعل .
    وهذا باطل لا محالة إذ أن الله جل وعلا إنما تعرف لخلقه بعظيم فعله وبديع خلقه مما استقر في نفوس الإنس والجن أنهم أعجز من أن يفعلوا هذا مع أنهم أرقى المخلوقات الأرضية فيكون غيرهم أعجز من باب أولى ، وأن ثم خالق عظيم لهذا الكون ليس مثلهم يستحق منا الذل والخضوع له وحده إذ يستحيل أن يكون خالقان للكون .
    فكان ماتعرف الله إلى عباده به وأقام حجته عليهم به إنما هو نفس فعله وخلقه وليس الاستقلال بذلك إذ نسبة الاستقلال هذا إلى الله وحده إنما هو تبع لإفراد الله بالفعل الذي تعرف الله به إلى عباده .
    ولو كان يجوز في العقول ابتداء اتصاف غير الله بمثل هذه الأفعال لما كان فيها حجة على وجود إله عظيم يستحق العبادة ، ولما وردت مسألة الاستقلال من أصلها لعدم وجود داع لها يقتضيها .


    وإنما اقتضاها – أعني الكلام في مسألة الاستقلال - وقوع بعض تلك الأفعال على يد بعض البشر مما هو مستقر في النفوس والفطر والعقول اختصاص ذات مغايرة للبشر به ، فحينها اقتضى الأمر ذكر مسألة الاستقلال وأن ماجرى على يد البشر من بعض هذه الأمور فإنما حصل بإذن الله لحكمة أرادها جل وعلا .
    فالحاصل أن مسألة الاستقلال ناشئة أصلا عن وجود أفعال اختص الله بها ، وأن تلك المسألة أثيرت فرعاً عن هذا الأصل وليس ابتداء .
    وبالتالي تعرف مدى فحش ذلك القول بأن ليس لله فعل يختص به كيف وقد قال الله (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) قال ابن كثير رحمه الله : ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره ولهذا قال "فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون"اه
    فجعل موجب استحقاق الله بالعبادة فعلا عظيماً لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا يدل على كمال مطلق له سبحانه لا يسع المرء أمامه إلا أن يخر ساجد له وحده رغباً في إنعامه ورهبا من انتقامه ، بل واستنكر سبحانه الكفر والشرك به سبحانه مع وجود أفعال له جل وعلا لا يشاركه فيها أحد كما قال جل وعلا (( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون )) ولو كان فعل الإحياء والإماتة والبعث كفعل في ذاته لا يختص بالله ويشترك فيه غير الله لما صح أن يوجب الله على الخلق عبادته لشئ لا يختص به بل هو مشترك بينه وبين خلقه !!
    كما لا يصح أن يقال اعبدوا الله لأنه يسمع أو يبصر ، إلا إن كان يسمع سمعا لا يشاركه في صفته أحد ويبصر بصراً كذلك ، وإلا فمجرد السمع والبصر لا يجعل من اتصف به مستحقاً للعبادة لمجرده لاشتراك العابد حينها والمعبود في نفس الصفة بما لا يجعل للمعبود ميزة على العابد يستحق معها العبادة له.
    يتبع ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2011
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!

    ومثل هذه الآيات التي يستدل الله بها على خلقه بوجوب إفراده بالعبادة لما يفعله من أفعال عظام تختص به سبحانه وحده كثير جدا كقوله تعالى ((قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون * قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون )) فاستدل جل وعلا على بطلان ألوهية معبوداتهم وعدم استحقاقها للعبادة بأنها لا تفعل أفعال الإله مجرد الأفعال من إنشاء الخلق ثم إعادته والهداية إلى الحق فدل على أن مجرد هذه الأفعال هي مايستحق فاعلها العبادة معها ، ودلت أيضاً على أن المشركين لم يكونوا يعتقدون في آلهتهم فعل ذلك فضلا عن أن يعتقدوا استقلال آلهتهم بذلك بخلاف من يتلفظ بكلمة التوحيد ممن يزعم أن للولي أن يخلق من العدم ويحيي ويميت !! ومن ذلك قوله تعالى(( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ )) ومنه أيضا قوله تعالى ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) )) فكل هذه الآيات تدل على اختصاص الله بأفعال استحق معها جل وعلا أن يكون إلها ، وتدل أيضا على خلو آلهة المشركين عن تلك الأفعال واعتقاد المشركين أنفسهم عجز آلهتهم عن ذلك ، وإلا لو اعتقدوا ذلك فيها لما كان في تلك الآيات حجة عليهم سواء اعتقدوا قدرة فعل آلهتهم لذلك على وجه العطاء من الله أو الاستقلال ، إذ لو كانوا يعتقدون فيها قدرتهم على ذلك عطاء لكان خلافهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآلهة المعبودة لهم لم يعطهم الله ذلك ، ولكان ردهم عليه أن آلهتهم تقدر على فعل ذلك بإذن الله .
    ولو كانوا يعتقدون قدرة آلهتهم عليه استقلالاً لقالوا نعم تأتينا بها آلهتنا ولسنا بحاجة إلى الله ، ولكان الواجب على الرسول محاججتهم في إبطال زعم أن آلهتهم قادرة على ذلك كما أبطل زعم من نسب الولد إلى الله وجعل الملائكة بنات الله ، أما أن يبني حجته عليهم بشئ لا يسلمون به أصلا وهو إفراد الله بهذه الأفعال ، فلا حجة في ذلك ، ومعلوم ما في ذلك من نسبة الباطل إلى كلام الله مما يجعلنا نقطع يقينا ببطلان القول بأن المشركين كانوا يعتقدون في آلهتهم قدرة على فعل تلك الأفعال العظام التي خص بها ربنا نفسه ، وأنهم لا يعتقدون في آلهتهم فعل ذلك عطاء فضلا عن أن يعتقدوا فعل هذا لهم استقلالا .
    ومن هذا قوله تعالى ((أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ))
    فمثل هذه الآيات الدالة على اختصاص الله بأفعال استحق معها جل وعلا العبادة كثير في القرآن ، فكيف لمدعي يزعم بعد ذلك أنه ليس لله أفعال يختص بها أو لا يقدر عليها إلا الله ؟!

    يتبع ...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2011
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!

    وهاك كلام أهل العلم في بيان تلك الحقيقة وأن لله أفعالا يختص بها ولا يقدر عليها غيره جل وعلا
    قال محمد بن سلطان المعصومي – رحمه الله تعالى – وهو من علماء الحنفية – في كتابه (حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد) ص: (315) ضمن مجموعة رسائل، بعد أن ذكر ما يقع فيه بعض الجهال من الاستغاثة بالأولياء والصالحين:

    (يا أيها المسلم العاقل الصحيح الإسلام، تدبر وتفكر، هل ثبت أن أحداً من الصحابة – رضي الله عنهم – نادى النبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته أو بعد مماته من بعيد واستغاث به؟ ولم يثبت عن أحد منهم أنه فعل مثل ذلك! بل قد ورد المنع من ذلك، كما سأذكره – إن شاء الله تعالى – إلى أن قال: وها أنا أذكر من نصوص المذهب الحنفي – من الكتب المعتبرة والفتاوى المشهورة – ففي شرح القدوري: "إن من يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبور، وقال يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة زاعماً أنه يعلم الغيب، ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإن علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى، وكذا إن قال عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مرضي، واكشف عني كربتي، وغير ذلك، فهو شرك جلي، إذ نداء غير الله طالباً بذلك دفع شر أو جلب نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك)

    قال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني على سنن الدارقطني" (ص520-521):

    (ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئاً لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد، هؤلاء عبدة غير الله
    ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ رحمه الله لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه ؟! أليس الله بكاف عبده ؟!! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحداً من خلقك كعظمتك، قال في "البزازية" وغيرها من كتب الفتاوى:"من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر" وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: "ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في "البحر الرائق"، وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في "التوشيح":"منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: }ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون{ ]سورة الأحقاف: الآية5[، وفي "البحر": لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وهكذا في فتاوى
    قاضي خان والعيني والدر المختار والعالمكيرية وغيرها من كتب العلماء الحنفية، وأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، - ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية". انتهى كلامه

    رحمه الله

    قال الإمام محمد إسماعيل الهندي الدهلوي المتوفى سنة 1246 هـ قال في كتابه القيم " تقوية الإيمان " (ص1-4) (الباب الأول في بيان الشرك والتوحيد) "بل معنى الشرك أن ما خصه الله لنفسه من الصفات والنعوت والحقوق لا يشرك بها أحد غيره معه نحو السجدة إلى القبور، والذبح لغير الله، ودعاء غيره في البلاء، واعتقاد التصرف في الكون أو في شيء من ملكه بغير مشيئته فيثبت من هذه الأمور الشنيعة الشرك، فمن يخص هذه الحقوق المختصة بالله غيره من الأنبياء والأولياء وأهل القبور فقد أشرك".
    قال ابن حجر الهيتمي: ((ومما يكون من الدعاء كفراً أيضاً أن يطلب الداعي ثبوت ما دلّ القاطع القطعي على نفيه مما يُخلّ بجلال الربوبية كأن يَعظُمَ شوق الداعي إلى ربه فسأله أن يحلّ في شيءٍ من مخلوقاته حتى يجتمع به أو أن يجعل التصرف في العالم بما أراده .
    قال الإمام القرافي: وقد وقع هذا لجماعة من جهلة الصوفية ، ويقولون فلان أعطي كلمة (كن)، ويسألون أن يُعطوا كلمة (كن) التي في قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}. ومقتضى هذا الطلب الشركة في الملك وهو كفر)). فتأمل كيف جعل الإمام القرافي وأقره الهيتمي أن الشركة في الملك تحصل بالعطاء وليس فقط بالاستقلال
    الإعلام بقواطع الإسلام. مطبوع مع الزواجر ، صـفحة: [390]
    قال في التفسير الوسيط :
    )( ( أندَاداً ) : جمع ند ، وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه . وأصله من ند البعير يند نداً ونداداً وندوداً ، أي : نفر وذهب على وجهه شارداً . ويرى بعض العلماء أن المراد بالأنداد هنا الأصنام التي اتخذها المشركون آلهة للتقرب بها إلى الله ، وقيل : المراد بها الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم . والأولى أن يكون المراد بهذه الأنداد كل مخلوق أسند إليه أمر اختص به الله - تعالى - من نحو التحليل ، والتحريم وإيصال النفع وغير ذلك من الأمور التي انفرد بها الخالق - عز وجل - .))


    يتبع إن شاء الله ..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2011
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!

    فإن قيل فكيف إذاً يفعل المسيح أفعال الله وكذلك الدجال ؟!
    فنقول جواب هذا كما سبق بيانه أنه لا ينسب ذلك الفعل إلى المسيح عليه السلام حقيقة إذ يجريه الله على يديه متى شاء سبحانه ، وليس فعلا حقيقيا يقع من المسيح عليه السلام متى شاء بحيث يصح نسبة الفعل إليه حقيقة ولو كان كذلك لاستحق عليه ما يستحقه الله على ذلك من مدح ومعاملة الأمر الذي وقع فيه مشركي النصارى ، ولا يشترط لأن يعامل المسيح معاملة الله أن يكون فعل مافعل استقلالا بل طالما أن الله قد خلع عليه خلعة الألوهية وأشركه معه فيما أناط بثبوته حق العبادة لمن ثبت له ، والشركة تصدق على التفويض في كامل الأمر من المالك الأصلي لغيره ، ولا يشترط لثبوت الشركة استقلال الشريك بحصة مع شريكه – وقد سبق قول القرافي : ومقتضى هذا الطلب الشركة في الملك وهو كفر- كما لا يشترط لثبوتها أن يكون الشريك مساويا لشريكه من كل وجه فيما هو شريك له فيه كقول المشركين في التلبية (( إلا شريك هو لك تملكه وما ملك )) فهنا حصلت الشراكة لا عن استقلال بل بتمليك من المالك للشريك وتفويض له ، وهو يقتضي أيضا المغايرة قطعا بين شريك مملوك لمالك أشركه المالك معه في بعض ما يملك ، ومن ذلك أيضا قول موسى عن هارون (( وأشركه في أمري )) وقد قال الله له (( قد أوتيت سؤلك ياموسى )) بما يثبت معه تشريك هارون مع موسى في أمره ، وأن هذا التشريك لم يحصل استقلالا من هارون بمنازعة لموسى- كما يشترطه القبورية - بل حصلت الشركة بأمر خارج عن موسى نفسه ، كما أنه مع ثبوت التشريك بين موسى وهارون في الأمر إلا أن ما لموسى من الأمر ليس كما لهارون منه ، ولكن مجرد تفويض هارون ببعض مافي الأمر لماهو لموسى جعل منه شريكاً وثبتت به الشراكة .
    فالحاصل أن الله تعالى لو جعل عيسى فاعلا لما قرر سبحانه اختصاصه جل وعلا بفعله لكان هذا تشريكاً من الله لعيسى عليه السلام في ذلك ، ولا يقتضي أنه بذلك مثل الله من كل وجه بل من هذا الوجه فقط ، ويستحق ما أحقه الله للموصوف بهذه الأفعال مما سبق ذكره من وجوب إفراده سبحانه بالعبادة وهو الظن الذي دفعه الله عن المشركين بقوله (( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ))
    وسبق أن بينا أن الله بين في كتابه استحقاقه بالعبادة بما تفرد به سبحانه من أفعال عظام توجب الخضوع له والعبودية ، وليس بالاستقلال وأن مسألة الاستقلال فرع ناشئ عن اختصاص الله بتلك الأفعال كما قال تعالى (( أفمن يخلق كمن لا يخلق )) فلو كان يخلق لصار إلهاً ، وكما قال تعالى (( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون )) ولو كانوا يخلقون شيئاً لحُق لهم العبادة ، وكما قال تعالى ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ )) ولو كان لهم خلقاً في الأرض لما صحت هذه الحجة عليهم ، وبناء عليه فمن جعله الله فاعلا لهذه الأفعال فقد جعله إلهاً يعبد معه ، الأمر الذي نفاه ربنا جل وعلا ، وأخبر بفساد الأرض والسماء إذا حصل ذلك .
    فكل ماسبق يمنع حصول قدرة المسيح على الخلق والإحياء والإماته ويمنع نسبة ذلك الفعل له حقيقة ، وإذا كان ذلك كذلك وأن المسيح لم يخلق ولم يحيي ولم يميت حقيقة زال الإشكال بين اختصاص الله بذلك وجريانه على يد المسيح عليه السلام ، ولذلك قال عليه السلام في كل ذلك بإذن الله .
    وأن ذلك الفعل المجازي الذي أجراه الله على يديه إنما كان علامة صدق على كونه رسول من رب العالمين الذي لا يفعل هذه الأفعال غيره ، ولو لم يكن هذا مستقراً في نفوس الناس لما كان في فعله هذا دليلا على أنه مرسل من الله .
    ولا يُفهم من ذلك أن ما اختص الله به الاستقلال فقط لا مجرد الفعل ، إذ ما وهبه الله لنا من سمع وبصر نسمع به ونبصر وتنسب أفعالنا إلينا فيه حقيقة ونستحق عليها المدح والذم والثواب والعقاب ، ولا يقال أن هذه الأفعال – أعني السمع والبصر - اختص الله بها ، لمجرد أننا لا نستقل بها بل هي لنا عطائية من الله ، ومعلوم فساد هذا قطعاً ، وعليه فلا يصح تفسير آيات الله التي ذكر فيها اختصاصه بهذه الأفعال أنها تعني أنه المستقل بها فقط مع إمكان وجود غيره متصفاً بها حقيقة .
    وماقيل في عيسى عليه السلام يقال في الدجال وأن ما وقع على يديه إنما يجريه الله على يديه إلا أنه يقع منه على وجه مايصح به نسبة الفعل إليه حقيقة حيث يفعله متى شاء بمن شاء ، وهو يدعي الاستقلال بهذا لا شك ، ولذلك فإن الله تعالى يظهر فيه آية كذبه وأن مايجري على يديه إنما يجريه الله فتنة وبلاء لا أنه هو الفاعل له حقيقة ، هذه الآية هي عوره الدال على عجزه عند كل من رآه ، إذ مما يرجوه العباد من ربهم شفاء أمراضهم وذهاب اعتلال أجسادهم ومنها العمى والعور لا شك فإذا كان الرب أعوراً لا يقدر على شفاء نفسه فكيف يشفي غيره ثم من ذا الذي جعله كذلك فهذا قهر له ظاهر ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ((‏ ‏ألا إن ربكم ليس بأعور ألا وإنه أعور عينه اليمنى كأنها عنبة ‏ ‏طافية )) وركز النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الوصف خصيصا إذ هو نقص ظاهر لكل أحد بخلاف ما لو قال (( وإن ربكم لا تقله السماء )) لكان لقائل حينها أن يقول قدر الله على ذلك! فالحاصل أنه لما كان فعل الدجال يقع على وجه الفعل الحقيقي – بخلاف ما يحصل للمسيح عليه السلام – أثبت الله افراده جل وعلا بهذه الأفعال بدليل نقصه الظاهر الدال على عجزه لا محالة .
    ولو كان ما يختص الله به هو الاستقلال وليس مجرد الفعل نفسه لما كان ثم حجة على كذبه وهو يدعي الاستقلال فعلا !

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2011
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: زعم القبوريون أن لا شئ لايقدر عليه إلا الله !!

    ثم إن المفسرين لما جاءوا على تفسير قول الله تعالى عن عيسى عليه السلام ((أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ))
    قال القرطبي ((وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله.... قيل: أحيا أربعة أنفس: العاذر: وكان صديقا له، وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح؛ فالله أعلم.
    فأما العاذر فإنه كان قد توفى قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له،
    وأما ابن العجوز فإنه مر به يُحمل على سريره فدعا الله فقام ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله.
    وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلةفدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها؛ فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تحيي من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتة فأحيي لنا سام بن نوح.
    فقال لهم: دلوني على قبره، فخرج وخرج القوم معه، حتى انتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه. فقال له عيسى: كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال: يا روح الله، إنك دعوتني فسمعت صوتا يقول: أجب روح الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع فقال: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي؛ وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدقوه فإنه نبي؛ فآمن به بعضهم وكذبه بعضهم وقالوا: هذا سحر. ))
    قال في البحر المحيط ((ومعنى : أخلق : أقدّر وأهيء ، والخلق يكون بمعنى الإنشاء وإبراز العين من العدم الصرف إلى الوجود . وهذا لا يكون إلاَّ لله تعالى . ويكون بمعنى : التقدير والتصوير ، ولذلك يسمون صانع الأديم ونحوه : الخالق ، لأنه يقدّر ، وأصله في الإجرام ، وقد نقلوه إلى المعاني قال تعالى (وتخلقون إفكاً ) ومما جاء الخلق فيه بمعنى التقدير قوله تعالى : (فتبارك الله أحسن الخالقين ) أي المقدّرين . وقال الشاعر :
    ولأنت تَفْرِي ما خَلَقْتَ ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
    واللام في : لكم ، معناها التعليل ، و : من الطين ، تقييد بأنه لا يوجد من العدم الصرف ، بل ذكر المادة التي يشكل منها صورة .... وتعلق بإذن الله ، قيل : بيكون . وقيل : بطائر ، ومعنى : بإذن الله ، أي بتمكينه وعلمه بأني أفعل ، وتعاطي عيسى التصوير بيده والنفخ في تلك الصورة تبيين لتلبسه بالمعجزة ، وتوضيح أنها من قبله ، وأما خلق الحياة في تلك الصورة الطينية فمن الله وحده .... روي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى ، من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى ، وما كانت مداواته إلاَّ بالدعاء وحده ، وخص بالذكر الكمه والبرص لأنهما داآن معضلان لا يقدر على الإبراء منهما ، إلاَّ الله تعالى ، وكان الغالب على زمان عيسى الطب ، فأراهم الله المعجزة في جنس علمهم ، كما أرى قوم موسى ، إذ كان الغالب عليهم السحر ، المعجزة بالعصا واليد البيضاء ، وكما أرى العرب ، إذ كان الغالب عليهم البلاغة ، المعجزة بالقرآن ))
    وفي المنتخب ((ويبعثه رسولا إلى بنى إسرائيل ، مستدلا على صدق رسالته بمعجزات من الله ، هى أن يصور لكم من الطين صورة مثل صورة الطير ، ينفخ فيها فتحل فيها الحياة وتتحرك طائراًبإرادة الله ، ويشفى بتقدير الله من وُلِدَ أعمى فيبصر ، ومن به برص فيزول برصه ، ويعيد الحياة إلى من فقدها . كل ذلك بإذن الله وإرادته ، ويخبرهم بما يدَّخرون فى بيوتهم من مأكول وغيره ، ويقول لهم : إن هذه الآيات التى أظهرها الله على يدىَّ حجة على أن رسالتى حق إن كنتم ممن يذعنون له ويصدقون به . ))

    في تفسير الرازي ((المسألة الرابعة: قوله {بإذن الله} معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} (آل عمران: 145) أي إلا بأن يوجد الله الموت، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة، وتنبيها على إني أعمل هذا التصوير، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل ... وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده، قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر، وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله، فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله وولد له، وقوله {بإذن الله} رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلاهية. ))
    وفي الوسيط ((قال الآلوسى : " وقوله { أني أَخْلُقُ لَكُمْ } . . الخ . . بدل من قوله {أني قد جئتكم} أو من قوله { آية } أو منصوب على المفعولية لمحذوف أى أعنى أنى أخلق لكم . . . أو مرفوع على أنه خبر لمقدر أى أنى قد جئتكم بآية من ربكم هى أنى أخلق لكم . وقرأ نافع بكسر الهمزة على الاستئناف ، والمراد بالخلق التصوير والإبراز على مقدار معين لا الايجاد من العدم ".
    والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد حكى الله - عنه أنه قال لبنى إسرائيل : لقد أرسلنى الله إليكم لابلغكم دعوته ، ولآمركم بإخلاص العبادة له ، وقد أعطانى - سبحانه - من المعجزات ما يقنعكم بصدقى فيما أبلغه عن ربى ، ومن بين هذه المعجزات أنى أقدر على أن أصور لكم من الطين شيئاً صورته مثل صورة الطير ، فأنفخ فى ذلك الشىء المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا حقيقا ذا حياة بإذن الله أى بأمره وإرادته .
    فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال : ثنتان منهما لعيسى وهما تصوير الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه .

    أما الثالث فهو من صنع الله تعالى - وحده ألا وهو خلق الحياة فى هذه الصورة التى صورها عيسى ونفخ فيها وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس فى عيسى ألوهية ولا أى معنى من معانيها . ولا حكى الله - تعالى - عنه { بِإِذْنِ الله }أنه قال :
    أي أنى ما فعلت الذى فعلته إلا بإذن الله وأمره وإرادته وتيسيره ، واللام في قوله { لَكُمْ } للتعليل أى أصور لأجل هدايتكم وتصديقكم بى
    والكاف فى قوله { كَهَيْئَةِ الطير } بمعنى مثل وهى نعت لمفعول محذوف أى أخلق شيئاً مثل هيئة الطير ، والهيئة هى الصورة والكيفية
    والضمير فى قوله { فَأَنفُخُ فِيهِ } يعود إلى هذا المفعول المحذوف وقوله { بِإِذْنِ الله } متعلق بيكون ، وجئ به لإظهار العبودية ، ونفى توهم أن يكون عيسى أو غيره شريكا لله فى خلق الكائنات ))

    فتأمل كيف جعل أن مجرد كون فعل الخلق نفسه من الله وحده نافياً عن عيسى الألوهية بما يدلك على أن الألوهية في كلام أهل العلم مجرد فعل أفعال الله ، وأن الشركة تثبت بمجرد أن يكون غيرالله خالقاً حقيقة للكائنات ، ولم يتعرض لمسألة الاستقلال والعطاء ، لتعلم أنها ليست مناط الحكم في المسألة ولاهي متعلق الألوهية.
    فالحاصل أن هذا كلام أهل التفسير في الآية وكيف أن الجميع أطبق على أن فعل الخلق ليس إلى عيسى عليه السلام وأن ماكان منه هو فقط التصوير والنفخ ،وأجمعوا كلهم على أن فعل الخلق نفسه إنما فعل الله وحده الذي لو ثبت لعيسى لثبتت له الألوهية وبنفيه عن عيسى عليه السلام انتفى توهم الألوهية فيه عليه السلام .
    وأختم بكلام ينص فيه الرازي على نفس ماقررناه – بفضل الله – يقول (( ثم ههنا بحث، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى: {الذى خلق الموت والحيواة} (الملك: 2) وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك {ربي الذى يحى ويميت} (البقرة: 258) فلو حصل لغيره، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال. )) فالحمد لله حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه على ماوفقنا إليه جل وعلا مع فرط ذنوبنا وكثرة معاصينا وهو جواد كريم وأسأل الله أن يكون ذلك من الله سابق بشرى مغفرة الله لي .
    وعلى وفق هذا الفهم الذي فهمناه وأيده الرازي بصريح العبارة يحمل خلاف الأشاعرة في جواز جريان مثل معجزات الأنبياء على أيدي الأولياء ككرامة من الله ، وأن هذا لا يعني بحال قدرتهم على فعل ذلك عند من جوز جريان ذلك على أيديهم ، بل طالما وأن الأصل الذي قيس عليه ليس كذلك فكيف يكون الفرع المقاس والمتنازع فيه كذلك ؟!
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •