المدخل: قراءة عنوان الشاعر وعنوان النقد
(1) مفتتح
لا أرى النقد قراءة جزئية للعمل الإبداعي من دون فكرة رئيسة تسلط الأضواء على شبكة العمل الجزئية؛ لذا تتعدد قراءاتي حتى أحصل على فكرة تمثل منطلق الشاعر، فأنطلق منها إلى استقراء العمل استقراء عاما وجزئيا وفق هذه الفكرة، وأظل صامتا حتى أجدها.
وعندما قرأت ديوان شاعرنا المتميز "محمد شلبي" لم أحتج إلى إعادة القراءة.
لماذا؟
لأن السر يتضح منذ العنوان.
ما هو؟
إنه الاغتراب.
(2) عنوان النقد
بعد عثوري على المنطلق أخذت أقرأ على ضوئه، فلما استقامت القراءة وَفْقه أخذت أبحث عن عنوان يحمل ذلك، وهممت أن أكتب "أرستقراطية الاغتراب ومأساته" فردتني غربة اللفظ، وجذبني لفظ القرآن الكريم الدال على الفئة نفسها في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} [الإسراء: 16]؛ فالأرستقراطيون جلهم إن لم يكن كلهم مترفون؛ لذا آثرت "ترف الاغتراب ومأساته".
لماذا أنبه إلى ذلك؟
لأن شاعرنا شاعر يحب لغته ويستخدم مفردات تراثية تحتاج إلى حمل معجم في قراءتها، وهذه ممدحة من هذا الجانب لكنها من جانب آخر سيأتي تُحسب عليه فيما سيحسب عليه.
وما الرابط بين الترف "الأرستقراطية" والغربة؟ وهل يعد المغترب مترفا؟ إن الغربة ضعف وعجز فسرتها العامة في قولها المأثور: "الغريب أعمى ولو كان بصير"، فكيف ترتبط بالترف؟
نبدأ ببيان الاغتراب، فنسأل: ما الاغتراب؟
إن صيغة "افتعل" ومشتقاتها صيغة مطاوعة.
ما معنى مطاوعة؟
معناها أن الإنسان تعرض لمؤثر فقبله وتأثر به.
فما المؤثر الذي تعرض له الشاعر هنا فجعله يستشعر الغربة ويقبلها ويتأثر بها ويعكسها شعرا وإبداعا؟
إن شاعرنا المتميز ليس نسيجا وحده في هذا الباب، بل هذه سمة عامة ونغمة مشتركة يعزفها كثير من الشعراء على الرغم من اختلافهم إبداعا وشهرة ونشرا وتوزيعا وإعلاما؛ مما يجعل السؤال عن سبب هذه الظاهرة الفنية ضروريا.
ما سبب هذه الظاهرة الاغترابية؟
السبب يكمن في الترف "الأرستقراطية" الإبداعية.
كيف؟
ينظر المبدع إلى أشياء الحياة وأحداثها نظرات تخصه وتبعده عن العامة وهم كل من ليس مبدعا، فيرى هينهم عظيما وعظيمهم هينا، ويستتبع ذلك امتلاك الكلمة المؤثرة التي تعطيه سهما من التميز والانفصال عمن حوله ممن ليس مبدعا بل يشتد الأمر فينفصل عن غيره ممن يشاركه الإبداع لكنه لا يشاركه النظرة والنزعة.
من هنا تأتي بواعث الغربة فيستجيب لها الشاعر فيغترب، وتحلو له الغربة عندما يراها معلما مميزا. وقد يوجد لبعضهم عوامل تجعل الاغتراب ضرورة.
مثل ماذا؟
مثل معاناة نشر الإبداع، ومعاناة عدم السيرورة النقدية لأعماله، ومعاناة عدم الشهرة، ومعاناة فقد الجوائز في المسابقات، ومعاناة فقد الجوائز العامة كجوائز الدولة. وقد يتحول الأمر إلى عقدة نفسية عندما يجد المبدع إبداعه غير مقبول ممن يطمح إليهم في قبوله.
إذن: الاغتراب ليس واحدا، بل جنسا تحته أنواع.
(3) عنوان الديوان "حداء الزمان الأخير"
كان السابق عن الاغتراب فماذا عن اغتراب شاعرنا "محمد شلبي" في ديوانه "حداء الزمان الأخير"؟ وما مظاهره التعبيرية الإبداعية؟ ومتى يصادفنا؟ أنستشعره بعد المضي قدما في الديوان؟ أم نجده مع حروف العنوان؟
وهل أصاب الاغتراب العنوان العام فقط؟ أم هل أصاب القصائد وعناوينها أيضا؟
أرى أن الاغتراب قد تغلغل وملأ فراغات النص وشارك في بناء الأخيلة والصور الجزئية والصور الكلية.
لماذا؟
لأنه منطلق مختارات هذا الديوان فلا بد أن يصبغ كل جزئياته من لفظ وإيحاء وتشبيه وكناية واستعارة و... إلخ، لكننا لن نعيش هذه المرة مع كل ذلك وسنكتفي بالعنوان وحده.
ما صورة العنوان؟
إنها جملة ناقصة أحد الركنين، وهي بعدم تقدير المحذوف تعبير وصفي إضافي. وبعيدا عن قراءة غير الموجود وتقديره نقرأ الموجود ونكتفي به.
ما نص العنوان؟
إنه "حداء الزمان الأخير" وحرص الشاعر على النص على أن "الأخير" نعت للزمان فضبطه بالكسر نصا على بلوغ الاغتراب قمته.
كيف؟
إنه "الزمان الأخير" المخالف للمعتاد والمعتاد دائما مريح، إنه "الزمان الأخير" الذي يؤكد فوات الفرصة ويبشر بالرحيل وفي الصدر ما فيه من أمنيات غير محققة، إنه "الزمان الأخير" بما فيه من اغتراب من يعيشه.
ماذا يفعل هذا الزمان الأخير؟
إنه يحدو، ويحث.
وهنا نجد التناقض يبرز المعنى ويؤكده.
كيف؟
إن المعنى التراثي للحداء هو الغناء للإبل حتى تسرع فيجتاز الراكب المهامه، وتفوز القافلة بسلامة الإياب ومغانمه.
إذن: فهو معنى يُضرب في حب الحياة ويغرس الأمل ويزرع التشوف إلى الآتي.
هذه الطاقة الإيجابية تحولت مع شاعرنا بهذه الإضافة إلى الحث على التوغل في مهامه الاغتراب وفقد الرغبة في الآتي وإحساس الخسارة.
ويزيد ثراء هذا التعبير كون الإضافة حقيقية.
كيف؟
إن الإضافة الحقيقية تأتي على أحد معاني حروف الجر "في" أو "من" أو "اللام"، وأجدها هنا قابلة لها كلها، ويتنوع العطاء الفني باختلاف التقدير.
كيف؟
إذا قدرنا الإضافة بمعنى "من" فالتقدير "حداء من الزمان الأخير"، ويكون الزمان هو الحادي والشاعر ومنظومته محدوا بهما، ويكون ما سبق من هزيمة ومطاوعة.
وإذا قدرناها بمعنى "في" فالتقدير "حداء في الزمان الأخير"، ويكون الحداء في الزمان، ويكون الحادي مجهولا مما يؤكد الاضطراب والحيرة، ويكون المحدو مجهولا مما يؤكد عبثية الفعل واللحظة.
وإذا قدرناها بمعنى "اللام" فالتقدير "حداء للزمان الأخير"، ويكون الزمان هو المحدو والحادي مجهول مما يؤصل للتيه وضياع منارات الطريق، أو يكون الحادي هو الشاعر الذي ينشر مرثية ما يحب ويأمل.
إذن: وُفّق الشاعر أيما توفيق في البدء فجسم الاغتراب وشخَّصه.
فكيف استمر؟
هذا ما أدعو الله تعالى أن ييسرني لبيانه لاحقا!