تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: جهود العلامة الشنقيطي في المنطق الأرسطي - للشيخ الفاضل المحقق مختار الطيباوي.

  1. #1

    افتراضي جهود العلامة الشنقيطي في المنطق الأرسطي - للشيخ الفاضل المحقق مختار الطيباوي.

    بسم الله الرحمن الرحيم


    جهود العلامة الشنقيطي في المنطق الأرسطي

    بين نظرية الاكتفاء و ضرورة الارتقاء



    الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبي ّ بعده، وبعد...
    فقد تتبَّعت بعض التعليقات التي تفضل بها الإخوة على انتقادات أخينا الشيخ بدر الدين للمنطق الصوري الأرسطي المشائي [ رابط نقد الشيخ بدر الدين للمنطق من هنـــــــــــــ ـا..(أبو الأزهر) ]، فرأيت أن أثير انتباههم و اهتمامهم إلى بعض العتبات العلمية الفاصلة، التي يحتاجونها في دراستهم لعلم المنطق، حصرا للقضية حتى لا يضيع جهدهم وجهد الأخ بدر الدين سدى[1] .
    وحيث إنه يوجد توجه ــ عند بعض السلفيين ــ لدراسة علم المنطق، إما لشعورهم بحاجة إلى هذا العلم لملأ فراغ معرفي، اعتقادا منهم بصدق قضاياه، وأنه يمكن أن يخدم العلوم الشرعية.
    و إما لغرض التسلح بسلاحه لفل حجة من يستعينون به في جدالهم مع السلفيين، في مسائل العقائد و أصول الفقه.
    أوــ ربما ــ من باب التّرف العلمي و العقلي، فإن العقليات الملفَّقة قد تخيف البعض و تستهوي البعض الآخر!
    ولعل أهم شخصية علمية سلفية كتبت في هذا الموضوع "المنطق الصوري" هو العلامة محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله.
    وهذا يحتم علينا ـ كونه سلفيا ـ معاينة عمله هذا معاينة تحليلية علمية، لنر كيف يمكن لنا الاستفادة من هذا العمل الكبير؟
    وهل يمكننا إتمامه، و الذهاب به إلى أبعد مما وصل إليه مع الشيخ الشنقيطي؟.
    وهذا أمر يمكن أن نتعرف عليه من خلال التّعرف إلى دافع و غرض الشيخ، و قد أشار إليه في بداية بحثه.
    قال رحمه الله : ((ولما كان من المتوقع أن يواجه الدعاة إلى الحق دعاة إلى الباطل مضللون يجادلون لشبه فلسفية ، ومقدمات سوفسطائية ، وكانوا لشدة تمرنهم على تلك الحجج الباطلة كثيراً ما يظهرون الحق في صورة الباطل ، والباطل في صورة الحق ، ويفحمون كثيراً من طلبة العلم الذين لم يكن معهم سلاح من العلم يدفع باطلهم بالحق، وكان من الواجب على المسلمين أن يتعلموا من العلم ما يتسنى لهم به إبطال الباطل وإحقاق الحق على الطرق المتعارفة عند عامة الناس[2] ، حمل ذلك الجامعة على إنشاء كلية الدعوة وأصول الدين .
    ومهمتها تخريج دعاة قادرين على تبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وعلى إفحام وإلزام الدعاة المضللين ببيان ما يصحح أدلتهم ويظهر بطلان حجج خصومهم)). [مذكرة المنطق للشنقيطي]
    فهدف الشنقيطي إذًا هو مواجهة من يعاند الحق باستعمال المنطق،فهل يتحقق ذلك بتعلم المنطق لأنه لغة المعاندين العلمية و سلاحهم الجدلي فحسب؟
    وهل يستلزم هذا الكلام أن المنطق علم صحيح برمته، أم يلزم منه ـ أيضا ـ تعلم نقد هذا المنطق؟
    وما الأفضل لأهل السنة في مواجهتهم المخالفين أن تكون المواجهة بالمنطق الذي يؤيد عقائدهم، و يتماشى معها بانسجام ، بحيث أن هذا المنطق نتج عنه إنكار الصفات عند مؤسسيه و ناقليه و شراحه؟!
    فهل يملك في طياته خصائص إبطال نتائجه في المعرفة ــ خاصة في العلم الإلهي ــ و يناقض نفسه، فتتأيد به عقائد أهل السنة؟
    وهل يعاند المضللون به أهل الحق لسوء استعمالهم له أم أن مقدماته تقود إلى معاندة الشريعة؟
    وهل هو المنطق الوحيد، أم يوجد أنواع أخرى أنفع لأهل السنة، و أقرب إلى منهجهم العلمي و المعرفي، مثل: المنطق الاسمي، و المنطق التجريبي، منطق الاستقراء؟
    وما الفائدة الأخرى لهذه الأنواع المعارضة لمنطق خصومنا في العقيدة و المعرفة، بمعنى: أليست هذه المنطقيات المباينة و المعارضة للمنطق الصوري هي الثقافة السائدة في العصر الحديث، و بالتالي تمكننا من بسط معرفتنا الشرعية على هذا العصر بدل من سجن أنفسنا ــ تقليدا للمتكلمين ــ في منطق ما قبل التاريخ؟
    و بالجواب على هذه الأسئلة ـ وهو متضمن فيها ـ نستخلص أن عمل الشيخ الشنقيطي في المنطق ليس عملا نهائيا، و الوقوف عنده جامدين عليه له مخاطر شديدة على السلفيين، أبيّن بعضا منها بعد قليل.
    قال العلامة الشنقيطي: (( ولا شك أن المنطق لو لم يترجم إلى العربية و لم يتعلمه المسلمون لكان دينهم وعقيدتهم في غنى عنه كما استغنى عنه سلفهم الصالح ، ولكنه لما ترجم وتعلم وصارت أقيسته هي الطريق الوحيدة لنفي بعض صفات الله الثابتة في الوحيين ، كان ينبغي لعلماء المسلمين أن يتعلموه وينظروا فيه ليردوا حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به على نفيهم لبعض الصفات ، لأن إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم وإلزامهم الحق .))
    قلت: هذا الكلام الجيد و المتين و إن استلزم ــ في المقام الثاني ــ ضرورة الاستجابة لهذه الحاجة، و تعلم المنطق لحفظ الحق من الشبهات العقلية، و الدعوة إليه بالتجاوب مع الواقع من خلال الاطلاع على لغة المخالف العلمية و مصطلحاته الخاصة.
    فإنه في المقام الأول يقرر حقيقة بالغة الأهمية وفاصلة في مصدر المعرفة وطرقها، وهي أن الدين الإسلامي دين كامل مستغن بنفسه عن المنطق الصوري.
    و هذا يستلزم أن هذا الاستغناء ليس لأن المعرفة البشرية معرفة منفصلة عن بعضها البعض، أو غير متجانسة الموضوعات، لأن ما يقرره الإسلام يبحث فيه الفلاسفة بقانون المنطق الصوري.
    وهذا يستلزم ضرورة أن مصادر التلقي: الكتاب و السنة تحمل منهجا معارضا مناقضا للمنطق الصوري،أو في أقل الأحوال مستقلا عن غيره.
    هذا هو البحث الواجب على علماء الإسلام: استخراج هذا المنهج و استنباطه، ثم صياغته في شكل علم بديل للمنطق، هو منهج البحث الإسلامي، وطرق الاستدلال القرآنية، وهذا ما سنعرفه عندما نتكلم عن أصالة التفكير الإسلامي.
    وعليه، فإن نقد الشيخ بدر الدين للمنطق الصوري لن يكون نقدا هداما فقط، بل يحمل كذلك البناء و الإنشاء، بالإشارة إلى طرق الاستدلال و الاستنتاج القرآني الخالصة، وطرق الاستدلال و الاستنتاج في أنواع المنطق الأخرى، التي توافق منهجنا، ولا تعارضه.
    إن كلام العلامة الشنقيطي يلزم علينا أن نفرق فرقا جوهريا بين تكميل عمله وبين ترديد أقواله، و الوقوف حيث وقف دون فهم للتبعات.
    ذلك أن الترديد في العلم هو نظم الكلمات دون تصور معانيها، و بالتالي نأخذ ما نسمعه أو نقرأه من دون معرفة مدلوله بالضبط، وهذه هي اللفظية في العلم التي نحاول ما استطعنا اجتنابها.
    ثم إن استكمال عمل الشنقيطي يقودنا إلى التفريق بين مهمتين علميتين:
    1ـ مهمة الباحث الذي يسعى إلى اكتشاف المجهول بالنسبة له " علم المنطق" بطريقة منهجية موضوعية يقصد من خلالها إثراء المعرفة الشرعية بإضافة ما يفيدها أو دفع ما يناقضها، و تبريرها، و الجدال عنها .
    ـ و مهمة الناقل و الشارح المحصورة في ترديد كلام السابق، و شرح معانيه؛ لاختلاف الوظيفتين.
    ولا شك أن الإخوة لا يختلفون معي في أن عمل العلامة الشنقيطي عمل ناقل و شارح، بغض النظر عن شرحه إن كان مطابقا لتطلعات طلبة العلم المتفاوتة أم لا؟
    فهل يمكننا أن نتعلم المنطق الصوري دون أن يؤثر علينا سلبا؟
    وهل نملك الخلفية العلمية الشرعية الكافية، و الكفاءة الثقافية اللازمة للشعور بهذا التأثير و التنبه له؟
    هذا ما سنعرفه في هذا المقال بإيجاز

    الخروج من التعتيم العلمي و الضبابية المنهجية:
    يلاحظ من يتتبع العلوم المنطقية و الفلسفية، وله عناية بالتّعرف على المذاهب الفكرية المعاصرة أو الحديثة، أنه يوجد فرق معرفي شاسع بين الجامعات الإسلامية و جامعات العلوم الإنسانية ـ في هذا المجال ـ.
    فالجامعات الإسلامية تدرِّس المنطق الصوري كما وقف عنده المتأخرون من شراحه، كأنما كُتب عليهم الجمود على تلك الفترة؟!
    بينما الجامعات التي تدرِّس العلوم الإنسانية تدرِّس المنطق الصوري عبر جميع مراحله، من تاريخ نشوئه الأرسطي إلى مرحلته الإسلامية، ثم مرحلة القرون الوسطى، ثم صورته في العصر الحديث.
    و تدرِّس إلى جانبه أنواع أخرى من المنطق طلقت المنطق الصوري وزيّفت بنيته الفكرية نهائيا.
    مثل: المنطق الرواقي و الاسمي و الاستقرائي و الرياضي، و مختلف التفاعلات بينها، إضافة إلى تدريس علم مناهج البحث، و الابستيمولوجيا بنوعيها العامة و التكوينية­[3] .
    و النتيجة أن المتخرج من هذه الجامعة يعيش معرفيا في هذا العصر، قد تحكّم في ثقافته، يدعو إلى مذهبه الحداثي العلماني أو الماركسي الإلحادي .
    بينما المتخرج من الجامعة الإسلامية قد توقف عقله عند منطق الأخضري، فعندما ينزل الساحة العلمية يمكن له أن يناقش أشعريا أو رافضيا لاشتراكهم في هذا المنطق، ولكن لا يمكنه مناقشة الآخر للفارق المعرفي المنطقي بينهما.
    حتى في مجال الاصطلاح هو مغيّب، لأن المصطلحات تطورت، فيعيش معزولا عن مواجهة العلماني الحداثي و الماركسي، وحملات الإنسية في العالم الإسلامي، يراد له أن يبقى في حوار دائم ومغلق مع الأشعري، أما الحداثي فليس له أن يواجهه!
    ويمكنك تحسّس هذا الأمر بزيارة المكتبات التي تبيع الكتب الفلسفية و المنطقية و كتب الفكر المعاصر، و التّعرف على بعض روادها، وفتح باب النقاش معهم فستعرف فكرهم، ومجال نشاطهم، و حقيقة قوتهم في مختلف زوايا المجتمع، وكيف ينظرون إلى أهل الدين.
    إن التعتيم العلمي على علماء الشريعة المقصود منه تغييبهم عن التجاوب مع الواقع الذي يتعامل بثقافة أخرى، ولغة أخرى" مصطلحات أخرى"، و فكر آخر.
    وعليه، فإنكم عندما لا تغلقوا على أنفسكم في منطق الشنقيطي و الأخضري فتغرقوا في فكر و عقلية إسلامية ـ في هذا المجال ـ توقفت عن النظر و التفكير في القرون الغابرة ، و تقطعوا الصلة المعرفية بينكم و بين هذا العصر الحديث المصطبغ بمذاهب فكرية تحارب جوهر الإسلام ، من خلال الخروج إلى آفاق أوسع لتعرفوا تاريخ المنطق، و كيفية دخوله العالم الإسلامي، ومراحله عند المسلمين و غيرهم ،وموقف المسلمين منه ،بأن تطالعوا مثلا (مناهج البحث ) لسامي النشار، الفصل الخاص بنقد المسلمين للمنطق الصوري.
    وكذلك كتاب الدكتور محمود اليعقوبي (ابن تيمية و المنطق الأرسطي).
    ورغم أنهما أشعريان[4] فقد دفعتهم الحاجة الملحة إلى تكذيب دعوى المستشرقين بأن المسلمين لم يقدموا للبشرية في مجال البحث العلمي أي جديد، و أنهم ليسوا إلا مرددين لعمل اليونان، وذلك بالانبهار بنقد ابن تيمية للمنطق ، و تثمينه ، و إعطائه قيمته العلمية الحقيقية، و أنه أهم و أقوى عمل إسلامي يدل على أصالة التفكير الإسلامي ، لأن الدفاع عن هذه الأصالة يشترك فيها كل أهل السنة.
    وبذلك تسعون لبسط المنهج العلمي السلفي الأعلى (في نظرية المعرفة) على ثقافة العصر،وكذلك الانسجام بين مصدر التلقي وطرق التلقي، فمعارفنا سمعية بالدرجة الأولى ـ و إن دل على بعضها العقل ـ و دور العقل تأكيدها لا التشكيك فيها، و ليست عقلية يؤكدها السمع.
    إن أصالة التفكير الإسلامي تعني عدم التسول الفكري على الأمم، خاصة الوثنية منها، فالمنطق الصوري بكل أشكاله الملخَّصة و المختزلة يتعارض مع المنهج المعرفي الإسلامي.
    و الأصالة الفكرية تعني الامتناع عن التقليد الذي يؤدي إلى زوال الشخصية، و الاندماج في ثقافة الغير: مباشرة أو من خلال الوسائط.
    إن خلو المناهج التعليمية لعلم المنطق من منهج علمي رصين يقوم على قواعد شرعية ثابتة، تشكل بديلا لطرقه و مبادئه، هو أعظم ما سبب الانتحاء الفكري و العقائدي لبعض المسلمين، ممن كانوا أبرع منا في هذا المجال.
    فبعض المسلمين تحت وطأة و تأثير عوامل دعوية وعلمية معيّنة توجه فكره نحو المنطق الصوري فذاب فيه أو كاد، أو نحو ناحية واحدة من حاجياته العلمية، و أغفل معها بقية الحاجات الأخرى.
    وهذا الانتحاء الفكري للبعض بالتوجه نحو الفكر الفلسفي و التّسول عليه، قد يكون بسبب عدم تعرفه على بديل مقابل عند المسلمين بسبب غياب الفحص و التمحيص، والعزلة الفكرية عن أحوال هذا العالم، وهذا العصر.
    فلم يوجدوا بديلا علميا قويا يجبر النقص في مواجهة المخالف ، ويزيل عنهم الغربة العلمية إلا هذا الانتحاء نحو الفكر المنطقي.
    إن انضباط المسلمين في فهم القرآن و السنة ـ خاصة في مجال العلم الإلهي ـ و تفسيره بالدلالات الأصلية، و السياق الأول عند السلف، إنما اقتضاه إيمانهم بأن هذا القرآن هو وحي من الله ، لا يحتاج إلى غير العلوم النبوية ، فلا مجال لمعرفة الله، و ما يتعلق بهذه المعرفة من مصادر تلقيها، و طرق تلقيها و فهمها،غير علم النبوة.
    و أن المسلمين باستنباطهم علم الحديث، و بنائه بناء كاملا أكدوا أن لا يقين حقيقي في العلم الإلهي، في مواده وصورته إلا في الخبر النبوي الصحيح.
    ومن هنا أنكر فقهاء الحديث، و الفقهاء المتيقظون تطبيق آليات علم المنطق على النص الشرعي، سواء في أصول الدين، أو في أصول الأحكام و الأحكام.
    إننا لا يجب أن نساير الخطأ الشائع عن إمكانية تخليص المنطق من أصوله الميتافيزيقية، و الخطأ الشائع بأنه قد ينفعنا في فهم الشريعة، أو الدفاع عنها دفاعا متكاملا من دون عثرة لا يكون لها صدى على إيماننا و تمسّكنا بشريعتنا.
    إني إذ أقول هذا فأقصد تنبيه وعيكم بالمنهج العلمي السلفي، و أنه يستلزم أن يكون لدينا نموذجا فكريا معرفيا واحدا، كما كان عند السلف الصالح.
    ألم يواجه الصحابة في الفتوحات الفرس و الهنود و الرومان الفلاسفة، و أدخلوا إليهم الإيمان الإسلامي، و كذلك منهج المعرفة الإسلامي.
    إننا عندما نعتقد صلاحية المنطق الصوري لعلومنا الشرعية لفهمها، أو الدفاع عنها، دون أن يستتبع ذلك وعيا و طلبا لطرق نقضه، يستلزم ذلك استخفافا فكريا بمنهجنا العلمي المعرفي، و تلفيقا في هذا المنهج، لأن التلفيق هو ضم فكر إلى آخر وربطه به لعدم إدراك التنافر بينهما.

    أصالة التفكير الإسلامي في مجال البحث و الاستدلال:
    ولإدراك العمل السلفي العميق في المعرفة ، خصوصا في المنطق، وأن السلفيين ليسوا ظاهرية وحرفية كما يزعم البعض، بل هم من يمثِّل أصالة التفكير الإسلامي ـ على الرغم أن الفلاسفة أدركوا هذا، في حين أن كثيرا من السلفيين لم يدركوه ! ـ فهذه نبذة عن أصالة التفكير الإسلامي، و أسباب رفض المنطق الصوري إن كان تعرّفا عليه من غير نقد له.
    يقول الدكتور محمود اليعقوبي[5] في ( ابن تيمية و المنطق الأرسطي:ص:260):
    (( إننا نوافق الدكتور إبراهيم مدكور عندما يقول:" إن المنطق العربي في ترتيبه وفي مسائله نسخة مطابقة للأصل من منطق أرسطو"[أرقانون أرسطو ص:268] كما نوافق الأستاذ فان دن برغ عندما يرى في تقديمه لكتاب إبراهيم مدكور أن أنصار أرسطو من المسلمين:" قد جعلهم تعلقهم بأرسطو يعتبرون آراءه المنهج لوحيد الذي يمكن للفكر أن ينتهجه و يهملون كل ما خالف ذلك"، إن كان الأول يريد المنطق الذي كتبه المشاؤون العرب، و إن كان الثاني لا يجعل من جميع النظار المسلمين أنصارا لهذا المنطق، و إلا فإن البحث الذي قمنا به يثبت غير ما يذهبان إليه.
    فإذا كان لا يمكننا أن ننكر أن جميع من كتب من المسلمين باللغة العربية في المنطق لم يخرجوا عن الحدود التي رسمها أرسطو، و أن المتأخرين منهم قد اكتفوا بتجريد منطق المشائين من الميتافيزياء التي تبطنه، فإنه لا جدال في أن هؤلاء لا يمثلون جميع أصناف الطالبين المسلمين، ولا جميع الذين تحدثوا في المنطق، بل كان إلى جانب هؤلاء المعجبين بالفلسفة اليونانية عامة، و المنطق المشائي خاصة، طائفة من النظار الإسلاميين لم يقبلوا هذه الفلسفة، لأن أصولها مخالفة لأصول العقيدة الإسلامية، ولم يستسيغوا هذا المنطق، لأنه من جهة أداة لهذه الفلسفة، ولأنه من جهة أخرى مبني على بعض أصول هذه الفلسفة، فكأنه جزء منها، هذه الطائفة هم طائفة الفقهاء الذين يؤهلهم عملهم و علمهم لاستنباط الأحكام الشرعية غير المنصوص عليها، فهم بمقتضى وظيفتهم مدعوون للنظر و التفكير و ملزمون بتحري الإصابة فيهما، مما جعلهم منذ فجر الإسلام يسلكون طريقهم إلى مطالبهم بما كانوا يجدونه في أنفسهم من قدرة فطرية على الجمع بين المتماثلين و التفريق بين المختلفين في الحكم، وقد كان هذا المبدأ الفطري كافيا لإجراء الاستنباطات الفقهية، لكن عندما انتشر المنطق المشائي بين المسلمين لسبب أو لآخر منذ بداية القرن الثاني الهجري، و أخذ بعضهم يستعملون اصطلاحاته و بنيات أحكامه، وصور استدلالاته الصناعية، وجد الفقهاء أن هذه البنيات مؤسسة على خصائص اللغة اليونانية، و أن هذه الاستدلالات مستمدة من أصول الميتافيزياء اليونانية، ووجدوا أن استعمال القياس الحملي القائم على الوجود الذهني و الذي يعده أصحابه سبيلا وحيدا إلى العلم، لا يصلح لأن تعالج به نصوص الشريعة الإسلامية التي تتحدث عن أشياء عينية، و التي تستدل على الشيء بملازمه، ولم يكن هذا التعارض مدعاة للنفور من المنطق المشائي فحسب، بل كان موجبا للتنفير منه عندما راح أنصاره يدعون له الكلية و الانفراد بتحصيل العلوم، ولا سيما عندما اتخذوه وسيلة للطعن في المعارف النقلية، وجعلوا المعارف العقلية معيارا للعلم عامة، و قد كانت بداية ظهور هذا التعارض بداية لظهور النفور و التنفير من الفلسفة اليونانية، ومما كان مدخلا إليها وهو منطقها، وهذا ابتداء من القرن الثاني الهجري، على لسان الأئمة المجتهدين ثم على لسان الفقهاء الذين اقتفوا آثارهم حتى العصور المتأخرة.
    إذ ـ بعد نشر كتاب"صون المنطق و الكلام " للسيوطي، ونشر كتابي ابن تيمية" نقض المنطق"و"الرد على المنطقيين" و نشر كتاب " مناهج البحث عند مفكري الإسلام" للدكتور علي سامي النشار ـ لم يعد بإمكان أحد أن يوافق الدكتور إبراهيم مدكور عندما يقول:" لم يعش هؤلاء الفقهاء في عزلة مما حولهم بل قد تأثروا بالفلسفة اليونانية ولاسيما "الأرغانون" الذي وجدوا فيه طرقا صالحة لأبحاثهم الفقهية ":70] إن كان يريد جميع الفقهاء من دون استثناء.
    إذ لا حجة له ولمن يرى رأيه في موقف الإمام ابن حزم الأندلسي الذي كان من السابقين إلى نعت المنطق ومدحه إلى حد التوكيد بأن:" من جهله خفي عليه بناء كلام الله عز وجل مع كلام نبيه صلى الله عليه وسلم وجاز عليه من الشغب جوازا لا يفرق بينه و بين الحق ولم يعلم دينه إلا تقليدا و التقليد مذموم"[6][التقريب لحد المنطق ص:3] باستثناء السلف الصالح الذين متعهم الله بذكاء الذهن و سعة الفهم ومكنهم من فوائد علم المنطق".
    و إذا كان الإمام ابن حزم لم يعدم من يعزز رأيه من كبار الفقهاء و أئمة الإسلام من أمثال الإمام الغزالي الذي يجعل هو الآخر من المنطق مقدمة لكل علم["المستصفى"{10/1}] بما في ذلك علم أصول الفقه، فإن ذلك لا يسوغ للدكتور إبراهيم مدكور أن يقول:"إن علماء الكلام و الفقهاء الذين جاؤوا من بعده[الغزالي] قد اقتصروا على اقتفاء أثره ومواصلة عمله" لأن تاريخ كل من علم الكلام و علم الفقه مرصع بمواقف النقد التي عبر بها بعض المتكلمين و بعض الفقهاء عما لا يقبلونه من مسائل فلسفة اليونان و منطقهم المخالفة لأصول عقيدة الإسلام و شريعته.
    فلقد تبين لنا في غضون هذا البحث أن كثيرا من الفقهاء ما فتئوا يعيبون الفلسفة اليونانية و ينفرون الناس منها منذ أن عرفوا مخالفتها للشريعة الإسلامية، وهذا من عهد الإمامين مالك و الشافعي إلى العصور المتأخرة، كما أنهم نفروا من المنطق الذي نشأ في أحضان هذه الفلسفة ونفروا الناس منه على أساس أنه مدخل إليها، وليس نقد ابن تيمية للمنطق المشائي سوى صورة من صور مناهضة هذا المنطق التي بدأت قبل ابن تيمية و لم تتوقف بعده.
    إلا أن نقد ابن تيمية ليس مثل الانتقادات التي سبقته ولا التي تلته، لأنه جاء نقدا مذهبيا، له أصوله و تصوراته، فكان شاملا مفصلا، بينما كانت الانتقادات الأخرى جزئية أو مقتضبة، و لأنه لم يكن نقدا سلبيا فقط، بل كان نقدا إيجابيا أيضا.
    فهو يرى أنه ليس صحيحا أن التصورات غير البديهية لا تنال إلا بالتعريف، لأن التعريف يعتمد على معرفة الصفات الموجودة في الشيء المراد تعريفه، وهي لا تعرف إلا بالحواس الظاهرة أو الباطنة، فلا تكون بالتالي مفتقرة إلى الصياغة اللفظية التي يستمد منها التعريف كيانه، ويرى انه ليس صحيحا أيضا أن يكون الغرض من التعريف هو تصور ماهيات الأشياء، لأن الأشياء لا تعرف بما تتشارك فيه بل بما يختص به كل واحد منها و بما ينفرد به دون سائرها.
    ولهذا يرى أن الغرض من التعريف إنما هو تمييز الأشياء بعضها من بعض لأن العبرة في ذلك تكون بما عليه الأشياء في الوجود الخارجي كما يحصل في التجربة الحسية و ليس بما هي عليه في الوجود الذهني المتمثل في حصول المعنى الكلي الذي تزول منه خصائص الأشياء، ومادام هذا التمييز يمكن أن يحصل بصفة واحدة خاصة بالشيء أيا كانت، فإنه لم يعد ضروريا اشتراط وقوع التعريف بالجنس القريب و الفصل النوعي كما يزعم المشاؤون.
    كما يرى انه ليس صحيحا أن التصديقات لا تكون إلا بالقياس الشمولي المعتمد على القضية الكلية، لان القضية الكلية لا تحصل في الذهن إلا بواسطة الاستقراء الذي يؤول في حقيقة أمره إلى قياس التمثيل الذي يحكم فيه على الشيء بحكم مثله، فتكون القضايا الجزئية كما تحصل في التجربة الحسية أصلا للمعارف الجزئية التي نظرا لتماثلها يمكن جمعها في صيغة واحدة هي القضية الكلية فتكون القضية الكلية نهاية للاستنتاج و ليست بداية له.
    و ليس صحيحا أيضا أن القياس الشمولي هو السبيل الوحيد إلى تحصيل اليقين لأن اليقين سببه مادة القياس، وبما أن النفس أسرع إلى التصديق بالقضايا الجزئية العينية منها إلى التصديق بالقضايا الكلية، فقد باتت القضايا الجزئية كما تحصل في التجربة الحسية أصلا لكل يقين و مصدرا لكل معرفة، وعندئذ لا يعود قياس التمثيل دون قياس الشمول مرتبة و قدرة على إفادة العلم عند اتحاد المادة بينهما.
    ووجدنا أن ابن تيمية يلاحظ أن القياس الشمولي لا يصلح للعلم بالموجودات الجزئية الفيزيائية أو الميتافيزيائية كواجب الوجود، لان مبناه على المعاني الكلية التي لا وجود لها إلا في الذهن، والوجود في الأعيان أصح من الوجود في الأذهان و أفضل منه.
    و يرى أن جميع أنواع الاستدلالات من قياس و استقراء و تمثيل إن هي إلا صور مختلفة لاستعمال مبدأ أساسي في كل استدلال هو مبدأ اللزوم الملاحظ بين طرفين احدهما اللازم و الآخر الملزوم، فيكون إدراك التلازم بين الشيئين أو الواقعتين كافيا لإحداث العلم بأحدهما عند العلم بالآخر، وللإيحاء بأن احدهما علة في الآخر، و يكون الاستدلال قائما على العلم بالعلة الذي هو علم فطري.
    فلا يكون من الضروري إيراد الدليل في صورة القياس الشمولي بل يمكن الاستدلال بالعلة على المعلول، و بالمعلول على العلة استدلالا مباشرا بدون استعمال القضية الكلية و علاقة التداخل، مادامت علاقة التلازم مغنية عن كل ذلك.
    وهذا ما جعل ابن تيمية يجد في إثبات ما أنكره المشاؤون دائما وهو أن تكون سلامة الفطرة مغنية عن تعلم صناعة المنطق، إذ مبادئ العقل لا يكتسبها الإنسان بموافقة المشائين، لأنها أساس كل اكتساب وكل حركة يقوم بها العقل، وهي في نفس الوقت أساس المنطق الصناعي، فسلامة الفطرة هي التي تجنب المستدل الوقوع في الخطأ و إن كان غير عارف بقواعد صناعة المنطق، وفساد هذه الفطرة هو الذي يوقع المستدل في الخطأ، و إن كان عارفا بقواعد المنطق، إذن فالعبرة في سلامة الاستدلال إنما هي بسلامة الفطرة لا غير، و هذا أمر يؤكده السلوك العفوي لدى جميع الناس حتى العارفين بالمنطق منهم، فهم لا يستعملون تقنيات القياس في التفكير، بل في تحليل هذا التفكير بعد وقوعه مما يتبين معه أن فائدة المنطق الصناعي فائدة نظرية لا غير.
    و قد تبين لنا أيضا أن شيخ الإسلام قد ألح على وجود قدرة فطرية لدى الإنسان بما هو إنسان، يستطيع بها الجمع بين المتفقين و التفريق بين المختلفين و بالتالي إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بحسب ما يجد ذلك في تجربته الحسية الظاهرة أو الباطنة، وليس في كل استدلال إلا الجمع بين المتفقين و التفريق بين المختلفين فيكون الإنسان مزودا بمنطق فطري ليس المنطق الصناعي سوى صورة نظرية له ينحل إليها التفكير ولا يتولد منها.
    ووجدنا ابن تيمية يدافع دفاعا واعيا عن المنطق الطبيعي الذي يعمل بمقتضى أصوله العقل السليم، والذي لم يعمل المشاؤون ومن قبلهم المعلم الأول إلا على تعقيده و إلباسه لباسا غير طبيعي من المصطلحات و الصور التقنية، متى عمل المستدل على الالتزام بها اضطرب تفكيره و تعثر تعبيره فيكون المنطق الصناعي أداة لتقييد الفكر، لأن الغرض منه هو النظر في مفرداته لمعرفة الصلات الموجودة بينها، ولمعرفة أسباب لزوم بعضها من بعض أو عدم لزومه، في حين أن المنطق الطبيعي أداة لإحداث التفكير و إجرائه، بل لانبثاقه بصورة عفوية.
    فلم يعد المنطق الصناعي في نظر شيخ الإسلام سوى تشويه للمنطق الطبيعي، و إخراج لقوانين الفكر الطبيعية من مجراها السهل إلى مساقها الوعر.
    وعندئذ استقر رأي ابن تيمية على أن ما ظنه المشاؤون انه الصورة الوحيدة التي يمكن أن يتصور بها الفكر البشري ليس هو في الحقيقة سوى صورة ضيقة من صور المنطق الطبيعي الكثيرة العدد و الواسعة المجال، فهي تختلف باختلاف المطلوب و باختلاف حاجة المستدل إلى ما يصل به إليه، فقد يكون الدليل على المطلوب قضية واحدة، أو قضيتين أو ثلاثا أو أكثر من ذلك، فأوضاع المستدل هي التي تحدد نوعية الدليل و عناصره و لا تكون الشروط التي وضعها المشاؤون للقياس إلا شروطا أملتها عليهم طبيعة التصورات الميتافيزيائية التي تولدت لديهم من اعتقاداتهم نوع المشاكل التي تولدت من هذه التصورات.
    ومن هذه العلاقة الثابتة بين المنطق و الميتافيزياء التي تبيناها من مختلف المنعطفات في تاريخ المنطق و التي ربط شيخ الإسلام بمقتضاها نقده للمنطق المشائي بالميتافيزياء المشائية، وجدنا أن دفاعه عن المنطق الطبيعي إنما اقتضاه منه هو الآخر دفاعه عن تصوراته الميتافيزيائية و الاعتقادية.
    و إلى جانب كل هذا و جدنا شيخ الإسلام في نقده للمنطق المشائي قد اعتمد أصولا اعتمدها فيما بعد فلاسفة انضووا تحت لواء مذهب شامل تسمى بالمذهب التجريبيEMPIRISME الذي يجعل من التجربة الحسية مصدرا لكل ما في ذهن الإنسان من صور ومعان، فهو يرد التعريف إلى معرفة الصفات الحسية كما يرد الاستدلال إلى اللزوم الذي يكون بين شيء و آخر، وظاهرة و أخرى، مما يوحي بان يكون أحدهما علة للآخر، وهو في كل ذلك يجعل المعرفة الضرورية أصلا للمعرفة النظرية، ويرى أن المعرفة الحسية أسرع إلى القبول من المعرفة النظرية، وهو في كل هذا يعمد إلى أصل يشكك به في آراء الخصم بما لا يمكن الشك فيه وهو بداهة التجربة الحسية المتوفرة لدى جميع الناس بمقتضى فطرتهم.
    ومهما كانت النزعة التجريبية الحسية شائعة بين النظار الإسلاميين عامة، فإن ابن تيمية يبقى هو الوحيد الذي اعتمدها مذهبا معرفيا و فلسفيا في نقده للمنطق المشائي وهو الوحيد الذي جعل من التجربة الحسية مظهرا لفطرية الدين الإسلامي و معيارا لرد جميع الآراء التي لا تقبلها الفطرة السليمة.
    وفي الأخير وجدنا ابن تيمية منفردا في طبيعة عمله و في جلالة هذا العمل، لأنه تفرد بالجمع بين المعرفة بالشريعة الإسلامية و منطقها و بالفلسفة المشائية و منطقها، وبالروح النقدية ولم يبد لنا أن هذه الخصال الثلاث قد اجتمعت لأحد ممن سبقه أو تبعه من الذين عابوا المنطق المشائي، فبعضهم حرمه و بعضهم أوجبه دون أن ينتبه فريق منهم إلى أن المنطق الصناعي لا يمكن تحريمه لأنه يتبطن منطقا طبيعيا فطر الله الناس عليه، ودون أن ينتبه الفريق الآخر إلى أن ما أوجبوه هو تحصيل لحاصل، لأن الله غرز أصول هذا المنطق في فطرة الإنسان، ولذلك بقي نقد ابن تيمية للمنطق المشائي مفتقرا إلى عالم بالشريعة عارف بأساليب التفكير الفطري و صوره الصناعية، متشبع بالروح النقدية حتى يستطيع مواصلة عمل قام به الفقهاء و علماء الكلام الذين جدوا في حماية عقيدة عرفوا بساطتها فنفوا عنها التعقيد و أدركوا صحتها فابعدوا عنها عناصر الفساد، وشعروا بالخطر يتهدد أصالتها، و بالسموم تدب في أوصالها مما كانت تتجرعه من مناهل المعرفة التي كان الصراع من أجل البقاء يوجب عليها ورودها، والتي فتحتها سماحتها على آفاقها جميعا، فهبوا يذودون عنها بسلاح يفل كل سلاح ولا يفله سلاح، هو سلاح الفطرة التي لا يستطيع الإنسان ولو حاول الانسلاخ عنها، بذلك نقدوا الفلسفة المشائية وردوا منطقها و بذلك نقد ابن تيمية منطق المشائين نقدا لم يبلغ أحد من الفقهاء أو من علماء الكلام شأوه فيه، لأنه نقد مذهبي قصد به صاحبه على حماية أساليب التفكير الإسلامية و بيان أهميتها و مكانتها بين أساليب التفكير الأخرى فيكون بذلك قد دافع عن الفطرة بمنطق الفطرة".
    هذه كانت شهادة اليعقوبي وهو أستاذ في الفلسفة، وهناك شهادة علي سامي النشار،وغيرهما.
    و المقصود من هذا أن مناهج الجامعات الإسلامية فيما يخص المنطق الصوري متخلفة كثيرا عن مناهج جامعات العلوم الإنسانية، و لذلك نرى مثل هذه البحوث من أساتذتها، بينما لم نر من علماء الشريعة فيما يخص المنطق إلا جمودا على منطق تخلصت منه البشرية ، وصار عندها نوعا من الفكر البدائي، لولا تحررها منه لبقيت متخلفة في مجال العلوم التقنية وغيرها.
    نعم لا تزال هناك قلاع للمنطق الصوري في العالم الإسلامي، لكن عند من؟ عند الرافضة ،لأن منهجهم العقلي العقائدي بعد صدر المتألهين الشيرازي،ومنذ فترة نصير الدين الطوسي يعتمد كلية على ابن سينا، فهم بحاجة إلى استدامة المنطق المشائي الذي يتماشى مع عقيدتهم و باطنيتهم.
    كما لا يزال المنطق الصوري عند بعض الأشاعرة لنفس العلة و السبب.

    أمثلة على فساد مواد المنطق:
    قال الشنقيطي: (( وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصة من شوائب الشبه الفلسفية فيها النفع الذي لا يخالطه ضرر البتة لأنها من الذي خلصه علماء الإِسلام من شوائب الفلسفة......
    ومن المعلوم أن فن المنطق منذ ترجم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في أيام المأمون كانت جميع المؤلفات توجد فيها عبارات واصطلاحات منطقية لا يفهمها إلا من له إلمام به ، ولا يفهم الرد على المنطقيين في ما جاؤوا به من الباطل إلا من له إلمام بفن المنطق .
    وقد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية فزعموا أن العقل يمنع بسببها كثيرا من صفات اللّه الثابتة في الكتاب والسنة ، لأن أكبر سبب لإِفحام المبطل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتج به وأن تكون مركبة من مقدمات على الهيأة التي يعترف الخصم المبطل بصحة إنتاجها .)).
    قلت: هذا صحيح إلى حد ما، ويستغله في هذا القدر من أحكمه و أحكم نقده، و إلا وقع له ما وقع للمتكلمين أخذوا به للرد على الفلاسفة فانتهى بهم الأمر إلى القول ببعض قولهم، وقد كانوا نظارا بارعين، ومع ذلك لم يسلموا منه، لأن الإقرار بصحة مقدمة ـ لمن كان يعي ما يقول ـ تستلزم طردها، فإن لم يكن له منهج علمي يوازي المنطق في مستوى الإدراك العقلي تأثر به لا محالة، إلاّ أن يكون مقلدا لا يعلم مدلولات الأشياء على حقيقتها، فيجمع بين المتناقضات.
    فلو أخذنا مثلا مسألة المجربات و المتواترات فإن المناطقة يرون أنها لا تصلح للاحتجاج بها على الغير لأنها غير يقينية ، ولا تفيد العلم إلا عند أصحابها!
    فهي ـ عندهم ـ مختصة بمن حصلت له،لا تصلح أن يحتج بها على الغير، وهذا غير صحيح، لأن الحسيات يحصل فيها الاختصاص و الاشتراك،ذلك أن الاشتراك قد يكون في عين المعلوم المدرك، وقد يكون في نوعه، فالناس تشترك في رؤية الشمس و القمر، وهذا اشتراك في عين المعلوم المدرك.
    وتشترك في معرفة الجوع و العطش و اللذة و الألم، وهذا اشتراك في نوعه. فالمعنى الذي ذاقه هذا الشخص ليس هو المعيّن الذي ذاقه الآخر،إذ كل إنسان يذوق ما أحس به، و لكن الناس يشتركون في معرفة جنس ذلك .
    كما يشترك أهل مدينة في سماع الرعد أو رؤية البرق، ولكن هذا الرعد و البرق في هذه المدينة أو هذا الشهر هو غير الرعد و البرق في المدينة الأخرى أو الشهر الآخر، فلاشتراك يكون من جهة في عين المدرك، ومن جهة أخرى في نوعه.
    فكثير من المحسوسات المعروفة بالرؤية تكون في بلد، ولا تكون في بلد آخر فتكون لمن رآها مرئية مشهورة، و يعلمها من لا يراها بالخبر، و ذلك الخبر قد يكون المشتركون فيه أكثر من المشتركين في الرؤية.
    فعدم العلم ليس علما بالعدم، و عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود،فإذا لم يعلم المناطقة بذلك لم يكن هذا علما منهم بعدمها أو عدم علم غيرهم بها، فلا يوجد دليل عقلي ينفي هذه المتواترات، غاية ما عندهم أنه لا يوجد في صناعة المنطق ما يدل على وجود المتواترات ،لأن أرسطو لم يكن عنده علم بالوحي و بأخبار الأنبياء المنقولة بالكيفية التي نقلت بها عند المسلمين، ولكن الذين اتبعوه من المسلمين قلدوه من غير بصيرة.
    فتبيّن أن القضايا الحسية والمتواترة والمجربة قد تكون مشتركة، وقد تكون مختصة، فلا معنى للفرق بأن هذه يحتج بها على المنازع دون هذه.
    يقول ابن تيمية : ((ثم هذا الفرق مع ظهور بطلانه هو من أصول الإلحاد والكفر فان المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها يقول أحد هؤلاء ـ بناء على هذا الفرق ـ :هذا لم يتواتر عندي فلا يقوم به الحجة على، فيقال له: اسمع كما سمع غيرك، وحينئذ يحصل لك العلم.
    وإنما هذا كقول من يقول: رؤية الهلال أو غيره لا تحصل إلا بالحس، وأنا لم أره فيقال له: أنظر إليه كما نظر غيرك فتراه إذا كنت لم تصدق المخبرين.
    وكمن يقول العلم بالنبوة لا يحصل إلا بعد النظر، وأنا لا أنظر، أو لا أعلم وجوب النظر حتى أنظر.
    ومن جواب هؤلاء : (( أن حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم، فليس من شرط حجة الله تعالى علم المدعوين بها ))
    ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعا من قيام حجة الله تعالى عليهم، وكذلك إعراضهم عن استماع المنقول عن الأنبياء، وقراءة الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجة إذ المكنة حاصلة .
    فلذلك قال تعالى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
    وقال تعالى:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ }
    وقال تعالى:{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا }
    وقال تعالى:{ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) }
    وقال تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا }
    وقال:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }
    ومن هذا الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث والسنة من الآثار النبوية والسلفية المعلومة عندهم، بل المتواترة عندهم عن النبي ص - والصحابة والتابعين لهم بإحسان .
    فان هؤلاء يقولون: هذه غير معلومة لنا كما يقول من يقول من الكفار: إن معجزات الأنبياء غير معلومة لهم، وهذا لكونهم لم يطبلوا السبب الموجب للعلم بذلك، وإلا فلو سمعوا ما سمع أولئك وقرأوا الكتب المصنفة التي قرأها أولئك تحصل لهم من العلم ما حصل لأولئك .
    وعدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، فهم إذا لم يعلموا ذلك لم يكن هذا علما منهم بعدم ذلك، ولا بعدم علم غيرهم به، بل هم كما قال الله تعالى:{ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)).
    ومن خلال هذا التحليل عرفنا أن المتواترات حجة على الإنسان إذا كان متمكنا من العلم بها،فالعبرة في حجة الله هو إمكان معرفتها، فمتى كان في متناول الإنسان الاطلاع عليها، و أعرض عنها وتولى فقد حق عليه العذاب.
    ولذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم : ((وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي : إلَّا دَخَلَ النَّارَ)[7].
    قال سعيد بن جبير : تصديق ذلك في كتاب الله تعالى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ }
    فالشرط إمكان العلم ،فإن القرآن قد ركب فيه الله تعالى الدلالة البرهانية الكافية لإقناع البشر بحسب تنوع مداركهم ، الشرط هو تمكين السماع منها.
    وعليه، فعندما نتكلم عن المتواترات الشرعية النبوية، فوصفها بالمتواترات هو وصف لسندها : قال الله ،قال رسول الله .
    أما هي في حد ذاتها فتحمل البراهين المقنعة للبشر، فهنا لبس معرفي وقع فيه المناطقة المسلمون في هذه القضية عندما اعتبروا القرآن و السنة أدلة سمعية لا تفيد اليقين، لأنهم لم يفرقوا بين مصدرها الذي هو السمع، و بين دلالاتها و أنها عقلية.
    وهذا مثل أن أنقل لك برهانا صحيحا فتوافق على صحته بعد النظر فيه، فإخباري إياك به هو دليل نقلي سمعي خبري، وكونك اقتنعت بدلالته و يقينيته هو برهان عقلي.
    فعندما أقول لك لإثبات الحشر بدليل عقلي برهاني قال الله تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
    {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، فنقل هذا الدليل إليك، وتوصيل هذه الآيات إلى سمعك هو دليل سمعي نقلي، لكن الآيات تحمل جوابا عقليا، وهو أنكم لم تخلقوا هذا الخلق ( مقدمة يقينية صادقة) تستلزم ضرورة أن له خالقا ( مقدمة ثانية يقينية صادقة) و النتيجة: فالذي خلقه أول مرة قادر على إعادته مرة أخرى، وهذا برهان عقلي يقيني.
    وعليه، نؤكد لكم مرة أخرى أن الإشكال في الدليل العقلي اليقيني ليس في صورته و نظمه ولكن في مواده، و الأدلة القرآنية و إن كانت صورتها أو طريقة تلقيها سمعية خبرية فإن موادها يقينية بحسب إدراك المخاطب بها.
    و لذلك تنوع خطاب القرآن في أدلته بحسب المخاطبين، وما يحدث لهم العلم اليقيني.
    و المناطقة يجعلون النبوة من باب الخطابة، وتارة يجعلون الخطابة أحد أنواع كلامها فيتناقضون، وسبب ذلك أن القرآن أمر عظيم باهر لم يعرفوا قدره، ولا دروا ما فيه من العلم والحكمة، وظنوا أنه مثل كلام كفار اليهود و النصارى.
    المقصود بهذا التحليل ــ للتفريق بين مادة الدليل و صورته، وبين يقينية النتيجة بالنسبة للنظم و إن كانت كاذبة في موادها، و يقينية القرآن و صدق نتائجه لصدق مواده، و إن كان أصله السمع، ــ هو أن تفهم أن اختلاف أشكال الدليل هو أمر نسبي إضافي يعرض للقضية :
    فالفروق و الفواصل التي جعلها المناطقة لأنواع الأقيسة هي فروق وفواصل شكلية، لا تتعلق بمادة القياس، فكون القضية برهانية معناه عندهم أنها معلومة للمستدل بها، لا يعني أنها معلومة لغيره من الناس
    وكونها جدلية معناه كونها مسلمة، وكونها خطابية معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة.
    وكما يقول ابن تيمية : وجميع هذه الفروق و الفواصل هي نسب وإضافات عارضة للقضية، ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها، فضلا عن أن تكون ذاتية لها على أصلهم.
    فهذه صفات نسبية باعتبار شعور الإنسان بها.
    ومعلوم أن القضية قد تكون حقا، والإنسان لا يشعر بها، فضلا عن أن يظنها أو يعلمها ـ كبعض البديهيات عند هذا مشكوك فيها عند الآخر ـ
    وكذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهى حق في نفسها، بل قد تكون برهانية أيضا كما قد سلموا ذلك.
    وإذا كان كذلك فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هي حق في نفسها، لا تكون كذبا باطلا قط، وبيّنوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق تلك القضايا ما هو مشترك ينتفع به جنس بني آدم، وهذا هو العلم النافع للناس.
    وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك، بل سلكوا في القضايا الأمر النسبي فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل، وغير ذلك لم يجعلوه برهانيات وإن علمه مستدل آخر!. ـ كما مثلنا بقضية المتواترات ، وبعلم المحدثين, والجدليات ما سلمه المنازع، وإن لم يسلمه غيره .
    وعلى هذا فتكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة ما ليس من البرهانيات عند إنسان وطائفة أخرى!
    وعليه، فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع مانع، بل تختلف باختلاف أحوال من علمها، ومن لم يعلمها، حتى أن أهل الصناعات عند أهل كل صناعة من القضايا التي يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم.
    ومن هنا يظهر استغناء جميع العلوم بنفسها عن علم المنطق الذي لا يكفي نفسه بنفسه.
    وحينئذ فيمتنع أن يكون علم المنطق طريقة مميزة للحق من الباطل، والصدق من الكذب، باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه.
    ويمتنع أن تكون منفعته مشتركة بين الآدميين ـ وفي هذا رد قوي على دعوى الشيخ الشنقيطي احتياج الشريعة إليه في تبريرها أو الجدال عنها ـ.
    بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل، والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب، وكل ما ناقض الحق فهو باطل.

    يتبع -إن شاء الله-..

  2. #2

    افتراضي رد: جهود العلامة الشنقيطي في المنطق الأرسطي - للشيخ الفاضل المحقق مختار الطيباوي.

    فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأنزل أيضا الميزان، وهو ما يوزن به، ويعرف به الحق من الباطل، ولكل حق ميزان يوزن به.
    بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون، فانه لا يمكن أن يكون هاديا للحق، ولا مفرقا بين الحق والباطل، ولا هو ميزان يعرف بها الحق من الباطل.
    وعليه، فما عيّنوه من مواد العلم لم يكن مستوعبا لجميع ما عند البشر، لأن البشر علموا إما بالحس أو العقل أو الخبر الصادق من المعارف و العلوم الكثيرة من غير طريقهم ـ وهذا دليل تجريبي حسي، و عقلي استقرائي، ومتواتر يشهده كل الخلق ـ
    فتبيّن أنهم كاذبون فيما زعموه من أن طريقتهم محيطة بطرق العلم الحاصل للبشر،و إن لم يعيّنوا مواد العلم، و هذا هو المعروف عن المنطق، فقد بطل أهم جزء في المنطق الصوري.
    ومما علمه البشر من غير المنطق ما تلقوه عن الأنبياء صلوات الله عليهم فأراد المناطقة إجراء ذلك على قانونهم الفاسد، فجعلوا علوم الأنبياء تحصل بواسطة القياس المنطقي، فقالوا: النبي له قوة أقوى من قوة غيره في العلم والعمل، وربما سموها " قوة قدسية" كما فعل ابن سينا.
    و المقصود بالقوة القدسية قوة حدسية أي علم حدسي بديهي متى تصور طرفي القضية ينتهي إلى النتيجة من غير حاجة إلى الحد الأوسط الذي يعجز غير الأنبياء عن إدراكه بغير تعلم.
    لأن قوى الأنفس في الإدراك غير محدودة، فجعلوا ما تخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس المنطقي، وهذا في غاية الفساد.
    فان القياس المنطقي إنما يعرف به أمور كلية كما تقدم، وهم يسلمون ذلك، والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة كما في القرآن من قصة نوح والخطاب والأحوال التي جرت بينه وبين قومه.
    وكذلك هود وصالح وشعيب وسائر الرسل.
    وكذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من المستقبلات، فعلم بذلك أن ما علمه الرسول لم يكن بواسطة القياس المنطقي.
    على كل حال، فإن الفلاسفة عندما أعجزهم علم النبوة قالوا:إن غاية ما عند النبي قياس من جنس القياس الفلسفي، أو خيال من جنس الخيال الصوفي!
    ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة، وصار كثير منهم يطلب أن يؤتى مثل ما أوتي رسل الله، وأن يؤتى صحفا منشرة، كما طلبه السهروردي المقتول وابن سبعين وغيرهما.ـ وقد ذكر مؤرخو الفلسفة أن أتباع أرسطو انقسموا بعد وفاته إلى قسمين: قسم يئس من فلسفته، وعجز عن تبرير صدور الكثرة عن الواحد فانتحى إلى الفلسفة الطبيعية يشتغل على العناصر و النباتات.
    وقسم آخر تشبع بالغنوصية فبدأ يشتغل بالسحر و الشعوذة لتحصيل المعارف الغيبية، وهو ما حصل شيئاً، إنما حصل تلاعب الشياطين به. ـ
    وسبب ذلك أن هذه النبوة التي أثبتوها أمرها من جنس منامات الناس.
    ولهذا كان عمدتهم في إثبات النبوة هو المنامات ، كما هو ثابت في كتبهم في كتب ابن سينا و الغزالي و السهروردي وغيرهم، ليس لهم دليل على النبوة إلا المنامات! . انتهى باختصار وتصرف.
    وعليه،فإن إثبات العلم الشرعي بقواعد المنطق الصوري و لغة الفلسفة صعب جدا إن لم يكن مستحيلا ، ومن هنا يتبين خطأ الشنقيطي عندما زعم قدرة المنطق على الارتداد على نفسه، ونقض نفسه بنفسه لخدمة النص الشرعي .
    بل يحتاج المثبت ليقينية المتواترات خصوصا، و يقينية الدلالة البرهانية للنص الشرعي إلى إحاطة شاملة لمجموع المشروع الفكري الفلسفي، و امتلاك نظرية في المعرفة دقيقة ومفصلة قرآنية المصدر، بحيث تفند تقريرات المنطق في نشوء المعرفة و طرق توصيلها.
    إن إشكالية المنطق ليس في نظم أقيسته أو شكلها فهي منتجة يقينا لما وضع فيها، ولكن الإشكال في مواده، ومواد المنطق لم يبحثها الفلاسفة في علم المنطق، لأنه علم تنظيم الفكر لا البحث في مادته.
    فالمنطق عند واضعه الأول هو دراسة قوانين الفكر المجرد من كل مضمون بحيث يعالج القياس من حيث هو قياس، ولذلك يسمى بالمنطق الصوري.
    فالمنطق الصوري هو علم مطابقة الفكر لذاته لا علم استنباط المعرفة، فهو منتج بمقتضى الصورة بقطع النظر عن المضمون " المواد".
    فمواد المنطق بحثوها في علم الوجود "الميتافيزيقا العامة"، و لهذا استحال تخليص المنطق من الميتافيزيقا، وتبيّن مرة أخرى خطأ الشيخ الشنقيطي.
    ومواد المنطق فاسدة، بل تقود للزندقة، ومن هنا لم يكن ممكنا استعماله للاستدلال على صحة الشريعة ، لأن صحة الاستدلال المنطقي، وهو التنقل بين المقدمات لا يستلزم صدق نتائجه، لأن مواده فاسدة.
    فالنتيجة في القياس المنطقي يقينية، ولكنها ليست صادقة، لأن المقصود باليقين هنا يقينية التلازم بين المقدمات و النتيجة، لا كون النتيجة يقينا في الحق أي صادقة، فإنها حتى تكون يقينية في الحق أي اليقين المطلق يلزم أن تكون موادها يقينية، ومواد المنطق هي نظريات لم تثبت صحتها ،ووهم وخيال، و مصادرة على المطلوب كما في اختراعهم قسما ثالثا من الموجودات ـ زيادة على الجوهر و العرض ـ هو المعقول!.
    فعندما يزعم المناطقة أن نتائج المنطق يقينية فإنهم لا يكذبون، ولكن عن أي يقين يتحدثون، يقين التلازم من الطرفين ـ التلازم المكافئ ـ أي أن ما وضعوه في المقدمات يقود يقينا إلى تلك النتيجة أم اليقين المطلق يقين مواد المعرفة؟!
    فيجب التفريق بين يقينية النظم و يقينية المواد، بمعنى آخر: التفريق بين يقينية النتيجة بالنسبة لنظم الدليل، ويقينية النتيجة بالنسبة لمواد الدليل.
    وللتمثيل أقول: لو كان المطلوب اللون الأحمر فقمت بمزج الأسود و الأبيض فالنتيجة اللون الرمادي، وهذه نتيجة يقينية لاشك فيها، وكونها يقينية لا يعني أنها طابقت المطلوب، لأنها غير صادقة بالنسبة للمطلوب الذي هو اللون الأحمر، فالنتيجة صحيحة بالنسبة لمواد المقدمات، ليست صحيحة بالنسبة للمطلوب.
    ولما كانت مواد المنطق ميتافيزيقية غير مطابقة للواقع الموجود، ولا للحقائق الشرعية كانت نتائجها خاطئة كاذبة.
    المقصود: التفريق بين الصدق الصوري و الصدق المادي(الواقعي).
    وعليه، عندما يقول بعض العلماء: إن القياس المنطقي قياس صحيح مضمون النتيجة فاعتبار النظم لا باعتبار المواد.
    فالصحة المنطقية أي صحة الاستدلال لا تستلزم صدق النتيجة.
    وعندما يقول ابن تيمية ومن قبله النظار و من بعده أصحاب المنطق الاسمي و التجريبي والاستقرائي: إن القياس المنطقي لا يفيد معرفة صحيحة فباعتبار مواده وتكرارية بعض نظمه.
    فالمحذور في القياس المنطقي شيئان:
    1 ـ مواده الفاسدة.
    2 ـ حصره طرق العلم في القياس المنطقي.
    وبدون دخول في تفاصيل هذه القضية ـ فسيبحثها لكم الشيخ بدر الدين في موضعها ـ نعلم أن إنكار حجية الآحاد ، و أنه لا يفيد العلم ولو احتفت به القرائن مصدرها علم المنطق.
    وعندما يقول المتكلمون: أنه يفيد العلم إذا احتف بالقرائن لا يقصدون العلم النظري بل العلم العملي أي يفيد العلم بوجوب العمل به،و أن الأدلة الشرعية قد دلت على وجوب العمل بالظنيات، و ليس هذا مقصود أهل السنة بقولهم يفيد العلم إذا احتفت به القرائن .
    وعندما قال الفقهاء: " من تمنطق تزندق" لم تكن كلمة صادرة عن فراغ، بل لها كل مدلولاتها، ولكن بعض الناس يأتي المنطق في فترة وجيزة، و لا يستوعب جميع نظرياته، فلا يؤثر فيه، أو لا يشعر بتأثيره فيه، ولكن مواد المنطق تقود إلى الزندقة و السفسطة في المعرفة ،لأنها تجعل الحقيقة و الوجود و الأولوية و التعريف و المعرفة لما يجول في الأذهان، وليس لما يكون في الأعيان.
    ولقد كان الشيخ الشنقيطي مخطئا مقلدا لمن استشهد بهم كالأخضري عندما زعموا أن المسلمين خلصوا المنطق من مباحثه الفلسفية ذلك أن مبدأ المنطق الفلسفي يقتضي استحالة فصله عن الميتافيزيقا، لأن مبدأ الشيء هو علته على أساس أن العلة أصل المعلول، ووجوده لا يبدأ إلا بوجودها.
    ثم إن بنيوية المنطق المتكون من نظرية كلية هي القياس،والمؤلفة من أجزاء مترابطة ترابطا وظيفيا، بحيث يستمد كل جزء من قواعده وظيفته من علاقته بسائر الأجزاء الأخرى، فنظرية التصور و الحد تخدم نظرية القضية و الحكم المعمولة لتخدم نظرية البرهان أو القياس،المعمول لتبرير علم الوجود "الميتافيزيقا" .
    بمعنى أن امتداد المنطق الميتافيزيائي لا يمكن التخلص منه، فمنبعه تأملات ميتافيزيائية، ونهايته ميتافيزيائية بدون حل.
    ومن المعلوم أن إمكان التصور هو صلاحيته الميتافيزيائية للوجود،فالموجود ات المنطقية إنما ينظر إليها من حيث هي ممكنات، سيان وجودها بالفعل و عدمها،بل يمكن أن تكون موجودات ذهنية، أو تعبيرا عن مجرد نفي"العدم".
    و المنطقي يحتاج في عملية التصور إلى التجريد، و التجريد هو عزل الذهن لصفة أو لعدة صفات لا تنفصل عن موصوفاتها في الواقع، وتوجيه الانتباه إليها دون غيرها من الصفات التي تتصف بها الأشياء، مثل تصور الكرة بقطع النظر عن مادتها ولونها و مقدارها.
    فعلوم الطبيعة ـ مثلا ـ تجرد موضوعاتها من جميع الصفات الفردية، و الرياضيات تجرد موضوعاتها من جميع الصفات عدا صفة الكم.
    و ما بعد الطبيعة أو علم الوجود المعمول المنطق كله لخدمته يجرد موضوعاته من جميع الصفات بما فيها صفة الكم ما عدا صفة الوجود الكيفي.
    فالمنطق لا يهتم إلا بصفة الوجود بقطع النظر عن الصور الجزئية التي يتجلى فيها الشيء ، ولذلك يسمى علم الوجود بالميتافيزياء العامة.
    وحتى الصدق في المنطق هو قول أن ما هو موجود موجود، و أن ما ليس موجودا ليس موجودا، فهذه خاصية الحكم، لأن التصور ليس صادقا ولا كاذبا،ولكن المقصود بأحقية الوجود ماهية الشيء الذهنية، لا حقيقته في الوقوع، لذلك ينصّب التعريف المنطقي عليه، وهذه سفسطة لأن الوجود في الأعيان و ليس في الأذهان.
    فالتعريف في نظر المناطقة هو طلب الماهية،إنه هدف علم التصور،والتصور و التعريف فكرتان متماثلتان، ،إنهما ماهية الشيء في الذهن و ليس في الخارج،ومعلوم أن تعريف المتصور في الذهن ليست تعريفا للموجود في خارج الذهن، الفرق بينهما الوجود الثبوتي الحقيقي.
    ولذلك لا يمكننا أن نعتبر التحديد المنطقي تعريفا للشيء الحقيقي، بل هو صورة ذهنية له، لا وجود لها في عالم الحقيقة، و لا تعبر عن الحقيقي الواقعي، ولذلك لا يمكننا أن نستمد منها معرفة مطابقة للشيء المراد التعرف عليه.
    فإذا زعم المناطقة أن التعريف هو القول المبيّن لطبيعة الشيء أو لمعنى الحد،و التعريف هو التصور، ووظيفته إحلال تصور واضح محل تصور غامض،فمقصودهم إحلال تصور الكلي محل تصور الفردي، ولذلك كان الفرد عندهم غير قابل للتعريف، بل لا يقبل إلا الرسم الذي يكون بالجنس و الفصل ، والرسم يلجأ إلى العناصر الحسية، و التعريف إلى الخصائص المعقولة، ومعلوم أن الخصائص الحسية معقولة، و المعقولة من الحس أخذت بالاستقراء، وهذا وجه تفريقهم الباطل بين حكم العقل وحكم الوهم.
    فهم هنا ـ في تفريقهم بين الكلي و الفردي ـ فرضوا مانعا عقليا ليس برهانا يقنيا وضعوا له قانونا مصادرة على المطلوب ثم طالبونا بالتسليم له تقليدا لهم.
    ومن هنا يتبيّن أن التعريف الحقيقي و العلمي الصحيح هو معرفة جملة خصائص الفرد، و أن التفريق بين الذاتي و العرضي في التعريف مجرد خيال ووهم، لأن الإنسان المعين فلان ابن فلان لا يمكن تعريفه بغير صفاته العرضية،وتجريده منها هوتعريف لإنسان آخر لا وجود له إلا في أذهانهم .
    إن التعريف المنطقي الصوري يقوم أساسا على مبدأ الهوية " الهو هو " وهو مبدأ تكراري، فكل معنى مكافئ لذاته بسيطا كان أو مركبا أي الوحدة في الذات بإزاء التعدد في الإشارة إلى هذه الذات وبإزاء تعدد أحوالها .
    وكما يقول هيجل :الفكر في المنطق الصوري متقيد بمبدأ الهوية، و بالتالي محكوم عليه بأن لا يحرز أي تقدم حقيقي، و في هذا الصدد يكون تكرارا واسعا لأنه يجب كسر دائرة الهوهو، و على الفكر أن يتجاوز نفسه ليصبح خصبا.
    فكيف يكون الشيء واحدا و متعددا في آن واحد؟! نعم الماهية العامة موجودة لكن في الذهن المتصور المتجرد لا في الواقع، في الواقع لا يوجد إلا واحد.
    إن الوجود عند عقلاء البشر هو استمرار الكون في الأعيان، وهو يقابل الماهية التي هي كون في الأذهان، كما يقابل العدم الذي هو انتفاء.
    ووجود الإنسان في الخارج هو عين كونه حيوانا ناطقا، وليس معنى ذلك أن الوجود عرض يحل بماهيته، فالماهية يمكن تصورها مع الذهول عن الوجود، لكنه لا يمكن تصور الوجود مع الذهول عن الماهية.
    ومن هنا يقول المحققون بأصالة الوجود، بخلاف المناطقة الذي يقولون بالماهية،أي سبق الماهية للوجود.
    إن المنطق والميتافيزيقا شيء واحد كما يقول ذلك الرواقيون، فهو لا يدرس الإدراكات الحسية كما تفعل الهندسة في تمثلات مجردة مستمدة من الحواس ، وإنما هو يبحث في تجريدات خالصة.
    ولما لم يجدوا في الوجود الحسي شيئا لا يكون متصفا بمجموع صفات حتى البسيطة منها لها شكل ولون أو رائحة أو غير ذلك اخترعوا لنا البسيط الحقيقي وهو ما ليس له أجزاء مختلفة لا بالكيف ولا بالكم، و لما طالبناهم بمثال عليه قالوا لنا: هو الله؟
    فهل رأوا الله تعالى أو أخبرهم في كتبه و على لسان أنبيائه بأنه بسيط لا يتصف بأية صفة ثبوتية ؟!
    ولما كان حد التشابه في المنطق هو الاتحاد في الكيف[8] ،والصفات تستلزم عندهم الجسمية المخالفة للبساطة الحقيقة زعموا أنها تقتضي التشبيه فنفوها.
    وقد حاول بعض المناطقة النصارى حل هذا الإشكال فقال:
    حد المتشابه هو حد يعبر عن أمر مشترك حقيقة إلا أن معناه لا يتحدد إلا في أنواعه، وهو ليس بالنسبة إليها إلا كالأمر الجامع،أي أنه معنى متوسط بين الحد المتواطئ و الحد المشكك.
    والنتيجة لا يمكن تخليص المنطق الصوري من أصوله الميتافيزيقية و أساسه الكليات الخمسة.
    وحتى التأويل عند المناطقة لا يخدم غرضا معرفيا أسمى، وليس منهجا ثابتا، فهو يدور مع الغرض منه ، ولذلك قالوا : هو ترك المعنى الظاهر من اللفظ إلى معنى آخر يحتمله على سبيل الترجيح للتوصل إلى أمر مرغوب فيه أو مرغوب عنه،فهو متحرك حسب رغبة المتأول، ولذلك أكثر من يحتج بالمنطق و ينتفع به الشيعة الباطنية .
    و الحقيقة تقال لقد أخطا الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ عندما اعتبر أن قياسات المنطقة صحيحة ولكن الإشكال في المواد لان الإشكال ليس في صحة نظم قياساته، و أنها يمكن أن تكون صحيحة، ولكن في كونها هل تنتج معرفة ملموسة بمعنى هل يتقدم الفكر بها؟
    وقد لاحظ النظار و الفلاسفة و المفكرون أن النتيجة الكلية في القياس المنطقي عديمة الفائدة، و تكرارية، لأنها مجرد جمع، ولا يحصل بها تحول حقيقي في المعرفة، فإذا كانت النتيجة مطابقة للكبرى فما الفائدة في التكرار، وإذا كانت جزءا فقط من الكبرى فما الفائدة من التضييق، فالتفكير لا يتقدم لا في هذه الحالة ولا في الحالة الأخرى، بل التجربة وحدها هي التي تتيح التقدم للعقل.
    فالمنطق في أحسن أحواله يعين على الكلام لأن أصحابه لا يستطيعون وضع قياس صحيح يؤدي إلى نتيجة صادقة إن لم يحصلوا مادته من قبل، أي إن لم يعرفوا قبل ذلك صدق ما يستنتجون في قياسهم.
    فمن المجمع عليه أن القياس يكون فاسدا إن كان في النتيجة أكثر مما في المقدمتين، وهذا معناه في الحقيقة إنه لم يثبت بواسطة القياس أي شيء لم يكن معروفا أو مفروضا فيه أنه معروف من قبل، إن إدراج قضية عامة لا يضيف شيئا للدليل، فهو دور فاسد.

    شروط تعلم المنطق الأرسطي:
    على من يريد تعلم المنطق الصوري أن يحدد مجال تطبيقه ، وما هي حدود الاستفادة منه، فنظرية الحكم و القضية لا يأتي منها شيء، و كذلك نظرية البرهان لأنه لا يمكن الاستفادة من الكليات إلا في الرياضيات،و الكليات الشرعية قائمة بنفسها لأنها مبنية على السمع، وتسبقها مقدمات مضمرة.
    أما الحدود فليس فيها إلا التطويل و التعقيد، و تفصيل ما أجمله الاسم في التعريف خير من التحديد المنطقي.
    وفي الأخير لا أريد هنا أن أناقش الشنقيطي في ما اعتقد صحته من قضايا المنطق فهذا أمر متروك للأخ بدر الدين، ولكن أريد أن أشير إلى مسألتين اثنتين:
    الأولى: أن ملخص الشنقيطي للمنطق تلخيص ناقص، دفعته خلفيته الشرعية وتوجسه من قضاياه الفلسفية إلى إهدار السياق العلمي لبناء علم المنطق مرحليا، فدخل مباشرة في فصوله الوسطى .
    فأقام ملخصه على منهج الانتقاء الموضوعي و الاقتباس الموضعي،وهذا لا يساعد في تعليم المبتدئ إلا أن يقوم بذلك شيخ متمكن من المنطق، متمرس في تعليمه.
    ثانيا: الطريقة التي عرض بها المنطق لا تعلم المنطق، ولكن تعلم مصطلحات مفصولة عن تكوينها المعرفي، فكتابه يحتاج إلى كتاب آخر يسبقه، يعرف طلبة العلم بالمنطق اللفظي، و يتدرج معهم ،فالحد أنواع ، و التصور أنواع ومراتب، و التصديقات أنواع ومراتب،وماهية التصور علم بحد ذاتها ،و غير ذلك كثير.
    فلم يتعرض الشيخ ـ رحمه الله ـ للنظرية العامة للحد و التصور من حيث تعريف التصور و الحد و طبيعتهما، و تصنيف التصورات و الحدود، و نظرية الفحوى و المحمولات و المقولات،ومفهوم التصور و ماصدقه، والفرق بين التعريف و التصنيف، و إشكالات تسوير المحمول، و القضايا التحليلية و القضايا التركيبية ونظرية الاستنباط العامة، و أنواع الاستنتاج و الاستقراء وطرقهما، وكثير من المسائل.
    ولو أجد متسعا من الوقت فسأنزل هذا العمل أي كيف تفهم المنطق بسهولة و يسر، و تتصوره كما هو عند أصحابه بدون نقد، و أترك النقد لأخينا الشيخ بدر الدين لإتمام الفائدة، وحصول المطلب السلفي من دراسة المنطق[9].
    وعليه ، فإن دور الشيخ بدر الدين شرح مقاصد أهله أولا ثم نقضها ،وهذا يستلزم مناقشته بدون جرأة عليه، وعدم الاعتراض عليه بالتقليد.
    فمن أراد أن يكون سلفيا في مصدر التلقي و طرق التلقي فلينتبه إلى مقالاته و تعليقاته ، و يحاول الاستفادة منها ، لأن ما يقوم به الأخ بدر الدين ليس ترفا عقليا لإظهار القدرات و المكنات، ولا ترديدا لشيء قاله ابن تيمية فقهه الإخوة ،و أدركوا مجانبته للصواب.
    فالأخ بدر الدين من أقدر من أعرف على نقد المنطق و الفلسفة دون الانحراف عن عقيدة السلف، أو التناقض في المنهج العلمي.
    وقد سبق له تدريس المقدمة المنطقية لكتاب الغزالي(المستصف )، و (شرح الأصفهانية) ،وهو الآن يدرس ( معيار العلم في فن المنطق)، فمتى استشكل على الإخوة موضوع من موضوعات المنطق فله أن يستفسر و يطالب بالتوضيح و الإثبات، لكن ليس بنقل قول الشنقيطي أو الأخضري أو الغزالي أو الرازي و الخونجي أو ابن عرفة لأنهم ليسوا إلا مرددين لمنطق أرسطو بواسطة ابن سينا القرمطي معرفة ومذهبا.
    ومن أراد أن يكون سلفيا متناقضا، عبثيا في المعرفة، يأخذ في أصول الدين بمنهج ،وفي أصول الأحكام و الجدال بمنهج آخر مناقض و معارض له، من جهة يقبل المنطق و يقر بصحته، ومن جهة أخرى يقول بعقيدة لا يقبلها المنطق في أي صورة، فليدرس منطق الشنقيطي و الأخضري بدون نقد .
    فإن لم يصلح علم المنطق في الإلهيات و استغني عنه في أصول الفقه بمناهج علمية صحيحة خاصة بهذا العلم ففي أي علم يحتاجه المسلم؟!
    و لو كان المنطق الصوري ينفع في معرفة الحق في أي حقل من حقول المعرفة لعرف الحق من اشتغل به، فما بال المجوسي و اليهودي و المسيحي و الملحد كلهم يتشدق بهذا المنطق، وكلهم كفار و ضلال؟!
    والمحصلة:
    هل يجوز تعلم المنطق الصوري ؟
    الجواب نعم.
    هل نكتفي بتعلمه فقط؟
    الجواب: لا ،يجب تعلم نقده بطرق القرآن،وتعلم بقية أنواع المنطق.
    وفي الأخير أقول: ما قام به الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ عمل كبير،كان نافعا لكثير من السلفيين بحكم الظروف و الحاجة التي كانت قائمة آنذاك، فقد سد ثغرة كبيرة، ولكن بسدادة مؤقتة ،حان الوقت لتغييرها.
    والمسلم مطالب بالتحسن و التجاوب مع التحديات، و العلم لن يقف عند شخص معين ، ولذلك فإننا نقدر مجهوده و نثمنه، ولكن لا نقف عنده،كما لا نخلط بين القضايا .
    كما إني من خلال هذا المقال أردت تنبيه الأفاضل الذين يقومون بتدريس المنطق الأرسطي أن عملهم هذا يدل على وعي كبير بالتحديات العلمية ، و لكن يلزمهم تطعيمه بنقد فصوله الباطلة، و توسيع معارفهم في هذا المجال، فقد عاينت في مذكرة الشيخ الشنقيطي أنه كلما تفطن إلى تعارض المنطق مع أصول الفقه كان ينبه ويبيّن الجواب الصحيح، كما فعل في مسألة الأمر، و تعارض الكبرى الموجبة مع الصغرى السالبة وغيرها.
    وفي الأخير أقول : لم أكتب هذا المقال نقدا للمنطق، ولكن لوضعه في الصورة الشاملة لنعرف ما نحتاجه منه، وما لا نحتاجه، و لنضعه في مكانه الصحيح، فحاولت أن أصور لكم ـ بإيجاز ـ نظرية المنطق من الخارج، و يبقى نقده من الداخل دور الشيخ بدر الدين إن شاء الله تعالى.
    و لأبين لكم ـ بحكم خبرتي ـ منزلة الشيخ بدر الدين في هذا العلم لأنه كما يقال: من لا يعرف الصقر يشويه.
    والحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، و السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.

    أرزيو في 04 شعبان 1431هـ
    مختار الأخضر طيـباوي


    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
    [1] ــ الذي فهمته من الإخوة أنهم يريدون تعلم المنطق على الأقل معرفة مصطلحاته ثم بعد ذلك الاطلاع على كيفية نقده،أي التصور ثم النقض، وهذا هو المنهج العلمي الصحيح،لأني لا أظن أن بعضكم يمكنه التجاوب مع النقض دون أن يسبق ذلك تصور شامل للمنطق الصوري ،ولذلك سنحاول تلبية هذا الطلب بالتعاون مع الشيخ بدر الدين.
    أما هذا المقال فهو لوضعكم في الصورة حتى تفهموا القصد من النقض و دوافعه، ولن أقف عند أخطر مسائل المنطق و أولاها بالنقض بل سأشير إلى بعض المسائل من باب التمثيل و تقريب الفهم .

    [2] ـ يقصد ـ رحمه الله ـ الإحاطة بثقافة الناس، ومخاطبتهم وفق اصطلاحهم ولغتهم العلمية تسهيلا عليهم في فهم الحق، ومن ثم قبوله و الانقياد له.

    [3] ـ إبستيمولوجيا: هي علم النظر النقدي في مبادئ العلوم وفروضها و نتائجها، للوقوف على أحوالها المنطقية، وعلى قيمتها المعرفية.
    إبستيمولوجيا تكوينية: هي الدراسة العلمية لنمو المعارف و لقوانين هذا النمو حسب الطريقة التي ضبطها (جان بياجي: عالم نفساني سويسري [1896 ـ1980] اهتم بمجال التربية و التعليم ومجال نظرية المعرفة العامة من أهم كتبه "اللغة و الفكر"،"الحكم والاستدلال"،"سيك ولوجيا الذكاء"،"المدخل إلى نظرية المعرفة التكوينية") بحيث تشمل تكوين المعارف و تحليل الأفكار العلمية تحليلا نقديا تاريخيا.

    [4] ـ الأول يصرح بذلك في مقدمة كتابه (نشأة الفكر الإسلامي) ورغم جهوده الكبيرة في هذا المجال إلا أن سطوة الاعتقاد و التمذهب سيطرت عليه خلال فصول كتابه فلم يستطع الثبات على الموضوعية التي عندما يأتي الحديث عن الأشعرية تضطرب وتتلاشى، كما فعل مع الدكتور محمود القاسم الذي أشاد بهجوم ابن رشد على الأشاعرة، فمع أنه بدا بمدحه و الإشادة بجهوده في إحياء التراث الفلسفي "الإسلامي" إلا انه لم يتحمل نقده للأشاعرة.
    ونحن و إن كنا نفضل ـ على العموم ـ اعتقاد الأشاعرة على اعتقاد ابن رشد إلا أن ذلك لا يمنعنا من الإقرار أنه نسف شبهات الأشاعرة في نفي العلو بأدلة الشريعة و الفلسفة.
    على كل حال كتبه جيدة ـ في مجالها ـ و إن شابها التناقض في بعض المواضع، إلى جانب سقطات فكرية و علمية ليس هذا موضع ذكرها.
    أما الثاني فيظهر من كتبه ميله للأشاعرة .

    [5]هذا الرجل من فضلاء الفلاسفة في الجزائر أو ممن أحاط بالفسلفة، و يدرسها في الجامعة، و إن كان ليس من الضروري أن كل من درس الفلسفة يكون فيلسوفا، و له أبحاث جيدة تخدم الفكر الإسلامي الصحيح كأصول الفقه، و المطلع على مؤلفاته يجده ربما أميل إلى الأشاعرة، ويقرر كثيرا من مباحثهم في العقيدة، فلا يلزم من ذلك إذا وجدناه يمدح ابن تيمية و يبيّن لنا صورا مشرقة و فضائل عملاقة لهذا الرجل أن يكون سلفيا متعصبا لابن تيمية، أقول هذا لأن الفكر الطائفي و الأدلة المتجهلة المنتشرة بكثافة عند بعض المسلمين تجعل المدح دليل الإتباع و التعصب!


    [6] ـ وقد أخطا من زعم أن براعة ابن حزم في المناظرة و الجدال إنما استمدها من علم المنطق ،فإن براعة ابن حزم في المناظرة و الجدال في البيئة التي كان يعيش فيها إنما استمدها من قوته في الحديث النبوي، و تحصيله لعلم أصول الفقه مقارنة مع من كان يواجهه من الفقهاء المذهبيين المعتمدين في جل فقههم على علم الخلاف الفقهي.

    [7] ـ رواه ابن منده في ( التوحيد ) ( 44 / 1 ) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام ابن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة فذكره مرفوعا .
    ثم رواه من طريق أبي يونس عن أبي هريرة به .
    قلت : و هذان إسنادان صحيحان ، الأول على شرط الشيخين ، و الآخر على شرط مسلم .
    و قد أخرجه في (صحيحه) ( 1 / 93 ) نحوه .الألباني في (الصحيحة:1/241).


    [8] ـ الاتحاد في الجنس (مجانسة) كاتحاد الإنسان و الأسد في الحيوانية ، وفي النوع (مماثلة) كاتحاد زيد وعمرو في الإنسانية ، وفي الخاصة ( مشاكلة) كاتحاد الرجل و الحصان في الفحولة ، وفي الكيف( مشابهة) كاتحاد الثلج و الحليب في البياض،وفي الكم ( مساواة) كاتحاد رطل من الريش ورطل من الرصاص في الوزن ،وفي الأطراف ( مطابقة) كاتحاد المثلثين في مقادير الأضلاع و الزوايا ، وفي الإضافة ( مناسبة) كاتحاد الشبل و الخروف في البنوة كل لأبيه، وفي الوضع(موازاة) كاتحاد شخصين في مقدار البعد عن ثالث.


    [9] ـ تجدون الجزء الأول منه الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى بعنوان ( التمهيد إلى المنطق).



    ملاحظة: الشكر الجزيل للأخ الفاضل أبي عبد الله سمير الجزائري؛ تلميذ الشيخ مختار؛ فهو الذي بادر بإرسال المادة لي, ثم استأذن لي الشيخ مختاراً في نشرها؛ فأذن زاده الله برَّاً, وجوداً !

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •