تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب 2

  1. #1

    افتراضي مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب 2

    مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب
    المذهب المالكي أنموذجا


    " الردود العلمية والمجادلات الفقهية"

    الشيخ أبو أويس مولاي رشيد الإدريسي

    القرآن الكريم مملوء بحكاية المجادلات والمحاورات والقصد من ذلك " كله تعليم من الله تعالى السؤال والجواب والمجادلة في الدين، لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل " 1.
    وعليه فرد الأقوال الضعيفة في الفقه الإسلامي خاصة لا غضاضة فيه، وهذا الذي اصطلح عليه في عرف العلماء بـ " الجدل الفقهي "، بشرط أن يكون من جنس الجدال المحمود الذي الغرض منه إظهار الصواب والحق، لا الجدال بالباطل القائم على الانتصار للنفس أو المذهب أو لأحد من الخلق..، فإن هذا الأخير كما قال الإمام مالك رحمه الله:" ينشىء المراء، ويذهب بنور العلم من القلب، ويقسي القلب، ويورث الضغن " 2.
    فالردود العلمية _ إذن _ والمجادلات الفقهية مما هو مطلوب في ساحة العلم والفقه إذا كانت من أهلها 3 لأن الخطأ وارد والزلل عارض ، " وما منا إلا راد ومردود عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام " 4، ولذا فـ " فمناظرة الأكفاء ومعاشرة النظراء تلقيح للعقول وتهذيب للنفوس، وتدريب لمآخذ الأحكام " كما قال أبو بكر الطرطوشي المالكي رحمه الله 5.
    وقد جرى العلماء على ذلك ومنهم فقهاؤنا المالكية رحمهم الله حيث تنضح كتبهم بها لا مع مخالفيهم من المذاهب الأخرى فحسب بل كذلك فيما بينهم 6 طلبا للراجح في المذهب المالكي إعمالا بما قام عليه من القواعد والتأصيل أو موافقة للحجة والدليل، فإن الجدل الفقهي الصحيح من طرائق التدقيق والتحقيق، ومن مسالك التصحيح والتنقيح.

    قال الشيخ أحمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي رحمه الله 7:

    رد الأجلا على الأجلا**** من الأبين والشيوخ دلا
    مع قبول كل واحد نبه**** له على جوازه 8 أو طلبه
    رد على مالك ابن القاسم****وابن ابن عاصم على ابن عاصم
    وابن ابن مالك على ابن مالك**** سلم النقاد كل ذلك 9
    كذا الرهوني على رسوخه**** قد أكثر الرد على شيوخه
    وذاك عندي أن حق الحق**** مقدم على حقوق الخلق

    ومن المؤلفات التي ألفت في الخلاف الفقهي داخل المذهب المالكي مع الرد والمناقشة 10 كتاب " التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة " لابن خلف الجبيري المالكي رحمه الله حيث سلك فيه منهجا دقيقا في عرضه للمسائل الفقهية المختلف فيها بين الإمام وتلميذه ببسط كل قول على حدة مع المناقشة والرد والترجيح 11.
    كما ألفت مؤلفات داخل المذهب تحمل صبغة الرد والجدل الفقهي في مسائل مفردة، ومن ذلك: " رسالة نصرة القبض والرد على من أنكر مشروعيته في صلاة النفل والفرض " للمسناوي المالكي، رد فيه على منكري القبض من المالكية.
    ووقع الاختلاف والجدال حول شروط امامة الصلاة، وحكم الصلاة خلف الإمام الذي لا يحسن القراءة، فألف عبد القادر الفاسي رحمه الله " رسالة في الإمامة وشروط من يتقلدها "، كما أجاب المسناوي في الموضوع نفسه ضمن نوازله.
    وفي مسألة إزالة شعر العانة التي وقع فيها نزاع بين إدريس العراقي الذي قال أن السنة هي الحلق، وبين عبد الرحمن المنجرة الذي ذهب إلى أن السنة هي النتف، وألف كل منهما تأليفا في تصحيح ما ذهب إليه.
    ومسألة ذكر لفظ " السيد " في التشهد التي ألف فيها عبد الرحمن المنجرة تأليفا رد فيه على محمد الكبير السرغيني الذي انتصر لهذه المسألة في جواب له عن سؤال في الموضوع.
    إضافة إلى ردود علمائنا المالكية على بعضهم أو على المشهور في المذهب في مسائل فقهية ضمن كتبهم الفقهية أو كتب التفسير أو كتب شروح الحديث، أو كما نقل ذلك عنهم أهل العلم.
    فهذا القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي مما تميز به خاصة في شرحه على الرسالة لابن أبي زيد رحمهما الله ردوده على مخالفيه والقصد منهم كل من لم يرتض القاضي قوله ولم يقتنع بدليله ولو كان من علماء مذهبه 12 من ذلك : مسألة ترك التسمية على الذبيحة عمدا، فبعد أن قرر أنها لا تؤكل على وجه الحرمة قال:" وأما من زعم من متأخري أصحابنا البغداديين أن قول مالك أنه إذا تعمد ترك التسمية أنها لا تؤكل إنما هو على طريق الكراهية والتنزيه، دون الحظر والتحريم ...إلخ" 13.
    وهذا الإمام ابن عطية الأندلسي المالكي عند تفسيره لقوله تعالى : "وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً
    قال:" وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول ، إذ الطلاق قول ، واحتج بهذه على قول النبي صلى الله عليه وسلم « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا » إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن .
    قال ابن عطية : ولا حجة في هذه الآية ، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان ، وتراخي المدة بزوال العصمة ، ... ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل ، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة" 14.
    وقال ابن العربي المالكي: " قال المالكية: ليس ذلك ـ أي الصلاة على الغائب ـ إلاَّ لمحمد صلى الله عليه وسلم ، قلنا: وما عمل به محمدٌ صلى الله عليه وسلم تعملُ به أمَّتُه؛ يعني لأنَّ الأصلَ عدم الخصوصية، قالوا: طُويت له الأرض وأُحضرت الجنازة بين يديه! قلنا: إنَّ ربَّنا عليه لقادر، وإنَّ نبيَّنا لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا إلاَّ ما رويتم، ولا تَخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدِّثوا إلاَّ بالثابتات ودَعُوا الضِّعافَ؛ فإنَّها سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف " 15.
    ومع ما للإمام ابن القاسم رحمه الله من مكانة في المذهب المالكي إلا أن مالكية الأندلس رحمهم الله عرفوا بمخالفتهم في كثير من المسائل لرأيه والرد عليه ومناقشته واختيار أقوال غيره من كبار الأئمة المالكية المعتمدة أقوالهم طلبا للصواب 16.
    ومن تم فمن الطرائق التي سلكها فقهائنا المالكية رحمهم الله لتنقيح المذهب والتصحيح مسلك الحجاج الذي يعد من أجل العلوم إذا قام على أسس ومنهاج.
    قال أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله في معرض الكلام عن هذا المسلك:" هذا العلم من أرفع العلوم قدرا وأعظمها شأنا لأنه السبيل إلى معرفة الاستدلال وتمييز الحق من المحال، ولولا صحيح الوضع في الجدال لما قامت حجة ولا اتضحت محجة، ولا علم الصحيح من السقيم ولا المعوج من المستقيم " 17.

    .............................. ..........................
    1. الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي المالكي رحمه الله 3/286.
    2. جامع بيان العلم وفضله للإمام ابن عبد البر المالكي رحمه الله 212، وفي المقام نفسه يقول ابن فرحون المالكي رحمه الله:" اعلم وفقنا الله وإياك أن المراء والجدال يورث العداوة والبغضاء ويبعث على كشف العورات والحمية " الزاهر في بيان ما يجتنب من الصغائر والكبائر 245.
    3. قال أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله:" وقد نطق الكتاب بالمنع من الجدال لمن لا علم له والحظر على من لا تحقيق عنده " المنهاج في ترتيب الحجاج 8، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي المالكي رحمه الله 4/108.
    4. قولة شهيرة عن إمامنا مالك رحمه الله، ونور الله قبره.
    5. سراج الملوك 150.
    6. هذه الردود والمجادلات من الدلائل على أن الحق لا يتعدد، وأنه ليس كل مجتهد مصيب للقول الصحيح ذاته.
    قال أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله في معرض تقريره أنه ليس كل مجتهد مصيب:" ومما يدل على ذلك إجماع السلف على صحة المناظرة" إحكام الفصول 714.
    7. نقلا عن كتاب " فتح المجيد على نظم عبد الله بن الحاج احماه الله الشنقيطي لرسالة ابن أبي زيد القيرواني " 1/116 للأمانة ولد إبراهيم.
    8. وذكر بدلها: " قبوله ".
    9. وذكر بدل هذا الشطر من البيت : " ولم يعب صاحب نقل ذلك ".
    10. لأن تمت بعض المؤلفات التي ألفت في الخلاف الفقهي داخل المذهب لم يتعرض أصحابها للمناقشة والرد والترجيح إلا نادرا، بحيث كان قصدهم من مثل هذه المصنفات حكاية مجرد الخلاف، ومن ذلك كتاب " اختلاف أقوال مالك وأصحابه " للحافظ ابن عبد البر المالكي رحمه الله.
    11. انظر كتاب " التوسط " هذا بتحقيق مصطفى باحوا ص: 6، وبتحقيق آخر للحسن حمدوش ص: 15.
    12. انظر كتاب " القاضي عبد الوهاب البغدادي ومنهجه في شرح الرسالة " لأبي فارس 423.
    13. شرح الرسالة 3/13.
    14. المحرر الوجيز 2/207.
    15. انظر الفتح 3/189، و نيل الأوطار 4/54، وعون المعبود 7/190.
    16. انظر " المدرسة المالكية الأندلسية إلى نهاية القرن الثالث الهجري: نشأة وخصائص " 301 فما بعدها لمصطفى الهروس ، من مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية.
    17. المنهاج بترتيب الحجاج 8.
    كتبت وقد أيقنت يوم كتابتـي *** بأن يدي تفنى ويبقى كتابها
    فإن كتبت خيراً ستجزى بمثلها *** وإن كتبت شراً عليَ حسابها

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    417

    افتراضي رد: مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب 2

    فوائد نفيسة بارك الله فيك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •