مقدمة
الحمد لله الذي أرسل محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، وجعل سيرته نورًا لمن أراد أن يعرف كيف يكون الإنسان عبدًا لله، وكيف يكون رحيمًا، وصادقًا، وصابرًا، وقريبًا من الناس.
أما بعد...
فقد قرأنا السيرة النبوية مرات، وسمعنا أحداثها كثيرًا، وحفظنا أسماءها ومواقفها، وعرفنا أين وُلد النبي ﷺ، ومتى بُعث، وكيف هاجر، ومتى كانت بدر وأحد والخندق، وكيف دخل مكة فاتحًا.
لكنني كلما عدت إلى السيرة شعرت أن هناك شيئًا آخر غير الأحداث.
شيئًا لا تجده في ترتيب السنوات، ولا في كثرة التواريخ، ولا في سرد الوقائع وحدها.
وجدت إنسانًا يمشي بين الناس.
يبتسم.
ويحزن.
ويفرح.
ويصبر.
ويعود إلى بيته.
ويجلس مع أصحابه.
ويحمل همَّ أمته.
ويُؤذى فيصبر.
ويُفتح له باب الانتقام فلا ينتقم.
وتأتيه الدنيا فلا تشغله عن ربه.
وهنا بدأت أفهم أن السيرة ليست كتابًا نقرأه ثم نغلقه.
السيرة حياة.
نحتاجها عندما تضيق بنا الحياة، فننظر كيف صبر.
ونحتاجها عندما نقسو، فنتذكر رحمته.
ونحتاجها عندما نختلف، فنتعلم كيف كان يعالج اختلاف الناس.
ونحتاجها عندما نخاف، فنتذكر كيف سار في طريقه وهو يعلم أن الطريق ليس سهلًا.
ونحتاجها عندما نشعر أننا وحدنا، فنفتح صفحة من سيرته، فنجد أن هذا النبي الكريم ﷺ مرَّ من الابتلاءات، وعرف الحزن، وفقد الأحبة، وأوذي، وحوصر، وخرج من بلده، ومع ذلك ظل قلبه متعلقًا بالله.
ولذلك لم أرد لهذا الكتاب أن يكون كتابًا في السيرة بالمعنى المعتاد.
لن ألاحق فيه كل حادثة، ولن أحاول أن أحشد كل ما قيل، وإنما سأقف عند بعض المواقف، وأحاول أن أراها بعين أخرى.
عين تبحث عن الإنسان في السيرة.
عن الرحمة في موقف.
وعن الصبر في موقف.
وعن الوفاء.
وعن الحب.
وعن الخوف حين يكون الإنسان بشرًا، ثم الثبات حين يكون رسولًا.
سنمشي في هذه الصفحات قليلًا مع محمد ﷺ؛ لا لنعرف ماذا حدث فقط، ولكن لنسأل أنفسنا:
ماذا يمكن أن تغيّر السيرة فينا؟
ماذا لو قرأنا موقف خديجة رضي الله عنها لا باعتباره قصة من الماضي، وإنما درسًا في الوقوف إلى جوار من نحب؟
وماذا لو قرأنا الهجرة لا باعتبارها انتقالًا من مكة إلى المدينة فقط، وإنما باعتبارها درسًا في الأخذ بالأسباب مع كامل التوكل على الله؟
وماذا لو توقفنا أمام الطائف قليلًا، وتأملنا قلبًا خرج من الألم ولم يحمل في صدره رغبة في الانتقام؟
وماذا لو دخلنا مكة يوم الفتح، ورأينا كيف يمكن للإنسان أن يملك القوة ثم يملك نفسه؟
هذه هي السيرة التي أريد أن نعيش معها.
سيرة محمد ﷺ في بيته، ومع أصحابه، ومع الضعفاء، ومع الأطفال، ومع من أحبه، وحتى مع من آذاه.
لا أريد أن أكتب عنه كلامًا كثيرًا؛ فالكلام مهما طال لا يحيط بمقامه ﷺ.
ولا أريد أن أحمّل السيرة ما لا تحتمل، أو أضع على لسانه ﷺ ما لم يقله، فمحبة رسول الله ﷺ لا تكون بالمبالغة، وإنما تكون بالصدق معه، والصدق في نقل سيرته، والصدق في اتباعه.
وسأحاول في هذه الصفحات أن أبقى قريبًا من الرواية الثابتة، فإذا ذكرت حديثًا تحريت لفظه ومعناه، وإذا نقلت موقفًا تحريت أصله، وإذا لم يثبت شيء فلن أجعل الشهرة دليلًا عليه.
فالسيرة النبوية أعظم من أن نحتاج في تجميلها إلى قصة لا تصح.
هي جميلة بذاتها.
وفيها من النور ما يغنينا عن كل زيادة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث لنا ونحن نقرأ السيرة أن نصل في نهاية الكتاب إلى شيء أبعد من المعرفة.
أن نحب.
أن نتغير.
أن نصير أرحم.
أن نقترب من سنته ﷺ لا بالكلام وحده، ولكن في أخلاقنا، وفي بيوتنا، وفي تعاملنا مع الناس.
فما أحوجنا اليوم إلى أن نقرأ السيرة لا بأعين المؤرخين وحدها، ولكن بقلوب تبحث عن الطريق.
ولهذا اخترت لها هذا الاسم:
وكان في السيرة حياة.
نعم...
كان فيها حياة.
وما زالت فيها حياة.
وكلما أقبلنا عليها بصدق، وجدنا فيها شيئًا من الحياة التي فقدناها، وشيئًا من الطريق الذي أضعناه، وشيئًا من النور الذي لا يزال ممتدًا من المدينة إلى قلوبنا.
فلنبدأ الحكاية...
لا حكاية رجل عاش ثم مضى.
بل حكاية نبي كريم ﷺ، ترك في الأرض أثرًا لم تستطع السنون أن تمحوه، ولا استطاعت المسافات أن تبعده عن القلوب.
صلّى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



رد مع اقتباس
