تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 25 من 25

الموضوع: وكان في السيرة حياة

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    679

    افتراضي رد: وكان في السيرة حياة

    كان يعرف متى يصمت

    ليس كل كلام يحتاج إلى جواب.

    وليس كل خطأ يحتاج إلى تعليق.

    وليس كل موقف يحتاج إلى كلمة.

    وكان سيدنا محمد ﷺ يعرف قيمة الصمت.

    ليس صمت العاجز...

    بل صمت من يملك الكلام، ثم يختار ألا يقوله.

    وهذا أصعب.

    فالإنسان قد يستطيع أن يرد.

    وقد يكون عنده ما يقوله.

    وقد يجد في نفسه رغبة شديدة في أن يثبت أنه على حق.

    لكن الحكمة أحيانًا...

    أن تسكت.

    والسيرة مليئة بمواقف يظهر فيها هذا المعنى.

    كان ﷺ لا يجعل كل شيء معركة.

    ولا يحول كل كلمة إلى قضية.

    وكان إذا كره شيئًا ظهر ذلك على وجهه، ولم يكن يكثر من التجريح أو التعيير.

    وهذا أدب نفتقده كثيرًا.

    نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يرد على الجميع.

    رسالة تجر رسالة.

    وكلمة تستدعي عشر كلمات.

    وموقف صغير يتحول إلى خصومة طويلة.

    ثم يقول:

    أنا فقط أدافع عن نفسي!

    لكن هل كل دفاع يحتاج إلى كلام؟

    هل كل إساءة تستحق أن تحملها معك إلى الغد؟

    هل كل شخص يستحق أن تمنحه من أعصابك ووقتك؟

    أحيانًا...

    أقوى جواب هو ألا تدخل المعركة أصلًا.

    ليس لأنك ضعيف.

    بل لأنك تعرف أن وقتك أغلى.

    وقلبك أغلى.

    وعلاقتك بالله أغلى.

    الصمت لا يعني دائمًا الرضا.

    وقد لا يعني الضعف.

    أحيانًا يعني:

    أنا أستطيع أن أقول الكثير...

    لكنني اخترت ما هو أفضل.

    وهذه تربية عظيمة.

    علّم نفسك أن تتوقف قبل الرد.

    إذا غضبت...

    انتظر.

    إذا استفزك أحد...

    اهدأ.

    إذا جاءتك رسالة أغضبتك...

    لا تجب فورًا.

    إذا شعرت أن كلمة ستفتح بابًا طويلًا من الخصومة...

    فكر.

    ربما كان السكوت في هذه اللحظة عبادة لا يعرف قدرها إلا الله.

    وليس معنى هذا أن نسكت عن الحق.

    لا.

    هناك مواضع يجب فيها البيان.

    لكن الحكيم يعرف الفرق بين **الكلمة التي تصلح** والكلمة التي تشعل.

    وهنا يظهر جمال الاقتداء.

    أن يكون لسانك تحت سلطان عقلك وإيمانك.

    لا تحت سلطان غضبك.

    كم من كلمة قلناها في دقيقة...

    ثم تمنينا لو استطعنا أن نعيد الزمن دقيقة واحدة.

    وكم من خصومة بدأت بكلمة:

    «أنا سأرد عليه فقط».

    ثم مرت سنوات...

    والخصومة ما زالت.

    السيرة تعلمنا أن ليس كل باب ينبغي أن ندخله.

    وليس كل صوت ينبغي أن نجيبه.

    وليس كل شخص ينبغي أن نثبت له شيئًا.

    أحيانًا...

    تكون الحكمة أن تقول لنفسك:

    اتركها لله.

    ثم تمضي.

    وكان في السيرة حياة.

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    679

    افتراضي رد: وكان في السيرة حياة

    حين قال: «لا تسبوا الأموات»

    هناك أشخاص نختلف معهم.

    ونغضب منهم.

    وقد يسيئون إلينا.

    لكن ماذا نفعل بعد موتهم؟

    هل نواصل الخصومة معهم وهم تحت التراب؟

    كان من هدي سيدنا محمد ﷺ أن يعلّم الناس ضبط ألسنتهم.

    فقال:

    «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا».

    كلمات قليلة...

    لكنها تربي الإنسان على شيء عظيم:

    أن بعض المعارك تنتهي بالموت.

    لا حاجة أن تواصلها.

    لا حاجة أن تبحث عن آخر كلمة.

    ولا أن تنتظر فرصة لتقول:

    لقد كنت أكره هذا الرجل.

    لقد كان سيئًا.

    لقد فعل وفعل.

    انتهى.

    ذهب إلى ربه.

    وأنت باقٍ مع لسانك.

    وهنا تظهر أخلاق الإنسان.

    فمن السهل أن تسيء إلى شخص لا يستطيع الرد.

    لكن القوة الحقيقية أن تضبط نفسك حين تستطيع الكلام.

    وليس معنى الحديث أن الإنسان لا يحكم على الأعمال أو يبين الحقائق.

    لكن السب والشتم شيء آخر.

    يمكنك أن تقول:

    هذا خطأ.

    وهذا باطل.

    وهذا الفعل مرفوض.

    دون أن تجعل لسانك أداة للانتقام.

    وهذا خلق نحتاجه بشدة اليوم.

    فالكلمات لا تموت بسهولة.

    قد يموت صاحبها...

    وتبقى كلماته في الناس.

    وقد تتحول الخصومة القديمة إلى حديث تتناقله الأجيال.

    لماذا؟

    لأن أحدًا لم يعرف متى يتوقف.

    السيرة تعلمنا التوقف.

    تعلمنا أن الإنسان ليس مطالبًا بأن ينتصر في كل شيء.

    أحيانًا يكون الانتصار الحقيقي:

    أن تحفظ لسانك.

    وأن تترك الميت لربه.

    وأن تقول:

    كان بيننا ما كان...

    وقد انتهى.

    وهذا يريح القلب أيضًا.

    لأن الإنسان الذي يحمل خصومات الموتى معه...

    يحمل أثقالًا لا يحتاج إليها.

    اترك بعض الأشياء خلفك.

    لا لأن الآخرين دائمًا يستحقون العفو...

    بل لأن قلبك يستحق الراحة.

    وإذا كان الميت قد ذهب إلى الله...

    فلا تجعل لسانك يحمل معك خصومة لا تنفعك.

    وكان في السيرة حياة.

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    679

    افتراضي رد: وكان في السيرة حياة

    حين دخل مكة منتصرًا

    هناك لحظات تكشف الإنسان.

    ومن أصعب لحظات الاختبار...

    أن تنتصر على من ظلمك.

    حين يصبح الذين آذوك بين يديك.

    وحين تستطيع أن تفعل بهم ما فعلوا بك.

    هنا يظهر القلب.

    دخل سيدنا محمد ﷺ مكة.

    المدينة التي أُخرج منها.

    والبلد الذي عانى فيه سنوات.

    والقوم الذين آذوه وحاربوه.

    عاد إليها اليوم...

    منتصرًا.

    لكن انتصاره لم يحوله إلى إنسان آخر.

    لم يدخلها متكبرًا.

    ولم يدخلها طالبًا للانتقام الشخصي.

    بل دخلها خاضعًا لله.

    وهذه صورة من أعظم صور النصر.

    أن تنتصر...

    ولا تفسدك القدرة.

    فالإنسان قد يكون ضعيفًا فيعفو لأنه لا يستطيع.

    لكن ماذا يفعل حين يستطيع؟

    هنا السؤال.

    هل تستطيع أن تنتقم...

    ثم تختار العفو؟

    هل تستطيع أن تفضح...

    ثم تستر؟

    هل تستطيع أن ترد الألم...

    ثم تقول:

    يكفيني أن الله أكرمني بالنصر؟

    هذا هو الاختبار الحقيقي.

    ولذلك فإن أعظم ما في فتح مكة ليس أن المسلمين دخلوا مكة فقط.

    بل أن القوة حين وصلت إلى أيديهم...

    لم تتحول إلى ظلم.

    وهذا درس لنا في كل شيء.

    في البيت.

    في العمل.

    في الخصومة.

    في الخلاف.

    قد يأتي يوم يصبح فيه الشخص الذي ظلمك محتاجًا إليك.

    وقد يأتي يوم تصبح فيه أنت صاحب القرار.

    عندها لا تسأل فقط:

    ماذا أستطيع أن أفعل؟

    اسأل:

    ماذا يرضي الله أن أفعل؟

    هذه هي النقلة التي تصنع الإنسان.

    أن تتغير قدرتك...

    ولا تتغير أخلاقك.

    أن يصبح بإمكانك أن تؤذي...

    ولا تؤذي.

    أن تستطيع أن تنتقم...

    ولا تجعل الانتقام هو غايتك.

    فالقوة ليست أن تجعل الناس يخافون منك.

    القوة أن تستطيع أن تظلم...

    ثم تختار العدل.

    أن تستطيع أن تنتقم...

    ثم تختار ما هو أفضل.

    أن تنتصر على خصمك...

    دون أن تخسر نفسك.

    وهذه من أجمل رسائل السيرة:

    لا تجعل انتصارك يهزم أخلاقك.

    فقد ينتصر الإنسان في المعركة...

    ثم يخسر قلبه.

    وقد يخسر شيئًا من حقه...

    لكنه يربح نفسه.

    ولذلك حين نقرأ فتح مكة، لا نقرأ قصة انتصار عسكري فقط.

    نقرأ درسًا في أخلاق القوة.

    فالضعف قد يمنعك من الظلم.

    أما القدرة...

    فهي التي تكشف هل كنت عادلًا حقًا.

    وهنا...

    كانت السيرة حياة.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    679

    افتراضي رد: وكان في السيرة حياة

    الناهية

    ليست كل كلمة «لا» قسوة.

    أحيانًا تكون «لا» رحمة، وأحيانًا تكون حماية، وأحيانًا تكون بابًا من أبواب التربية.

    والذي يتأمل سيرة سيدنا محمد ﷺ يجد أنه لم يكن يترك الخطأ يمرّ لمجرد أنه لا يريد أن يزعج صاحبه، كما أنه لم يكن يجعل النهي عن الخطأ مناسبة لإهانة المخطئ.

    كان يقول: لا حين ينبغي أن يقال: لا.

    لكن انظر كيف كان يقولها.

    كان النهي عنده يحمل معه معنى آخر: أنني أريد لك الخير.

    ولهذا لم تكن كلماته الناهية مجرد أوامر تُلقى، وإنما كانت تربية تُبنى.

    كان يقول لأصحابه: «لا تغضب»

    كلمتان فقط.

    ولم يحتج إلى خطبة طويلة؛ لأن بعض النفوس لا تحتاج إلى كثرة الكلام، وإنما تحتاج إلى كلمة تصيب موضع الداء.

    وكان يقول: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا».

    فهو لا ينهى عن ظاهر السلوك فقط، وإنما ينظف ما وراء السلوك أيضًا.

    لا تحاسدوا؛ لأن القلب إذا امتلأ بالحسد أفسد على صاحبه حياته.

    ولا تباغضوا؛ لأن البغضاء إذا استقرت في القلوب قطعت ما بين الناس.

    ولا تدابروا؛ لأن بعض الخصومات تبدأ بكلمة، ثم تنتهي إلى قطيعة طويلة.

    وهنا تظهر عظمة التربية النبوية:

    لم يكن سيدنا محمد ﷺ يريد إنسانًا يعرف الحلال والحرام فقط، بل كان يريد إنسانًا يصلح قلبه، ويصلح أثره في الناس.

    ومن أجمل ما في النهي النبوي أنه لم يكن دائمًا يبدأ بالمنع.

    كان أحيانًا يفتح الطريق أولًا، ثم يضع الحاجز.

    فعندما جاء الرجل الذي بال في المسجد، لم يجعل المسجد ساحة صراخ، ولم يترك الناس ينهالون عليه.

    بل وجّه أصحابه إلى معالجة الموقف بحكمة، ثم بيّن للرجل حرمة المسجد وطريقة تطهيره.

    المخطئ تعلّم.

    والمسجد بقي محترمًا.

    والرجل لم يتحول إلى عدو للدين.

    وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا:

    ليس النجاح في أن تمنع الخطأ فقط، وإنما أن تمنعه بأقل خسائر ممكنة.

    فكم من إنسان انتصر في معركة تصحيح خطأ، لكنه خسر قلب صاحبه!

    وكم من كلمة قيلت باسم الغيرة على الدين، جعلت إنسانًا يبتعد عن الدين!

    النبي ﷺ كان يعرف الفرق.


    وكان من هديه أيضًا أن يختار في النهي العبارة التي تصلح ولا تفضح.

    فليس كل خطأ يحتاج إلى إعلان اسم صاحبه.

    وليس كل نصح يحتاج إلى جمهور.

    ولهذا كان من هديه في معالجة بعض الأخطاء أن يقول:

    «ما بال أقوام...»

    فيصحح الفعل، ويحفظ للإنسان ماء وجهه.

    وهذا أدب كبير نفتقده كثيرًا.

    فنحن أحيانًا لا يكفينا أن نصحح الخطأ؛ نريد أن يعرف الجميع من الذي أخطأ.

    ولا يكفينا أن ننصح؛ نريد أن ننتصر.

    ولا يكفينا أن يتغير الشخص؛ نريد أن يشعر بأنه انهزم أمامنا.

    أما التربية النبوية فشيء آخر.

    هي أن تخرج من الموقف وقد صلح الخطأ، وبقي الإنسان.


    والناهية في السيرة ليست امرأةً أو موقفًا واحدًا؛ إنها مدرسة في كلمة «لا».

    تعلمنا أن النهي ليس تفريغًا للغضب.

    وأن الغيرة على الحق لا تعني سوء الخلق.

    وأن الإنسان قد يكون شديدًا في الحق، لكنه رحيم بالخلق.

    وأن الحكمة ليست أن تسكت عن الخطأ دائمًا، كما أنها ليست أن تصرخ في وجه كل مخطئ.

    الحكمة أن تعرف:

    متى تمنع؟

    وكيف تمنع؟

    وماذا تقول بعد أن تمنع؟

    وماذا تفعل بقلب من أمامك؟

    ولعل أجمل ما نتعلمه أن سيدنا محمدًا ﷺ لم يكن يخاف على الحق من الأسلوب الهادئ.

    كان الحق عنده قويًا بذاته.

    لذلك لم يكن بحاجة إلى أن يضيف إليه قسوة من عنده.

    كان يقول «لا» عندما تكون «لا» هي الرحمة.

    وكان ينهى، لكنه لم يكن يكره المخطئ.

    وكان يصحح، لكنه لم يكن يستمتع بانكسار أحد.

    وهنا الفرق بين من يريد إصلاح الناس، ومن يريد الانتصار عليهم.

    الأول يبحث عن لحظة يعود فيها الإنسان إلى الصواب.

    والثاني يبحث عن لحظة يشعر فيها أنه كان على حق.

    والسيرة تقول لنا بوضوح:


    إذا اضطررت أن تقول «لا»، فقلها كما كان يقولها رسول الله ﷺ: لا تجعلها بابًا لإذلال إنسان، بل اجعلها بابًا لإعادته إلى الطريق.

    فرب «لا» أغلقت باب شر، وفتحت في المقابل باب نجاة.

    ورب نهيٍ قيل برحمة، كان سببًا في أن يبقى الإنسان قريبًا من الخير.

    وهكذا كانت «لا» في فم النبي ﷺ...

    ليست جدارًا في وجه الناس.

    بل كانت في كثير من الأحيان سياجًا يحميهم من السقوط.


    وكان في السيرة حياة.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    679

    افتراضي رد: وكان في السيرة حياة

    الخاتمة

    وصايا لمن أراد أن تكون له في السيرة حياة

    وصلنا إلى آخر الطريق، لكن السيرة لا تنتهي عند آخر صفحة.

    فالسيرة ليست كتابًا نغلقه، ولا أحداثًا نعرفها ثم نمضي؛ إنها حياةٌ إذا دخلت القلب غيّرت شيئًا فيه.

    قرأنا مواقف كثيرة، وتوقفنا عند تفاصيل ربما مررنا بها من قبل، لكن المقصود لم يكن أن نعرف أكثر فقط، وإنما أن نكون أفضل.

    ولهذا لا أريد أن أختم بكلام طويل، وإنما بوصايا قليلة، لعلها تبقى بعد أن تغيب الصفحات.


    الوصية الأولى: لا تجعل معرفتك بالسيرة أكبر من أثَرها عليك

    ليس المهم أن تعرف متى وقع الموقف، ومن كان حاضرًا فيه، وما تفاصيله فقط.

    المهم: ماذا صنع هذا الموقف بك؟

    إن قرأت عن رحمته ثم قسوت، وعن حلمه ثم أسرعت إلى الغضب، وعن تواضعه ثم أحببت أن يراك الناس فوقهم، فقد عرفت القصة ولم تدخل السيرة.

    السيرة لا تريد منك ذاكرةً تحفظ فقط، وإنما قلبًا يتغير.

    الوصية الثانية: اجعل لك خُلُقًا واحدًا تعمل عليه

    لا تحاول أن تخرج من هذا الكتاب وقد أصبحت إنسانًا كاملًا.

    اختر شيئًا واحدًا.

    اضبط لسانك.

    أو ارحم من تحت يدك.

    أو اصبر عند الغضب.

    أو أحسن إلى أهلك.

    أو اترك تتبع عيوب الناس.

    ثم خذ هذا الخُلُق معك إلى حياتك.

    فرب خلق واحد صدق فيه العبد، فتح الله له به أبوابًا لم تخطر له على بال.


    الوصية الثالثة: لا تنتظر المواقف الكبيرة لتفعل الخير

    أغلب الخير الذي نستطيع فعله ليس بطوليًا.

    ابتسامة.

    كلمة طيبة.

    ستر عيب.

    مساعدة محتاج.

    تفقد غائب.

    صبر على كبير.

    رحمة بصغير.

    ترك كلمة كنت تستطيع أن تؤذي بها إنسانًا.

    لا تحتقر هذه الأشياء.

    فالحياة التي عاشها النبي ﷺ لم تكن كلها مواقف عظيمة يراها الناس؛ كان فيها بيت، وطريق، ومسجد، وصاحب، وطفل، وفقير، وسائل، ومخطئ.

    وهناك تظهر الأخلاق الحقيقية.

    الوصية الرابعة: لا تجعل محبتك للنبي ﷺ كلامًا فقط

    نحن جميعًا نقول: نحب رسول الله ﷺ.

    ولكن المحبة لها ثمن.

    أن تحب سنته حين تخالف هواك.

    أن تحب خُلقه حين يكون الانتقام أسهل.

    أن تحب رحمته حين يكون الغضب أقرب إلى نفسك.

    أن تحب صدقه حين تكون المصلحة في غيره.

    المحبة الحقيقية ليست أن تكثر من الحديث عنها، وإنما أن ترى أثرها في اختياراتك.


    الوصية الخامسة: إذا أخطأت، فلا تهرب من الطريق

    قد تقرأ السيرة وتشعر أنك بعيد.

    لا تيأس.

    أنت لست مطالبًا بأن تصبح في يوم وليلة كما تريد.

    ابدأ.

    وإذا وقعت فقم.

    وإذا قصرت فاستغفر.

    وإذا ضعفت فعد.

    ولا تقل: أنا لا أصلح.

    فمن أعظم الخسائر أن يحوّل الإنسان خطأه إلى هوية، فيقول: هكذا أنا، ولن أتغير.

    لا.

    يمكنك أن تتغير.

    ويمكن لقلبك أن يبدأ من جديد.


    الوصية السادسة: لا تفسد قلبك بما لا يستحق

    ستختلف مع الناس.

    سيؤلمك بعضهم.

    وقد يظلمك آخرون.

    لكن لا تحمل كل شيء معك إلى قبرك.

    اترك لله ما لا تستطيع إصلاحه.

    واعفُ حين يكون العفو خيرًا.

    واصمت حين يكون الكلام نارًا.

    ولا تجعل موقفًا واحدًا من إنسان يمحو كل خير عرفته عنه.

    العمر أقصر من أن نقضيه في جمع الخصومات.


    الوصية السابعة: اجعل بينك وبين النبي ﷺ صلة يومية

    لا تجعل السيرة موسمًا.

    اقرأ كل يوم شيئًا، ولو قليلًا.

    صلِّ عليه ﷺ.

    تعلم سنة.

    اعمل بخلق.

    اقرأ موقفًا.

    واسأل نفسك قبل أن تنام:

    ماذا فعلت اليوم مما يحبّه رسول الله ﷺ؟

    هذا السؤال وحده قد يغيّر يومًا كاملًا.


    الوصية الثامنة: علّم السيرة لمن بعدك بالحياة لا بالمواعظ وحدها

    احكِ لأبنائك موقفًا.

    قل لهم كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع الصغير.

    حدثهم عن رحمته.

    عن صدقه.

    عن وفائه.

    عن شجاعته.

    لكن لا تجعل السيرة مادة للحفظ فقط.

    اجعلها شيئًا يرونه فيك.

    فقد ينسى الطفل كثيرًا مما قلته له، لكنه لن ينسى أبًا رأى فيه أثر ما يتحدث عنه.



    الوصية الأخيرة: إذا انتهى الكتاب، فلا تنتهِ أنت

    ضع الكتاب جانبًا.

    ثم ابدأ.

    ابدأ بصلاةٍ تحافظ عليها أكثر.

    بخلقٍ تصلحه.

    بإنسانٍ تصل إليه.

    بخصومةٍ تنهيها.

    بذنبٍ تتركه.

    بصلة رحمٍ تعيدها.

    بخيرٍ صغير لا يراك فيه أحد.

    فهناك تبدأ السيرة من جديد.

    ليس في الورق...

    بل فيك.

    ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد آخر سطر:

    إذا كان سيدنا محمد ﷺ قد ترك لنا من سيرته هذا النور كله، فماذا سيبقى من سيرته في حياتي أنا؟

    لا نريد أن نقول بعد اليوم: قرأت عن النبي ﷺ.

    نريد أن نستطيع أن نقول:

    قرأت سيرته، فصار في أخلاقي شيءٌ منها.

    وهذا هو الفوز الحقيقي.

    أن تصبح السيرة طريقًا لا ذكرى.

    وأن يتحول الإعجاب إلى اتباع.

    وأن تتحول المعرفة إلى عمل.

    وأن يتحول الحب إلى حياة.

    فإذا أغلقت هذا الكتاب اليوم، فلا تغلق معه قلبك.

    خذ معك موقفًا.

    وخلقًا.

    ووعدًا.

    ثم امضِ.

    فالسيرة لم تُكتب لنقف عندها طويلًا...

    وإنما كُتبت لنسير على هداها.

    وهكذا ينتهي الكتاب...

    لكن لا ينبغي أن تنتهي الرحلة.

    فما دام في القلب حبٌّ لرسول الله ﷺ، وما دامت في النفس رغبةٌ في الاقتداء به، فهناك دائمًا صفحة جديدة يمكن أن تبدأ.

    وكان في السيرة حياة.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •