*حين أصبح القرآن آخر الخيارات*

وقفة مع علاقتنا بالعلوم الشرعية ومعايير من يتصدر لفهمها

قبل أن أبدأ، أحب أن أوضح أمرًا مهمًا:

هذا المقال لا يستهدف أشخاصًا بأعينهم، ولا يقصد الانتقاص من طلاب العلوم الشرعية، ولا السخرية من أحد، فاختلاف الناس في القدرات أمر فطري لا يعيب الإنسان ولا ينقص من قدره.

لكن الحديث هنا عن قضية أخرى تمامًا:

هل يصح أن نتعامل مع فهم كتاب الله وكأنه من أقل العلوم احتياجًا إلى القدرة على الفهم والتحليل؟

لا شك أن القرآن – كلام الله – يفترض أن يلقى منا أعلى درجات الاهتمام: قراءةً، وفهمًا، وتدبرًا، وبحثًا دقيقًا في مراد الله؛ لأن الكلام في كلام الله ليس كالكلام في غيره.

لكن الواقع الذي نعيشه اليوم يدفع إلى سؤال مزعج:

إذا كنا نؤمن أن فهم النصوص الشرعية من أعظم المهام وأخطرها… فلماذا لا نتعامل معها على هذا الأساس؟

دعونا نبدأ من مكان يبدو بعيدًا عن الموضوع.

لماذا أصلًا يُطلب من الطالب أن يحل مسائل الرياضيات؟

هل المقصود أن يعرف الجواب فقط؟

لو كان الأمر كذلك لكفت آلة حاسبة.

الحقيقة أن المسألة ليست أرقامًا.

حين يُطلب من الطالب حل مسألة، فالمقصود اختبار أمور أعمق:

هل يفهم المعطيات؟

هل يربط بينها؟

هل يكتشف الخطأ؟

هل ينتقل من القاعدة إلى التطبيق؟

هل يستطيع التعامل مع مسألة لم يرها من قبل؟

ولهذا السبب قد يحفظ طالبان القانون نفسه، لكن أحدهما إذا تغير السؤال استطاع أن يتعامل معه، والآخر يتوقف.

فالاختبارات – مهما كانت ناقصة – ليست مجرد قياس للحفظ، بل محاولة لقياس جانب من القدرة على الفهم والاستيعاب والتعامل مع المشكلات.

وهنا قد يعترض معترض ويقول: ما علاقة هذا كله بالقرآن؟

والجواب أن القرآن نفسه لا يتعامل مع الفهم على أنه أمر ثانوي.

تأمل قوله تعالى:

*﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾* [العنكبوت: 43].

فالآية لم تقل: وما يقرؤها إلا العالمون.

ولم تقل: وما يحفظها إلا العالمون.

بل قالت:

*﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾*

وكأن القرآن يلفت النظر إلى أن إدراك المعاني العميقة وفهم المقاصد ليس أمرًا تلقائيًا، وإنما يحتاج أهل علم وعقل ونظر.

بل انظر إلى قوله تعالى في قصة داود وسليمان:

*﴿فَفَهَّمْنَاه َا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾* [الأنبياء: 79].

وهذه آية تستحق التأمل طويلًا.

فكلاهما نبي، وكلاهما أوتي علمًا وحكمًا، ومع ذلك خُصَّ سليمان في تلك الواقعة بالفهم.

وكأن القرآن يقرر أن الناس – حتى داخل دائرة أهل العلم – يتفاوتون في قوة الفهم وحسن النظر.

وهذا ليس انتقاصًا من أحد، بل تقرير لسنة من سنن الله في خلقه.

لكن إذا كان القرآن نفسه يقرر تفاوت الناس في الفهم، ويجعل إدراك المعاني منزلة فوق مجرد السماع والحفظ…

فالسؤال الذي يفرض نفسه هو:

إذا كان الإنسان يجد صعوبة أصلًا في التعامل مع مسائل تتطلب قدرًا من التحليل والاستنباط…

فكيف نتوقع منه أن يتعامل مع نصوص تتداخل فيها اللغة والسياق، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والجمع بين الأدلة، والترجيح بين الأقوال، وفهم الواقع، ثم تنزيل الحكم عليه؟

*هل فهم القرآن أقل احتياجًا للعقل من فهم الرياضيات؟*