﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 7]:
عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: "كُنَّا نَعُدُّ المَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عارِيَّةَ الدَّلْوِ وَالقِدْرِ"؛ صحيح أبي داود، والعاريَّةُ: هي الإعارة.
وقال البخاري: "قَالَ بَعْضُ العَرَبِ: المَاعُونُ: المَاءُ"، وفي الذين يمنعون الماء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجلٌ حلَفَ على سلعةٍ لقد أَعطى بها أكثر مما أَعطى وهو كاذبٌ، ورجل حلَف على يمينٍ كاذبة بعد العصر ليقتطعَ بها مالَ رجلٍ مسلم، ورجل منع فضلَ ماءٍ، فيقول الله: اليوم أمنعُك فضلي كما منَعتَ فضل ما لم تعمل يداك))؛ متفق عليه.
ويدخل في الماعون ما كان المسلمون فيه شركاءَ؛ كالكلأ والنار، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون شركاءُ في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار))؛ صحيح أبي داود.
فمَن منع إعارة الدلو والقِدر، ومنع عن غيره الماء والنار والكلأ لشدة حرصه - كان لِما هو أكثر من ذلك أمنَعَ؛ لهذا فقد صحَّ عن عكرمة عند البخاري أنه قال عن الماعون: "أَعْلاهَا الزَّكَاةُ المَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ المَتَاعِ".
فإذا احتاج الجيران أو الإخوان إلى كتب، أو أدوات عمل، أو آلات طبخ، أو إذا احتاجوا إلى دلو يستقُون به، أو قِدْر يطبخون فيه، أو فأس يَحفِرون بها، فعلى المسلم أن يبذل ذلك مجانًا، وإلا كان مِن الذين يمنعون الماعون، وسيتعلق به هؤلاء يوم الدين؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لقد أتى علينا زمانٌ وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدينار والدرهم أحبُّ إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((كم من جارٍ متعلِّق بجاره يوم القيامة يقول: يا ربِّ، سَلْ هذا لِمَ أَغْلَق بابه دوني ومنعني فضله))؛ صحيح الأدب المفرد.
ولعل وجه تخصيص دعِّ اليتيم وعدم إطعام المسكين ومنع الماعون بالذِّكر في هذه السورة - أنَّ أقبح شيء في الطباع هو قسوة القلب والبخل، وأقبحُ شيء في العقائد هو التكذيب، وأقبح شيء في العبادات هو ترك الصلاة والرِّياء، وبشاراتُ القرآن والسُّنة تجتمعُ في ثلاثة أصول: إيمان، وتقوى، وعمل خالص لله تعالى على موافقة السُّنة، وضدها تجتمع في ثلاثة أصول: تكذيب، وفجور، ورياء، قد جمعَتْها كلَّها هذه السورةُ مع قِصَرِها، فليأتِ المُكذِّبون بسورة مثلها، وليَدْعُوا من استطاعوا مِن دون الله إن كانوا صادقين.
شبكة الالوكة